← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

رأى رسول الله ﷺ يصلي على حمار وهو راكب إلى خيبر، والقبلة خلفه (١). تنبيه: لا تُصَلَّى المكتوبة على راحلة إلا لضرورة؛ كما في حديث يعلى بن مرة: أن النبي ﷺ انتهى إلى مَضِيقٍ هو وأصحابهُ، وهو على راحلته، والسماءُ من فوقهم، والبِلَّة من أسفلَ منهم، فحضرت الصلاةُ، فأمر المؤذن، فأذن، وأقام، ثم تقدم رسولُ الله ﷺ على راحلته، فصلى بهم يومىء إيماءً، يجعلُ السجودَ أخفضَ من الركوع. رواه الإمام أحمد، والترمذي (٢). قال في "منتقى الأحكام": إنما تنبت الرخصةُ إذا كان الضررُ بذلك بيِّنًا، فأما اليسير، فلا (٣). ففي حديث أبي سعيد الخدري ﵁: رأيت رسول الله ﷺ يسجدُ في الماء والطين، حتى رأيتُ أثرَ الطين في جبهته. متفق عليه (٤). * * *

стр. 877

باب الصفوف أي: أحكامُها؛ من تسويتها، وعدمِ تقدُّم المأموم على الإمام، وموقف الرجل مع الرجل، وموقف المرأة، وغير ذلك. وذكر في هذا الباب أربعة أحاديث.

стр. 878

الحديث الأول عَنْ أَنَسِ بْنِ ماِلكٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "سَوُّوا صُفُوفَكُمْ؛ فَإنَّ تَسْوِيَةَ الصفِّ مِنْ تَمَامِ الصَّلاَةِ" (١). (عن أنس بن مالك ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : سووا)؛ أي: اعتدلوا على سمتٍ واحد عندَ الشروع في الصلاة (صفوفَكم) جمعُ صفّ، وهو وقوفُ الاثنين فأكثر متحاذِيَيْنِ معتدِلَيْنِ؛ (فإن تسوية

стр. 879

الصف) في الصلاة، سواءٌ كانت فريضة أو نفلًا (من تمام الصلاة). وفي لفظ البخاري: "من إقامة الصلاة" (١). وقد استدل به ابنُ حزم على وجوب تسوية الصف. قال: لأن إقامة الصلاة واجبة، وكل شيء من الواجب واجب (٢). ولا يخفى ما فيه، ولا سيما وأشهر لفظين عن الرواة الأول، يؤيده حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "أَحْسِنوا إقامةَ الصفوفِ في الصلاة" رواه الإمام أحمد، ورواته رواة الصحيح (٣). وفي "الصحيحين"، من حديث أنس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "أَقيموا الصفَّ في الصلاة؛ فإن إقامةَ الصفِّ من حُسْنِ الصلاة" (٤)، فهذا يرشد إلى أن التسوية سنة؛ لأن حسن الشيء زيادةٌ لا على تمامه. وقال ابن دقيق العيد: يؤخَذ من قوله: "تمام الصلاة": الاستحبابُ؛ لأن تمامَ الشيء في العرف أمرٌ زائد على حقيقته التي لا يُسَمَّى إلا بها، وإن كان يطلق بحسب الوضع على بعض ما لا تتمُّ الحقيقة إلا به، كذا قال (٥).

стр. 880

واستبعد في "الفتح" هذا المأخذَ؛ لأن لفظ الشارع لا يُحمل إلا على ما دلَّ عليه الوضع في اللسان العربي، وإنما يحمل على العرف إذا ثبت أنه عرف الشارع، لا العرف الحادث (١). * * *

стр. 881

الحديث الثاني عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ، أَوْ لِيُخَالِفَنَّ اللهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ" (١). ولِمُسْلِمٍ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُسَوِّي صُفُوفَنَا، حَتَّى كأَنَّمَا يُسَوِّي بها القِدَاحَ، حَتَّى رَأَى أَنْ قَدْ عَقَلْنَا، ثُمَّ خَرَجَ يَوْمًا، فَقَامَ حَتَّى كَادَ أَنْ يُكَبِّرَ؛ فَرَأى رَجُلًا بَادِيًا صَدْرُهُ؛ فَقَالَ: "عِبادَ اللهِ! لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ، أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ" (٢).

стр. 882

(عن النعمانِ بنِ بَشيرٍ) -بفتح الموحدة وكسر الشين المعجمة - بنِ سعدِ بنِ ثعلبة الخزرجيِّ الأنصاريِّ (﵁)، يكنى: أبا عبد الله، وهو أولُ مولود وُلد للأنصار من المسلمين بعد الهجرة، وهو وأبوه صحابيان، وأمه عَمْرَةُ بنت رواحة. قيل: مات النبي ﷺ وللنعمان ثمان سنين؛ لأن مولده في الثانية من الهجرة على رأس أربعةَ عشرَ شهرًا منها، كما قاله النووي، وقد صححوا سماعَه من النبي ﷺ . قُتل ﵁ بالشام، بقرية من قرى حِمْصَ، في ذي الحجة سنة أربع وستين، وكان قد استعمله معاوية على حمص، ثم على الكوفة، واستعمله عليها يزيدُ بنُ معاوية. وقال ابن الأثير: إنه حين كان واليًا بحمصَ بعدَ الكوفة، دعا لعبد الله بن الزبير ﵄، فطلبه أهلُ حمص، فقتلوه بمَرْجِ راهِطٍ. رُوي له عن رسول الله ﷺ مئةٌ وأربعةَ عشرَ حديثًا، اتفقا على خمسة، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بأربعة (١).

стр. 883

(قال) النعمانُ بنُ بَشير ﵁: (سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: لتسون) -بضم التاء وفتح السين المهملة وتشديد الواو المضمومة فنون توكيد مشددة-، وللكشميهني (١): "لتسوُّونَ"-بواوين-. قال البيضاوي: هذه اللام التي يُتلقى بها القسم (٢). (صفوفكم) بمحاذاة المناكب والأكعب، وإن لم تتحاذ أطرافُ الأصابع. (أو لَيُخالفنَّ الله بينَ وجوهكم)؛ أي: إن لم تُسَوُّوا. وكما أن المراد بتسوية الصف: اعتدالُ القائمين به على سمت واحد، يراد بها أيضاً: سدُّ الخَلَل الذي في الصف (٣). ففي أبو داود، من حديث أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "رُضُوا صُفوفَكُم، وقارِبوا بينَها، وحاذوا بالأعناقِ، فوالذي نَفْسي بيده! إني لأرى الشيطان يدخل من خَلَل الصف، كأنها الحَذَفُ". ورواه النسائي، وابن خزيمة، وابن حبان في "صحيحيهما"، نحو رواية أبي داود (٤).

стр. 884

والخَلَلُ -بفتح الخاء المعجمة واللام أيضاً-: هو ما يكون بين الاثنين من الاتساع عند عدم التراصّ. والحَذَف -بفتح الحاء المهملة والذال المعجمة مفتوحتين وبعدهما فاء -يعني: أولاد الضأن الصغار (١). واختلف في الوعيد المذكور، فقيل: على حقيقته، والمراد: تشويهُ الوجوه؛ بتحويلِ خَلْقِه عن وضعه، بجعله موضعَ القفا، أو نحو ذلك، فهو نظيرُ الوعيد فيمن رفع رأسه قبل الإمام "أن يجعلَ اللهُ رأسَه رأسَ حمارٍ" (٢) -كما يأتي- (٣). وحكمةُ ذلك: أنهم لما اختلفوا عن سَمْت الاعتدال، حول خلقتهم إلى التسوية، فكان الجزاء من جنس الفعل (٤). وقال ابن دقيق العيد: قوله: "أو لَيُخالِفَنَّ [اللهُ] بين وجوهكم" يظهر لي: أنه راجع إلى اختلاف القلوب، وتغييرِ بعضِهم على بعض؛ فإن تقدُّم الإنسان على الشخص، أو على الجماعة، وتخليفَه إياهم من غير أن يكون مُقامًا للإمامة بهم، قد يوغر صدورَهم، وذلك موجبٌ لاختلافِ قلوبهم؛ فعبر عنه بمخالفة وُجوههم؛ لأن المختلفينِ في التباعد والتقارب، يأخذ كل واحد منهما غير وجه الآخر.

стр. 885

ثم لك أن تعبر عن الوجه بالجهة، أو تعبر به عن اختلاف المقاصد، وتباين النفوس؛ فإن من تباعدَ من غيره، وتنافرَ، زوى وجهَه عنه، فيكون المقصود: التحذيرَ من وقوع التباغض والتنافر، كذا قال (١). وربما استدل لقوله بما في "أوسط الطبراني" بسند ضعيف، عن علي ﵁ مرفوعًا: "استووا تستوي قلوبُكم، وتَماسُّوا تَراحَمُوا". قال سريج: تماسُّوا؛ يعني: ازدحموا في الصلاة. وقال غيره: تماسُّوا: تَواصَلوا (٢). ويؤيد الأولَ -يعني: حملَ الحديث على ظاهره -: حديثُ أبي أمامة ﵁ مرفوعا، بلفظ: "لتسَوُّنَّ الصفوفَ، أو لتطْمَسَنَّ الوجوهُ" رواه الإمام أحمد (٣)، وفي سنده ضعف (٤). ولهذا قال الإمام الحافظ ابنُ الجوزي: الظاهرُ أنه مثل الوعيد المذكور في قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ [النساء: ٤٧]. والحاصل: إنْ حُمل الوجهُ على العضو المخصوص، فالمخالفةُ إما بحسب الصورة الإنسانية، أو الصفة؛ بأن يحول من قُدَّام إلى القَفا، وإن [حُمل] على ذاتِ الشخص، فالمخالفةُ بحسب المقاصد، كما أشار إليه الكرماني.

стр. 886

وأبدى في "الفتح" احتمال إرادة المخالفة بالجزاء، فيجازي المستوي بِخير، ومن لا يستوي بِشَرّ (١). (و) في رواية (لمسلم) دون البخاري، عن النعمان بن بشير ﵄: (كان رسول الله ﷺ يسوي)؛ أي: يُعَدِّل (صفوفنا) معشرَ أصحابه (حتى) كان ﷺ (كأنما يسوِّي)؛ أي: يعدِّل (بها)؛ أي: بتلك التسوية (القداح)، جمع قِدْح -بالكسر-: السهم حين يُبْرَى ويُنحَت ويُهَيَّأُ للرمي، وهو مِمَّا يُطلب فيه التحريُر والاستقامة، وإلا كان طائشًا، فلا يُصيب الغوضَ عند رميه، فضُرب به المثل؛ لتحرير التسوية (٢). وفيه دليل: على أن تسوية الصفوف من وظيفة الإمام، وبه صرح علماؤنا كغيرهم. قال في "الفروع": ثم يسوِّي الإمامُ الصفوف بالمناكبِ والأَكعُبِ، ويكمل الأول، فأول، ويتراصون (٣). وفي "شرح الوجيز": يُسن للإمام أن يسوِّيَ صفَّه، يلتفتُ عن يمينه، فيقول: استووا رحمكم الله، وعن يساره كذلك (٤). وفي "سنن أبي داود"، عن محمد بن مسلم، قال: صليت إلى جنب أنس بن مالك ﵁ يومًا، فقال: هل تدري لم صُنع هذا العود؟ قال: لا والله، فقال: لأن رسول الله ﷺ كان إذا قام إلى الصلاة، أخذه

стр. 887

بيمينه، فقال: "اعتدِلوا وسَوُّوا صفوفَكم"، ثم أخذه بيساره، وقال: "اعتدِلوا وسَوُّوا صفوفكم" (١). قال ابن دقيق العيد: وكان بعضُ أئمة السلف يوكل بالناس من يُسوِّي صفوفَهم (٢). قال النعمان ﵁: (حتى) إذا (رأى) ﷺ (أَنْ قد عَقَلْنا)؛ يعني: أنه كان يراعيهم في التسوية، ويتلطَّفُ بهم إلى أن علم أنهم عَقَلوا المقصودَ منه، وامتثلوه وكان ذلك غاية مراقبة لهم، وتكلف مراعاة إقامتهم، وثمرة ملاطفته لهم (٣). (ثم) بعد ذلك (خرج) ﷺ (يومًا) من الأيام للصلاة، (فقام) في القبلة أمامهم، (حتى كاد أن يكبر) تكبيرةَ الإحرام، (فرأى رجلًا باديًا)؛ أي: ظاهرَ التقدمة على الصف. (صَدْرُه) أعلى مقدَّم جسد الإنسان. قال في "القاموس": صدرُ الإنسان مُذَكَّر، وهو ما أشرفَ من أعلاه (٤). (فقال) ﷺ : (عباد الله!) بحذف أداة النداء. في هذا دليل على جواز كلام الإمام بين الإقامة والصلاة؛ لما يعرض من حاجة، وإن كان العلماء اختلفوا في كراهة ذلك، لكن تزول الكراهةُ لأدنى حاجة (٥).

стр. 888

(لتسوُّنَّ صفوفكم) بأن يُحاذوا بينَ مناكبهم، كما في حديث ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: "أَقيموا الصفوفَ، وحاذوا بينَ المناكِب، وسُدُّوا الخَلَل، ولِينُوا بأيدي إخوانِكم، ولا تَذَروا فُرُجاتِ الشيطان، ومن وَصَلَ صَفًّا وَصَلَه اللهُ، ومن قَطَعَ صَفًّا قَطَعَهُ اللهُ" رواه الإمام أحمد، وأبو داود (١). الفُرُجات: جمع فُرْجَة: المكان الخالي بين الاثنين (٢). (أو ليخالفن الله) (بين وجوهكم) بالمسخ، أو التحويل، أو إلقاء البغضاء، والتنافر بينكم، وعدم التآلف واجتماع المقاصد والكلمة. وفي حديث البراء بن عازب ﵄، قال: كان رسول الله ﷺ يأتي ناحيةَ الصف، ويسوِّي بين صدور القوم ومناكبِهم، ويقول: "لا تختلفوا فتختلفَ قلوبُكم، إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يُصَلُّون على الصفِّ الأول" رواه ابن خزيمة في "صحيحه" (٣). وفي "البخاري"، من حديث أنس ﵁، قال: أُقيمت الصلاة، فأقبل علينا رسولُ الله ﷺ بوجهه، فقال: "أَقيموا صُفوفَكُم، وتَراصُّوا؛ فإِني أَراكُمْ من وَراءِ ظَهْري" (٤).

стр. 889

زاد في طريق أخرى: فكانَ أحدُنا يُلْزِق منكبَه بمَنْكِبِ صاحبه، وقدَمَه بقدَمِه (١)، رواه مسلم أيضاً بإسقاط لفظ: "تراصوا" (٢). وقول أنس: فكان أحدنا .... إلخ، فلم يخرجه مسلم. وزيد في رواية معتمر: قال أنس: فلو فعلت ذلك بأحدهم اليومَ، لنفرَ كأنه بَغْلٌ شَموس (٣). وأخرج البخاري، عن أنس ﵁: أنه قدم المدينة، فقيل له: ما أنكرتَ منا منذ يوم عهدتَ رسول الله ﷺ ؟ قال: ما أنكرتُ شيئًا، إلا أنكم لا تُقيمون الصفوف (٤). وأخرج أبو داود، وابن خزيمة، وصححه، عن النعمان بن بشير ﵄، قال: أقبل رسول الله ﷺ على الناس بوجهه، فقال: "أَقيمُوا صُفوفكم -ثلاثًا- واللهِ لتقيمُنَّ صُفوفَكم، أو ليخالِفَنَّ اللهُ بينَ قلوبِكم". قال: فلقد رأيتُ الرجل يلزق منكبه بمنكب صاحبه، وكعبه بكعبه (٥). وبعضه في مسلم (٦).

стр. 890

واستدل بهذا الحديث على أن المراد بالكعب في آية الوضوء: العظمُ الناتىء في جانبي الرِّجْل، وهو عند مُلتقى الساق والقدم -كما تقدم-؛ إذ هو الذي يُمكن أن يلزق بالذي بجنبه، خلافًا لمن ذهبَ إلى أن المراد بالكعب مؤخر القدم، وهو قول شاذ يُنسب إلى بعض الحنفية، ولم يثبته محققوهم (١). تنبيهان: الأول: تسويةُ الصفوف سنة مؤكدة، لا واجب. وقد نقل الإجماعَ على استحباب ذلك غيرُ واحد. وفي "الفروع": ويتوجه: تجبُ تسويةُ الصفوف. قال: وهو ظاهر كلام شيخنا؛ لأنه ﷺ رأى رجلًا باديًا صدرُه، فقال: "لتسوُّنَّ صفوفَكم، أو ليخالفنَّ الله بينَ وجوهكم" (٢)، فيحتمل أن يمنع الصحة، ويحتمل لا؛ لقوله ﷺ : "سَوُّوا صُفوفَكم؛ فإن تسويةَ الصفِّ من تمام الصلاة" (٣)، وتمام الشيء يكون واجبًا ومستحبًا، لكن قد يدل على حقيقة الصلاة بدونه، وكالجماعة، وذكر حديث قدوم أنس المدينةَ، وقولَه: ما أنكرتُ شيئًا إلا أنكم لا تقيمون الصفوف (٤)؛ وترجم عليه البخاري: إثم من لم يتم الصفوف (٥).

стр. 891

قال في "الفروع": ومن ذكرَ الإجماعَ على أنه مستحب، فمرادُه ثبوتُ استحبابه، لا نفيُ وجوبه. انتهى (١). وفي "الفتح": على قول البخاري: إثم من لم يُتم الصفوف، تُعقب: بأن الإنكار قد يقع على ترك السنة، فلا يدل ذلك على حصول الإثم. وأجيب: بأنه لعله - حمل الأمر في قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣] على أن المراد بالأمر: الشأن والحال، لا مجردُ الصيغة، فيلزم منه أن من خالف شيئًا من الحال التي كان ﷺ عليها أن يأثم؛ لما يدل عليه الوعِيد المذكور في الآية. وإنكار أنس ظاهر في أنهم خالفوا ما كانوا عليه في زمن النبي ﷺ من إقامة الصفوف، فعلى هذا تستلزم المخالفة التأثيم. هذا ملخص كلام ابن رشـ[ـيـ]ـد. وضعفه في "الفتح"؛ بأنه يفضي إلى أنه لا يبقى شيء مسنون؛ لأن التأثيم إنما يحصل عن ترك واجب. وقولُ ابن بطال: لما كان تسويةُ الصفوف من السنن المندوب إليها التي يستحق فاعلُها المدحَ عليها، دلَّ على أن تاركها يستحقُّ الذم، متعقَّبٌ من جهة أنه لا يلزم من ذم تارك السنة أنه يكون آثمًا، ولئن سلم، لزم علياا ما قبله من التعقب. ويحتمل أن البخاري إنما أخذ الوجوبَ المترتِّبَ على تركِه الإثمُ من صيغة الأمر في قوله: "سَوُّوا"، ومن عموم قوله: "صَلُّوا كما رأيتُموني أُصَلِّي" (٢)، ومن ورود الوعيد على تركه، فترجَّح عنده بهذه القرائن: أن

стр. 892

إنكارَ أنس إنما وقع على تركِ الواجب، وإن كان الإنكارُ يقع على ترك السنن. وعلى القول: بأن التسوية واجبة، فصلاة من خالفَ ولم يستوِ صحيحةٌ؛ لاختلاف الجِهتين، بدليل أن أنس بن مالك ﵁ مع إنكاره عليهم، لم يأمرهم بالإعادة. وأفرط ابنُ حزم فجزمَ بالبطلان، ونازع من ادَّعى الإجماعَ، على عدمِ الوجوب بما صح عن عمر ﵁ أنه ضرب قدمَ أبي عثمان النهديِّ لإقامة الصف (١)، وبما صح عن سُويد بن عقلة، قال: كان بلال يسوِّي مناكبنا، ويضربُ أقدامَنا في الصلاة (٢). فقال: ما كان عمر وبلال ﵄ يضربان أحدًا على ترك غير الواجب (٣). ونظر فيه في "الفتح"؛ لجواز أنهما كانا يريان التعزير على ترك السنة، انتهى. الثاني: جاء في عدة أحاديث الحثُّ على وصل الصفوف، وتسويتها، وسدِّ الخلل والفُرَج التي بها. فروى الإمام أحمد، وابن ماجه، وابن خزيمة، وابن حبان في "صحيحيهما"، والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم، من حديث عائشة ﵂، عن رسول الله ﷺ ،

стр. 893

قال: "إن اللهَ وملائكته يُصلُّون على الذين يَصِلونَ الصُّفوف" (١). زاد ابن ماجه: "ومن سَدَّ فُرْجَةً، رفعه اللهُ بها درجةً" (٢). وروى النسائي، وابن خزيمة في "صحيحه"، والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم، من حديث ابن عمر ﵄ مرفوعًا: "مَنْ وَصَلَ صَفًّا، وصلَه اللهُ، ومن قطعَ صَفًّا، قطعَه اللهُ" (٣). وروى البزار بإسناد حسن، وابن حبان في "صحيحه"، من حديث ابن عمر مرفوعًا، "خِيارُكُمْ أَلْيَنُكُمْ مَنَاكِبَ في الصَّلاةِ" (٤). ورواه الطبراني في "الأوسط"، وزاد: "وَما مِن خُطوة أعظمُ أَجْرًا، من خطوةٍ مشاها رجلٌ إلى فُرْجَةٍ في الصَّفِّ، فَسَدَّها" (٥).

стр. 894

والبزار بإسناد حسن، عن أبي جُحيفة مرفوعًا: "مَنْ سَدَّ فُرْجَةً في الصفِّ، غُفِرَ لَهُ" (١). والطبراني في "الأوسط"، عن عائشةَ مرفوعًا: "مَنْ سَدَّ فُرْجَةً، رفعَهُ اللهُ بها درجةً، وبَنى له بِها بيتًا في الجنةِ" (٢). وروى الحاكم، وقال: على شرط مسلم، من حديث معاذ ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: "خُطوَتانِ إحداهُما أَحَبُّ الخُطا إلى الله، والأُخْرى أبغضُ الخُطا إلى الله؛ أما التي يُحِبُّها الله، فرجل نظرَ إلى خَلَل في الصفِّ، فسدَّه، وأما التي يُبْغِضُها الله؛ فإذا أرادَ الرجلُ أن يقومَ، مَدَّ رِجْلَه اليُمْنى، ووضَعَ يدَه عليها، وأثبتَ اليسرى، ثُم قام" (٣). وعن أبي أمامة ﵁، عن رسول الله ﷺ ، قال: "لتسَوُّنَّ الصُّفوفَ، أو لتطْمَسَنَّ الوجوهُ، أو لتغْمَضَنَّ أبصارُكُم، أو لتخْطَفَنَّ أَبْصارُكُمْ" رواه الإمام أحمد، والطبراني (٤)، والله أعلم. * * *

стр. 895

الحديث الثالث عَنْ أَنَسِ بْنِ ماِلكٍ ﵁: أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ لَهُ، فَأَكَلَ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: "قُومُوا فَلأُصَلِّيَ لَكُمْ"، قَالَ أَنَسٌ: فَقُمْتُ إلى حَصِيرٍ لَنَا؛ قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ، فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ، فَقَامَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَصَفَفْتُ أَنَا وَاليَتِيمُ وَرَاءَهُ، والعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا، فَصَلَّى لَنَا رَكعَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفَ ﷺ (١). ولمسلم: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلَّى بهِ وَبأُمِّهِ؛ فَأَقَاَمَني عَنْ يَمِينِهِ، وَأَقَامَ المَرْأَةَ خَلْفَنَا (٢).

стр. 896

اليتيمُ: قيل: هو ضُميرةُ جدُّ حُيَيٍّ بنِ عبدِ اللهِ بنِ ضُميرةَ. عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، (عن أنس بن مالك ﵁: أن جدته مليكة)؛ -بالضم تصغير ملكة-، واختلف في الضمير من جدته: فقيل: يعود على إسحاق، جزم به ابن عبد البر (١) وعبد الحق، والقاضي عياض (٢)، وصححه النووي (٣). وقيل: بل على أنس، وهو ظاهر صنيع الحافظ المصنف ﵀

стр. 897

تعالى-. وجزم به ابن منده، وابن سعد، وغيرهما. ويؤيده ما في "فوائد العراقيين" لأبي الشيخ، من طريق القاسم بن يحيى المقدمي، عن عبد الله بن عمر، عن إسحاق بن أبي طلحة، عن أنس، قال: أرسلتني جدتي إلى النبي ﷺ ، واسمها مليكة، فجاءنا، فحضرت الصلاة، الحديث (١). قال ابن سعد في "الطبقات": أم سليم بنت ملحان -فساقَ نسبها- إلى عدي بن النجار، ثم قال: وهي الغميصاء، ويقال: الرميصاء، ويقال اسمها: سهلة، ويقال: أُنَيفة -بالنون والفاء- مصغرة، ويقال: رُمَيثة، وأمها مليكة بنت مالك بن عدي. فساق نسبها إلى مالك بن النجار، ثم قال: تزوجها -أي: أم سليم- مالكُ بن النضر، فولدت له أنسَ بنَ مالك، ثم خلف عليها أبو طلحة، فولدت له عبدَ الله، وأبا عمير. وأبو عمير هذا هو الذي كان يداعبه النبي ﷺ ، ويقول له: "يا أبا عمير! ما فعل النغير؟ " (٢). وعبد الله هو والد إسحاق راوي هذا الحديث عن عمه أخي أبيه لأمه أنس بن مالك. ومقتضى كلام من أعاد الضمير في "جدته" إلى إسحاق أن يكون اسم أم سليم: مليكة (٣).

стр. 898

ومستندهم في ذلك ما رواه ابن عيينة، عن إسحاق بن أبي طلحة، عن أنس قال: صففت أنا واليتيم في بيتنا خلف النبي ﷺ ، وأمي أم سليم خلفنا، هكذا أخرجه البخاري (١). قال في "الفتح": ويحتمل تعددها، فلا تخالف (٢). (دعت) أم سليم، أو أمها. والأول أظهر. (رسول الله ﷺ صنعته لى، فأكل) ﷺ (منه) فيه دلالة: على ما كان عليه ﷺ من التواضع، وإجابة دعوة الداعي. ويستدل به: على إجابة أهل الفضل لمن دعاهم لغير الوليمة (٣). قال في "الفتح": قوله: لطعام؛ أي: لأجل طعام؛ وهو مشعر بأن مجيئه كان لذلك، لا ليصلي بهم، ليتخذوا مكان صلاته مصلى لهم، كما في قصة عتبان، وبدأ في قصة عتبان بالصلاة قبل الطعام، وهنا بالطعام قبل الصلاة، فبدأ في كلٍّ منهما بأصل ما دعي لأجله (٤). (ثم قال) ﷺ لهم: (قوموا فلأصلي لكم). فيه: دليل على ترك الوضوء مما مست النار؛ لكونه صلى بعد الطعام. وفيه نظر؛ لما رواه الدارقطني في "غريب مالك"، عن البغوي، عن

стр. 899

عبد الله بن عون بن مالك، ولفظه: صنعت مليكة لرسول الله ﷺ طعاماً، فأكل منه وأنا معه، ثم دعا بوضوء فتوضأ ... الحديث (١). قوله: "فلأصلي لكم" كذا هو في الرواية -بكسر اللام وفتح الياء-. وفي رواية الأصيلي: بحذف الياء (٢). قال ابن مالك: روي بحذف الياء وثبوتها، مفتوحة وساكنة، ووجهه: أن اللام عند ثبوت الياء مفتوحةً لامُ كي، والفعل بعدها منصوبٌ بأن مضمرة، واللام ومصحوبها خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: [قوموا] قيامكم لأصلي لكم. ويجوز على مذهب الأخفش كون الفاء زائدة، واللام متعلقة بقوموا، وعند سكون الياء يحتمل كون اللام أيضاً لام كي، وسكنت الياء تخفيفاً، أو لام الأمر، وثبتت الياء في الجزم إجراء للمعتل مجرى الصحيح؛ كقراءة قنبل (من يتقي ويصبر) [يوسف: ٩٠] (٣). وعند حذف الياء اللام لام الأمر، وأمر المتكلم نفسه بفعل مقرون باللام فصيح، إلا أنه قليل في الاستعمال؛ ومنه قوله -تعالى-: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢]. قال: ويجوز فتح اللام (٤). وحكى ابن قرقول في بعض الروايات: "فَلِنُصَلِّ" -بالنون وكسر اللام والجزم-، واللام على هذا لام الأمر، وكسرها لغة معروفة (٥).

стр. 900

والمر اد بقوله ﷺ : "لكم"؛ أي: لأجلكم. قال السهيلي: الأمر هنا بمعنى الخبر، وهو كقوله تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٥]، ويحتمل أن يكون أمراً لهم بالائتمام، لكنه أضافه لنفسه؛ لارتباط فعلهم بفعله (١). (قال أنس) ﵁: (فقمنا إلى حصير لنا). قال ابن بطال: إن كان ما يصلي عليه كبيراً قدر طول الرجل فأكثر، فإنه يقال له: حصير، ولا يقال له: خُمْرَة، وكل ذلك يُصنع من سَعَف النخل وما أشبهه (٢). (قد اسودَّ) ذلك الحصير (من طول ما لُبِس). فيه: أن الافتراش يسمى: لبساً. واستدل به: على منع افتراش الحرير؛ لعموم النهي عن لبس الحرير، ولايرد على ذلك من حلف لا يلبس حريراً، فإنه لا يحنث بالافتراش؛ لأن الأيمان مبناها على العرف، حيث لا نية، ولا سبب، مع أن تحريم افتراش الحرير قد ورد فيه نص يخصه (٣). (فنضحته) الضمير يرجع إلى الحصير، والفاعلُ أنس- ﵁ (بماء)، والنضح يطلق على الغسل وعلى ما دونه، وهو الأشهر، فيحتمل إرادة الغسل؛ إما لتطهيره، أو لتليينه، وتهيئة الجلوس عليه، أو ما دون

стр. 901

الغسل، ويكون لتليينه. والنضح تستحبه المالكية لما شُك في نجاسته (١). (فقام عليه)؛ أي: الحصير بعد نضحه (رسولُ الله ﷺ ، وصففت أنا واليتيمُ) كذا للأكثر. وفي بعض الروايات: فصففت واليتيم، بغير ضمير فصل، والأول أفصح. ويجوز في اليتيم الرفع والنصب (٢). (وراءه) ﷺ متعلق بـ: فصففت. (والعجوز) هي مليكة المذكورة. (من ورائنا) وهذا دليل لقول الجمهور بأن موقف الاثنين وراء الإمام، خلافاً لمن قال من الكوفيين: إن أحدهما يقف عن يمينه، والآخر عن يساره، وحجتهم في ذلك حديث ابن مسعود ﵁ الذي أخرجه أبو داود وغيره: أنه أقام علقمة عن يمينه، والأسود عن شماله (٣). وأجاب عنه ابن سيرين بأن ذلك كان لضيق المكان، رواه الطحاوي (٤). وفيه: دليل على أن المرأة لا تصف مع الرجال، وأصل ذلك ما يخشى من الافتتان بها، فلو خالفت، أجزأت صلاتها عند الجمهور. وعند الحنفية: تفسد صلاة الرجل دون المرأة.

стр. 902

قال في "الفتح": وهو عجيب، وفي توجيهه تعسف؛ حيث قال قائلهم: دليله قول ابن مسعود: أخروهن من حيث أخرهن الله (١)، والأمر للوجوب، وحيث ظرف مكان، ولا مكان يجب فيه إلا مكان الصلاة. فإذا حاذت الرجل، فسدت صلاة الرجل؛ لأنه ترك ما أمر به من تأخيرها. قال: وحكاية هذا تغني عن تكلف جوابه، انتهى (٢). وفي "الفروع" للعلامة ابن مفلح: وإن وقفَتْ مع رجال، لم تبطل صلاة من يليها وخلفها، خلافاً لأبي حنيفة، ولا تبطل صلاتها؛ وفاقاً للثلاثة. وقال الشريف، وأبو الوفاء ابن عقيل: بلى، وهو مذهب داود، والمعتمد: لا تبطل، والله الموفق (٣). (فصلى) النبي ﷺ (لنا)؛ أي: لأجلنا (ركعتين)؛ إما للتعليم، أو لحصول البركة بالاجتماع فيها، أو بإقامتها في المكان المخصوص، وهو الذي يشعر به قوله ﷺ : "لكم"؛ ولأنه ﷺ لما صلى بهم، كأنه أراد تعليم المرأة أفعال الصلاة بالمشاهدة، فإنها قد يخفى عليها بعض تفاصيل الصلاة؛ لبعد موقفها. وفيه: مشروعية الجماعة في النافلة في البيت. وتنظيف مكان المصلي. وقيام الصبي مع الرجل في النفل صفاً. وتأخير النساء عن صفوف الرجال.

стр. 903

وقيام المرأة صفاً وحدها إذا لم تكن مع نساء، إلا إذا صلت مع امرأة أو نساء، فإنها لا تقف خلفها أو خلفهن وحدها، فإن فعلت، نفذ، كما سننبه عليه (١). (ثم انصرف ﷺ ) بعد صلاته إلى بيته، أو من صلاته. (و) في رواية (لمسلم) دون البخاري: (أن رسول الله ﷺ صلى به وبأمه)، قال أنس ﵁: (فأقامني) أنا (عن يمينه)، (وأقام) ﷺ (المرأة) التي هي أم أنس (خلفنا). والذي في مسلم: أن رسول الله ﷺ صلى به وبأمه أو خالته -بالشك- (٢). وفي رواية: عن أنس عندهما، قال: دخل النبي ﷺ علينا، وما هو إلا أنا وأمي، وأم حرام خالتي، فقال: "قوموا فلأصلي لكم" في غير وقت صلاة، فصلى بنا -فقال لثابت: أين جعل أنساً منه؟ قال: جعله عن يمينه-، ثم دعا لنا أهل البيت بكل خير، الحديث. والمراد: أهل بيتهم (٣). والحاصل: أن موقف المرأة الواحدة خلف الرجال، فإذا كان إمام ومأموم رجل وامرأتان، وقف الرجل عن يمين الإمام، ووقفت الامرأتان خلفه. قال الحافظ -قدس الله روحه-: (اليتيم) الذي قال عنه أنس - رضي الله

стр. 904

عنه -: إنه صف هو وإياه ([قيل]: هو): (ضُمَيرة) -بضم الضاد المعجمة وفتح الميم على التصغير- ابن أبي ضميرة، مولى رسول الله ﷺ . ولأبيه أبي ضميرة صحبة، وهو (جد حُيَيّ) -بضم الحاء المهملة فياءين تحتيتين الأولى منهما مفتوحة- (بن عبدالله بن ضميرة) يعد في أهل المدينة (١). ذكر ابن وهب، قال: أخبرني ابن أبي ذئب، عن حيي بن عبد الله بن ضميرة، عن أبيه، عن جده ضميرة: أن رسول الله ﷺ مر بأم ضميرة وهي تبكي، فقال: "ما يبكيك؟ أجائعة أنت أم عارية؟ "، قالت: يا رسول الله! فرق بيني وبين ابني، فقال رسول الله ﷺ : "لا يفرق بين الوالدة وولدها"، ثم أرسل إلى الذي عنده ضميرة، فابتاعه منه (٢). وهذا الصحيح المعتمد عند الحفاظ. وقال ابن بشكوال: وقيل: إن اسم اليتيم: سليم. كذا وقع في حديث يحيى بن يحيى التميمي، عن سفيان، قال: وأخشى أن يكون تصحيفاً مكان يتيم سليم. والأول: هو المحفوظ -يعني: ضميرة- (٣)، كما في "شرح

стр. 905

الزهر" (١). وجزم في "الفتح" بأنه تصحيف (٢)، والله أعلم. تنبيهات: الأول: أفضل الصفوف: الأول، ففي "الصحيحين"، من حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه -أي: يقترعوا-، لاستهموا" (٣). وفي لفظ لمسلم: "لو يعلمون ما في الصف المقدم، لكانت قرعة" (٤). وفي "صحيح مسلم"، و"سنن أبي داود"، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، عن أبي هريرة- ﵁: "خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها" (٥)، والمراد: إذا صلَّيْنَ مع الرجال، وإلا فكالرجال. وهذا الحديث روي عن جماعة من الصحابة، منهم: ابن عباس، وعمر بن الخطاب، وأنس بن مالك، وأبو سعيد، وأبو أمامة، وجابر بن

стр. 906

عبد الله، وغيرهم ﵃ (١). والمراد بالصف الأول: الذي يلي الإمام مطلقاً. قال في "الفروع": يسوي الإمام الصفوف، ويُكمل الأول فالأول، ويتراصون، ويمينُه والصفُّ الأولُ للرجال أفضلُ. قال ابن هبيرة: وله ثوابه، وثوابُ من وراءه، ما اتصلت الصفوف؛ لاقتدائهم به. قال الأصحاب: وكذا كلَّما قرب منه أفضل، ويقرب الإمام الأفضل والصف منه، وللأفضل تأخيرُ المفضول، والصلاةُ مكانَه، ذكره بعضُهم؛ لأن أبياً نَحَّى قيسَ بن عُباد، وقام مكانه، فلما صلى، قال: يا بني! لا يَسُؤْك الله، فإني لم آتك الذي أتيت بجهالة، ولكن رسول الله ﷺ قال: "كونوا في الصف الذي يليني"، وإني نظرت في وجوه القوم فعرفتهم غيرك. إسناده جيد، رواه الإمام أحمد، والنسائي (٢). وظاهر ما حكاه الإمام أحمد عن عبد الرزاق: أن نقرة الإمام أفضل (٣). وفي حواشي "الفروع" لابن مفلح: قال الإمام أحمد- ﵁ لحَرْمي: كم فضل الصلاة عند الناس من الفرادى إلى الجماعة؟ فقال حَرْمي: خمس وعشرون، فقال الإمام أحمد: إني سمعت عبد الرزاق يقول: إنها مئة صلاة، من أجاب الداعي، فهي خمس وعشرون، ومن صلى في الصف الأول، فهي خمسون، ومن صلى يَمْنة الإمام، فهي خمس

стр. 907

وسبعون، ومن صلى نُقْرة الإمام، فهي مئة صلاة (١). وفي "وصية ابن الجوزي" لولده: اقصد وراء الإمام. واستوجه في "الفروع" أن بعد يمينه ليس أفضل من قرب يساره، ولعله مرادهم، انتهى (٢). لأنهم قالوا في الحض على الصف الأول: المسارعة إلى خلاص الذمة، والسبق لدخول المسجد، والقرب من الإمام، واستماع قراءته، والتعلم منه، والفتح عليه، والتبليغ عنه، والسلامة من اختراق المارة بين يديه، وسلامة البال من رؤية من يكون قدامه، وسلامة موضع سجوده من أذيال المصلين (٣). قال في "الفروع": وفي كراهة ترك الصف الأول للقادر وجهان (٤). قلت: المذهب الكراهة. قال في "الإنصاف": على الصحيح من المذهب (٥)، ومشى عليه في "الإقناع" (٦)، وغيره. قال في "الفروع": وهو -أي: الصف الأول- ما يقطعه المنبر؛ وفاقاً للأئمة الثلاثة (٧)، صححه في "الإنصاف"، وقال: عليه الأصحاب (٨).

стр. 908

والمراد: أنه أول صف يلي الإمام، قطعه المنبر أولا، كما قدمنا، لا أول صف يلي المنبر (١). ويحافظ على الصف الأول، وإن فاتته ركعة، إلا إن خاف فوت الجماعة (٢). وفي حديث العرباض بن سارية ﵁: أن رسول الله ﷺ كان يستغفر للصف المقدم ثلاثاً، وللثاني مرة. رواه ابن ماجه، والنسائي، وابن خزيمة في "صحيحه"، والحاكم، وقال: صحيح على شرطهما (٣). وروى الإمام أحمد بإسناد لا بأس به، عن أبي أمامة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول"، قالوا: يا رسول الله! وعلى الصف الثاني؟ قال: "إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول"، قالوا: يا رسول الله! وعلى الصف الثاني؟ قال: "وعلى الثاني" (٤). وروى أبو داود، وابن ماجه، بإسناد حسن، عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : "إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف" (٥).

стр. 909

الثاني: السنة أن يقف المأموم خلف الإمام إذا كانوا اثنين فصاعداً، رجالاً كانوا أو نساء، وفاقاً. ولا يصح قُدَّامه بإحرام فأكثر؛ لأنه ليس موقوفاً بحال؛ خلافاً لمالك (١). ويأتي تفاصيل هذا، في الحديث الآتي -إن شاء الله تعالى-. الثالث: لا تصح صلاة الفذ -على المعتمد-، فإن صلى فذاً ركعة -ولو امرأة خلف امرأة-، لم تصح؛ لقوله ﷺ : "لا صلاة لفذ خلف الصف" رواه الإمام أحمد، وابن ماجه، من حديث علي بن شيبان، قال: خرجت وافداً إلى رسول الله ﷺ ، قال: فصلينا خلفه، فرأى ﷺ رجلاً يصلي خلف الصف، فوقف حتى انصرف الرجل، فقال رسول الله ﷺ : "استقبل صلاتك، فلا صلاة لفرد خلف الصف" (٢). قال الحافظ ابن عبد الهادي في "تنقيح التحقيق": إسناده قوي. وقال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: هذا الحديث حسن؟ قال: نعم (٣). وروى الإمام أحمد، من حديث وابصة بن معبد ﵁: أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً يصلي وحده خلف الصف، فأمره أن يعيد صلاته. ورواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن (٤).

стр. 910

وقال الإمام أحمد: حديث وابصة حديث حسن. وقال ابن المنذر: ثبته أحمد وإسحاق (١). وهو قول النخعي، وابن المنذر. وعند الثلاثة: تصح صلاة الفذ، وكذا أجازها الحسن. احتجوا بحديث أبي بكرة ﵁؛ حيث أحرم وركع دون الصف، ثم دخل الصف (٢)، فلم يأمره النبي ﷺ بالإعادة؛ ولأنه موقف المرأة. ولنا: مع ما تقدم، أنه ﷺ سئل عن رجل صلى وراء الصف وحده، فقال: "يعيد" رواه تمام في "الفوائد" (٣). وأما حديث أبي بكرة، فإن النبي ﷺ نهاه فقال: "لا تعد". والنهي يقتضي الفساد، وعذره ﷺ فيما فعله لجهله، وللجهل تأثير في العفو (٤)، والله أعلم. * * *

стр. 911

الحديث الرابع عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: بتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَ بِرَأْسِي؛ فَأَقَامَني عَنْ يَمِينِهِ (١).

стр. 912

(عن) عبد الله حبرِ الأمة (ابنِ عباس- ﵄) (قال: بتُّ عند خالتي) أختِ أمي أم المؤمنين (ميمونةَ) بنتِ الحارث بنِ حَزْن -بفتحَ الحاء المهملة وسكون الزاي وآخره نون- ابن بُجَيْر -بضم الموحدة وفتح الجيم وسكون المثناة تحت- الهلاليةِ العامريةِ؛ زوج رسول الله ﷺ ، ويقال: كان اسمها برَّة، فسماها النبي ﷺ : ميمونة (١).

стр. 913

كانت تحت مسعود بن عمرو الثقفي في الجاهلية، ففارقها، فتزوجها أبو رُهْم -بضم الراء وسكون الهاء- بنُ عبدِ العزى، وتوفي عنها، فتزوجها رسول الله ﷺ في عمرة القضية، وكانت في السابعة، في ذي القعدة بِسَرِف، على عشرة أميال من مكة. وقيل: بل ستة أميال أو سبعة. وتوفيت سنة إحدى وخمسين. وقيل: ثلاث وستين. والصحيح: أنها توفيت قبل عائشة ﵂. دفنت بِسَرِف في المكان الذي بنى بها رسول الله ﷺ فيه. وهي أخت أم الفضل زوجِ العباس لأبيها، وأخت أسماءَ بنتِ عُميس لأمها. ولم يتزوج بعدها رسول الله ﷺ فيما قيل. روي لها عن رسول الله ﷺ ست وأربعون حديثاً، اتفقا على سبعة، وللبخاري حديث، ولمسلم خمسة (١). وفي مبيت سيدنا عبد الله بن عباس- ﵄: جواز المبيت عند المحارم مع الزوج. وقيل: إنه تحرى وقتاً لا يكون فيه ضرر على النبي ﷺ ، ولا على خالته، وهو وقت الحيض. وإنما بات ابن عباس- ﵄ عندها؛ لينظر إلى صلاته ﷺ (٢).

стр. 914

وفيه: دليل على ماكان عليه ابن عباس من حرصه على ضبط شؤونه وتهجداته ﷺ . قال ابن عباس ﵄: (فقام النبي يصلي من الليل)؛ لأن قيام الليل كان واجباً عليه ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]، والمقام المحمود أعلى درجاته ﷺ ، كما في "اختيار الأولى" للحافظ ابن رجب (١). وقد دل على الترغيب في قيام الليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦) كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٥ - ١٩]، فوصفهم بالتيقظ بالليل، والاستغفار بالأسحار، وبالإنفاق من أموالهم. وذكر الحافظ ابن رجب في "شرح حديث اختصام الملأ الأعلى" قال: كان بعض السلف نائماً، فأتاه آت في منامه، فقال له: قم فصل، أما علمت أن مفاتيح الجنة مع أصحاب الليل، هم خُزَّانها، هم خزانها؟ (٢). قال ابن عباس: (فقمت) يعني: بعد الطهارة (عن يساره) ﷺ ، (فأخذ) ﵊ (برأسي) يعني: بيده الشريفة، (فأقامني عن يمينه). وهذا محل الدليل من الحديث، وهو أنه لا تصح الصلاة عن يسار الإمام مع خلو يمينه.

стр. 915

قال في "الشرح الكبير" لابن أبي عمر: إن كان المأموم واحداً، وقف عن يمين الإمام، رجلاً كان أو غلاماً، وذكر حديث ابن عباس ﵄، وفيه: فأخذ بذؤابتي، فأدارني عن يمينه متفق عليه (١). فإن وقف خلفه، أو عن يساره، لم تصح صلاته -كما قدمنا ذلك-، وأما إن وقف عن يسار الإمام، وكان عن يمين الإمام أحد، صحت صلاته؛ لما قدمنا من حديث ابن مسعود- ﵁: أنه صلى بين علقمة والأسود، وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ فعل. رواه أبو داود (٢)، فدل حديث ابن مسعود على الجواز، ودل حديث جابر ﵁ على الأفضلية، وهو أن جابراً قال: سرت مع النبي ﷺ في غزوة، فقام يصلي، فتوضأت، ثم جشما حتى قمت عن يساره، فأخذ بيدي فأدارني حتى أقامني عن يمينه، فجاء جبار بن صخر حتى قام عن يساره، فأخذنا جميعاً بيديه حتى أقامنا خلفه. رواه أبو داود (٣). فإن كان أحد المأمومين صبياً، فمعتمد المذهب: إن كانت الصلاة تطوعاً، صفهما خلفه، لقصة أنس مع اليتيم. وإن كانت فرضاً، جعل الصبي عن يساره، والرجل عن يمينه، أو جعلهما عن يمينه (٤). وفي الحديث دليل على مشروعية الجماعة في صلاة النافلة.
следующие страницы →