← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

الحديث الرابع عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: بتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَ بِرَأْسِي؛ فَأَقَامَني عَنْ يَمِينِهِ (١).

стр. 912

(عن) عبد الله حبرِ الأمة (ابنِ عباس- ﵄) (قال: بتُّ عند خالتي) أختِ أمي أم المؤمنين (ميمونةَ) بنتِ الحارث بنِ حَزْن -بفتحَ الحاء المهملة وسكون الزاي وآخره نون- ابن بُجَيْر -بضم الموحدة وفتح الجيم وسكون المثناة تحت- الهلاليةِ العامريةِ؛ زوج رسول الله ﷺ ، ويقال: كان اسمها برَّة، فسماها النبي ﷺ : ميمونة (١).

стр. 913

كانت تحت مسعود بن عمرو الثقفي في الجاهلية، ففارقها، فتزوجها أبو رُهْم -بضم الراء وسكون الهاء- بنُ عبدِ العزى، وتوفي عنها، فتزوجها رسول الله ﷺ في عمرة القضية، وكانت في السابعة، في ذي القعدة بِسَرِف، على عشرة أميال من مكة. وقيل: بل ستة أميال أو سبعة. وتوفيت سنة إحدى وخمسين. وقيل: ثلاث وستين. والصحيح: أنها توفيت قبل عائشة ﵂. دفنت بِسَرِف في المكان الذي بنى بها رسول الله ﷺ فيه. وهي أخت أم الفضل زوجِ العباس لأبيها، وأخت أسماءَ بنتِ عُميس لأمها. ولم يتزوج بعدها رسول الله ﷺ فيما قيل. روي لها عن رسول الله ﷺ ست وأربعون حديثاً، اتفقا على سبعة، وللبخاري حديث، ولمسلم خمسة (١). وفي مبيت سيدنا عبد الله بن عباس- ﵄: جواز المبيت عند المحارم مع الزوج. وقيل: إنه تحرى وقتاً لا يكون فيه ضرر على النبي ﷺ ، ولا على خالته، وهو وقت الحيض. وإنما بات ابن عباس- ﵄ عندها؛ لينظر إلى صلاته ﷺ (٢).

стр. 914

وفيه: دليل على ماكان عليه ابن عباس من حرصه على ضبط شؤونه وتهجداته ﷺ . قال ابن عباس ﵄: (فقام النبي يصلي من الليل)؛ لأن قيام الليل كان واجباً عليه ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]، والمقام المحمود أعلى درجاته ﷺ ، كما في "اختيار الأولى" للحافظ ابن رجب (١). وقد دل على الترغيب في قيام الليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦) كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٥ - ١٩]، فوصفهم بالتيقظ بالليل، والاستغفار بالأسحار، وبالإنفاق من أموالهم. وذكر الحافظ ابن رجب في "شرح حديث اختصام الملأ الأعلى" قال: كان بعض السلف نائماً، فأتاه آت في منامه، فقال له: قم فصل، أما علمت أن مفاتيح الجنة مع أصحاب الليل، هم خُزَّانها، هم خزانها؟ (٢). قال ابن عباس: (فقمت) يعني: بعد الطهارة (عن يساره) ﷺ ، (فأخذ) ﵊ (برأسي) يعني: بيده الشريفة، (فأقامني عن يمينه). وهذا محل الدليل من الحديث، وهو أنه لا تصح الصلاة عن يسار الإمام مع خلو يمينه.

стр. 915

قال في "الشرح الكبير" لابن أبي عمر: إن كان المأموم واحداً، وقف عن يمين الإمام، رجلاً كان أو غلاماً، وذكر حديث ابن عباس ﵄، وفيه: فأخذ بذؤابتي، فأدارني عن يمينه متفق عليه (١). فإن وقف خلفه، أو عن يساره، لم تصح صلاته -كما قدمنا ذلك-، وأما إن وقف عن يسار الإمام، وكان عن يمين الإمام أحد، صحت صلاته؛ لما قدمنا من حديث ابن مسعود- ﵁: أنه صلى بين علقمة والأسود، وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ فعل. رواه أبو داود (٢)، فدل حديث ابن مسعود على الجواز، ودل حديث جابر ﵁ على الأفضلية، وهو أن جابراً قال: سرت مع النبي ﷺ في غزوة، فقام يصلي، فتوضأت، ثم جشما حتى قمت عن يساره، فأخذ بيدي فأدارني حتى أقامني عن يمينه، فجاء جبار بن صخر حتى قام عن يساره، فأخذنا جميعاً بيديه حتى أقامنا خلفه. رواه أبو داود (٣). فإن كان أحد المأمومين صبياً، فمعتمد المذهب: إن كانت الصلاة تطوعاً، صفهما خلفه، لقصة أنس مع اليتيم. وإن كانت فرضاً، جعل الصبي عن يساره، والرجل عن يمينه، أو جعلهما عن يمينه (٤). وفي الحديث دليل على مشروعية الجماعة في صلاة النافلة.

стр. 916

وقد يستدل به على الدخول في الصلاة من لم ينو الإمامة؛ لأن ابن عباس- ﵄ دخل مع النبي ﷺ بعد دخوله في الصلاة (١). وفيه نظر، يأتي في الإمامة -إن شاء الله تعالى-. والله الموفق. * * *

стр. 917

باب الإمامة وحقيقتها: أن يتقدم الإمام، ويتابعه المؤتم في صلاته. وذكر الحافظ في هذا الباب سبعة أحاديث.

стр. 918

الحديث الأول عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَال: "أَمَا يَخْشَى الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الإِمَامِ، أَنْ يُحَوِّلَ اللهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ، أو يَجْعَلَ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ؟ " (١).

стр. 919

(عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر (﵁، عن النبي ﷺ , قال: أما) -بفتح الهمزة وتخفيف الميم-: حرف استفتاح، مثل ألا، وأصلها النافية دخلت عليها همزة الاستفهام، وهو هنا استفهام توبيخ (١). وفي لفظ: "ألا" (٢) (يخشى)، وفي لفظ: "أولا يخشى" (٣)؛ أي: يخاف ويرهب الشخص المؤتم (الذي يرفع رأسه قبل الإمام). زاد ابن خزيمة: "في صلاته" (٤). وفي رواية: "والإمام ساجد" (٥)، فتبين أن المراد: الرفع من السجود. وفيه تعقب على من قال: إن الحديث نص في المنع من تقدم المأموم على الإمام في الرفع من الركوع والسجود معاً، وإنما هو نص في السجود، ويلتجق به الركوع؛ لكونه في معناه، ويمكن أن يفرق بينهما: بأن السجود له مزيد مزية؛ لأن العبد أقرب ما يكون فيه من ربه، ولأنه غاية الخضوع المطلوب منه؛ فلذلك خص بالتنصيص عليه، والأليق أنه من باب الاكتفاء، وهو ذكر أحد الشيئين المشتركين في الحكم، إذا كان للمذكور مزية. وأما التقدم على الإمام في الخفض للركوع والسجود، فقيل: يلتحق به من باب أولى؛ لأن الاعتدال والجلوس بين السجدتين من الوسائل، والركوع والسجود من المقاصد.

стр. 920

وإذا دل الدليل على الموافقة فيما هو وسيلة، فأولى أن يجب فيما هو مقصد (١). وقد ورد الزجر عن الخفض والرفع قبل الإمام، من حديث أبي هريرة أيضاً- ﵁ مرفوعاً: "الذي يخفض ويرفع قبل الإمام إنما ناصيته بيد شيطان" رواه البزار، والطبراني بإسناد حسن (٢)، ورواه مالك في "الموطأ"، فوقفه على أبي هريرة، ولم يرفعه (٣). (أن يحول الله) (رأسه) الذي رفعه قبل إمامه حتى يجعله (رأس حمار، أو) قال ﷺ : أن (يجعل صورته) البشرية (صورة حمار). وخصه من بين سائر الحيوانات؛ لأنه أبلدها. والشك الواقع في لفظتي "يحول"، و"يجعل" من شعبة، كما في "الفتح". فالحمادان قالا: "رأس حمار". ويونس قال: "صورة حمار". والربيع قال. "وجه حمار" (٤). قال في "الفتح": والظاهر أنه من تصرف الرواة (٥).

стр. 921

وقال عياض: هذه الروايات متفقة؛ لأن الوجه في الرأس، ومعظم الصورة فيه (١). قال الحافظ ابن حجر: لفظ الصورة يطلق على الوجه أيضاً، لكن رواة الرأس أكثر، وهو أشمل، فهي المعتمدة، وخص وقوع الوعيد عليها؛ لأن بها وقعت الجناية. وظاهر الحديث يقتضي تحريم الرفع قبل الإمام؛ لكونه توعد عليه بالمسخ، وهو أشد العقوبات (٢). وبه جزم أئمة مذهبنا وغيرهم. قال شمس الدين بن أبي عمر في "شرح المقنع": من فعل ذلك عامداً، أثم، وبطلت صلاته في ظاهر كلام الإمام أحمد؛ فإنه قال: ليس لمن سبق الإمام صلاة، لو كان له صلاة، لرجي له الثواب، ولم يخش عليه العقاب (٣). وروي عن ابن مسعود- ﵁: أنه نظر إلى من سبق الإمام، فقال: لا وحدك صليت، ولا بإمامك اقتديت (٤). نعم، لا تبطل إن كان ساهياً أو جاهلاً؛ لأنه سبق يسير، ولقوله ﷺ : "عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان" (٥).

стр. 922

وعليه أن يرجع ليأتي به بعد؛ ليكون مؤتماً بإمامه، فإن لم يفعل عالماً عمداً، بطلت صلاته؛ لتركه الواجب عمداً؛ خلافاً للقاضي أبي يعلى (١). وهو قول جمهور الفقهاء: أنه يأثم ولا تبطل. وعن ابن عمر ﵄: أنها تبطل. وكذا قال أهل الظاهر، بناء على أن النهي يقتضي الفساد (٢). تنبيه: اختلف في معنى الوعيد المذكور في هذا الحديث: فقيل: يرجع إلى أمر معنوي، فإن الحمار موصوف بالبلادة، فاستعير هذا المعنى للجاهل بما يجب عليه من فرض الصلاة، ومتابعة الإمام. ويرجحه: أن التحويل الذي هو المسخ لم يقع مع كثرة الفاعلين، لكن ليس في الحديث ما يدل على وقوعه ولابد، وإنما يدل على كون فاعله متعرضاً لذلك، وكون فاعله صالحاً لأن يقع عليه الوعيد المذكور، لا يلزم من التعرض للشيء وقوع ذلك الشيء (٣). وقال ابن بزيزة: يحتمل أن يراد بالتحويل: المسخ، أو تحويل الهيئة الحسية أو المعنوية، أو هما معاً. وحمله آخرون على ظاهره، إذ لا مانع من جواز وقوع ذلك (٤). وقد صحت الأحاديث بجواز وقوع المسخ في هذه الأمة، كما في

стр. 923

حديث أبي مالك الأشعري؛ فإن فيه: ذكر الخسف، والمسخ قردة وخنازير (١)، ويقوي حمله على ظاهره: ما رواه الطبراني في "الأوسط"، بإسناد جيد، من حديث أبي هريرة مرفوعاً بلفظ: "ما يؤمن أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس كلب" (٢). ورواه في "الكبير" موقوفاً على عبد الله بن مسعود ﵁ بأسانيد، أحدها جيد (٣). وفي "صحيح ابن حبان"، من حديث أبي هريرة مرفوعاً: "أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس كلب" (٤). فهذا يبعد المجاز؛ لانتفاء المناسبة التي ذكروها من بلادة الحمار. وقال الحافظ ابن الجوزي في الرواية التي عبر فيها بالصورة: هذه اللفظة تمنع تأويل من قال: المراد: رأس حمار في البلادة، ولم يبين وجه المنع (٥). وكأنه -والله أعلم-: أن الجاري على ألسنة الناس القول في حق كل بليد وأحمق: رأسه رأس حمار، ولم يقولوا: صورته صورة حمار، والله الموفق. * * *

стр. 924

الحديث الثاني عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "إنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ؛ لِيُؤْتَمَّ بهِ، فَلاَ تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ، فَإذَا كبَّرَ فَكَبِّرُوا، وإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإَذَا صَلَّى جَالِساً، فَصَلُّوا جُلُوساً أَجْمَعُونَ" (١).

стр. 925

(عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ): أنه (قال: إنما جعل). إنما: تفيد الحصر، وبناء جُعل للمجهول، والفاعل الشارع. والمراد من هذا: أن الائتمام يقتضي متابعة المأموم لإمامه، فتنتفي المقارنة، والمسابقة، والمخالفة، إلا ما دل الدليل الشرعي عليه (١). (الإمام):-بالرفع- نائب الفاعل. (ليؤتم) -بالبناء للمفعول-، أي: يُقتدى (به)؛ أي: الإمام، يعني: جعل الشارع الإمام ليقتدي به المأموم، ويتبع صلاته، بحيث أن يوقع أفعالها بعد أفعال إمامه؛ لأن من شأن التابع ألا يسبق متبوعه، ولا يساويه، ولا يتقدم عليه في موقفه، بل يراقب أحواله، ويأتي على أثره بنحو فعله. ومقتضى ذلك: ألا يخالف في شيء من الأحوال (٢). (فلا تختلفوا) -معشر المأمومين- (عليه)؛ أي: الإمام في سائر أفعاله الظاهرة، بخلاف النية، فإنها من أعمال القلوب، فلا يضر تقدمها. (فإذا كبر) الإمام تكبيرة الإحرام. (فكبروا) أنتم بعده، فالفاء للتعقيب، كما جزم بذلك ابن بطال (٣)، وابن دقيق العيد (٤). ويفيد ذلك: وجوب وقوع التكبيرة كالأفعال من المأموم عقب الإمام. ولكن تعقب ذلك: بأن الفاء التي للتعقيب هي العاطفة، وأما هنا، فهي

стр. 926

للربط فقط؛ لأنها وقعت جواباً للشرط، فعلى هذا لا يقتضي تأخر أفعال المأموم عن الإمام، إلا على القول بتقدم الشرط على الجزاء. وقد قال قوم: إن الجزاء قد يكون مع الشرط، فعلى هذا لا تنتفي المقارنة (١). قال في "الفروع": وإن كبر للإحرام معه، لم تنعقد؛ وفاقاً لمالك، والشافعي. وقال أبو حنيفة: تنعقد، انتهى (٢). وإن وافقه في أفعال الصلاة، كره له ذلك؛ لقوله ﷺ : "فإذا ركع فاركعوا، ولا تركعوا حتى يركع، وإذا سجد فاسجدوا، ولا تسجد [وا] حتى يسجد" رواه الإمام أحمد، وأبو داود، من حديث أبي هريرة (٣). وإن وافقه في السلام، كره أيضاً، وإن سبقه عمداً، بطلت صلاته. (وإذا ركع) الإمام. (فاركعوا) زاد أبو داود، من رواية مصعب بن محمد، عن أبي صالح، عن أبي هريرة- ﵁ في الحديث: "ولا تركعوا حتى يركع، ولا تسجدوا حتى يسجد" (٤)، وهي زيادة حسنة تنفي احتمال إرادة المقارنة (٥). (وإذا قال) الإمام: (سمع الله لمن حمده، فقولوا) أنتم -معشر المأمومين-: (ربنا ولك الحمد).

стр. 927

كذا لجميع الرواة في حديث أبي هريرة، وكذا في حديث عائشة وأنس بإثبات الواو، إلا في رواية الليث عن الزهري فللكشميهني بحذفها (١). ورجح إثبات الواو، بأن فيها معنىً زائداً؛ لكونها عاطفة على محذوف تقديره: ربنا استجب، أو ربنا أطعنا ولك الحمد، فيشتمل على الدعاء وعلى الثناء معاً. ورجح قوم حذفها؛ لأن الأصل عدم التقدير، فتصير عاطفة على كلام غير تام، والأول أوجه، كما قال ابن دقيق العيد (٢). وفي "المطلع": صحت الرواية بإثبات الواو ودونها، وكلاهما مجزىء، إلا أن الأفضل بالواو. وقال القاضي عياض: بإثبات الواو تجمع معنيين: الدعاء، والاعتراف؛ أي: ربنا استجب لنا، ولك الحمد على هدايتك إيانا، ويوافق قول من قال: سمع الله لمن حمده بمعنى الدعاء. وعلى حذف الواو يكون بالحمد مجرداً، ويوافق قول: من قال: سمع الله لمن حمده خبر، انتهى (٣). (وإذا سجد) الإمام، (فاسجدوا). وفي حديث البراء بن عازب في "الصحيحين": "وإذا رفع -يعني: النبي ﷺ رأسه من الركوع، فقال: سمع الله لمن حمده، لم نزل قياماً حتى نراه قد وضع وجهه في الأرض، فنتبعه" (٤).

стр. 928

وفي لفظٍ: لم يَحْنِ أحدٌ منا ظهرَه حتى يقع النبي ﷺ (١). وروى الإمام أحمد، عن غندر، عن شعبة: حتى يسجد، ثم يسجدون (٢). واستدل به ابن الجوزي على أن المأموم لا يشرع في الركن حتى يتمه الإمام. وتعقب: بأن ليس في الحديث إلا التأخر حتى يتلبس الإمام بالركن الذي ينتقل إليه، بحيث يشرع المأموم بعد شروعه بالتلبس به، وقبل فراغه منه. ووقع في حديث عمرو بن حريث، عند مسلم: فكان لا يحني أحدٌ منا ظهره حتى يستتم ساجداً (٣). ولأبي يعلى، من حديث أنس: حتى يتمكن النبي ﷺ من السجود (٤)، وهو واضح في انتفاء المقارنة، واستدل به على طول الطمأنينة، وفيه نظر. وعلى جواز النظر إلى الإمام، لاتباعه في انتقالاته (٥). (وإذا صلى) الإمام (جالساً) لعذر يبيح له ذلك، (فصلوا) أنتم - معشر

стр. 929

المأمومين - خلفه (جلوساً) بالنصب على الحال. وقوله: (أجمعون) مرفوعاً بالواو، توكيد لفاعل صلوا، وهو الواو (١). وفي هذا دليل: لمن قال بصحة صلاة الإمام جالساً، بشرط كونه إمام مسجد راتباً عاجزاً عن القيام لمرضٍ يرجى زواله، وخالف في ذلك الإمام مالك، فلم يجز الإمامةَ جالساً، واعتذر عن صلاته ﷺ جالساً: بأن ذلك من خصائصه، وكذا منع صحة الإمامة جالساً محمدُ بن الحسن، واحتج بحديث جابر، عن الشعبي مرفوعاً: "لا يؤمَّنَّ أحدٌ بعدي جالساً" (٢). واعترضه الإمام الشافعي، فقال: قد علم من احتج بهذا أن لا حجة فيه؛ لأنه مرسل، ومن رواية رجل يرغب أهل العلم عن الرواية عنه -يعني: جابراً الجعفي- (٣). وقد ادعى ابن حبان، وغيره إجماعَ الصحابة على صحة إمامة القاعد (٤).

стр. 930

وقال أبو بكر بن العربي من كبار أئمة المالكية: لا جواب لأصحابنا عن حديث مرض النبي ﷺ يخلص عند السبك، واتباع السنة أولى، والتخصيص لا يثبت بالاحتمال. قال: إلا أني سمعت بعض الأشياخ يقول: الحال أحد وجوه التخصيص، وحال النبي ﷺ والتبرك به، وعدم العوض عنه، يقتضي الصلاة معه على أي حالٍ كان عليها (١). وأيضاً: فنقص صلاة القاعد عن القائم لا يتصور في حقه ﷺ ، ويتصور في غيره، انتهى. وأجاب في "الفتح": بأنه يرد بعموم قوله ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي" (٢)، وعن الثاني: بأن النقص إنما هو في حق القادر في النافلة، وأما المعذور في الفريضة، فلا نقص في صلاته عن القائم (٣). تنبيهات: الأول: استدل بعض العلماء بحديث صلاته ﷺ قاعداً وأصحابه قياماً: على نسخ ما دل عليه هذا الحديت من الأمر بصلاة المأمومين قعوداً إذا صلى الإمام قاعداً؛ لأنه ﷺ قد أقرهم على القيام خلفه وهو قاعد، هكذا أقره الإمام الشافعي (٤)، ونقله البخاري، عن الحميدي أيضاً (٥)، وهو تلميذ الشافعي، وبذلك يقول أبو حنيفة، وأبو يوسف، والأوزاعي، وحكاه

стр. 931

الوليد بن مسلم عن مالك (١)، وأنكر الإمام أحمد نسخ الأمر المذكور بذلك. وجمع بين الحديثين بتنزيلهما على حالتين: إحداهما: إذا ابتدأ الإمام الراتب الصلاة قاعداً لمرضٍ يرجى برؤه، فحينئذٍ يصلون خلفه قعوداً. ثانيهما: إذا ابتدأ الإمام الراتب الصلاة قائماً، ثم لم يطق القيام، لزم المأمومين أن يصلوا خلفه قياماً، سواءً طرأ ما يقتضي صلاة إمامهم قاعداً، أم لا، كما في الأحاديمث التي في مرض موته ﷺ ، فإن تقريره على القيام دل على أنه لا يلزمهم الجلوس في تلك الحالة؛ [لأنّ] (٢) أبا بكر ﵁ ابتدأ الصلاة بهم قائماً، وصلوا معه قياماً، بخلاف الحالة الأولى، فإنه ﷺ ابتدأ الصلاة جالساً، فلما صلوا خلفه قياماً، أنكر عليهم. ويقوي هذا الجمع: أن الأصل عدم النسخ، لا سيما وهو في هذه الحالة يستلزم دعوى النسخ مرتين؛ لأن الأصل في حكم القادر على القيام: ألا يصلي قاعداً، وقد نسخ إلى القعود في حق من صلى إمامه قاعداً، فدعوى نسخ القعود بعد ذلك يقتضي وقوع النسخ مرتين، وهو بعيدٌ، وأبعد منه: إنكار الإمام مالك كونَ النبي ﷺ أمَّ في مرض موته قاعداً، وهو في "الصحيحين"، من حديمث عائشة ﵂، قالت: اشتكى رسول الله ﷺ ، فدخل عليه ناسٌ من أصحابه يعودونه، فصلى رسول الله ﷺ جالساً، فصلوا بصلاته قياماً، فأشار إليهم أن اجلسوا،

стр. 932

فجلسوا، فلما انصرف، قال: "إنما جعل الإمام ليؤتم به"، الحديث (١). وكذا حديث أنس في "الصحيحين": لما سقط ﷺ عن فرسه، فجحش شقه الأيمن، قال: فدخلنا عليه نعوده، فحضرت الصلاة، فصلى بنا قاعداً، فصلينا وراءه قعوداً، فلما قضى الصلاة، قال ﷺ : "إنما جعل الإمام ليؤتم به" (٢). وقد قال بقول الإمام أحمد جماعة من محدثي الشافعية؛ كابن خزيمة، وابن المنذر، وابن حبان، وأجابوا عن حديث الباب بأجوبةٍ أخرى. وقد أخرج ابن المنذر، بإسنادٍ صحيح، عن أسيد بن حضير ﵁: أنه كان يؤم قومه، فاشتكى، فخرج إليهم بعد شكواه، فأمروه أن يصلي بهم، فقال: إني لا أستطيع أن أصلي قائماً، فاقعدوا، فصلى بهم قاعداً، وهم قعود (٣). وروى عبد الرزاق، بإسنادٍ صحيح، عن قيس بن فَهْد -بفتح الفاء وسكون الهاء- الأنصاري: أن إماماً لهم اشتكى على عهد رسول الله ﷺ ، قال: فكان يؤمنا وهو جالسٌ ونحن جلوسٌ (٤). وروى أبو داود، عن أسيد بن حضير ﵁: أنه قال: يا رسول الله! إن إمامنا مريضٌ، قال: "إذا صلى قاعداً، فصلوا قعوداً" (٥).

стр. 933

وروى ابن أبي شيبة، بإسنادٍ صحيح، عن جابر ﵁: أنه اشتكى، فحضرت الصلاة، فصلى بهم جالساً، وصلوا معه جلوسا" (١). وروي عن أبي هريرة ﵁: أنه أفتى بذلك، وإسناده صحيحٌ أيضاً (٢). وقد ألزم ابن المنذر من قال بأن الصحابي أعلم بتأويل ما روي، بأن يقول بذلك؛ لأنَّ أبا هريرة وجابراً، رويا الأمر المذكور، واستمرا على العمل به، والفتيا بعد النبي ﷺ ، وهذا واضح الدلالة، فلا يحتاج إلى الإطالة، والله أعلم (٣). الثاني: لا تصح إمامة العاجز عن القيام إلا إمام الحي، المرجو زوال علته، بخلاف غير إمام الحي المذكور، فلا تصح خلفه؛ رواية واحدة عن الإمام أحمد؛ لإخلاله بركنٍ من أركان الصلاة، أشبه العاجز عن الركوع. نعم، تجوز بمثله، وإذا استكمل الشروط: فالمستحب له أن يستخلف من يصلي بالناس؛ لاختلاف الناس في صحة إمامته، إذ في استخلافه خروجٌ من الخلاف (٤). وقد صلى النبي ﷺ تارةً، واستخلف أخرى؛ لبيان التشريع.

стр. 934

الثالث: لو ابتدأ الإمام الصلاة جالساً لعذرٍ يبيح ذلك، فصلى المأمومون خلفه قياماً، صحت صالاتهم في أحد الوجهين. وقيل: لاتصح، أومأ إليه الإمام أحمد؛ وذلك لأن النبي ﷺ أمرهم بالجلوس، ونهاهم عن القيام، فقال في حديث جابر: "إذا صلى الإمام قاعداً، فصلوا قعوداً، وإذا صلى قائماً، فصلوا قياماً، ولا تقوموا والإمام جالس، كما يفعل أهل فارس بعظمائها"، فقعدنا (١). ولأنه ترك الاقتداء بإمامه مع القدرة عليه، أشبه تارك القيام في حال قيام إمامه. ومعتمد المذهب: الصحة؛ لأنه ﷺ صلى وراءه قوم قياماً، فلم يأمرهم بالإعادة، فيحمل الأمر على الندب والاستحباب، ولأنه تكلف القيام في موضع يجوز له الجلوس فيه أشبه المريض إذا تكلف (٢). وأبدى في "الشرح الكبير" وجهاً: وهو أن تصح صلاة الجاهل بوجوب القعود دون العالم، كما قالوا في الذي ركع دون الصف (٣)، والله الموفق. الرابع: زاد مسلم في حديث أبي هريرة ﵁ بعد قوله: "فصلوا جلوساً أجمعون" -في طريق أخرى-: "وإذا صلى قائماً، فصلوا قياماً" (٤).

стр. 935

وفي لفظٍ آخر: كان رسول الله ﷺ يعلمنا، يقول: "لا تبادروا الإمام، إذا كبر فكبروا، وإذا قال: ولا الضالين، فقولوا: آمين، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد" (١). وفي طريقٍ أخرى. "ولا ترفعوا قبله" (٢)، والله تعالى الموفق. * * *

стр. 936

الحديث الثالث عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: صَلَّى رسول الله ﷺ فِي بَيْتِهِ، وَهُوَ شَاكٍ؛ فَصَلَّى جَالِساً، وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَاماً، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ؛ أَنِ اجْلِسُوا، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ: "إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُوتَمَّ بِهِ، فِإذَا رَكلعَ فَارْكَعُوا، وَإذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ؛ فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ، وَإذَا صَلَّى جَالِساً؛ فَصَلُّوا جُلُوساً أَجْمَعُونَ" (١).

стр. 937

(عن) أم المؤمنين (عائشة) الصديقة (- رضي الله تعالى عنها - قالت: صلى رسول الله ﷺ في بيته)، أي: في المشربة التي في حجرة عائشة كما بيَّنه أبو سفيان، عن جابر (١). وهو يدل على أن تلك الصلاة لم تكن في المسجد، وكأنه ﷺ عجز عن الصلاة بالناس في المسجد، فكان يصلي في بيته بمن حضر، لكنه لم ينقل أنه استخلف. ومن ثم قال القاضي عياض: الظاهر أنه صلى في حجرة عائشة وائتم به من حضر عنده ومن كان في المسجد (٢). وهذا الذي قاله محتمل. ويحتمل أيضاً: أن يكون استخلف، وإن لم ينقل، لا يقال: على الأول لجزم منه صلاة الإمام أعلى من المأمومين، ومذهب مالك خلافه؛ لأن المنع حيث لم يكن مع الإمام في مكانه العالي أحد، وهنا كان معه بعض أصحابه (٣). (وهو) ﷺ (شاكٍ) -بتخفيف الكاف بوزن قاضٍ- من الشكاية، وهي المرض. وكان سبب ذلك ما في حديث أنس ﵁: أنه ﷺ سقط عن فرسه، فجحش شقه الأيمن (٤). (فصلى) ﵊ (جالساً).

стр. 938

قال القاضي عياض: يحتمل أن يكون أصابه من السقطة رضٌّ في الأعضاء منعه من القيام (١). قال في "الفتح": ليس كذلك، وإنما كانت قدمه ﷺ منفكة، كما في حديث بشر بن المفضل، عن حميد، عن أنس عند الإسماعيلي. وكذا لأبي داود، وابن خزيمة، من رواية أبي سفيان، عن جابر (٢). وأما قوله: جحش كتفه، أو ساقه، أو شقه، كما تقدم في حديث أنس، فلا ينافي ذلك؛ لاحتمال وقوع الأمرين. والجحش: الخدش، والخدش: قشر الجلد. ووقع عند البخاري في حديث أنس: قال سفيان: حفظت من الزهري: شقه الإيمن، فلما خرجنا، قال ابن جريج: ساقه الأيمن (٣). وحاصل ذلك: أن سبب شكواه ﷺ سقوطه عن الفرس، وأن تلك الشكوى انفكاك القدم الشريفة. وأفاد ابن حبان أن هذه القصة كانت في ذي الحجة سنة خمس من الهجرة (٤). (وصلى وراءه قوم قياماً). وفي لفظ لمسلم، من رواية عروة، عن هشام: فدخل عليه ناس من أصحابه يعودونه (٥)، وقد سمي منهم في الأحاديث: أنس، وجابر،

стр. 939

وأبو بكر، وعمر - رضوان الله عليهم -. (فأشار) ﷺ (إليهم) هكذا للأكثر، وهو الأصح. ووقع في البخاري هنا للحموي: فأشار عليهم - من المشورة. يؤيد الأول أنه روي بلفظ: فأومأ إليهم (١). وفي رواية عند عبد الرزاق، بلفظ: فأخلف بيده، يومىء بها إليهم (٢). (أن اجلسوا) يعني: فجلسوا. (فلما انصرف) ﷺ من صلاته، (قال) لهم ﵊: (إنما جعل الإمام) -أي: إماماً- (ليؤتم)، أي: يقتدى (به)، ويتبع، ومن شأن التابع ألا يسبق المتبوع، ولا يساويه، ولا يتقدم عليه في موقفه، بل يراقب أحواله، ويأتي على أثره. كما تقدم ذلك في الحديث الذي قبله. (فإذا ركع) الإمام، (فاركعوا) أنتم بعد شروعه في الركوع. (وإذا رفع) من الركوع، (فارفعوا) أنتم بعده. وزاد في رواية عند مسلم: "وإذا سجد فاسجدوا"، وهذا يتناول الرفع من الركوع، والرفع من السجود، وجميع السجدات، كما في "الفتح" (٣). (وإذا قال) الإمام في حال رفعه من الركوع: (سمع الله لمن حمده)، (فقولوا) أنتم في حال رفعكم منه: (ربنا ولك الحمد). (وإذا صلى) الإمام (جالساً) لعذرٍ يبيح له ذلك، وكان إماماً راتباً

стр. 940

بمسجد، وعذره مرجواً لزواله، ولم يبتد الصلاة قائماً (فصلوا) أنتم وراءه (جلوساً) -ندباً- (أجمعون). كذا في جميع الطرق في "الصحيحين" بالواو. غير أن الرواة اختلفوا في رواية همام، عن أبي هريرة، فقال بعضهم: "أجمعين" (١) -بالياء-. والأول: تأكيد لضمير الفاعل في قوله: "صلوا". وأخطأ من ضعفه، كما في "الفتح"؛ فإن المعنى عليه. والثاني: نصب على الحال؛ أي: جلوساً مجتمعين، أو على التأكيد لضمير مقدر منصوب، كأنه قال: عنيتكم أجمعين، والله أعلم (٢). * * *

стр. 941

الحديث الرابع عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ الخَطْمِيِّ الأَنْصَارِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي البَرَاءُ؛ وَهُوَ غَيْرُ كذُوبٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا قَالَ: "سَمعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ"، لَمْ يَحْنِ أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ، حَتَّى يَقَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَاجِداً؛ ثُمَّ نَقَعُ سُجُوداً بَعْدَهُ (١). * * * (عن) أبي موسى (عبدِ الله بن يزيدَ) بنِ حصينِ بنِ عمرِو بنِ

стр. 942

الحارثِ بنِ خَطمَةَ -بفتح الخاء المعجمة وسكون الطاء المهملة-؛ سمي بذلك؛ لأنه ضرب رجلاً على خطمه، (الخطمي الأنصاري) الأوسي- ﵁، شهد الحديبية وهو ابن سبعَ عشرةَ سنة، وكان أميراً على الكوفة في عهد ابن الزبير. مات بها في زمن ابن الزبير أيضاً. قال الذهبي: بعيد السبعين. وكان الشعبي كاتبه. روى عنه: ابنه موسى، وعدي بن ثابت، والشعبي. روي له عن رسول الله ﷺ سبعة وعشرون حديثاً، أخرج له البخاري حديثين، ولم يخرج له مسلم شيئاً. قاله الحافظ المصنف - رحمه الله تعالى-، ونقل عن البرذعي أنه قال: إن مسلماً خرج له أحد حديثي، البخاري (١). (قال) عبد الله بن يزيد الخطمي المذكور ﵁: (حدثني البراء) -بفتح الموحدة وتخفيف الراء والمد على المشهور- هو أبو عمارة بنُ عَازِب -بالعين المهملة والزاي المكسورة- بنِ الحارثِ الأنصاريُّ الأوسيُّ الحارثيُّ- ﵄، فهو صحابي بن صحابي. أول مشاهده الخندق؛ لأنه استُصغر قبل ذلك من المشاهد، نزل

стр. 943

الكوفة، وافتتح الرَّي سنة أربع وعشرين في قول. وشهد مع سيدنا الإمام علي بن أبي طالب ﵁ وقعة الجمل، وصفين، والنهروان، ومات بالكوفة أيام مصعب بن الزبير. روى عنه: أبو جحيفة، وعبد الله بن يزيد الأنصاري، وبنوه: الربيع، ويزيد، وعبيد، وأبو إسحاق السبيعي (١). (وهو) يعني البراء بن عازب ﵄ (غير كذوب)، هذه العبارة لا تقال في رجلٍ من الصحابة ﵃؛ لأنهم كلهم عدول، وإنما تحسن فيمن يشك في عدالته. وهم - رضوان الله عليهم - لا يحتاجون إلى تزكية، لكنه جرى على ألسنة من يريد أن يصف إنساناً بغاية الصدق؛ ولذا قال الخطابي: هذا القول لا يوجب تهمة في الراوي، وإنما يوجب حقيقة الصدق له، وقال: هذه عادتهم إذا أرادوا تأكيد العلم بالراوي، والعمل بما روى. وكان أبو هريرة ﵁ يقول: سمعت خليلي الصادق المصدوق (٢).

стр. 944

وقال ابن مسعود: حدثني الصادق المصدوق (١). وقال عياض، وتبعه النووي: لا وصم في هذا على الصحابي؛ لأنه لم يرد به التعديل، وإنما أراد به تقوية الحديث إذ حدث به البراء، وهو غير متهم (٢). والحاصل: أن المراد تقوية جانب الحديث لا تزكية الراوي، والله أعلم (٣). (قال) يعني: البراء بن عازب ﵄: (كان رسول الله ﷺ إذا قال: سمع الله لمن حمده)، في رواية شعبة: إذا رفع رأسه من الركوع (٤)، ولمسلم: إذا رفع رأسه من الركوع، فقال: سمع الله لمن حمده، لم نزل قياماً (٥). (لم يَحْنِ) -بفتح التحتانية وسكون المهملة-، يقال: حنيت وحنوت بمعنى (٦). (أحد منا) -معشر أصحابه المؤتمين به- (ظهره)؛ ليهوي إلى السجود،

стр. 945

(حتى يقع رسول الله ﷺ ساجداً، ثم نقع) نحن (سجوداً بعده) ﷺ . وفي رواية: حتى يضع جبهته على الأرض، وهي عندهما (١)، وفي أخرى عند الإمام أحمد: حتى يسجد، ثم يسجدون (٢). والمقصود من هذا: ألا يتلبس المأموم بالركن إلا بعد أن يتلبس به الإمام؛ بحيث يشرع المأموم في الركن الفعلي بعد شروع الإمام فيه، وقبل فراغه منه -كما تقدم قريباً (٣) -، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 946

الحديث الخامس عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا أَمَّنَ فَأَمِّنُوا؛ فَإنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ المَلائِكَةِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" (١).

стр. 947

(عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر (﵁: أن رسول الله ﷺ ، قال: إذا أمن الإمام) -أي: قال: آمين-، والتأمين مصدر أمَّن -بالتشديد -أي: قال: آمين-، والمطلوب من ذلك بعد قراءة الفاتحة في الجهرية (١). (فأمنوا) معشر المأمومين -أي: قولوا: آمين-. واستدل به على تأخير تأمين المأموم عن تأمين الإمام؛ لأنه رتب عليه بالفاء، لكن المراد المقاربة. قال في "الفروع": وإذا فرغ -يعني من قراءة الفاتحة-، قال: آمين، يجهر بها الإمام والمأموم فيما يجهر به؛ وفاقاً للشافعي. قيل: بعده، وقيل: معه وفاقاً للشافعي. وعن الإمام أحمد ﵁ روايةٌ بترك الجهر بها، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك (٢). ومعتمد المذهب: أنه يجهر به مع الإمام، لا بعده. صححه في "تصحيح الفروع" (٣)، وقطع به في "المغني" (٤)، و"الكافي" (٥)، و"والتلخيص"، و"شرح المجد"، و"الشرح الكبير" (٦)، وغيرهم. قال بعض العلماء: لا تستحب مقارنة الإمام في شيءٍ من الصلاة إلا في

стр. 948

التأمين. وهذا الأمر عند الجمهور للندب. وحكى ابن بزيزة عن بعض أهل العلم وجوبه على المأموم؛ عملاً بظاهر الأمر. قال: وأوجبه الظاهرية على كل مُصلٍّ (١). وإن ترك الإمام التأمين، أتى به المأموم؛ كالتعوذ، ويجهر بالتأمين؛ ليذكِّره، ولو أسرَّه الإمام، جهر به المأموم (٢). ثم إنه ﷺ علل الأمر به، فقال: (فإنه)؛ أي: الشأن والأمر (من وافق تأمينه تأمين الملائكة). زاد ابن شهاب: "فإن الملائكة تؤمن قبل قوله، فمن وافق تأمينه" (٣)، وهو دال على أن المراد: الموافقة في القول والزمان، خلافاً لمن قال: المراد: الموافقة في الإخلاص والخشوع. والمراد بتأمين الملائكة: استغفارهم للمؤمنين. وقال ابن المنير: الحكمة في إثبات الموافقة في القول والزمان: أن يكون المأموم على يقظة؛ للإتيان بالوظيفة في محلها؛ لأن الملائكة لا غفلة عندهم، فمن وافقهم، كان متيقظاً. وظاهر الرواية: أن المراد بالملائكة: جميعهم، واختاره ابن بزيزة. وقيل: الحفظة منهم. وقيل: الذين يتعاقبون منهم، إذا قلنا: إنهم غير

стр. 949

الحفظة، والذي استظهره في "الفتح": أن المراد بهم: من شهد تلك الصلاة من الملائكة ممن في الأرض أو في السماء، كما في حديث: "فوافق ذلك [قول] أهل السماء" (١). وروى عبد الرزاق، عن عكرمة، قال: صفوف أهل الأرض على صفوف أهل السماء، فإذا وافق آمين في الأرض آمين في السماء، غفر للعبد (٢). ومثل هذا لا يقال بالرأي، فالمصير إليه أولى (٣). (غفر له ما تقدم من ذنبه): ظاهره: غفران جميع الذنوب الماضية، ولكنه محمول عند العلماء على الصغائر (٤)، كما تقدم في الوضوء. زاد في رواية شاذة: "وما تأخر". قال الحافظ ابن حجر: وقد وجدته في بعض النسخ من ابن ماجه، عن هشام بن عمار، وأبي بكر بن أبي شيبة، كلاهما عن ابن عيينة، بإثبات هذه الزيادة (٥). قال في "الفتح": ولا تصح؛ لأن أبا بكر قد رواه في "مسنده"، و"مصنفه" (٦) بدونها، وكذلك حفاظ أصحاب ابن عيينة (٧).

стр. 950

تنبيهان: الأول: في فضل التأمين، وذكر بعفما ورد فيه من الأحاديث النبوية: عق أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "إذا قال الإمام: غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقولوا: آمين؛ فإنه من وافق قوله قول الملائكة، غفر الله له ما تقدم من ذنبه" رواه الإمام مالك، والبخاري، واللفظ له، ومسلم، وأبو داود (١). وفي رواية للبخاري: "إذا قال أحدكم: آمين، قالت الملائكة في السماء: آمين، فوافقت إحداهما الأخرى، غفر له ما تقدم من ذنبه" (٢). وفي رواية للنسائي، وابن ماجه: "إذا أمن القارىء، فأمنوا ... " الحديث (٣). وفي رواية للنسائي: "إذا قال. غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقولوا: آمين" الحديث (٤). وفي ابن ماجه، بإسنادٍ صحيح، وابن خزيمة، عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ ، قال: "ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على السلام والتأمين" (٥).
следующие страницы →