← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17437

كشف اللثام شرح عمدة الأحكام

السفاريني

Полный текст (4 025 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

الحديث الخامس عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا أَمَّنَ فَأَمِّنُوا؛ فَإنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ المَلائِكَةِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" (١).

стр. 947

(عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر (﵁: أن رسول الله ﷺ ، قال: إذا أمن الإمام) -أي: قال: آمين-، والتأمين مصدر أمَّن -بالتشديد -أي: قال: آمين-، والمطلوب من ذلك بعد قراءة الفاتحة في الجهرية (١). (فأمنوا) معشر المأمومين -أي: قولوا: آمين-. واستدل به على تأخير تأمين المأموم عن تأمين الإمام؛ لأنه رتب عليه بالفاء، لكن المراد المقاربة. قال في "الفروع": وإذا فرغ -يعني من قراءة الفاتحة-، قال: آمين، يجهر بها الإمام والمأموم فيما يجهر به؛ وفاقاً للشافعي. قيل: بعده، وقيل: معه وفاقاً للشافعي. وعن الإمام أحمد ﵁ روايةٌ بترك الجهر بها، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك (٢). ومعتمد المذهب: أنه يجهر به مع الإمام، لا بعده. صححه في "تصحيح الفروع" (٣)، وقطع به في "المغني" (٤)، و"الكافي" (٥)، و"والتلخيص"، و"شرح المجد"، و"الشرح الكبير" (٦)، وغيرهم. قال بعض العلماء: لا تستحب مقارنة الإمام في شيءٍ من الصلاة إلا في

стр. 948

التأمين. وهذا الأمر عند الجمهور للندب. وحكى ابن بزيزة عن بعض أهل العلم وجوبه على المأموم؛ عملاً بظاهر الأمر. قال: وأوجبه الظاهرية على كل مُصلٍّ (١). وإن ترك الإمام التأمين، أتى به المأموم؛ كالتعوذ، ويجهر بالتأمين؛ ليذكِّره، ولو أسرَّه الإمام، جهر به المأموم (٢). ثم إنه ﷺ علل الأمر به، فقال: (فإنه)؛ أي: الشأن والأمر (من وافق تأمينه تأمين الملائكة). زاد ابن شهاب: "فإن الملائكة تؤمن قبل قوله، فمن وافق تأمينه" (٣)، وهو دال على أن المراد: الموافقة في القول والزمان، خلافاً لمن قال: المراد: الموافقة في الإخلاص والخشوع. والمراد بتأمين الملائكة: استغفارهم للمؤمنين. وقال ابن المنير: الحكمة في إثبات الموافقة في القول والزمان: أن يكون المأموم على يقظة؛ للإتيان بالوظيفة في محلها؛ لأن الملائكة لا غفلة عندهم، فمن وافقهم، كان متيقظاً. وظاهر الرواية: أن المراد بالملائكة: جميعهم، واختاره ابن بزيزة. وقيل: الحفظة منهم. وقيل: الذين يتعاقبون منهم، إذا قلنا: إنهم غير

стр. 949

الحفظة، والذي استظهره في "الفتح": أن المراد بهم: من شهد تلك الصلاة من الملائكة ممن في الأرض أو في السماء، كما في حديث: "فوافق ذلك [قول] أهل السماء" (١). وروى عبد الرزاق، عن عكرمة، قال: صفوف أهل الأرض على صفوف أهل السماء، فإذا وافق آمين في الأرض آمين في السماء، غفر للعبد (٢). ومثل هذا لا يقال بالرأي، فالمصير إليه أولى (٣). (غفر له ما تقدم من ذنبه): ظاهره: غفران جميع الذنوب الماضية، ولكنه محمول عند العلماء على الصغائر (٤)، كما تقدم في الوضوء. زاد في رواية شاذة: "وما تأخر". قال الحافظ ابن حجر: وقد وجدته في بعض النسخ من ابن ماجه، عن هشام بن عمار، وأبي بكر بن أبي شيبة، كلاهما عن ابن عيينة، بإثبات هذه الزيادة (٥). قال في "الفتح": ولا تصح؛ لأن أبا بكر قد رواه في "مسنده"، و"مصنفه" (٦) بدونها، وكذلك حفاظ أصحاب ابن عيينة (٧).

стр. 950

تنبيهان: الأول: في فضل التأمين، وذكر بعفما ورد فيه من الأحاديث النبوية: عق أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "إذا قال الإمام: غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقولوا: آمين؛ فإنه من وافق قوله قول الملائكة، غفر الله له ما تقدم من ذنبه" رواه الإمام مالك، والبخاري، واللفظ له، ومسلم، وأبو داود (١). وفي رواية للبخاري: "إذا قال أحدكم: آمين، قالت الملائكة في السماء: آمين، فوافقت إحداهما الأخرى، غفر له ما تقدم من ذنبه" (٢). وفي رواية للنسائي، وابن ماجه: "إذا أمن القارىء، فأمنوا ... " الحديث (٣). وفي رواية للنسائي: "إذا قال. غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقولوا: آمين" الحديث (٤). وفي ابن ماجه، بإسنادٍ صحيح، وابن خزيمة، عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ ، قال: "ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على السلام والتأمين" (٥).

стр. 951

ورواه الإمام أحمد، ولفظه: أن رسول الله ﷺ ذُكرت عنده اليهود، فقال: "إنهم لم يحسدونا على شيء، كما حسدونا على الجمعة التي هدانا الله لها، وضلوا عنها، وعلى القبلة التي هدانا الله لها، وضلوا عنها، وعلى قولنا خلف الإمام: آمين" (١). ورواه الطبراني في "الأوسط"، بإسنادٍ حسن، ولفظه: قال: "إن اليهود قد سئموا دينهم، وهم قومٌ حسد، ولم يحسدوا المسلمين على أفضل من ثلاث: رد السلام، وإقامة الصفوف، وقولهم خلف إمامهم في المكتوبة: آمين" (٢). وفي مسلم، وأبي داود، وغيرهما، من حديثٍ طويل، وفيه: "وإذا قال: ولا الضالين، فقولوا: آمين، يجبكم الله" (٣). الثاني: لفظة آمين تمد الهمزة فيها وتقصر، والمد أولى. وفي "الفتح": هي بالمد، والتخفيف، في جميع الروايات، وعن جميع القراء. وحكى الواحدي، عن حمزة والكسائي: الإمالة، قال: وفيها ثلاث لغات أخرى شاذة؛ القصر: حكاه ثعلب (٤).

стр. 952

وحكى عياض ومن تبعه عن ثعلب: إجازة القصر في الشعر خاصة. والتشديد مع المد، والقصر، وحكاهما جماعة من أهل اللغة (١). وفي "الفروع": ويحرم تشديد الميم (٢). وفي "المنتهى" وغيره: وتبطل به الصلاة (٣). قال ابن نصر الله في "حواشي الكافي": لأن معناها حينئذ قاصدين، فيصير متكلماً بكلمة عمداً، فتبطل صلاته (٤). وفي "ترغيب المنذري": وتشديد الممدود لغية. قيل: هو اسم من أسماء الله تعالى. وقيل: معناها: اللهم استجب، أو كذلك فافعل، أو كذلك فليكن (٥). وفي "الفتح": آمين: من أسماء الأفعال مثل صَهْ، تكسر وتفتح في الوصل؛ لأنها مبنية بالاتفاق، وإنما لم تكسر؛ لثقل الكسرة بعد الياء. ومعناها: اللهم استجب عند الجمهور. وقيل: معناها: اللهم أمنا بخير، والله أعلم (٦). * * *

стр. 953

الحديث السادس عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ، فَلْيُخَفِّفْ؛ فَإِنَّ فِيهِمً الضَّعِيفَ، والسَّقِيمَ، وَذَا الحَاجَةِ، وإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ؛ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ" (١). * * * (عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: إذا صلى أحدكم للناس) -أي: أمَّهم-كما هو لفظ حديث أبي هريرة في

стр. 954

"الصحيحين"، ولفظه: "إذا أم أحدكم الناس" (١). (فليخفف) على المأمومين، ولا يُطل القيام لطول القراءة، بل يخفف القراءة والأذكار، بحيث لا يقتصر على الأقل، ولا يستوفي الأكمل المستحب للمنفرد؛ من طوال المُفَصَّل وأوسطه، وأذكار الركوع والسجود. وقال الكرماني في "شرح البخاري": التخفيف هو بحيث لا يفوته شيء من الواجبات، كذا قال. وفي "الفروع": عن شيخ الإسلام ابن تيمية: ليس للإمام أن يزيد على القدر المشروع، وينبغي أن يفعل غالباً ما كان ﷺ يفعله غالباً، ويزيد وينقص للمصلحة، كما كان ﷺ يزيد وينقص أحياناً، انتهى (٢). وأولى ما أخذ حد التخفيف من حديث أبي داود، والنسائي، عن عثمان بن أبي العاص ﵁: أن النبي ﷺ قال له: "أنت إمام قومك، واقدر القوم بأضعفهم"، إسناده حسن (٣)، وأصله في مسلم (٤)، كما في "الفتح" (٥).

стр. 955

(فإن فيهم) -أي: الناس، يعني: المأمومين-. وفي لفظ: "فإن خلفه" (١). وهو تعليلٌ للأمر المذكور، ومقتضاه: أنه متى لم يكن فيهم من هو متصف بصفة من المذكورات، لم يضر التطويل. لكن لما كان بصدد من يجيء ممن هو متصف بأحدها، كان منهياً عنه، مع كون الأحكام إنه، تناط بالغالب، لا بالصورة النادرة، فينبغي للأئمة التخفيف مطلقاً، اللهم إلا أن يؤثروا التطويل حيث كانوا محصورين، وفي محلٍّ لا يتأتى مجيء من يدخل معهم، كما نص عليه فقهاؤنا (٢). (الضعيف) المراد هنا: ضعيف الخِلْقة، (والسقيم)؛ أي: من به مرض. وفي لفظٍ: "كان فيهم المريض والضعيف" (٣). (و) إن فيهم (ذا)؛ أي: صاحب (الحاجة) هي أشمل الأوصاف. وفي رواية عند الطبراني: "والحامل، والمرضع" (٤)، "والعابر السبيل" (٥).

стр. 956

والحاجة تعم ذلك، وتزيد عليه، فهي من عطف العام بعد الخاص. (وإذا صلى أحدكم لنفسه) غير إمام للناس، (فليطول) صلاته (ما شاء). وفي لفظٍ لمسلم: "فليصل كيف شاء" (١)؛ أي: مخففاً أومطولاً، ما لم يُفْضِ التطويل إلى خروج الوقت، ولو المختار. فمراعاة وقوع جميع الصلاة في وقتها المختار أولى من مراعاة مصلحة التطويل، بل يجب عليه أداؤها في وقتها، والله أعلم. * * *

стр. 957

الحديث السابع عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ ﵁، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: إِنِّي لأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلاَةِ الصُّبْحِ، مِنْ أَجْلِ فُلاَنٍ؛ مِمَّا يُطِيلُ بنَا، قَالَ: فَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ غَضِبَ فِي مَوْعِظَةٍ قَطُّ أَشَدَّ مِمَّا غَضِبَ يَوْمَئِذٍ، فًقَالَ: "يا أيها النُّاسُ! إِنَّ مِنْكُم مُنَفِّرِينَ، فَأَيُّكُمْ أَمَّ النَّاسَ، فَلْيُوجِزْ؛ فَإِنَّ مِنْ وَرَائِه الكَبِيرَ، والصَّغِيرَ، وَذَا الحَاجَةِ" (١). * * *

стр. 958

(عن أبي مسعود) عقبةَ بنِ عمرِو بنِ ثعلبةَ، الخزرجيِّ (الأنصاريِّ ﵁)، شهد العقبة الثانية، وكان أصغر من حضرها، وقد اشتهر بالبدري، ولم يشهد بدراً عند جمهور أهل العلم بالسير، وإنما نسب إلى بدر؛ لأنه نزله، فنسب إليه. وسكن الكوفة، ومات بها في خلافة علي بن أبي طالب ﵁ قبل الأربعين. وقيل: إنه تأخر إلى إحدى، أو اثنتين وأربعين. روي له عن رسول الله ﷺ مئة حديث وحديثان، اتفقا منها على تسعة، وانفرد البخاري بواحد، ومسلم بسبعة (١). (قال) أبو مسعود ﵁: (جاء رجل). قال في "الفتح": لم أقف على تسميته. ووهم من زعم أنه حزم بن أبي كعب، فإن قصته كانت مع معاذ، انتهى (٢). كما يأتي ذلك بعد ثلاثة أبواب. وقال البرماوي: الشاكي: حَرام -بالحاء المهملة والراء- بنُ مِلْحان. واسم ملحان: مالكُ بنُ خالدِ بن زيد بن حَرام النجَّاري، خالُ أنس بن مالك.

стр. 959

وقيل: إنه سُلَيم -بضم السين المهملة- بنُ الحارث، قاله البخاري في "تاريخه الكبير" (١). ووقع عند القرطبي: أنه سَلْم -بإسكان اللام- (٢). وعند الطحاوي في "معاني الآثار": أنه رجل من بني سليم، يقال له: سليم (٣). وفي "سنن أبي داود" تسميته: حزم بن أبي كعب (٤)، وكذا هو في "تاريخ البخاري" أيضاً (٥). ونقله ابن الجوزي عن "طبقات ابن سعد" (٦). ووهم من قال: ابن أبي حزم -بفتح الحاء المهملة وتشديد الزاي- بن أبي العين، وضبطه كذلك. قال البرماوي: وكأنَّه تصحف عليه بابن حزم المذكور آنفاً، انتهى ملخصاً. (إلى النبي ﷺ ) متعلق بـ: جاء، (فقال): يا رسول الله! (إني لأتأخر عن صلاة الصبح). وفي لفظٍ: "الغداة" (٧)، فلا أحضرها مع الجماعة لأجل التطويل.

стр. 960

وفي رواية ابن المبارك: "والله إني لأتأخر" (١)، بزيادة القسم. وفيه: جواز فعل ذلك؛ لأنه ﷺ لم ينكر عليه، وإنما خص صلاة الفجر -التي هي صلاة الغداة- بالذِّكر؛ لأنها تطول فيها القراءة غالباً، ولأن الانصراف منها وقت التوجه لمن له حرفة إليها (٢). (من أجل فلانٍ) استظهر في "الفتح": أن المراد بفلان: أُبَيُّ بنُ كعب ﵁، كما أخرجه أبو يعلى الموصلي، بإسنادٍ حسن، عن جابر ﵁، قال: كان أبي بن كعب يصلي بأهل قباء، فاستفتح سورة طويلة، فدخل معه غلامٌ من الأنصار في الصلاة، فلما سمعه استفتحها، انفتل من صلاته، فغضب أُبيٌّ، فأتى النبي ﷺ يشكو الغلام، وأتى الغلام يشكو أبيّاً ... الحديث (٣). قال: وهذا أظهر من حمله على قصة معاذ؛ لأن قصته كانت في العشاء، وكان معاذ إمامها، وكانت في مسجد بني سلمة، وهذه كانت في الصبح، وكانت في مسجد قباء. ووهم من فسر الإمام المبهم هنا بمعاذ بن جبل ﵁ (٤). (مما يطيل بنا) تعليل لتأخره عن صلاة الصبح جماعةً. (قال) أبو مسعودٍ الأنصاري ﵁: (فما رأيت النبي ﷺ غضب في موعظةٍ) من المواعظ التي كان يخطبها أصحابه.

стр. 961

(قط أشدَّ مما غضب يومئذٍ)، وهو نعت لمصدرٍ محذوفٍ؛ أي: غضباً أشد (١). وكأنَّ حكمة ما ظهر من الغضب: لإرادة الاهتمام لما يلقيه لأصحابه؛ ليكونوا من سماعه على بالٍ؛ لئلا يعود من فعل ذلك إلى مثله (٢). وفي حديث جابرٍ الذي خرَّجه أبو يعلى: فغضب النبي ﷺ حتى عرف الغضب في وجهه (٣). (فقال: يا أيها الناس! إنَّ منكم منفرين). ولعل قصة أُبي هذه، بعد قصة معاذ، فلهذا أتى بصيغة الجمع، وفي قصة معاذ: واجهه بالخطاب بقوله له: "أفتان أنت يا معاذ؟ " (٤)، ولهذا ذكر في هذا الغضب، ولم يذكر في قصة معاذ: (فأيكم أَمَّ الناسَ، فليوجز)؛ أي: يخفف، يقال: كلامٌ وجيزٌ؛ أي: خفيفٌ مقتصد، كما في "النهاية" (٥). وفي لفظٍ: "فليخفف" (٦) قال ابن دقيق العيد: التطويل والتخفيف من الأمور الإضافية، فقد يكون

стр. 962

الشيء خفيفاً بالنسبة إلى عادة قوم، طويلاً بالنسبة لعادة آخرين (١). (فإن من ورائه)؛ أي: الإمام. (الكبير) العاجز، (والصغير) الدْي لم تكمل قوته، ولم ترتَضْ نفُسه ليأثر التطويل في الصلاة، (وذا الحاجة) التي يشتغل باله بخوف فواتها، أو نحو ذلك. وعند مسلمٍ في رواية، وأبي داود: "أنت إمامهم، واقتد بأضعفهم" (٢). قال الطيبي: قوله: "اقتد بأضعفهم" جملة إنشائية عطفت على "أنت إمامهم" وهي خبرية على تأويل: أُمَّهم، وإنما عدل إلى الاسمية؛ لدلالتها على الثبات، وأنَّ إمامته قد حصلت، وهو ﷺ مخبر ضها. والحاصل: أنه يراعي أضعف الجماعة المقتدين به، والله تعالى الموفق. * * *

стр. 963

باب صفة صلاة النبي ﷺ - التي كان يصليها بأصحابه، ويصليها منفرداً؛ يعني: ما ورد وصحَّ من ذلك، والمراد: الإشارة إلى جملة من الأحاديث الثابتة، بحيث يحصل من مجموعها المقصود المترجم له. وذكر الحافظ -روَّح الله روحه- في هذا الباب أربعة عشر حديثاً:

стр. 964

الحديث الأول عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا كَبَّرَ فِي الصَّلاَةِ، سَكَتَ هُنَيْهَةً، قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ! بأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، أَرَأَيْتَ سُكُوتَكَ بَيْنَ التَكبِيرِ، والقِرَاءَةِ، مَا تَقُولُ؟ قَالَ: "أَقُولُ: الَّلهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي، وبَيْنَ خَطَايَايَ؛ كمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ المَشْرقِ والمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بالمَاءِ، والثَّلْجِ، والبَرَدِ" (١).

стр. 965

(عن أبي هريرة ﵁، قال: كان النبي ﷺ ). تقدم: أن "كان" تشعر بكثرة وقوع مدخولها، والمداومة عليه، وقد تستعمل في مجرد وقوعه (١). (إذا كبر في الصلاة) هذا يدل مع ما يأتي من الأحاديث على افتتاح الصلاة بالتكبير، فلا تنعقد الصلاة إلا بقوله قائماً في فرضٍ: الله أكبر، مرتَّباً، وفاقاً لمالك، لا إن قال: الله الأكبر، خلافاً للشافعي، أو الله جليل، ونحوه، خلافاً لأبي حنيفة، ولو زاد: أكبر، خلافاً للشافعي، ولا إن قال: الله أقبر -بالقاف-. وقالت الحنفية: تنعقد، قالوا: لأن العرب تُبْدِل الكاف بها. ولا تنعقد إن مد همزة أكبر، أو قال: أكبار، اتفاقاً. وأما لو خلل الألف بين اللام والهاء، لم يضر؛ لأنه إشباع؛ وحذفها أولى؛ لكراهة التمطيط (٢). وترجم البخاري في "صحيحه"، باب: إيجاب التكبير (٣)، أطلق الإيجاب، والمراد: الوجوب تجوزاً؛ لأن الإيجاب خطاب الشرع، والوجوب ما يتعلق بالمكلف، وهو المقصود هنا (٤). فائدة: تكبيرة الإحرام ركن من أركان الصلاة عند الجمهور. وقيل: شرطٌ، وهو عند الحنفية، ووجهٌ عند الشافعية. قال في "الفروع" عن تكبيرة الإحرم: إنها ليست بشرطٍ، بل من

стр. 966

الصلاة، نص عليه -يعني: الإمام أحمد-، ولهذا تعتبر لها شروطها. وعند الحنفية شرطٌ، فيجوز عندهم بناء النفل على تحريمة الفرض، حتى لو صلى الظهر، صح إلى النفل بلا إحرامٍ جديدٍ (١). وقيل: إن تكبيرة الإحرام سنةٌ. قال ابن المنذر: لم يقل به أحدٌ غير الزهري، ونقله غيره عن سعيد بن المسيب، والأوزاعي، ومالك. قال في "الفتح": ولم يثبت عن أحد منهم تصريحاً، وإنما قالوا فيمن أدرك الإمام راكعاً: يجزئه تكبيرة الركوع. نعم، نقله الكرخي من الحنفية عن إسماعيل بن عُلَيّه، وأبي بكرٍ الأصم (٢). (سكت هنيهة)؛ كذا وقع في رواية الكشميهني، وغيره بقلب الياء هاء. وفي أكثر الروايات: هنيئة -بضم الهاء وفتح النون بلفظ التصغير-، وهو عند الأكثر: بتشديد الياء. وذكر القاضي عياض: أن أكثر رواة مسلم قالوه بالهمز (٣)، وأما النووي، فقال: الهمز خطأٌ، قال: وأصله: هنيوةٌ، فاجتمعت واوٌ وياء سبقت إحداهما السكون، فقلبت الواو ياء، ثم أدغمت (٤). قال غيره: لا يمنع ذلك إجازة الهمز، فقد تقلب الياء همزةً (٥).

стр. 967

وفي "النهاية": أقام هنيئةً؛ أي: قليلاً من الزمان، وهو تصغير هنة، ويقال،: هنيهة أيضاً. (قبل أن يقرأ) ﷺ ، (فقلت: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي) الباء متعلقة بمحذوف اسم أو فعل، والتقدير: أنت مفدي، أو أفديك. واستدل به على جواز قول ذلك. وزعم بعضهم أنه من خصائصه ﷺ . (أرأيت سكوتك) هكذا في رواية مسلم (١). وفي البخاري: إسكاتك -بكسر أوله-، وهو بالرفع على الابتداء. قال [المظهري] (٢) شارح "المصابيح": هو بالنصب على أنه مفعولٌ بفعلٍ محذوفٍ؛ أي: أسألك إسكاتك، أو على نزع الخافض، انتهى (٣). وفي رواية الحميدي: ما تقول في سكتتك (٤) (بين التكبيرة والقراءة)؛ أي: بعد تكبيرة الإحرام، وقبل الشروع في قراءة الفاتحة. (ما تقول) كأن أبا هريرة ﵁ فهم أن هناك قولاً؛ فإن السؤال وقع بقوله: ما تقول؟ لا بقوله: هل تقول؟ والسؤال بهل مقدمٌ على السؤال، بما هاهنا. ولعله استدل على أصل القول بحركة الفم، كما ورد في استدلالهم على القراءة باضطراب لحيته ﷺ (٥).

стр. 968

(قال) ﷺ : (أقول: اللهم)؛ أي: يا ألله! حذف حرف النداء تخفيفاً، وعوض عنه حرف الميم، ولهذا لا يجمع بينهما في اختيار الكلام. (باعِدْ) المراد بالمباعدة: بمحو ما حصل منها، والعصمة عما سيأتي منها، وهو مجاز؛ لأن حقيقة المباعدة إنما هي في الزمان والمكان (١). (بيني وبين خطاياي): جمع خطيئة، وهي الذنوب، أو العمد منها، والمراد: مجرد الذنوب. وكرر لفظة "بين"؛ لأن العطف على الضمير المجرور يعاد فيه الخافض، يعني: مجازاً عن زوال الذنوب ومحو أثرها. (كما باعدت بين المشرق) من الأفق الذي تشرق الشمس منه (والمغرب) الذي تغيب فيه، وأفرد كل واحدٍ منهما باعتبار الجهة. وموقع التشبيه من ذلك: أن التقاء المشرق والمغرب مستحيلٌ، فكأنه أراد ألا يبقى لذنوبه منه ﷺ اقترابٌ بالكلية (٢). (اللهم نقني): من التنقية، وهو غسله وتنظيفه (من خطاياي)؛ أي: ذنوبي. (كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس)؛ أي: الوسخ. يعني بـ"نقني": أَزِلْ عني الذنوب بمحو أثرها. ولما كان الدنس في الثوب الأبيض أظهرَ من غيره من الألوان، وقع التشبيه به، قاله ابن دقيق العيد (٣).

стр. 969

(اللهم اغسلني من خطاياي) بأن تمحوها، وتمحو أثرها عني. (بالماء والثلج والبرد) قال ابن دقيق العيد: يحتمل إرادة المحو بالمجموع، فإن الثوب الذي تكرر عليه التنقية بثلاثة أشياء منقيةٍ يكون في غاية النقاء، ويحتمل أن يكون كل واحدٍ من هذه الأشياء مجازاً عن صفة يقع بها التكفير والمحو، ولعل ذلك كقوله تعالى: ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، فكل واحدةٍ من هذه الصفات -أعني: العفو والمغفرة والرحمة- لها أثرٌ في محو الذنوب. فعلى هذا ينظر إلى الأفراد، ويجعل كل فردٍ من أفراد الحقيقة دالاً على معنىً فرد مجازي، انتهى (١). وقال الخطابي: ذكر الثلج والبرد تأكيداً، ولأنهما ماءان لا تمسهما الأيدي، ولم يمتهنهما الاستعمال. قال التوربشتي: خص هذه الثلاثة بالذكر؛ لأنها منزلةٌ من السماء. وقال الكرماني: يحتمل أن يكون في الدعوات الثلاثة إشارةٌ إلى الأزمنة الثلاثة؛ فالمباعدة للمستقبل، والتنقية للحال، والغسل للماضي، انتهى (٢). وبدأ بتقديم المستقبل؛ للاهتمام بدفع ما سيأتي قبل رفع ما حصل. واستدل بالحديث على مشروعية الدعاء بين التكبير والقراءة، خلافاً للمشهور عن مالك، والله أعلم (٣).

стр. 970

تنبيهان: الأول: حديث أبي هريرة هذا أحد استفتاحات الصلاة، والذي اختاره الإمام أحمد وفاقاً للإمام أبي حنيفة: ما في السنن الأربعة، عن عائشة، وأبي سعيد، وغيرهما ﵃: أن النبي ﷺ كان إذا افتتح الصلاة، قال: "سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك" (١)، وهو في "صحيح مسلم"، عن عمر بن الخطاب ﵁ موقوفاً عليه (٢). نص على استحباب الاستفتاح بهذا الإمامُ أحمد، وصحح قول عمر ﵁ بمحضرٍ من الصحابة، وقال عن غيره من الأخبار: إنما هي عندي في التطوع. واحتج له القاضي بقوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الطور: ٤٨]؛ يعني: إلى الصلاة، فمنع غيره من الأذكار. ومعنى الواو: وبحمدك سبحتك (٣).

стр. 971

واختار الإمام الشافعي ما في "صحيح مسلم"، عن علي- ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة، قال: "وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين" (١). لكن قيده مسلم بصلاة الليل، وبذلك رجَّح الإمام أحمد عليه استفتاحَ عمر، وأخرجه الشافعي، وابن خزيمة، وغيرهما بلفظ: إذا صلى المكتوبة (٢). واعتمده الشافعي في "الأم" (٣). واختار عون الدين بن هبيرة، وشيخ الإسلام ابن تيمية: جمعَ التسبيح والتوجُّه. وقال شيخ الإسلام -أيضاً-: الأفضل أن يأتي بكل نوع من أنواع الاستفتاحات أحياناً (٤). ونقل الساجي عن الشافعي: استحبابَ الجمع بين التوجه والتسبيح، وهو اختيار ابن خزيمة، وجماعةٍ من الشافعية. وحديث أبي هريرة المشروح أصح ما ورد في ذلك (٥).

стр. 972

الثاني: صدر هذا الدعاء -في حديث أبي هريرة- من النبي ﷺ على سبيل المبالغة في إظهار العبودية، والاعتناء بمقتضياتها. وقيل: قاله على سبيل التعليم لأمته، واعترض: بأنه لو أراد ذلك، لجهر به. وأجيب: بورود الأمر بذلك في حديث سمرة عند البزار (١). وفي هذا الحديث: ما كان الصحابة -رضوان الله عليهم- من المحافظة على تتبع أحوال المصطفى ﷺ في حركاته وسكناته، وإسراره وإعلانه، حتى حفظ الله بهم الدين (٢)، والله الفتاح المعين. * * *

стр. 973

الحديث الثاني عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسْتَفْتِحُ الصَّلاَةَ بِالتَّكْبِيرِ، وَالقِرَاءَةَ بِـ: "الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ"، وَكَانَ إِذَا رَكَعَ؛ لَمْ يُشْخِصْ رَأْسَهُ، وَلَمْ يُصَوِّبْهُ، وَلَكِنْ بَيْنَ ذَلِكَ، وَكَانَ إِذَا رَفَعَ رَأسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِماً، وَكَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسهُ مِنَ السَّجْدَةِ، لَم يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِداً، وَكَانَ يَقُولُ في كُلِّ رَكْعَتَيْنِ: التَّحِيَّةَ، وكَان يَفْرُشُ رِجْلَهُ اليُسْرَى، ويَنْصِبُ رِجْلَهُ اليُمْنَى، وكَانَ يَنْهَى عَنْ عُقْبَةِ الشَّيْطَانِ، وَيَنْهَى أَنْ يَفْتَرِشَ الرَّجُلُ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ السَّبُعِ، وَكَانَ يَخْتِمُ الصَّلاَةَ بالتَّسْلِيمِ (١).

стр. 974

(عن) أم المؤمنين (عائشة) الصديقة (﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يستفتح الصلاة)؛ أي: يقصد استفتاحها (بالتكبير)، أي: بقوله: "الله أكبر" بالرفع، قال ابن سِيْده: حمله سيبويه على الحذف؛ أي: أكبر من كل شيءٍ. وقيل: أكبر من أن ينسب إليه ما لا يليق بوحدانيته (١). وقال الأزهري: قيل: أكبرُ كبير، كقوله: هو أعز عزيزٍ. ومنه قول الفرزدق: [من الكامل] إِنَ الذي سَمَكَ السَّماءَ بَنَى لنا ... بيتاً دعائِمُهُ أَعَزُّ وأَطْوَلُ (٢) أراد: دعائمه أعز عزيزٍ، وأطول طويلٍ (٣). وفي حديث المسيء في صلاته عند أبي داود بلفظ: "لا تتم صلاة أحد من النالس، حتى يتوضأ، فيضع الوضوء مواضعه، ثم يُكَبِّر" (٤). وحديث أبي حُميد: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة، اعتدل قائماً، ورفع يديه، ثم قال: "الله أكبر" رواه الترمذي (٥).

стр. 975

فهذا فيه بيان المراد بالتكبير. (و) كان ﷺ يستفتح (القراءة) في الصلاة (بالحمدُ لله رب العالمين) بضم دال "الحمدُ" على الحكاية؛ أي: كان ﷺ يفتتح الصلاة بهذا اللفظ، من غير أن يجهر بالبسملة. قال بعض رواته عن شعبة وغيره: فلم أسمع أحداً منهم يقرأ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، خرجه مسلم (١)، وفي بعض الروايات: فلم يكونوا يجهرون ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢). ويأتي الكلام على ذلك بعد ثلاثة أبواب. (وكان) ﷺ (إذا ركع) يضع يديه على ركبتيه، فيمكِّنهما من ركبتيه، ويفرِّج بين أصابعه، ويجافي مرفقيه عن جنبيه، ثم اعتدل في ركوعه، وجعل رأسه حيال ظهره، (لم يُشْخِص) النبي ﷺ في أثناء ركوعه (رأسَه) الشريف؛ أي: لم يرفعه. (ولم يصوِّبه)؛ أي: رأسه؛ أي: لم يخفضه. (ولكن) كان ﷺ يجعله (بين ذلك)؛ أي: ما بين الرفع والخفض؛ بأن يَهْصر ظهرَه الشريف، ويمدَّه؛ ولم يجمعه، فهكذا كان ركوعه ﷺ . ولا ريب أن الركوع لغةً: هو مجرد الانحناء (٣)، والمقصود: الانحناء

стр. 976

الشرعي؛ بحيث يكون رأس المصلي حيال ظهره؛ أي: بإزائه وقبالته (١). وفي حديث وابصة ﵁ عند أبي داود بإسنادٍ حسنٍ، قال: كان رسول الله ﷺ إذا ركع، سوى ظهره، حتى لو صب عليه الماء لاستقر (٢). ورواه الطبراني أيضاً من حديث ابن عباس ﵄ (٣). وعن أبي برزة (٤)، وابن مسعود ﵄ (٥). (وكان) ﷺ (إذ رفع رأسه من الركوع) مع إتيانه بالتكبير والتسميع والتحميد مع رفع اليدين، كل شيء من ذلك في محاله، كما يأتي. (لم يسجد حتى يستوي قائماً)، وكان يطيل الطمأنينة هنا، ويأتي بالذكر المشروع كما سيأتي، ثم يكبر ﷺ ، ويخر ساجداً، ولا يرفع يديه، وكان يضع ركبتيه قبل يديه، هكذا قال عنه وائل بن حجر (٦)، وأنس بن مالك (٧).

стр. 977

وقال عنه ابن عمر: إنه كان يضع يديه قبل ركبتيه (١). واختلف على أبي هريرة ﵁، ففي "السنن"، عنه، عن النبي ﷺ : "إذا سجد أحدُكم-، فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضعْ يديه قبلَ ركبتيه" (٢). وروى عنه المقبري، عن النبي ﷺ : "إذا سجد أحدكم، فليبدأ بركبتيه قبل يديه" (٣). فأبو هريرة قد تعارضت الرواية عنه. وحديث وائل، وابن عمر قد تعارضا، فرجحت طائفة حديث وائل بن حجر، وسلكت طائفة مسلك النسخ، وقالت: كان الأمر الأول وضع اليدين قبل الركبتين، ثم نسخ بوضع الركبتين أولاً، وهذه طريقة ابن خزيمة (٤)، وروى في ذلك حديثاً عن سعد، قال: كنا نضع اليدين قبل الركبتين، فأمرنا بالركبتين قبل اليدين (٥)، وهذا لو ثبت، لكان فيه الشفاء.

стр. 978

لكن في سنده يحيى بن سلمة بن كهيل، قال البخاري: عنده مناكير، وقال ابن معين: ليس بشيء، لا يكتب حديثه، وقال النسائي: متروك الحديث (١). قال الإمام ابن القيم في كتابه: "صفة صلاة النبي ﷺ ": هذه القضية مما وهم فيها يحيى أو غيره، وإنما المعروف عن مصعب بن سعد، عن أبيه: نسخُ التطبيق في الركوع بوضع اليدين على الركبتين، فلم يحفظ هذا الراوي، فقال: المنسوخ وضع اليدين قبل الركبتين (٢). والحاصل: أن المشروع أن يضع ركبتيه أولاً، ثم يديه، وفاقاً لأبي حنيفة والشافعي. وفي رواية مرجوحة: يضع يديه أولاً، ثم ركبتيه، وفاقاً لمالك، ثم يضع جبهته وأنفه (٣). قال الإمام ابن القيم: المصلي في انحطاطه إلى السجود ينحط منه إلى الأرض الأقرب إليها أولاً، ثم الذي من فوقه، ثم الذي من فوقه، حتى ينتهي إلى أعلى ما فيه، وهو وجهه، فإذا رفع رأسه من السجود، ارتفع أعلى ما في أولاً، ثم الذي دونه، حتى يكون آخر ما يرتفع منه ركبتاه (٤). وكان ﷺ يسجد على جبهته وأنفه ويديه وركبتيه وأطراف قدميه، ويستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة، وكان يعتمد على أليتي كفيه، ويرفع

стр. 979

مرفقيه، ويجافي عضديه عن جنبيه، ويرفع بطنه عن فخذيه، وفخذيه عن ساقيه (١)، وإنما يطلب ذلك من المصلي إذا لم يؤذ جاره. (وكان) ﷺ (إذا رفع رأسه) الشريف (من السجدة) الأولى مع إتيانه بالذكر المشروع، (لم يسجد) السجدة الثانية (حتى يستوي) بعد ارتفاعه من السجدة الأولى (قاعداً)، فكان يرفع رأسه مكبراً. (وكان) ﷺ (يقول في كل ركعتين) من صلاته: (التحية)، ويأتي الكلام على ذلك في باب التشهد بعد ستة أبواب. (وكان) ﵊ (يَفْرُش) -بفتح الياء المثناة تحت، والمشهور فيه ضم الراء، وأما كسرها، فذكره أبو حفص بن مكي في لحن العوام، فقال: يكسرون الراء من "يفرش"، والصواب ضمها (٢). (رجله اليسرى) ويجلس عليها (وَينْصِب) -بفتح المثناة وسكون النون وكسر الصاد المهملة-؛ أي: يرفع (رجله اليمنى) على هيئة المتخشع المتذلل المسكين التي نفسه بين يدي سيده ومولاه. (وكان) ﷺ (ينهى عن عُقْبَةِ الشيطان). قال في "النهاية": عقبة الشيطان: هو أن يضع المصلي أَلْيَيْهِ على عقبيه بين السجدتين، وهو الذي يجعله بعض الناس الإقعاء. وقيل: هو أن يترك عقبيه غير مغسولين في الوضوء (٣)، والأول أصح هنا، والله أعلم.

стр. 980

(و) كان ﷺ (ينهى أن يفترش الرجل) -يعني: الشخص المصلي- (ذراعيه) - تثنية ذراع، يذكر ويؤنث، وهو العظم من المرفق إلى الكوع - (١) (افتراش السبع)، وهو أن يبسط ذراعيه في السجود ولا يرفعهما عن الأرض، كما يبسط الكلب والذئب ذراعيه. والافتراش: افتعال من الفَرْش والفِرَاش، والمرأة تسمى فِراشاً؛ لأن الرجل يفترِشها (٢). والسبع: هو الحيوان المفترس، والجمع: أسبع، وسباع (٣). ومن العجائب أنه قيل: إنما سمي سبعاً؛ لكونه يمكث في بطن أمه سبعة أشهر، ولا تلد الأنثى أكثر من سبعة أولاد، ولا ينزو الذكر منها على الأنثى إلا بعد سبع سنين من عمره. (وكان) ﷺ (يختم الصلاة بالتسليم)، فجعل التسليمَ تحليلاً لها، يخرج به المصلي منها، كما يخرج بتحليل الحج منه، فكان هذا التحليل، دعاء الإمام لمن وراءه بالسلامة التي هي أصل الخير وأساسه، فشرع لمن وراءه أن يتحللوا بمثل ما تحلل به الإمام. وفي ذلك دعاء له وللمصلين معه بالسلام. ثم شرع ذلك لكل مصل، وإن كان منفرداً، فلا أحسن من هذا التحليل للصلاة، كما أنه لا أحسن من كون التكبير تحريماً لها، فتحريمها: تكبير الله تعالى الجامع لإثبات كل كمال له، وتنزيهه عن كل نقص وعيب، وإفراده وتخصيصه بذلك، وتعظيمه وإجلاله.

стр. 981

فالتكبير لمجضن تفاصيل أفعال الصلاة وأقوالها وهيئاتها، فالصلاة من أولها إلى آخرها تفصيل لمضمون: الله أكبر، فلا أحسن من هذا التحريم المتضمن للإخلاص والتوحيد. وهذا التحليل المتضمن للإحسان إلى إخوانه المؤمنين؛ فافتتحت بالإخلاص، وختمت بالإحسان (١). وحديث: "تحليلها التسليم" أخرجه أصحاب السنن، بسندٍ حسن (٢). وأما حديث: "إذا أحدث وقد جلس في آخر الصلاة قبل أن يسلم، فقد جازت صلاته" (٣)، فقد ضعفه الحفاظ (٤). تنبيهان: الأول:. لم يبين في هذا الحديث عدد التسليم، وقد أخرج مسلم من حديث ابن مسعود ﵁، ومن حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ التسليمتين. أما حديث ابن مسعود، فرواه مسلم، عن أبي معمر: [أنَّ] أميراً كان

стр. 982

بمكة يسلم تسليمتين، فقال عبد الله -يعني: ابن مسعود-: أنَّى عقلها (١)، إن رسول الله ﷺ كان يفعله (٢). وأما حديث سعد، فأخرجه مسلم، عنه، قال: كنت أرى رسول الله ﷺ يسلم عن يمينه وعن يساره، حتى أرى بياض خده. ورواه الإمام أحمد، وابن ماجه، والنسائي (٣)، وروي نحو ذلك في عدة أحاديث. وأما حديث التسليمة الواحدة، فمعلول، كما قاله العقيلي (٤)، وابن عبدالبر (٥). وقد بسط ابن عبد البر الكلام على ذلك (٦). ومعتمد المذهب: لا بد من تسليمتين في صلاة الفرض، وفي النفل: الثانية سنة، وفي صلاة الجنازة: الثانية مباحة.

стр. 983

وعند مالك، والشافعي: يخرج من الصلاة -ولو مكتوبة- بتسليمة واحدة، والله تعالى الموفق (١). الثاني: ظاهر سياق المصنف الحافظ -روَّح الله روحه بالرحمة-: أن حديث عائشة هذا متفق من الشيخين، وليس كذلك، بل هو من أفراد مسلم، وقد نبه على ذلك ابن دقيق العيد (٢)، وغيره. وفي "الجمع بين الصحيحين" للحافظ عبد الحق الإشبيلي -بعد أن ذكر حديث عائشة المذكور عند مسلم-: لم يخرج البخاري هذا الحديث، ولكن أخرج في الركوع، والسجود، والجلوس، عن أبي حميد الساعدي، وغيره (٣). وحديث أبي حميد الساعدي: أخرجه البخاري، عن محمد بن عمرو بن عطاء: أنه كان جالساً مع نفرٍ من أصحاب النبي ﷺ ، فقال أبوحميد الساعدي: أنا كنت أحفظكم لصلاة رسول الله ﷺ ، رأيته إذا كبر، جعل يديه حذو منكبيه، وإذا ركع، أمكن يديه من ركبتيه، ثم هصر ظهره، فإذا رفع رأسه، استوى حتى يعود كل فقارٍ مكانه، فإذا سجد، وضع يديه غير مفترش ولا قابضهما، واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة، وإذا جلس في الركعتين، جلس على رجله اليسرى، ونصب اليمنى، وإذا جلس في الركعة الآخرة، قدم رجله اليسرى، ونصب الأخرى، وقعد على مقعدته. تفرد بهذا الحديث البخاري (٤).

стр. 984

قوله: هصر ظهره -بفتح الهاء والصاد المهملة-؛ أي: أماله (١). وفي رواية الكشميهني: أمال ظهره، والمعنى: ثناه في استواء من غير تقوس (٢). وفي رواية: غير مقنع رأسه ولا مصوِّبه (٣). وقوله: حتى يعودَ كلُّ فَقار، الفَقَار -بفتح الفاء والقاف- جمع فقارة: هي عظام الظهر، وهي العظام التي يقال لها: خرز الظهر (٤). وقال ابن سيده: هي من الكاهل إلى العجب (٥). وحكى ثعلب عن نوادر ابن الأعرابي: أن عدتها سبع عشرة. وفي "أمالي الزجاج": أصولها تسع غير التوابع. وعن الأصمعي: هي خمسٌ وعشرون، سبع في العنق، وخمس في الصلب، وبقيتها في أطراف الأضلاع (٦)، والله تعالى الموفق. * * *

стр. 985

الحديث الثالث عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمْرَ ﵄: أَنَّ النَبِيَّ ﷺ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ إذَا افْتَتَحَ الصَّلاَةَ، وَإذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ، وَإذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ؛ رَفَعَهُمَا كذَلِكَ، وَقَالَ: "سَمعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ"، وَكَانَ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السُّجُوِد (١).
следующие страницы →