فينصرون القائل ولو كان ظالما، فجاء الإسلام بالنهي عن ذلك، على الرغم من أن اسم المهاجرين والأنصار اسمان شريفان سماهم اللَّه بهما في كتابه فنهاهم عن ذلك وأرشدهم إلى أن يتداعوا بالمسلمين والمؤمنين وعباد اللَّه وهي الدعوى الجامعة بخلاف المفرقة كالفلانية والفلانية (١). "وكل ما خرج عن دعوة الإسلام والقرآن من نسب أو بلد أو جنس أو مذهب أو طريقة فهو من عزاء الجاهلية" (٢).
لقد استبدل الإسلام التعصب الذي كان قائمًا عند أهل الجاهلية بالنصرة على الحق، والتعاون عليه، والحب في اللَّه، والبغض في اللَّه، وأي رابطة أو شعار أو دعوى تجمع الناس على الظلم والعدوان والإثم، فقد حاربها الإسلام، بل وأمر باستبدالها برابطة الاخوة الإسلامية.
* * *
المطلب الثالث عدم الأخذ بأسباب القوة
ومن يتأمل في سيرة النبي ﷺ يجد أنه أخذ بأسباب القوة، ولجأ إلى الوسائل التي تحمي المسلمين وتقويهم، كأمره بالهجرة، ومن ثم بيعة العقبة الأولى، وبيعة العقبة الثانية، وبعد ذلك بناء الدولة الإسلامية بالمدينة، وعقد التحالفات والعهود التي من شأنها تحييد الأعداء من اليهود حتى تقوى الدولة الإسلامية وتستقر شؤونها.
стр. 107
وليس المراد بالقوة الإعداد العسكري فحسب، بل إن من القوة إعداد من يحمل السلاح، بترسيخ الإيمان في قلوبهم؛ ليكونوا قادرين على مواجهة الأعداء، وتحمل الأعباء التي قد تواجههم، والقوة في كل أمر بحسبه، قال ابن تيمية ﵀: "والقوة في كل ولاية بحسبها، فالقوة في إمارة الحرب ترجع إلى شجاعة القلب وإلى الخبرة بالحروب والمخادعة فيها، فإن الحرب خدعة وإلى القدرة على أنواع القتال من رمي وطعن وضرب وركوب وكر وفر ونحو ذلك. . . والقوة في الحكم بين الناس ترجع إلى العلم بالعدل الذي دل عليه الكتاب والسنة، وإلى القدرة على تنفيذ الأحكام" (١).
وقد أمرنا اللَّه بالإعداد وهو من الأخذ بأسباب القوة، قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ (٢)، و"الإعداد اتخاذ الشيء لوقت الحاجة" (٣)، والقوة "كل ما يتقوى به على حرب العدو من آلة الجهاد" (٤)، وقد فسرها النبي ﷺ بالرمي، فقال ﵊ وهو على المنبر: (﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي) (٥). وفسر ﵊ القوة بالرمي؛ لأنها أقوى أنواعها، وإن كانت تشمل الرمي وغيره (٦)، قال القرطبي: "إنما فسر القوة بالرمي
стр. 108
وإن كانت القوة تظهر بإعداد غيره من آلات الحرب؛ لكون الرمي أشد نكاية في العدو، وأسهل مؤنة؛ لأنه قد يرمي رأس الكتيبة فيصاب فينهزم من خلفه" (١).
والآية أمر جازم بإعداد كل ما في الاستطاعة من قوة، ولو بلغت القوة من التطور ما بلغت، فهو أمر جازم بمسايرة التطور في الأمور الدنيوية، وعدم الجمود على الحالات الأول إذا طرأ تطور جديد، ولكن كل ذلك مع التمسك بالدين، وقد أمر اللَّه المجاهدين بصلاة الخوف مما يدل على لزوم الجمع بين مكافحة العدو وبين القيام بما شرعه اللَّه جلَّ وعلا من دينه (٢).
وقد قال ﷺ : (المؤمن القويّ خيرٌ وأحبّ إلى اللَّه منَ المؤمِن الضعيف، وفي كلٍّ خير، احرص على ما يَنفعك واستعن باللَّه ولا تعجز، وإن أصابك شيءٌ فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قُل: قدر اللَّه، وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان) (٣). قال النووي ﵀: "والمراد بالقوة هنا عزيمة النفس والقريحة في أمور الآخرة، فيكون صاحب هذا الوصف أكثر إقداما على العدو في الجهاد، وأسرع خروجا إليه وذهابا في طلبه، وأشد عزيمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر على الأذى في كل ذلك واحتمال المشاق في ذات اللَّه تعالى، وأرغب في الصلاة والصوم والأذكار وسائر العبادات، وأنشط طلبا لها، ومحافظة عليها ونحو ذلك، وأما قوله ﷺ : (وفي كل خير) فمعناه: في كل من القوي والضعيف خير؛ لاشتراكهما في الإيمان مع ما يأتي به الضعيف من العبادات" (٤).
ولا شك أن من أهم أسباب القوة الجهاد في سبيل اللَّه والإعداد له، والآيات والأحاديث الواردة في فضل الجهاد والحث عليه والتحذير من تركه وعواقب ذلك كثيرة
стр. 109
جدا، قال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١)، قال ابن عباس ﵄: (ليس التهلكة أن يُقتل الرجل في سبيل اللَّه، ولكن الإمساك عن النفقة في سبيل اللَّه) (٢).
عن أسلم أبي عمران قال: "غزونا من المدينة نريد القسطنطينية، وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، والروم ملصقوا ظهورهم بحائط المدينة، فحمل رجل على العدو، فقال الناس: مه مه لا إله إلا اللَّه يلقي بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، لما نصر اللَّه نبيه، وأظهر الإسلام، قلنا: هلم نقيم في أموالنا ونصلحها، فأنزل اللَّه : ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، فالإلقاء بأيدينا إلى التهلكة أن نقيم في أموالنا ونصلحها، وندع الجهاد. قال أبو عمران: فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل اللَّه حتى دفن بالقسطنطينية" (٣). فترك الجهاد إلقاء بالنفس إلى التهلكة، كما أن تركه عند تعينه بأن دخل الحربيون دار الإسلام، أو أخذوا مسلما وأمكن تخليصه منهم، وترك الناس الجهاد من أصله، وترك أهل الإقليم تحصين ثغورهم بحيث يخاف عليها من استيلاء الكفار بسبب ترك ذلك التحصين يعد من الكبائر (٤).
стр. 110
وقد حذرنا رسول اللَّه ﷺ من ترك الجهاد والانشغال عنه وبين لنا أن عاقبة ذلك وهو الذل، فقال: (إذا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ، سَلَّطَ اللَّه عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حتى تَرْجِعُوا إلى دِينِكُمْ) (١).
والحديث فيه تحذير ووعيد شديد عن الاشتغال بالزرع في زمن يتعين فيه الجهاد، وإهمال القيام بوظائف العبادات، وترك الجهاد في سبيل اللَّه المتعين فعله، وعاقبة ذلك الذُل والهوان والضعف، ولا يرفع إلا بالرجوع إلى الدين، فجعل هذه الخصال من غير الدين ومرتكبها تارك للدين للمزيد من الزجر والتهويل والتقريع لفاعلها (٢).
كما بين لنا النبي ﷺ عاقبة ترك الجهاد، بقوله: (يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها)، فقال ثوبان: بأبي أنت وأمي يا رسول اللَّه ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: (لا بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن اللَّه من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن اللَّه في قلوبكم الوهن)، قالوا: وما الوهن يا رسول اللَّه؟ قال: (حب الدنيا وكراهية الموت)، وفي رواية: (وكراهية القتال) (٣).
و"أصل الوهن والضعف عن الجهاد ومكافحة العدو هو حب الدنيا، وكراهية بذل النفوس للَّه، وبذل مهجها للقتل في سبيل اللَّه، ألا ترى إلى حال الصحابة ﵃ وقلتهم في
стр. 111
صدر الإسلام وكيف فتح اللَّه بهم البلاد، ودان لدينهم العباد، لما بذلو للَّه أنفسهم في الجهاد، وحالنا اليوم كما ترى عدد أهل الإسلام كثير، ونكايتهم في الكفار نزر يسير، فهل هذا الزمان إلا زماننا بعينه، وتأمل حال ملوكنا إنما همتهم جمع المال من حرام وحلال وإعراضهم عن أمر الجهاد، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون على مصاب الإسلام" (١).
والوهن أن يفعل الإنسان فعل الضعيف، ولهذا فقد نهى اللَّه عنه بقوله سبحانه: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٢)، أي: لا تفعلوا أفعال الضعفاء وأنتم أقوياء، فالوهن انكسار الجسد بالخوف وغيره، وأما الضعف نقصان القوة (٣)، قال القرطبي: "عزاهم وسلاهم بما نالهم يوم أحد من القتل والجراح، وحثهم على قتال عدوهم ونهاهم عن العجز والفشل فقال: ﴿وَلَا تَهِنُوا﴾ "أي: لا تضعفوا ولا تجبنوا يا أصحاب محمد عن جهاد أعدائكم لما أصابكم" (٤)، "فإن وَهَن القلب مستدع لوَهَن البدن، وذلك يضعف عن مقاومة الأعداء" (٥). وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (٦).
стр. 112
والوهن أدى إلى الهزيمة النفسية والضعف المعنوي، والعوامل التي أدت إلى هذا الضعف المعنوي لدى المسلمين متعددة من أهمها: ضعف الالتزام بمبادىء الدين وأحكامه، وانعدام الوحدة السياسية، وتخلي كثير من المسلمين عن الجهاد في سبيل اللَّه، والعصبية القبلية (١)، وهذا يظهر لنا تداخل أسباب الاستضعاف وارتباط بعضها ببعض.
إن المسلمين بحاجة للأخذ بأسباب القوة في شتى المجالات سواءً العسكرية منها أو التعليمية والصناعية والاقتصادية والسياسية وغيرها.
* * *
стр. 113
المبحث الثاني أسباب الاستضعاف الخارجية
الأسباب الخارجية التي أدت إلى استضعاف المسلمين متعددة ونعرض فى هذا المبحث لأبرز الأسباب من خلال المطالب التالية:
المطلب الأول الاحتلال والاستعمار وما خلفه من آثار
لقد تسابقت الدول الأوروبية إلى احتلال العالم الإسلامي أثناء وبعد سقوط الخلافة العثمانية، ومن أبرز هذه القوى الاستعمارية بريطانيا، وفرنسا، وإيطاليا، فاستولت بريطانيا على مناطق، وفرنسا على أخرى، وإيطاليا على ثالثة، وروسيا وألمانيا وهولندا وبلجيكا وأسبانيا والبرتغال على مناطق أخرى، وكان من أخطر نتائج هذا الاحتلال تفتيت العالم الإسلامي إلى دويلات (١).
ولم تقتصر آثار الاستعمار على تقسيم العالم الإسلامي بل امتدت مخططاته للهدم لتطال كل شيء، وأول تلك الأمور العقيدة الإسلامية، فهو دائب على تخريج أجيال ملحدة، بإشاعة المنكر والفحشاء، وغايته القضاء على الإسلام في أوطانه، لقد التقت لديه الأحقاد الدينية مع الأطماع الدنيوية، وإن قسوة الاستعمار في الأماكن التي سيطر عليها كانت منسجمة مع قسوة الغربيين وجلافتهم وقرب عهدهم بالهمجية والتخلف، كما أن عقيدة الفداء ما تحدثه من آثار سلبية تزيد هذه الوحشية ضراوة عند النصارى عن غيرهم؛ لكونها تمنحهم الاعتقاد بالنجاة على الرغم من جرائمهم، إذ يكفي الإيمان بالمسيح لينجوا أو حتى الحصول على صك غفران، وعليه فهو لا يبالي بالوحشية والقسوة التي يتعامل بها مع الشعوب المستضعفة، ومع فقد النصرانية لوسائل الإقناع وعجز رجال الكنيسة عن
стр. 114
شرح العقائد النصرانية في ضوء المعطيات العقلية، فإن الاستعمار ومنطق القوة هو الوسيلة لنشر النصرانية (١).
عمل المستعمرون في البلاد التي احتلوها على فصل الدين عن الدولة وإلغاء الحكم الإسلامي، وإخضاع نظم البلاد للقوانين الوضعية، وإلغاء القضاء الإسلامي، والقضاء على اللغة العربية، ونشر لغة المستعمر والتعليم العلماني والضغط على التعليم الإسلامي، وإفساد أخلاق الشعوب المسلمة ونشر الإباحية، واستغلال خيرات البلاد الإسلامية، وربط الاقتصاديات والنقد بدولة الاستعمار، والسيطرة على وسائل الإعلام لتوجيه الرأي العام، والقضاء على حركات الجهاد الإسلامي، وتربية أجيال موالية للدول الاستعمارية (٢).
وكان من أبرز نتائج الاحتلال والاستعمار إقامة الكيان الصهيوني في وسط العالم الإسلامي لتلتقي النصرانية مع اليهودية على محاربة الإسلام وأهله، ولا زال الغرب يمده بكل ما يحتاجه ليكون الأقوى في المنطقة في كل الجوانب، كما أوجد الفرق الضالة ورعاها، كالقاديانية والبهائية وغيرها، ولم يحل الاستعمار في بلد إلا وأثار الفتن الداخلية فيه والدعوات الشعوبية أو القبلية أو المذهبية بغية تمزيق الأمة وإضعاف وحدة الشعوب المغلوبة، ولتحقيق أكبر المكاسب الممكنة فإنه لا يخرج إلا وقد شكل الحكومات التي تخلفه ممن أعدهم في جامعاته أو في كنائسه لأنهم وحدهم موضع الثقة ومناط الكفاية بل ومصدر التشريع لديه، حتى أصبح الاستقلال أسوأ من الاستعمار وأشد وطأة منه (٣).
стр. 115
لم يكتف الاستعمار بتقسيم العالم الإسلامي بل حرص على تقسيم كل بلد تقسيمًا داخليًا، وأضاف إلى تلك التقسيمات تقسيم العالم إلى دول كبرى وعظمى تملك حق النقض (١) وغيره من الامتيازات، ودول نامية أو دول العالم الثالث، مع أن تلك الدول الكبرى تعتمد في كل شؤونها عما تصدره لها ما سُميت بالدول النامية من خيراتها الطبيعية، وتلك السياسة مارسها الكفار مع الأنبياء ﵈، ومارسها المشركون مع المسلمين كما في حصار الشعب، واستخدمها اليهود للتفريق بين المسلمين في المدينة وكذلك المنافقين، الأمر ذاته لا زال قائمًا اليوم من خلال تقسيم العالم الإسلامي، حيث عمل الاحتلال على صنع مشاكل حدودية بين بعض البلدان والبعض الآخر قبل انسحابه منها لتجزئة العالم الإسلامي وتقسيمه، وأدرك الاحتلال خطورة وحدة الأمة عليه، لذا فقد ركز على قضية رسم الحدود بين الدول الإسلامية، وجعل من تراب الأرض فاصلًا بين أبناء الإسلام (٢).
إن الخلافات السياسية بين الدول الإسلامية هي نتيجة من نتائج الاحتلال والاستعمار، إلا أن هذا لا يُعفي الأمة من مسؤولياتها وواجباتها، إذ أن العوامل السياسية لا تنفك عن العوامل الدينية، فالدين بمفهومه الشمولي يتضمن الجانب السياسي حتى يقف الدارس أمام العوامل المؤثرة في موقف سياسي فيحسبها عوامل دينية والعكس بالعكس، لأن السياسة جزء من الإسلام لا ينفك عنه، ولا يفهم الإسلام بعمومه إلا بهذا الجزء (٣).
стр. 116
المطلب الثانى الغزو الفكري والثقافي (١)
إن الغزو الثقافي الذي يجتاح الأمة الإسلامية صنو للغزو العسكري الذي جاس خلال ديارها من بضعة قرون، وألحق بالأمة خسائر مادية ومعنوية فادحة (٢) وإن ركائز الغزو الفكري وأدواته هي: الصهيونية، والتنصير، والاستعمار، والنظريات والمبادىء المعادية للإسلام كالديمقراطية والرأسمالية والشيوعية والاشتراكية وما يتفرع عنها من نظم وفلسفات هدامة (٣).
لقد نجح الغزو الثقافي في بلوغ غايته، منذ أن قدر على إسقاط دولة الخلافة، وإقامة سبعين جنسية على أنقاضها، وأخذ يصرف الناس رويدًا رويدًا عن رباط العقيدة وندائها، ويشغلهم داخل حدودهم الوطنية بأزمات الرغيف، أو برغبات الجنس وشهوات أخرى. وهناك سماسرة مكرة موظفون في ميادين إعلامية وسياسية لحراسة هذا التمزيق واستدامته (٤).
стр. 117
إن الحروب الصليبية مستمرة بأساليب أكثر ذكاء، وأعمق تأثيرًا، وأوسع انتشارًا (١) إن الغزو الفكري يهدف إلى تشويه صورة الإسلام بمحاولة تشويه القرآن الكريم، والسنة النبوية، بل وشخص النبي الكريم ﷺ ، والتاريخ الإسلامي، ونظام الحياة الإسلامية والتراث الإسلامي، ونشر الإلحاد، والتشكيك في تاريخ الأمة وحاضرها ومستقبلها، وتذويب شخصية الأمة، وإحلال عناصر ثقافية جديدة، وذلك باستخدام وسائل مباشرة كالاستعمار، والاستشراق، والتنصير، والتغريب، والعلمانية، ووسائل غير مباشرة بالسيطرة على أجهزة التشريع واتخاذ القرار، والتغلغل إلى أجهزة التعليم، وتوجيه الإعلام، وتشويه القيادات الدينية والاجتماعية، وصناعة قيادات مزيفة، وغزو الحياة الاجتماعية (٢).
إنها معركة طويلة أدت لاستضعاف المسلمين ووقوعهم تحت هزائم داخلية معنوية واقتصادية وتعليمية وثقافية قبل الهزيمة العسكرية أمام أعدائها من الخارج، أخبرنا اللَّه عنها وعن أسبابها، فقال سبحانه: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٣)، كما أخبر سبحانه عن استمرارها، فقال : ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ
стр. 118
أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (١)، وحذرنا اللَّه من طاعة الكفار، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ (٣).
* * *
المطلب الثالث الحصار بمختلف أشكاله وصوره
لقد كانت الصورة القديمة للحصار هي اجتماع الجيوش حول المدينة أو القلعة حتى ينفذ طعامها ومؤونتها وتستسلم أو يمل المحاصرين وينسحبوا، أما اليوم فإن الحصار أخذ أشكالًا أخرى متعددة مع بقاء هذه الصورة التقليدية، فأصبحنا نسمع ونرى الحصار الاقتصادي والتجاري، والحصار التقني والصناعي، بل حتى الطبي والعلمي كصورة من صور الحصار.
وفي زمن النبي ﷺ وقع الحصار على المسلمين مرتين: المرة الأولى سنة سبع من البعثة في شعب أبي طالب بعدما رأت قريش ازدياد أعداد المسلمين فأجمعوا على أن يتعاقدوا على بني هاشم وبني عبد المطلب وبني عبد مناف أن لا يبايعوهم ولا يناكحوهم ولا يكلموهم ولا يجالسوهم حتى يسلموا إليهم رسول اللَّه ﷺ وكتبوا بذلك صحيفة (٤) وعلقوها في سقف
стр. 119
الكعبة وانحاز بنو هاشم وبنو المطلب كلهم: كافرهم ومؤمنهم، فصاروا في شعب أبي طالب محصورين، حاشا أبا لهب وولده، فإنهم صاروا مع قريش على قومهم، وآذوا النبي ﷺ وأصحابه ﷺ أذى شديدًا وضربوهم في كل طريق وحصروهم في شعبهم وقطعوا عنهم المادة من الأسواق فلم يدعوا أحدا من الناس يدخل عليهم طعاما ولا شيئا مما يرفق بهم حتى بلغهم الجهد وسمع أصوات صبيانهم بالبكاء من وراء الشعب فبقوا كذلك ثلاث سنين (١).
"إن أعداء اللَّه في كل زمان ومكان يلجؤون إلى استخدام سلاح محاربة الدعاة في أرزاقهم، ليستكينوا ويرجعوا عما يدعون إليه. وهو أسلوب يتفق عليه المشركون والمنافقون. ولو كان المسلمون الأوائل موظفين أو مستخدمين في دولة تخالفهم فيما يدعون إليه، للجأت تلك الدولة إلى فصلهم من أعمالهم كوسيلة من وسائل الحرب التي تتخذها ضدهم. ولكن الوسيلة المتاحة في ذلك الوقت في هذا الميدان كانت المقاطعة" (٢).
وأما الحصار الثاني الذي وقع على المسلمين في زمن النبي ﷺ فهو يوم الأحزاب (الخندق) في العام الخامس من الهجرة، وهي الغزوة التي ابتلى اللَّه تعالى فيها المؤمنين وثبت الإيمان في قلوبهم وأظهر ما كان يبطنه أهل النفاق واليهود (٣)، وقد كانت من أحرج
стр. 120
المواقف التي واجهها المسلمون، وقد وصفها اللَّه بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩) إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (١١) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ (١)، وعن عائشة ﵂: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ (٢) قالت: (كان ذاك يوم الخندق) (٣)، وأثنى على المؤمنين ليقينهم وثباتهم وتسليمهم لأمره ، ورزقهم بذلك النصر والظفر على الأعداء فقال سبحانه: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ (٤).
ووقوع الحصار ليس عذرًا لبقاء الاستضعاف والاستكانة للأعداء والخضوع لهم ولشروطهم التي يريدون فرضها، ولقد رفض الرعيل الأول تبعات الحصار بالرغم من شدة الحصار وتكالب الأحزاب وذلك عندما أراد ﵊ أن يكسر شوكة المشركين بأن يصالح غطفان على شطر ثمار المدينة واستشار السعدين سعد بن معاذ وسعد ابن عبادة ﵄ في ذلك فقالا له: (يا رسول اللَّه: أوحى من السماء فالتسليم لأمر اللَّه، أو
стр. 121
عن رأيك أو هواك؟ فرأينا تبع هواك ورأيك، فإن كنت إنما تريد الإبقاء علينا، فواللَّه لقد رأيتنا وإياهم على سواء ما ينالون منا ثمرة إلا شراء أو قرى) (١).
وعندما أخبر رسولنا ﷺ عن الطائفة المنصورة ذكر من صفاتهم وقوع الحصار عليهم، فعن أبي أمامة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي على الدين ظاهرين لعدوهم قاهرين لا يضرهم من خالفهم إلا ما أصابهم من لأواء حتى يأتيهم أمر اللَّه وهم كذلك)، قالوا يا رسول اللَّه: وأين هم؟ قال: (ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس) (٢)، قال الطبري ﵀: "يعني النبي ﷺ باللأواء الشدة، إما في المعيشة من جدب وقحط، أو حصار، وإما في الأبدان من الأمراض والعلل، أو الجراح، يقال من ذلك: أصابت القوم لأواء" (٣).
ولهذا فقد وصف اللَّه ما كان عليه أتباع الأنبياء ﵈ من إيمان راسخ وإرادة وعزيمة ومدحهم؛ لكي نتأسى بهم، فقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ (٤) أي: "فما عجزوا لما نالهم من ألم الجراح الذي نالهم في سبيل اللَّه، ولا لقتل من قُتل منهم، عن حرب أعداء اللَّه، ولا نكلوا عن جهادهم، ﴿وَمَا ضَعُفُوا﴾ يقول: وما ضعفت قواهم
стр. 122
لقتل نبيهم، ﴿وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ يعني: وما ذلوا فيتخشَّعوا لعدوّهم بالدخول في دينهم ومداهنتهم فيه خيفة منهم، ولكن مضوا قُدُمًا على بصائرهم ومنهاج نبيِّهم، صبرًا على أمر اللَّه وأمر نبيهم، وطاعة للَّه واتباعًا لتنزيله ووحيه" (١).
وإن للحصار أشكالًا متعددة كما مضت الإشارة لذلك، ومن صور الحصار المعاصرة تغييب الاقتصاد الإسلامي عن واقع حياة المسلمين، ولقد نجم عن إغفال تطبيق نظام الاقتصاد الإسلامي تغلغل المؤسسات الربوية في العالم الإسلامي وسيطرتها الكاملة على السيولة النقدية، والتخلف الاقتصادي والصناعي بالرغم من وفرة الثروات والموارد وتنوعها، كما بقيت الدول الإسلامية ضمن دائرة التبعية الاقتصادية الشرقية أو الغربية، ناهيك عن تفاقم مشكلات الفقر والبطالة، والانغماس في الاستهلاك، وزيادة مديونية العالم الإسلامي، وفوضى التخطيط وعدم إفساح المجال للاقتصاد الإسلامي، فحالت كل هذه الأوضاع دون قيام التنمية الشاملة أو استثمار الموارد، بل أصبحت الدول الإسلامية مرتعًا للنظم الاقتصادية الأجنبية وتبعًا لها، مع استمرار استنزاف خيرات العالم الإسلامي بصور شتى وبمسميات تتنوع بما يتناسب مع كل عصر (٢).
إن واقع اقتصاد العالم الإسلامي اليوم في أكثر البلاد الإسلامية أليم، فالدخل القومي يضع الفرد المسلم في المستوى الأدنى، والخيرات تؤخذ من العالم الإسلامي لتعاد وتباع بأضعاف سعر الشراء، وأما الإنتاج والصناعة فهي محدودة لا ترقى إلى الصناعات الثقيلة، وأكثر الدول الإسلامية تستورد أكثر مما تصدر، أما الابتعاد عن النظام الاقتصادي الإسلامي فقد زاد من تفاقم المشكلات الاقتصادية (٣)، وهذا الانهيار الاقتصادي
стр. 123
والاجتماعي عاد على الأمة بأفدح الخسارة على عقيدتها وشريعتها، وأفقدها احترام العدو والصديق. أما كلمة الجهاد فتصبح والحالة هذه لغوًا، فأي جهاد يرتقب من اعزل فارغ اليد؟ فكيف إذا ضم إلى ذلك فراغ القلب والعقل؟ إن الأمة التي تنحدر إلى هذا الدرك تتعرض يقينًا للاغتصاب والمهانة (١).
ومجمل القول فيما سبق أن أبرز أسباب الاستضعاف هي: انشقاق المسلمين إلى فرق، والعصبية والعنصرية بين المسلمين، وعدم الأخذ بأسباب القوة، والاحتلال والاستعمار وما خلفه من آثار، والحصار بمختلف أشكاله وصوره، والغزو الفكري والثقافي، ونلحظ التداخل والترابط بين هذه الأسباب، أما وسائل دفع الاستضعاف فهي ما سيتناولها الفصل التالي.
* * *
стр. 124
الفصل الثاني وسائل دفع الاستضعاف
وفيه ستة مباحث:
المبحث الأول: الأخذ بأسباب القوة.
المبحث الثاني: الوحدة الإسلامية.
المبحث الثالث: الدخول في الجوار.
المبحث الرابع: المعاهدات والتحالفات.
المبحث الخامس: الجهاد.
المبحث السادس: الهجرة.
стр. 125
تمهيد
وردت النصوص الشرعية في بيان بعض الوسائل التي من شأنها أن تدفع الاستضعاف، كالهجرة، والدخول في الجوار، والمعاهدات والتحالفات، والأمر بالأخذ بأسباب القوة، وهي ما سوف يستعرضه هذا الفصل من خلال ستة مباحث، وهي:
المبحث الأول الأخد بأسباب القوة
أمرنا اللَّه بالإعداد والأخذ بأسباب القوة، وحذرنا سبحانه من الترف والركون إلى الكفار، كما أمرنا الرسول ﷺ بالأخذ بأسباب القوة في شتى المجالات، إلا أن هنالك مجالات لا يمكن إهمالها، وإلا فلن يدفع الاستضعاف، ولن تتغير الأحوال، وهذه المجالات ستتطرق لها المطالب التالية:
المطلب الأول قوة العقيدة
إن كانت الوحدة من أهم أسباب قوة المسلمين، فإنها لا يمكن أن تتم بلا رابطة العقيدة، فهي رابطة التجمع الأساسية في المجتمع الإسلامي، والذي تعتبر فيه العقيدة هي الجنسية (١)، وهي سر الثبات والصبر ومنبع القوة المعنوية رغم الضعف المادي، وعندما كان بنو مخزوم يعذبون عمار بن ياسر وأبوه وأمه، ما كان يملك رسول اللَّه ﷺ إلا أن يقول لهم: (صبرا يا آل ياسر فإن موعدكم الجنة) (٢)، وعن خباب ابن الأرت ﵁ قال: شكونا إلى رسول اللَّه ﷺ وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، قلنا له: ألا تستنصر
стр. 126
لنا ألا تدعو اللَّه لنا، فاحمر لونه أو تغير، فقال: (كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض فيجعل فيه فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنتين وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب وما يصده ذلك عن دينه، واللَّه ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت لا يخاف إلا اللَّه أو الذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون) (١).
ولما توعّد فرعون بني إسرائيل جزعوا وتضجّروا فسكنهم موسى ﵇ وأمرهم (بالاستعانة باللَّه وبالصبر وسلاهم ووعدهم النصر وذكرهم بوعد اللَّه لهم بإهلاك القبط وتوريثهم أرضهم وديارهم) (٢)، قال تعالى: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٣)، فكانت العاقبة كما قال سبحانه: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ (٤).
إن العقيدة هي الأساس والمنطلق لدعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام، وبقدر قوتها يكون عطاء المسلم وبذله وتضحيته وصبره، والإيمان باللَّه يكسب قوة الإرادة
стр. 127
والعزيمة بالإضافة إلى القوة المادية، قال تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ (١)، وإن الانحراف في جانب العقيدة أدى إلى إيمان لا تأثير له في المجتمعات، ولا يتجاوز الترديد دون العمل بالمقتضيات، بالإضافة لانتشار الشرك الخرافات والسحر والشعوذة والتعلق بالأضرحة والاستغاثة بالمخلوقات، وغيرها من الضلالات، إن النهوض بالأمة وتخلصها من الاستضعاف لا يكون إلا بعقيدة راسخة قوية، ولذا كانت المرحلة المكية مرحلة بناء للعقيدة، وهذا لا يعني التركيز عليها وحدها، بل لا بد أن يتبعها العمل في مختلف المجالات، فإن الإيمان قول وعمل (٢).
* * *
المطلب الثانى القوة العسكرية
قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ (٣) أمر اللَّه تعالى المؤمنين بإعداد السلاح قبل وقت القتال إرهابا للعدو (٤)، "فالأمر في الآية للوجوب لأن التهيؤ لجهاد العدو
стр. 128
والاستعداد لملاقاته بدخول جيشنا إلى داره كل سنة أو بعمارة الثغور ونحوها حتى لا يبقى له سبيل إلى دخول دارنا واجب على الكفاية" (١)، وذم سبحانه المنافقين على ترك الاستعداد للجهاد والتقدم (٢)، ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ (٣)، ولم يأل النبي ﷺ جهدًا لتقوية المسلمين، إلا أن رحمة اللَّه اقتضت ألا يحمل المسلمين واجب القتال، حتى توجد لهم دار إسلام، وحتى يتربوا التربية التي تؤهلهم للجهاد (٤)، ولما كان هذا الأمر متعذرًا في المرحلة المكية فإن المسلمين امتنعوا بأقوامهم وعشائرهم وبالجوار، ومن لم يقدر على ذلك ولم يكن له عشيرة تمنعه فقد أمره النبي ﷺ بالهجرة إلى الحبشة، ولما جاءت بيعة العقبة الثانية كانت الفرصة قد حانت لهذا الإعداد، لذا: "فقد كانت البيعة الأولى لبث النظم الإسلامية التي يقوم عليها بناء الدولة القويم. . . والبيعة الثانية كانت لتكوين الدولة بالذود عن حياضها" (٥)، وليس المراد هنا بحث مراحل الجهاد وأطواره في عهد النبي ﷺ أو بيان فضله وفضل الرباط، وإنما المراد التأكيد على أن الإعداد والجهاد في سبيل اللَّه من وسائل دفع الاستضعاف.
* * *
стр. 129
المطلب الثالث القوة الاقتصادية
ومن الأخذ بأسباب القوة تقوية الجانب الاقتصادي والصناعي للأمة، فاللَّه أمرنا بعمارة الأرض، فقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ (٢)، والإنتاج جزء من تلك العمارة، والأمة المنتجة تسد حاجاتها وتستغني عن غيرها، كما حد الإسلام من إنتاج سلع الرفاه والترف حفاظًا على موارد المجتمع وطاقاته وتوجيهها الوجهة الصحيحة (٣).
كما جاءت التوجيهات النبوية الكريمة في الحث على عمارة الأرض واستغلالها بما يعود بالنفع على الفرد والأمة، ومن ذلك قوله ﷺ : (ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة) (٤).
وحث رسول اللَّه ﷺ على العمل، فقال: (ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي اللَّه داود ﵇ كان يأكل من عمل يده) (٥). بل وحذر النبي ﷺ من الاكتفاء ببعض مقومات الاقتصاد، وإهمال البعض الآخر، مثل الاكتفاء
стр. 130
بالزراعة دون الصناعة وغيرها، مما يعرض الأمة للخطر (١)، فقال ﵊: (إذا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ، سَلَّطَ اللَّه عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حتى تَرْجِعُوا إلى دِينِكُمْ) (٢).
إن القوة الاقتصادية عصب الحياة الدنيا وقوامها، وهي عامل من عوامل قوة الدعوة الإسلامية وانتشارها، ووسيلة من وسائل حمايتها والحفاظ على مكتسباتها، ولهذا ينبغي السعي الجاد لإيجاد منظومة متكاملة للاقتصاد الإسلامي بين الدول الإسلامية؛ لكي يقودنا هذا إلى الوحدة السياسية كما تسعى لذلك الدول غير الإسلامية مثل دول الاتحاد الأوروبي وغيرها (٣)، لذا ينبغي للمستضعفين السعي للاكتفاء الاقتصادي الذاتي بالإنتاج الزراعي والصناعي والتقني وفقًا للقدرات والإمكانات المتاحة، وعلى الدول الإسلامية ذات القوة الاقتصادية أن تسخر هذه القوة في حماية المستضعفين من المسلمين بربط المصالح الاقتصادية بمنح المستضعفين حقوقهم ورفع الظلم عنهم.
* * *
المطلب الرايع القوة السياسية
مهما كانت الأمة قوية في الجانب العسكري إلا أنها ستفقد كل مكتسباتها إن لم يكن لديها قوة في الجانب السياسي، فإدراك الأمة لواقع القوى من حولها من الأعداء أو الحلفاء، يتيح لها التعامل الإيجابي مع تلك القوى، والاستفادة من التحالفات والمتغيرات، وأن تحافظ على مكتسباتها، لقد كان الرسول ﷺ يدرك ما يدور حوله، فأمر بالهجرة إلى
стр. 131
الحبشة؛ لأن فيها ملكًا لا يظلم عنده أحد، ولما وصل إلى المدينة كتب الصحيفة بينه وبين يهود المدينة، وعقد المعاهدات مع القبائل من حول المدينة لعزل قريش، ومن ذلك: المعاهدة مع قبيلة بني ضمرة، وقبيلة خزاعة، وبنو غفار، وقبيلة جهينة، كما راسل الملوك والرؤساء خارج الجزيرة العربية في الفترة من هدنة الحديبية ٦ هـ وغزوة تبوك ٩ هـ (١)، قال ابن القيم ﵀: "لما رجع من الحديبية كتب إلى ملوك الأرض وأرسل إليهم رسله، فكتب إلى ملك الروم، فقيل له: إنهم لا يقرؤون كتابا إلا إذا كان مختوما، فاتخذ خاتما من فضة ونقش عليه ثلاثة أسطر، محمد سطر، ورسول سطر، واللَّه سطر، وختم به الكتب إلى الملوك، وبعث ستة نفر في يوم واحد في المحرم سنة سبع" (٢)، ثم ذكر بقية الرسل الذين بعثهم النبي ﷺ .
إن القوة السياسية تقتضي معرفة المستضعفين للجوانب التي يمكن من خلالها حماية أنفسهم، سواء بمعرفتهم للأنظمة والقوانين، أو للعادات والتقاليد، قال السعدي ﵀: " ﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ أي: كل ما تقدرون عليه من القوة العقلية والبدنية وأنواع الأسلحة ونحو ذلك مما يعين على قتالهم، فدخل في ذلك أنواع الصناعات التي تعمل فيها أصناف الأسلحة والآلات من المدافع والرشاشات، والبنادق، والطيارات الجوية، والمراكب البرية والبحرية، والحصون والقلاع والخنادق، وآلات الدفاع، والرأْي: والسياسة التي بها يتقدم المسلمون ويندفع عنهم به شر أعدائهم، وتَعَلُّم الرَّمْيِ، والشجاعة والتدبير" (٣).
стр. 132
المطلب الخامس القوة الإعلامية
أقسم اللَّه بالقلم فقال سبحانه: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ (١)، وهو القلم المعروف عند الناس على أحد أوجه التفسير، وأقسم اللَّه به لما فيه من المنافع والحكم (٢)، وإن الجهاد يكون بالسنان وكذلك بالبيان، عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: (جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم) (٣).
قال ابن تيمية: "من المعلوم أن القتال إنما شرع للضرورة ولو أن الناس آمنوا بالبرهان والآيات لما احتيج إلى القتال فبيان آيات الإسلام وبراهينه واجب مطلقا وجوبا أصليًا، وأما الجهاد فمشروع للضرورة. . . ومعلوم أن ظهور الإسلام بالعلم والبيان قبل ظهوره باليد والقتال، فإن النبي ﷺ مكث بمكة ثلاث عشرة سنة يظهر الإسلام بالعلم والبيان والآيات والبراهين فآمنت به المهاجرون والأنصار طوعًا واختيارًا بغير سيف، لما بان لهم من الآيات البينات والبراهين والمعجزات، ثم أظهره بالسيف، فإذا وجب علينا جهاد الكفار بالسيف ابتداء ودفعًا فلأن يجب علينا بيان الإسلام وإعلامه ابتداء ودفعًا لمن يطعن فيه بطريق الأولى والأحرى، فإن وجوب هذا قبل وجوب ذاك ومنفعته قبل منفعته، ومعلوم أنه يحتاج كل وقت إلى السيف، فكذلك هو محتاج إلى العلم والبيان
стр. 133
وإظهاره بالعلم والبيان من جنس إظهاره بالسيف" (١)، وقال أيضًا: "الجهاد المكي بالعلم والبيان، والجهاد المدني مع المكي باليد والحديد، قال تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ (٢)، وسورة الفرقان مكية، وإنما جاهدهم باللسان والبيان" (٣). وقال ابن القيم ﵀: "الدعوة إلى اللَّه ورسوله جهاد بالقلب وباللسان، وقد يكون أفضل من الجهاد باليد" (٤)، "فلا ينبغي أن يقتصر على جهاد أعداء اللَّه بالسنان، بل يُضم إليه الجهاد باللسان" (٥)، وهذه النصوص تظهر أهمية الإعلام وأنه من الجهاد في سبيل اللَّه.
كما أن من وسائل الجهاد باللسان الشعر، ولأهميته في المعركة مع الكفار أثنى رسول اللَّه ﷺ على حسان بن ثابت وأمره بهجائهم، عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول اللَّه ﷺ يضع لحسان منبرا في المسجد فيقوم عليه يهجو من قال في رسول اللَّه ﷺ ، فقال رسول اللَّه ﷺ : (إن روح القدس مع حسان ما نافح عن رسول اللَّه ﷺ ) (٦)، لقد كان
стр. 134
الشعر جزءًا مما يسمى اليوم الحرب الإعلامية، ولكل عصر وسائله ومزاياه، ونحن نرى اليوم قدرة وسائل الإعلام وتأثيرها على القرار السياسي وعلى الرأي العام، لقدرتها على نقل الصورة وما يشكله ذلك من أهمية وتأثير، ولذا أخبرنا الرسول الكريم بأن السماع ليس كالمشاهدة والرؤية، بقوله ﷺ : (لَيْسَ الخُبَرُ كَالمُعَايَنَةِ إن اللَّه أَخْبَرَ مُوسَى بِمَا صَنَعَ قَوْمُهُ في الْعِجْلِ فَلَمْ يُلْقِ الْأَلْوَاحَ فَلَمَّا عَايَنَ مَا صَنَعُوا أَلْقَى الْأَلْوَاحَ فَانْكَسَرَتْ) (١)، ومن فوائد هذا الحديث الإشارة إلى أثر الرؤية والمشاهدة على الإنسان وعلى تصرفاته، وقد قيل: إن بين الحق والباطل أربعة أصابع، إشارة إلى المسافة بين العين والأذن، وقد وقع لرسولنا ﷺ مثل ما وقع مع أخيه موسى ﵇، فعن أسامة بن زيد ﵄ قال: (أَرْسَلَتْ ابْنَةُ النَّبِيِّ ﷺ إِلَيْهِ إِنَّ ابْنًا لِي قُبِضَ فَأْتِنَا، فَأَرْسَلَ يُقْرِىءُ السَّلَامَ، وَيَقُولُ: (إِنَّ للَّه مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى وَكُلٌّ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ)، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ تُقْسِمُ عَلَيْهِ لَيَأْتِيَنَّهَا، فَقَامَ وَمَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَمَعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَرِجَالٌ، فَرُفِعَ إِلَى رَسُولِ اللَّه ﷺ الصَّبِيُّ وَنَفْسُهُ تَتَقَعْقَعُ، قَالَ: حَسِبْتُهُ أَنَّهُ قَالَ: (كَأَنَّهَا شَنٌّ)، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّه مَا هَذَا؟ فَقَالَ: (هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّه فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّه مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ) (٢)، فحبيبنا ﷺ لم يبك عندما أرسلت له ابنته زينب ﵂ أن ابنها يحتضر، ولكنه ﷺ سرعان ما فاضت عيناه بالدمع وبكى لما رآه، فليس من سمع كمن رأى.
стр. 135
مما تقدم يتبين لنا أهمية وسائل الإعلام -من صحف ومجلات وإذاعات وفضائيات ومواقع على الشبكة العنكبوتية (الإنترنت) - ودورها في كشف ممارسات الظلمة والطغاة ضد المستضعفين وفضحهم، مما يؤدي إلى إزالة الظلم عن المستضعفين ورفعه جزئيًا أو كليًا، وما كان حصار المستضعفين في شعب أبي طالب إلا دعاية إعلامية للمسلمين يراها كل زائر لمكة، وإظهارًا لقسوة وظلم وطغيان قريش وخروجها عن القيم والأخلاق الفاضلة.
* * *
المطلب السادس القوة المعنوية
لقد كانت السرايا التي أرسلها الرسول ﷺ قبل غزوة بدر مقتصرة على المهاجرين، وكان من فوائد هذا أن يتجرأ المستضعفون من المهاجرين على الذين استكبروا من طواغيت مكة فما عاد لهم وزن في نفوسهم، فأصبحوا على أهبة الاستعداد النفسي والفني لقتال الكفار في أي معركة حاسمة والانتصار عليهم (١).
إن "المؤمن قوته من قلبه، وكلما قوي قلبه قوي بدنه، وأما الفاجر فإنه وإن كان قوي البدن فهو أضعف شيء عند الحاجة، فتخونه قوته عند أحوج ما يكون إلى نفسه، فتأمل قوة أبدان فارس والروم كيف خانهم عند أحوج ما كانوا إليها، وقهرهم أهل الإيمان بقوة أبدانهم وقلوبهم" (٢).
стр. 136
وعلينا أن نعلم أن "الأمة المستضعفة، ولو بلغت في الضعف ما بلغت، لا ينبغي لها أن يستولي عليها الكسل عن طلب حقها، ولا الإياس من ارتقائها إلى أعلى الأمور، خصوصًا إذا كانوا مظلومين، كما استنقذ اللَّه أمة بني إسرائيل، الأمة الضعيفة، من أسر فرعون وملئه، ومكنهم في الأرض، وملكهم بلادهم. ومنها: أن الأمة ما دامت ذليلة مقهورة لا تأخذ حقها ولا تتكلم به، لا يقوم لها أمر دينها ولا دنياها ولا يكون لها إمامة فيه" (١).
* * *
стр. 137
المبحث الثانى الوحدة الإسلامية
إن من أهم وسائل دفع الاستضعاف الوحدة الإسلامية، فالفرقة من أسباب الاستضعاف وطمع الأعداء وتسلطهم، وقد نهى اللَّه عن التنازع والفرقة وحذر منه، وأخبرنا أنه سبب ذهاب القوة، قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (١)، فأمر اللَّه تعالى بطاعته وطاعة رسوله، ونهى عن الفرقة والتنازع، وأخبر أن الفرقة والتنازع يؤدي إلى الفشل، وهو ضعف القلب من فزع يلحقه، ويؤدي كذلك إلى ذهاب الدولة (٢).
وقال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (٣)، وقد ورد في تفسير حبل اللَّه بأنه الجماعة (٤)، قال القرطبي ﵀: "فإن اللَّه تعالى يأمر بالألفة، وينهى عن الفرقة، فإن الفرقة هلكة، والجماعة نجاة" (٥).
ولم يزل وصف الإخوة على المؤمنين حتى حال تقاتلهم، "فقد بين اللَّه تعالى أنهم مع اقتتالهم وبغي بعضهم على بعض إخوة مؤمنون وأمر بالإصلاح بينهم بالعدل" (٦)، قال
стр. 138
تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (١)، والآية تضمنت النهي عن أن يبغي بعضهم على بعض وأن يقتل بعضهم بعضًا، كما تضمنت أمرًا للمؤمنين بالإصلاح بينهم، والإصلاح يكون بحملهم على حكم اللَّه وحكم رسوله ﷺ (٢)، قال جل وعلا: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ (٣)، وقال اللَّه : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٤)، هذه الأخوة التي أثبت اللَّه جل وعلا هي أخوة الدين لا النسب، وفي الآية دليل على أن النداء برابطة أخرى غير الإسلام كالعصبية المعروفة بالقومية لا يجوز ولا شك أنه ممنوع بإجماع المسلمين (٥).
وقال ﵊: (إن اللَّه يَرْضَى لكم ثلاثًا، ويسخط لكم ثلاثًا، يَرْضَى لكم أن تَعْبُدُوهُ ولا تُشْرِكُوا به شَيْئًا، وأن تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّه جَمِيعًا ولا تَفَرَّقُوا، وأن تناصحوا من ولاه اللَّه أمركم، ويسخط لكم قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَة الْمَالِ) (٦)، والحديث فيه أمر بلزوم جماعة المسلمين، وبالتمسك بعهده وإتباع القرآن الكريم (٧).
стр. 139
لقد كانت المؤاخاة والموالاة مسلكًا من مسالك الرسول ﷺ في بناء المجتمع الإسلامي الأول (١)، وكانت سببًا من أسباب قوته بالرغم من الأخطار التي كانت تحيط به من الداخل والخارج.
وقد أمرنا الرسول ﷺ بالوحدة فقال ﵊: (إن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا وشبك أصابعه) (٢)، قال رسول اللَّه ﷺ : (تَرَى المُؤْمِنِينَ فِي ترَاحُمِهِم وَتَوَادِّهِم وَتَعَاطُفِهِم كَمَثَلِ الجَسَدِ إِذا اشْتكَى عُضْوًا تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالحُمَّى) (٣)، ولفظ الحديث: "خبر ومعناه أمر، أي كما أن الرجل إذا تألم بعض جسده سرى ذلك الألم إلى جميع جسده فكذا المؤمنون ليكونوا كنفس واحدة إذا أصاب أحدهم مصيبة يغتم جميعهم ويقصدوا إزالتها، وفي هذا التشبيه تقريب للفهم وإظهار المعاني في الصور المرئية" (٤)، والحديث: "صريح في تعظيم حقوق المسلمين بعضهم على بعض، وحثهم على التراحم والملاطفة والتعاضد في غير إثم ولا مكروه" (٥).
يقول الشيخ ابن باز ﵀: "وما يقال بالنسبة للأفراد يقال بالنسبة للأمم المسلمة؛ إذ يجب على الأمة القوية في مالها أو رجالها أو سلاحها أو علومها، أن تمد الأمة المستضعفة،
стр. 140
وأن تعينها على الحفاظ على نفسها ودينها، وتمنع عنها الذئاب من حولها المتسلطة عليها، وأن تؤتيها من مال اللَّه الذي آتاها، فهذا هو مقتضى الأخوة الإسلامية التي عقدها الرب سبحانه بين المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها" (١).
إن الوحدة الإسلامية لا يمكن أن تقوم إلا على أساس الدين، قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (٢) "أي: تمسكوا بدين اللَّه الذي أمركم به وعهده الذي عهده إليكم في كتابه إليكم من الألفة والاجتماع على كلمة الحق والتسليم لأمر اللَّه" (٣)، وقال : ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٤)، فكل الاتفاقيات والمعاهدات والمشاريع والمصالح المشتركة لا يمكنها أن تجمع المسلمين كما يمكن أن تجمعهم العقيدة، ومتى ما غاب شعور الإخوة الإسلامية والجسد الواحد، غابت الألفة والمحبة والخير والقوة والتعاون والعدل، وحلت الفرقة والخلاف والنزاع والعصبية والضعف والظلم.
стр. 141
إن من مقتضيات الوحدة بين المسلمين ألا يكون إقليم إسلامي حربًا على إقليم آخر أيًا كانت أساليب تلك الحرب، سواءً بالاقتصاد أو بالتحالف على المسلمين، وأن ينصر المسلمين بعضهم بعضًا، لا أن يكونوا أداة من أدوات الاستضعاف وجزءًا منه، إن من مقتضيات الوحدة الاتحاد في كافة المجالات ومن بينها الوحدة الاقتصادية والتي تقتضي أن يكون أهل الخبرة منا ينظمون اقتصادنا، ورءوس الأموال منا، وأن يكون النقد موحدًا، وأن نحقق الاكتفاء الذاتي، فلا جمارك بين المسلمين، ولا ربا (١)، ويجب على الدول الإسلامية بقادتها وعلمائها ومفكريها والهيئات الرسمية فيها والشعبية السعي لتحقيق الوحدة الإسلامية في كل مجال من المجالات، سواءً العسكرية أو الاقتصادية والتجارية أو الإعلامية، وصولًا إلى وحدة الدولة؛ لتعود للأمة الإسلامية هيبتها ومكانتها وسيادتها، ولا ينفرد بها الأعداء واحدة تلو الأخرى.
* * *
стр. 142
المبحث الثالث الدخول في الجوار
يُعد الدخول في الجوار من الوسائل المهمة في دفع الاستضعاف، وقد أدرك النبي ﷺ أهمية حماية الدعوة لا سيما في المرحلة المكية، فقبل الجوار، بل وطلبه، كما أقر قبول بعض الصحابة ﵃ للجوار، ويعد اللجوء في هذا العصر صورة من صور الهجرة والدخول في الجوار، وهو ما يوضحه هذا المبحث من خلال المطلبين التاليين:
المطلب الأول تعريف الجوار لغة واصطلاحًا
والجار هو الذي يجير غيره، أي: يؤمنه مما يخاف منه، والجار المستجير أيضًا، وهو الذي يطلب الأمان، يُقال: جار جورًا، أي: طلب أو سأل أن يُجار، ويُقال: أجاره، أي: حماه وأنقذه، ويُقال: أجار الرجل إجارة، واستجاره، أي: سأله أن يُجيره، قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١)، كما يُقال: استجار بفلان، أي: استغاث به والتجأ إليه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢)(٣).
أما اصطلاحًا: فلا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي، فهو الحماية والتأمين، وهو نتيجة الهجرة واللجوء، وإن كان الفرق بين الهجرة والجوار أن الهجرة تتضمن الإجارة في الدار التي انتقل إليها، أما الجوار فقد يقع في نفس داره التي يُؤذى ويخاف فيها أو في الدار التي هاجر ولجأ إليها، فالهجرة يقع معها الانتقال، أما الجوار فقد يقع معه الانتقال وقد لا يقع.
كما تستخدم لفظة "الملجأ" للدلالة على الجوار، يقال: التجأ إليه أي: اعتصم به، وألجأت أمري إلى اللَّه أسندت، والتلجئة الإكراه وألجأه إلى الشيء اضطره إليه وألجأه عصمه (١)، كقوله تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾ (٢)، وقوله سبحانه: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (٣).
وقد دلت السنة النبوية على جواز دخول المسلم في جوار الكفار، بل وعلى جواز طلب الجوار منهم، فعن جابر بن عبد اللَّه ﵁ قال: كان رسول اللَّه ﷺ يعرض نفسه على الناس في الموقف، فقال: (ألا رجل يحملني إلى قومه، فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي) (٤)، كما دخل النبي ﷺ في جوار المُطعم بن عَدِي عندما رجع من الطائف (٥)، حتى
стр. 145
قال ﷺ يوم بدر في أسرى المشركين وفاء له: (لَوْ كَانَ المُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيًّا ثُمَّ كَلَّمَنِي فِي هَؤُلَاءِ النَّتْنَى لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ) (١).
لقد استفاد من نظام الجوار الذي كان معروفًا لدى العرب، جماعة ممن أسلم من الصحابة ﵃ وامتنعوا بعشائرهم من أذى المشركين، وبقي قوم مستضعفون في أيدي المشركين يعذبونهم بأنواع العذاب (٢)، فأجار بن الدغنة (٣) وهو سيد القارة، أبو بكر الصديق ﵁، وأنفذت قريش جواره، ورضي أبو بكر، وأقره الرسول ﷺ على ذلك (٤).