← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 17438

الاستضعاف وأحكامه في الفقه الإسلامي

زياد بن عابد المشوخي

Полный текст (432 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

إن من مقتضيات الوحدة بين المسلمين ألا يكون إقليم إسلامي حربًا على إقليم آخر أيًا كانت أساليب تلك الحرب، سواءً بالاقتصاد أو بالتحالف على المسلمين، وأن ينصر المسلمين بعضهم بعضًا، لا أن يكونوا أداة من أدوات الاستضعاف وجزءًا منه، إن من مقتضيات الوحدة الاتحاد في كافة المجالات ومن بينها الوحدة الاقتصادية والتي تقتضي أن يكون أهل الخبرة منا ينظمون اقتصادنا، ورءوس الأموال منا، وأن يكون النقد موحدًا، وأن نحقق الاكتفاء الذاتي، فلا جمارك بين المسلمين، ولا ربا (١)، ويجب على الدول الإسلامية بقادتها وعلمائها ومفكريها والهيئات الرسمية فيها والشعبية السعي لتحقيق الوحدة الإسلامية في كل مجال من المجالات، سواءً العسكرية أو الاقتصادية والتجارية أو الإعلامية، وصولًا إلى وحدة الدولة؛ لتعود للأمة الإسلامية هيبتها ومكانتها وسيادتها، ولا ينفرد بها الأعداء واحدة تلو الأخرى. * * *

стр. 142

المبحث الثالث الدخول في الجوار يُعد الدخول في الجوار من الوسائل المهمة في دفع الاستضعاف، وقد أدرك النبي ﷺ أهمية حماية الدعوة لا سيما في المرحلة المكية، فقبل الجوار، بل وطلبه، كما أقر قبول بعض الصحابة ﵃ للجوار، ويعد اللجوء في هذا العصر صورة من صور الهجرة والدخول في الجوار، وهو ما يوضحه هذا المبحث من خلال المطلبين التاليين: المطلب الأول تعريف الجوار لغة واصطلاحًا والجار هو الذي يجير غيره، أي: يؤمنه مما يخاف منه، والجار المستجير أيضًا، وهو الذي يطلب الأمان، يُقال: جار جورًا، أي: طلب أو سأل أن يُجار، ويُقال: أجاره، أي: حماه وأنقذه، ويُقال: أجار الرجل إجارة، واستجاره، أي: سأله أن يُجيره، قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١)، كما يُقال: استجار بفلان، أي: استغاث به والتجأ إليه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢) (٣). أما اصطلاحًا: فلا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي، فهو الحماية والتأمين، وهو نتيجة الهجرة واللجوء، وإن كان الفرق بين الهجرة والجوار أن الهجرة تتضمن الإجارة في الدار التي انتقل إليها، أما الجوار فقد يقع في نفس داره التي يُؤذى ويخاف فيها أو في الدار التي هاجر ولجأ إليها، فالهجرة يقع معها الانتقال، أما الجوار فقد يقع معه الانتقال وقد لا يقع.

стр. 143

المطلب الثاني الأدلة على مشروعية الجوار وقد دل القرآن الكريم على مشروعية الجوار، وإن لم يرد بذات اللفظ فتارة بلفظ "الإيواء" (١)، تقول العرب أوى فلان إلى منزله يأوي أويا، وأويت فلانا إذا أنزلته بك، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٢)، وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٣)، وقوله : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (٤). وتارة بلفظ "الهجرة" ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٥).

стр. 144

كما تستخدم لفظة "الملجأ" للدلالة على الجوار، يقال: التجأ إليه أي: اعتصم به، وألجأت أمري إلى اللَّه أسندت، والتلجئة الإكراه وألجأه إلى الشيء اضطره إليه وألجأه عصمه (١)، كقوله تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾ (٢)، وقوله سبحانه: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (٣). وقد دلت السنة النبوية على جواز دخول المسلم في جوار الكفار، بل وعلى جواز طلب الجوار منهم، فعن جابر بن عبد اللَّه ﵁ قال: كان رسول اللَّه ﷺ يعرض نفسه على الناس في الموقف، فقال: (ألا رجل يحملني إلى قومه، فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي) (٤)، كما دخل النبي ﷺ في جوار المُطعم بن عَدِي عندما رجع من الطائف (٥)، حتى

стр. 145

قال ﷺ يوم بدر في أسرى المشركين وفاء له: (لَوْ كَانَ المُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيًّا ثُمَّ كَلَّمَنِي فِي هَؤُلَاءِ النَّتْنَى لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ) (١). لقد استفاد من نظام الجوار الذي كان معروفًا لدى العرب، جماعة ممن أسلم من الصحابة ﵃ وامتنعوا بعشائرهم من أذى المشركين، وبقي قوم مستضعفون في أيدي المشركين يعذبونهم بأنواع العذاب (٢)، فأجار بن الدغنة (٣) وهو سيد القارة، أبو بكر الصديق ﵁، وأنفذت قريش جواره، ورضي أبو بكر، وأقره الرسول ﷺ على ذلك (٤).

стр. 146

كما أقر النبي ﷺ دخول نُعيم ﵁ بجوار قومه في مكة، حيث كان إسلامه قبل عمر ﵁ وكان يكتم إسلامه، ولكنه لم يهاجر إلا قبيل فتح مكة؛ لكونه لما أراد أن يهاجر تعلق به قومه وقالوا له: أقم ودن بأي دين شئت؛ لأنه كان يُنفق على أرامل بني عدي وأيتامهم، حتى كانت سنة ست فقدم مهاجرًا إلى المدينة ومعه أربعون من أهله، فاعتنقه النبي ﷺ وقال له: (يا نعيم إن قومك كانوا خيرًا لك من قومي)، قال: بل قومك خير يا رسول اللَّه، قال: (إن قومي أخرجوني، وإن قومك أقروك)، فقال نعيم: يا رسول اللَّه إن قومك أخرجوك إلى الهجرة, وإن قومي حبسوني عنها (١). * * *

стр. 147

المبحث الرابع المعاهدات والتحالفات إن دخول المستضعفين ضمن معاهدة أو حلف يحفظ حقوقهم، أو يعيدها لهم، أو يحميهم، وهو من الوسائل الهامة التي ينبغي لهم الاستفادة منها، سواءً أكانت تلك المعاهدات أو التحالفات مع مسلمين أو مع كافرين، وفقًا للشروط والضوابط التي حددها الفقهاء لجواز المعاهدات أو التحالفات، وهو ما ستتناوله المطالب التالية: المطلب الأول تعريف المعاهدة والحلف وفيه فروع: الفرع الأول: تعريف المعاهدات لغة: مفردها معاهدة من العَهْد وهو كل ما عُوهِدَ اللَّه عليه، وكلُّ ما بين العبادِ من المواثِيقِ، والعهد: أصله الاحتفاظ بالشيء وإحداثُ العهدِ به، والعهد جمع العهدة وهو الميثاق واليمين التي تستوثق به ممن يعاهدك (١). فهذه الألفاظ يختلف مفهومها اللغوي وتتوارد على معنى واحد بنوع من التخصيص، فالعهد: ما يتفق فريقان على التزامه، فإن أكداه بالحلف سمي حلفًا (٢). فالتحالف مأخوذ من الحِلْف والحَلِف: القَسَمُ لغتان، حَلَفَ أَي: أَقْسَم يَحْلِفُ حَلْفًا وحِلْفًا وحَلِفًا ومَحْلُوفًا، والحِلْفُ بالكسر العَهْد يكون بين القوم، يقال: حالَفَه، أي: عاهَدَه وتحالفُوا أي تعاهَدُوا (٣).

стр. 148

الفرع الثاني: تعريف المعاهدات اصطلاحًا: الفقهاء يُعدون المعاهدة بأنها من العقود، فهي عقد على وقف القتال، ويُضيف كُل فقيه بعض الشروط المشترطة في المذهب (١)، كما يعبر الفقهاء عن المعاهدة أحيانًا بالموادعة والمهادنة والصلح وعقد الذمة (٢) والمتاركة والمسالمة (٣) وعقد الأمان (٤)، وأما الحلف فهو: "المعاهدة على التعاضد، والتساعد، والاتفاق" (٥).

стр. 149

وأما في القانون الدولي فعرفت المعاهدة بأنها: اتفاق بين دولتين أو أكثر لتنظيم علاقات قانونية ودولية وتحديد القواعد التي تخضع لها (١). وعرف الحلف السياسي بأنه: "عمل تحالفي بين دول أو أحزاب أو أشخاص سياسيين يتعاقدون فيها بينهم على تنفيذ التزام معين، يتفقون عليه لتحقيق أهداف محددة ومتفق عليها" (٢). * * * المطلب الثانى الأدلة على مشروعية المعاهدات والتحالفات وردت مشروعية عقد المعاهدات في الكتاب والسنة وإجماع الصحابة ﵃ والمعقول، وهي على النحو التالي: أولًا: الأدلة من القرآن الكريم: وردت آيات صريحة على مشروعية المعاهدات، كقوله تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٣)، وقوله سبحانه: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا

стр. 150

وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (١)، فهذه الآية والتي قبلها تدلان على مشروعية المصالحة مع المشركين (٢). ثانيًا: الأدلة من السنة النبوية: دلت السنة العملية والقولية على مشروعية المعاهدات ومن ذلك: صلحه ﷺ مع اليهود في المدينة وما حولها (٣)، وكذلك صلح الحديبية مع قريش، فعن البراء ابن عازب ﵁ قال: (كتب علي بن أبي طالب ﵁ الصلح بين النبي ﷺ وبين المشركين يوم الحديبية) (٤). ثالثًا: إجماع الصحابة رضوان اللَّه عليهم: ففي عهد الخلفاء الراشدين عقدت عدة معاهدات مع الأعداء، حيث بلغت ما يقرب من خمس وثلاثين معاهدة (٥) وهو إجماع منهم على جوازها. رابعًا: الأدلة من المعقول: وذلك لأن الفتال ليس غاية في الإسلام، بل هو وسيلة للدعوة ولإخراج الناس من الظلمات إلى النور، فإن أمكن تحقيق هذه الغاية بوسيلة أخرى سلمية دون ضرر

стр. 151

بالمسلمين وجب العمل بها، وقد يتحقق بالصلح مصالح لا يمكن تحقيقها بالجهاد ويدل على هذا صلح الحديبية الذي سماه اللَّه (فتحا)، قال تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ (١). وبالتالي فإن دخول المسلمين في أي معاهدة مع غير المسلمين تحفظ حقوق اللاجئين مثلًا سواءً أكانوا مسلمين أو غير مسلمين، أمر مشروع سواء في حال قوة الدولة الإسلامية أو في حال ضعفها وعدم قدرتها على حمايتهم منفردة، أو فرض الحماية لهم ومنع الاعتداء عليهم لوحدها، فإن مثل هذه المعاهدات والاتفاقيات من باب التعاون على البر والمعروف والخير الذي أمر اللَّه سبحانه وتعالي به في قوله: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (٢).

стр. 152

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "والمصلحة في ذلك تتنوع فتارة تكون المصلحة الشرعية القتال وتارة تكون المصلحة المهادنة وتارة تكون المصلحة الإمساك والاستعداد بلا مهادنة" (١). ولقد نفذ النبي ﷺ مبدأ التعاون الدولي من خلال صحيفة المدينة، فعقد حلفًا أساسه التعاون على البر وحماية الفضيلة ومنع الأذى، فنقض اليهود كعادتهم ذلك الحلف (٢). * * * المطلب الثالث الحلف في الإسلام كان للأحلاف شأنها ومكانتها وأهميتها في حياة الجاهليين، وهي كانت إما التزامًا من طرف واحد بحماية من لجأ إليه ممن ترك عشيرته، أو لا عشيرة له، دون التزام من قبل الضعيف بالنصرة أو العقل، وقد يكون الالتزام من الطرفين بأن ينصر كل منهما الآخر ويرثه ويعقل عنه (٣). وقد وردت أدلة بجواز الحلف، كما وردت أدلة بنفيه في الإسلام، وظاهر هذه الأدلة التعارض، ومن أدلة الجواز، عموم الأدلة الواردة في الأمر بالوفاء بالعهد والوعد، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (٤).

стр. 153

قيل بأنها في التزام الحلف الذي كان في الجاهلية وجاء الإسلام بالوفاء به (١). وكذلك قوله ﷺ : (لَقَدْ شَهِدْتُ فِي دَارِ عَبْدِ اللَّه بْنِ جُدْعَانَ حِلْفًا مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهِ حُمْرَ النَّعَمِ وَلَوِ أُدْعَى بِهِ فِي الإِسْلَامِ لأَجَبْتُ) (٢)، وقوله ﷺ : (شَهِدْتُ حِلْفَ المُطَيَّبِينَ مَعَ عُمُومَتِي وَأَنَا غُلَامٌ فَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي حُمْرَ النَّعَمِ وَأَنِّي أَنْكُثُهُ) (٣). وهذا الحلف يُعد "مأثرة لقريش من مآثرها الكرام، وآثارها العظام، نالتهم فيه بركة حضور رسول اللَّه ﷺ ، فهو وإن كان فعلا جاهليا دعتهم السياسة إليه فقد صار لحضور رسول اللَّه ﷺ له، وما قاله بعد النبوة فيه وأكده من أمره حكما شرعيا وفعلا نبويا" (٤).

стр. 154

أما الأدلة على نفي الحلف في الإسلام فمنها قوله ﵊ في خطبته: (أوفوا بحلف الجاهلية، فإِنَّهُ لا يَزِيدُهُ -يعني: الإِسلامَ- إِلا شِدَّة-، ولا تُحْدِثُوا حِلفا في الإِسلام) (١)، والمراد بحلف الجَاهليَّة: العُهُود التِي وقعت فِيهَا على الخير كصلة الأرحام ونصرة المظلوم (٢)، والوفاء بها مقيد بما لا يُخالِفُ الشَّرع، لقوله تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (٣). والمراد بنفي الحلف في الإسلام هو نفيه على الوجه الذي كانوا يتحالفون عليه في الجاهلية، لكونه يتضمن النصرة على الحق والباطل، والشريعة إنما أوجبت معونة المظلوم على الظالم، وأن لا يلتفت إلى قرابة ولا غيرها، أو أن المراد نفي التوارث بالحلف دون ذوي الأرحام، أما حكم الحلف في العقل والنصرة فباق ثابت (٤). أو يكون المراد أن الإسلام قد استغنى عن الحلف بما أوجب اللَّه تعالى على المسلمين بعضهم من نصرة وعون (٥)، فالإِسلام أَقوَى من الحلف، فمن استَمسَكَ بِالعَاصِمِ القَوِيِّ استَغنَى به عن العَاصِمِ الضَّعِيف (٦)، فالتوارث بالهجرة نسخ، وبقي المؤاخاة في الإسلام، والمحالفة على طاعة اللَّه تعالى، والتناصر في الدين، والتعاون على البر والتقوى وإقامة الحق

стр. 155

فهذا باق لم ينسخ، كما قال ابن عباس ﵄: (إلا النصر والنصيحة والرفادة ويوصى له) (١)، ويدل على بقاء الحلف في الإسلام قول أنس ﵁ لما قيل له إن النبي ﷺ قال: (لا حلف في الإسلام)، فرد قائلًا: (قد حالف النبي ﷺ بين قريش والأنصار في داري) (٢)، وفي رواية: (بين المهاجرين والأنصار في دارنا مرتين أو ثلاثا). وبهذا يتضح لنا أن أصل الحِلْف المُعاقَدةُ والمعاهدة على التَّعاضُد والتَّساعُد فما كان منه في الجاهلية على القتال والغارات فذلك أبطله الشرع، وما كان منه في الجاهلية على نصر المظلوم وصلة الأرحام فهو الذي لم يزده الإسلام إلا شدة كحلْف المُطَيَّبين وبذلك يجتمع الحديثان (٣). * * * المطلب الرابع التقاء مصالح المستضعفين مع الكفار إن الإسلام عندما منع النداء بالروابط العصبية والأواصر النسبية، لم ينكر انتفاع المسلم -لاسيما المستضعف- من تلك الروابط النسبية والتي لا تمت إلى الإسلام بصلة، كما نفع اللَّه نبيه ﷺ بعمه أبي طالب، فكان من آثار تلك العصبية النسبية حماية النبي ﷺ ، كما نفع اللَّه بتلك العصبية بعض الصحابة رضوان اللَّه عليهم، وهو ما جرى مع

стр. 156

شعيب ﵇، كما قال تعالى عن قومه: ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ (١)، وكذلك كان شأن صالح ﵇: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ (٢)، فقد دلت الآية على أنهم يخافون من أولياء صالح ولم يفكروا أن يفعلوا به سوءً إلا ليلًا وخفية، أما لوط ﵇ فلم تكن له عصبة في قومه حتى قال: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ (٣)، فيلزم الناظر في هذه المسألة أن يفرق بين الأمرين ويعلم أن النداء بروابط القوميات لا يجوز على كل حال، ولاسيما إذا طغى على رابطة الإسلام، كما أن منع النداء بروابط القوميات لا ينافي أنه ربما انتفع المسلم بنصرة قريبه الكافر بسبب العواطف النسبية والأواصر العصبية التي لا تمت إلى الإسلام بصلة، ولكن تلك القرابات النسبية لا يجوز أن تجعل هي الرابطة بين المجتمع؛ لأنها تشمل المسلم والكافر ومعلوم أن المسلم عدو الكافر (٤). وعليه فإن المستضعفين ينبغي لهم الاستفادة من التحالفات أو العادات أو القوانين والأنظمة المعمول بها في البلدان التي يعيشون فيها، ولا تخلو تلك المجتمعات من وجود أشخاص أو جماعات أو منظمات حقوقية تعنى بحقوق الإنسان وتطالب بها، وتنصف المظلومين، وتدافع عن الحرية الدينية، وقد قال ﷺ : (. . . وإن اللَّه ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر) (٥).

стр. 157

وإن لم يكن بيد المستضعفين توقيع اتفاقيات أو تحالفات لعدم الاعتراف بهم أو لوقعهم تحت القهر والظلم والعدوان، فإن إخوانهم المسلمين ينبغي عليهم نصرتهم مباشرة، فإن لم يتسنى ذلك فمن خلال تضمين المعاهدات شروط الإفراج عن الأسرى أو منح المستضعفين بعض الحقوق، مما يخفف من الظلم الواقع عليهم، ويمنحهم الحق في ممارسة شعائرهم وعبادتهم للَّه ، بل ويتيح لهم الفرصة لنشر الإسلام والدعوة إليه (١). وفي واقعنا المعاصر نجد أن تضارب مصالح الكفار فيما بينهم، أدى إلى وقوفهم مع المسلمين أحيانًا أو المطالبة بحقوقهم، لضرب مصلحة الفريق الآخر، وهذه الحالة لا تعني أن يطمئن المسلمون إلى هذه المواقف ويركنوا إليها، بل تعني الاستفادة منها مع الحذر، إذ سرعان ما ينقلب الموقف وتتبدل السياسة. وكذلك الحال عندما يسود الفكر الديمقراطي في بلد ما، ويتاح المجال للمسلمين للدعوة إلى اللَّه، فلا مانع من الاستفادة من ذلك كله مع اليقظة والحذر من تقلب الأحوال والسياسات، وعدم تقديم التنازلات فيما يتصل بالثوابت والعقائد (٢). * * *

стр. 158

المبحث الخامس الجهاد إن الآيات والأحاديث الواردة في الحث على الجهاد والأمر به وذكر فضائله متواترة، ولقد أمر اللَّه المؤمنين بالجهاد لإنقاذ المستضعفين، فقال سبحانه: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ (١)، والآية "حضت على الجهاد، وهو يتضمن تخليص المستضعفين من أيدي الكفرة المشركين الذين يسومونهم سوء العذاب، ويفتنونهم عن الدين فأوجب تعالى الجهاد؛ لإعلاء كلمته، وإظهار دينه، واستنقاذ المؤمنين الضعفاء من عباده، وإن كان في ذلك تلف النفوس" (٢)، فإن لم يتمكن المستضعفون من الجهاد فإن على بقية المسلمين نجدتهم وتخليصهم، قال تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٣)، "يريد إن دعوا من أرض الحرب عونكم بنفير أو مال لاستنقاذهم فأعينوهم، فذلك عليكم فرض، إلا على قوم بينكم وبينهم عهد فلا تقاتلوهم عليهم، يريد حتى يتم العهد أو ينبذ على سواء" (٤). إن الجهاد من أهم وسائل دفع الاستضعاف، وإن عدم فرض القتال في المرحلة المكية لا يعني أن كُل مستضعف يلزمه الكف والإعراض عن الكفار، ولا يُباح له الجهاد في سبيل اللَّه، بل متى ما أمكن القيام بالجهاد واقتضت المصلحة القيام به، وغلب على الظن

стр. 159

ألا يترتب على ذلك مفاسد أعظم من مفسدة تركه، شُرع للمستضعفين الأخذ به، وهذا ما قام به المستضعفون في مكة بعد هربهم مع أبي بصير ﵃. إن قيام المستضعفين ببعض العمليات المسلحة ضد الأعداء لردعهم عن التمادي في العدوان والبطش والظلم أمر لا مفر منه، بل قد يجب عند تحقق المصلحة، إن المدافعة سنة من سنن اللَّه الكونية، قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيز﴾ (١)، "أي لولا القتال والجهاد لتغلب على الحق في كل أمة" (٢)، قال ابن عباس: (ولولا دفع اللَّه العدو بجنود المسلمين لغلب المشركون فقتلوا المؤمنين وخربوا البلاد والمساجد) (٣)، ولا يردع الأعداء إلا الجهاد، ولا يزول الاستضعاف إلا بالجهاد. وقد وقعت في المرحلة المكية -كنموذج للاستضعاف الكلي- بعض الأحداث التي تدل على مشروعية الإضرار بالكفار، ومشروعية رد العدوان إما باللسان أو باليد، ولما اجتمع أشراف قريش بالحجر وكان الرسول ﷺ يطوف بالبيت فغمزوه ثلاث مرات، ثم قال مهددًا لهم: (أتسمعون يا معشر قريش، أما والذي نفس محمد بيده لقد جئتكم بالذبح) (٤). ومن ذلك ما رواه علي ﵁ قال: (انطلقت أنا والنبي ﷺ حتى أتينا الكعبة، فقال لي رسول اللَّه ﷺ : (اجلس وصعد على منكبي)، فذهبت لأنهض به، فرأى منى ضعفًا

стр. 160

فنزل وجلس لي نبي اللَّه ﷺ ، وقال: (اصعد على منكبي)، قال: فصعدت على منكبيه، قال: فنهض بي، قال: فإنه يخيل إلي أني لو شئت لنلت أفق السماء حتى صعدت على البيت وعليه تمثال صفر أو نحاس فجعلت أزاوله عن يمينه وعن شماله وبين يديه ومن خلفه حتى إذا استمكنت منه، قال لي رسول اللَّه ﷺ : (اقذف به)، فقذفت به فتكسر كما تتكسر القوارير، ثم نزلت، فانطلقت أنا ورسول اللَّه ﷺ نستبق حتى توارينا بالبيوت خشية أن يلقانا أحد من الناس) (١)، وفي هذا الموقف نجد أن النبي ﷺ لم يُرد مواجهة قريش، أو أن تعلم قريش من الفاعل، وهو يشبه ما جرى مع أبي الأنبياء إبراهيم ﵇ عندما هدم الأصنام، ولم تنقل لنا كتب السيرة ردة فعل قريش على ذلك الأمر. وفي موقف آخر اضطر الصحابة لقتال المشركين، فقد (كان أصحاب رسول اللَّه ﷺ بمكة يستخفون بصلاتهم فبينا سعد (٢) في شعب من شعاب مكة في نفر من الصحابة إذ ظهر عليهم المشركون فنافروهم وعابوا عليهم دينهم حتى قاتلوهم فضرب سعد رجلًا

стр. 161

من المشركين بلحى جمل (١) فشجه فكان أول دم أريق في الإسلام) (٢)، والظاهر أن هذا القتال إنما كان بالأيادي لا بالسلاح. وعن ابن عمر ﵄ قال: (قاتل عمر المشركين في مسجد مكة، فلم يزل يقاتلهم منذ غدوة حتى صارت الشمس حيال رأسه، قال: وأعيي وقعد، فدخل عليه رجل عليه برد أحمر وقميص قومسي حسن الوجه، فجاء حتى أفرجهم، فقال: ما تريدون من هذا الرجل، قالوا: لا واللَّه إلا أنه صبأ، قال: فنعم، رجل اختار لنفسه دينًا، فدعوه وما اختار لنفسه، ترون بني عدي ترضى أن يقتل عمر، لا واللَّه لا ترضى بنو عدي، قال وقال عمر يومئذ: يا أعداء اللَّه، واللَّه لو قد بلغنا بثلاث مائة لقد أخرجناكم منها، قلت لأبي بعد: من ذلك الرجل الذي ردهم عنك يومئذ؟ قال: ذاك العاص بن وائل أبو عمرو بن العاص) (٣). ولا شك أن مفهوم الجهاد هو أوسع من مفهوم القتال، فإن عجز المستضعفون عن القتال فلن يعجزوا عن الجهاد. * * *

стр. 162

المبحث السادس الهجرة وفيه خمسة مطالب المطلب الأول تعريف الهجرة لغة واصطلاحًا وفيه فرعان: الفرع الأول: تعريف الهجرة في اللغة: الهجر ضد الوصل، يقال: هجره يهجره هجرا وهجرانا صرمه، وهما يهتجران ويتهاجران، والاسم الهجرة، والهجرة الخروج من أرض إلى أرض (١). الفرع الثاني: تعرف الهجرة اصطلاحًا: الخروج من دار الكفر إلى دار الإسلام (٢)، إلا أنه عند التأمل نجد أن المعول عليه ليس مجرد الخروج من دار الكفر إلى دار الإسلام وإن كان هذا الأصل، فهجرة المسلمين إلى الحبشة لم تكن قطعًا إلى دار إسلام، ولكنها كانت من القرية الظالم أهلها إلى دار عدل، قال ابن حجر ﵀: "وقد وقعت في الإسلام على وجهين، الأول: الانتقال من دار الخوف إلى دار الأمن، كما في هجرتي الحبشة وابتداء الهجرة من مكة إلى المدينة. الثاني: الهجرة من دار الكفر إلى دار الإيمان وذلك بعد أن استقر النبي ﷺ بالمدينة وهاجر إليه من أمكنه ذلك من المسلمين، وكانت الهجرة إذ ذاك تختص بالانتقال إلى المدينة إلى أن فتحت مكة فانقطع الاختصاص وبقي عموم الانتقال من دار الكفر لمن قدر عليه باقيا" (٣).

стр. 163

يتضح مما مضى أن الأولى أن تعرف الهجرة بأنها: الخروج من دار الظلم إلى دار العدل أو خروج المسلم من بلد الفتنة إلى بلد الأمن فرارًا بدينه (١). وينبغي التنبيه إلى أن الهجرة تعادل في مصطلحات القانون الدولي المعاصر، كلمة: اللجوء الإقليمي (٢). * * * المطلب الثانى الأدلة على مشروعية الهجرة تعد الهجرة من أهم وسائل دفع الاستضعاف، يدل على هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ (٣). وقد دل على مشروعية الهجرة الآيات والأحاديث وأقوال الصحابة ﵃، وكذلك تحقق المعنى المقتضي لها في كل زمان، ومن الأدلة في كتاب اللَّه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (٤)، وقوله سبحانه: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ

стр. 164

عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ (١)، وقال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢). وقد تواترت الأخبار أن رسول اللَّه ﷺ لما مات عمه أبو طالب لقي هو والمسلمون أذى من المشركين فقال لهم النبى ﷺ حين ابتلوا وشطت بهم عشائرهم: " (تفرقوا)، وأشار قبل أرض الحبشة، وكانت أرضًا ترحل إليها قريش رحلة الشتاء، فكانت أولى الهجرة في الإسلام، وإنما أمر رسول اللَّه ﷺ أصحابه بالخروج إلى النجاشي لعدله" (٣). * * * المطلب الثالث أهمية الهجرة ومكانتها وبقائها للهجرة أهميتها في الإسلام وهي من أنواع الجهاد قال الشافعي ﵀: "كان المسلمون مستضعفين بمكة زمانًا لم يؤذن لهم فيه بالهجرة منها، ثم أذن اللَّه لهم بالهجرة، وجعل لهم مخرجًا، أذن لهم بأحد الجهادين، بالهجرة قبل أن يؤذن لهم بأن يبتدئوا مشركًا بقتال" (٤)، ولا خلاف في أن القتال كان محظورا قبل الهجرة إلى المدينة (٥)، وأحوال المسلمين قبل الهجرة كانت كالمقدمة لها، لأن بالهجرة افتتح الإذن في قتال المشركين ويعقبه النصر والظفر والفتح (٦).

стр. 165

ولما أراد الرسول ﷺ أن يذكر مناقب الصديق أبي بكر ﵁ ذكر أمر الهجرة، فقال: (رحم اللَّه أبا بكر زوجني ابنته وحملني إلى دار الهجرة) (١). وعندما استشار الفاروق عمر ﵁ الصحابة ﵃ بوضع التاريخ اختار الهجرة وقال: (فإن مهاجر رسول اللَّه ﷺ فرق بين الحق والباطل) (٢). ولقد كانت الهجرة إلى المدينة فرضًا في أول الإسلام على من أسلم، بل من شروط صحة الإسلام قبل فتح مكة؛ وسبب ذلك عدة أمور منها: (أ) قلة المسلمين بالمدينة وحاجتهم إلى الاجتماع ومن ثم إقامة الدولة. (ب) حاجة المسلمين إلى تعلم أحكام الدين من النبي ﷺ مباشرة ثم نشرها. (جـ) أن يسلم المسلم من أذى قومه من الكفار. (د) نصرة النبي ﷺ ودولة الإسلام الناشئة. وبعد أن فتح اللَّه مكة ودخل الناس في دين اللَّه أفواجًا سقط فرض الهجرة إلى النبي ﷺ ، وبقي الجهاد والنية (٣).

стр. 166

وقد دلت الأدلة من القرآن الكريم والسنة النبوية وأقوال الصحابة الكرام ﵃ على انقطاع الهجرة من مكة وكذلك انقطاع الهجرة إلى الرسول ﷺ ، ومن تلك الأدلة: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٧٢) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (٧٣) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤) وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١)، "فإن ذلك عام في النصرة والميراث، فإن من كان مقيمًا بمكة على إيمانه لم يكن ذلك معتدًا له به ولا مثابًا عليه حتى يهاجر، ثم نسخ اللَّه ذلك بفتح مكة والميراث بالقرابة، سواء كان الوارث في دار الحرب أو في دار الإسلام، لسقوط اعتبار الهجرة بالسنة، إلا أن يكونوا أسراء مستضعفين فإن الولاية معهم قائمة والنصرة لهم واجبة بالبدن، بألا يبقى منا عين تطرف حتى نخرج إلى استنقاذهم إن كان عددنا يحتمل ذلك، أو نبذل جميع أموالنا في استخراجهم حتى لا يبقى لأحد درهم كذلك. قال مالك وجميع العلماء: فإنا للَّه وإنا إليه راجعون على ما حل بالخلق في تركهم إخوانهم في أسر العدو، وبأيديهم خزائن الأموال وفضول الأحوال والعدة والعدد والقوة والجلد" (٢).

стр. 167

عن ابن عباس ﵄ قال: (﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا﴾، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا﴾ فكان الأعرابي لا يرث المهاجر ولا يرثه المهاجر فنسختها، فقال: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾) (١)، لقد كان التوارث في الجاهلية ثم في ابتداء الإسلام بالحلف والنصرة وكان الرجل يقول للرجل: دمي دمك، ومالي مالك، تنصرني وأنصرك، وترثني وأرثك، فيتعاقدان الحلف بينهما على ذلك. فيتوارثان به دون القرابة، وذلك قول اللَّه : ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾، نسخ ذلك وصار التوارث بالإسلام والهجرة، فإذا كان له ولد ولم يهاجر ورثه المهاجرون دونه، بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾، فكانوا يتوارثون بالإسلام والهجرة مع وجود النسب، ثم نسخ بالرحم والقرابة، بقول اللَّه تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ (٢). ومن الأدلة ما رواه ابن عباس ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﵊: (لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا) (٣). قال ابن حجر ﵀: "أي:

стр. 168

فتح مكة، أو المراد ما هو أعم من ذلك إشارة إلى أن حكم غير مكة في ذلك حكمها، فلا تجب الهجرة من بلد قد فتحه المسلمون" (١)، والمراد بالحديث ما يلي: ١ - لا هجرة من مكة بعد فتحها؛ لأنها صارت دار إسلام، وهي بشرى من رسول اللَّه ﵊ بأنها تبقى دار الإسلام. ٢ - لا هجرة فضلها كفضلها قبل الفتح وهو ما اختاره الإمام النووي ﵀. ٣ - لا هجرة إلى النبي ﷺ بنية عدم الرجوع إلى الوطن المهاجر منه إلا بإذنه ﵊. وبهذا يمكن الجمع بين الأدلة الواردة بانقطاع الهجرة والأدلة الواردة ببقائها، فالذي انقطع الهجرة إلى المدينة حيث الرسول ﵊، والهجرة من مكة؛ لأنها صارت دار إسلام، والذي بقي الهجرة للفرار بالدين، وأما الجهاد ونية الخير في كل شيء فهو طريق لتحصيل الفضائل التي في معنى الهجرة (٢)، ولهذا لما جاء مُجَاشِعٍ بأخيه مجالد بن مسعود (٣) إلى النبي ﷺ فقال: (هذا مجالد يبايعك على الهجرة)، فقال: (لا هجرة بعد فتح مكة، ولكن أبايعه على الإسلام) (٤)، وفي رواية: (مَضَتْ الهجرة لأهلها)، فقلت:

стр. 169

عَلَامَ تُبَايِعُنَا؟ قال: (على الإسلام والجهاد)، وفي رواية عند مسلم: (على الإسلام والجهاد والخير) (١). قالت عائشة ﵂: (لا هجرة اليوم كان المؤمنون يَفِرُّ أحدهم بِدِينِهِ إلى اللَّه تعالى وإلى رسوله ﷺ مَخَافَةَ أن يُفْتَنَ عليه، فأما اليوم فقد أظهر اللَّه الإسلام والمؤمن يعبد ربه حيث شاء ولكن جهاد وَنِيَّةٌ) (٢). "أشارت عائشة إلى بيان مشروعية الهجرة، وأن سببها خوف الفتنة، والحكم يدور مع علته، فمقتضاه أن من قدر على عبادة اللَّه في أي موضع اتفق لم تجب عليه الهجرة منه وإلا وجبت" (٣). بل إن النبي ﷺ أعاد من قدم إليه بنية الهجرة بعد فتح مكة بعدما قويت شوكة المسلمين، وكانت المصلحة تقتضي ذلك، فعن عبد اللَّه بن عَمْرِو بن الْعَاصِ قال: أَقْبَلَ رَجُلٌ إلى نبي اللَّه ﷺ فقال: أُبَايِعُكَ على الهجرة والجهاد، أَبْتَغِي الأجر من اللَّه، قال: (فهل من وَالِدَيْكَ أَحَدٌ حَيٌّ؟) قال: نعم، بل كِلَاهُمَا، قال: (فَتَبْتَغِي الأجر من اللَّه)، قال: نعم، قال: (فَارْجِعْ إلى وَالِدَيْكَ فَأَحْسِنْ صُحْبَتَهُمَا) (٤). وعن أبي سعيد الْخُدْرِيُّ أن أَعْرَابِيًّا سأل رسول اللَّه ﷺ عن الهجرة فقال: (وَيْحَكَ إن شَأْنَ الهجرة لَشَدِيدٌ، فهل لك مِنْ إبلٍ؟) قال: نعم، قال: (فهل تُؤْتِي صَدَقَتَهَا)، قال: نعم،

стр. 170

قال: (فَاعْمَلْ من وراء الْبِحَارِ، فإن اللَّه لن يَتِرَكَ من عملك شَيْئًا) (١)، فالرسول ﷺ يحذره شدة الهجرة ومفارقة الأهل والوطن، ثم سأله عن الزكاة ولم يسأل عن غيرها من الأعمال؛ لأن حرص النفوس على المال أشد من حرصها على الأعمال البدنية، ثم قال له: اعمل من وراء البحار مبالغة في إعلامه بأن عمله لا يضيع في أي موضع كان (٢). كما دل على بقاء مشروعية الهجرة إلى غير مكة المكرمة أدلة منها: ما رواه معاوية ﵁ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: (لا تَنْقَطِعُ الهجرة حتى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ ولا تَنْقَطِع التَّوْبَةُ حتى تَطْلُعَ الشَّمْسُ من مَغْرِبِهَا) (٣). وعن عبد اللَّه بن السعدي قال وفدنا على رسول اللَّه ﷺ فدخل أصحابي فقضى حاجتهم وكنت آخرهم دخولا، فقال: حاجتك، فقلت: يا رسول اللَّه متى تنقطع الهجرة؟ قال رسول اللَّه ﷺ : (لا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار)، وفي رواية عند أحمد: (لا تنقطع الهجرة ما دام العدو يقاتل) (٤). كما يمكن أن يستدل على بقاء مشروعية الهجرة الأحاديث الواردة في الحث على الهجرة إلى الشام، كقوله ﷺ : (ستكون هجرة بعد هجرة، فخيار أهل الأرض ألزمهم مهاجر

стр. 171

إبراهيم، ويبقى في الأرض شرار أهلها، تلفِظهم أرَضوهم، تقذَرهم نَفْسُ اللَّه (١)، وتحشرهم النار مع القردة والخنازير) (٢). وإن كان موضوع هذا المطلب هو الهجرة الظاهرة أو الحسية، إلا أن النبي ﷺ أشار إلى أهمية الهجرة الباطنة أو المعنوية وهي واجبة على كل مسلم بترك ما تدعو إليه النفس الأمارة بالسوء والشيطان (٣)، بقوله ﷺ : (المُسْلِمُ من سَلِمَ المُسْلِمُونَ من لِسَانِهِ وَيَدِهِ وَالمُهَاجِرُ من هَجَرَ مَا نَهَى اللَّه عَنْهُ) (٤)، و"قيل خص المهاجر بالذكر تطييبا لقلب من لم يهاجر من المسلمين لفوات ذلك بفتح مكة، فأعلمهم أن من هجر ما نهى اللَّه عنه كان هو المهاجر الكامل، ويحتمل أن يكون ذلك تنبيها للمهاجرين أن لا يتكلوا على الهجرة فيقصروا في العمل" (٥)، كما أن الحديث يتضمن تنبيه من عجز عن الهجرة الحسية من المستضعفين بضرورة الهجرة المعنوية حتى يتسنى له الهجرة الحسية.

стр. 172

ولا بد من التنبيه إلى أن الهجرة إلى الحبشة كانت فرارًا من العذاب، والعيش تحت ظل سلطان عادل وغير مسلم، أما الهجرة إلى المدينة فكانت لبناء الدولة، وإيذانًا بانتقال المسلمين من مرحلة الكف والدفاع إلى مرحلة الهجوم (١)، إذًا فالهجرة من أهم وسائل دفع الاستضعاف مؤقتًا، وهي مرحلة للانطلاق والعمل من جديد لرفع الاستضعاف كليًا، وأنها كانت فرضًا على من أسلم، وانتهى ذلك الفرض بفتح مكة، وبقي الوجوب أو الاستحباب أو الكراهة وفقًا لأحكام الهجرة. وخلاصة ما سبق: أن الهجرة من أهم وسائل دفع الاستضعاف وكذا الدخول في الجوار، والمعاهدات، والتحالفات، والوحدة الإسلامية، والأخذ بأسباب القوة بكافة أنواعها، وكذلك الجهاد في سبيل اللَّه. * * *

стр. 173

الفصل الثالث الأمور والضوابط التي ينبغي على المستضعفين الأخذ بها ومراعاتها وفيه تمهيد وثمانية مباحث: المبحث الأول: تفاوت قدرات المستضعفين. المبحث الثاني: التفريق بين استضعاف العالم واستضعاف غيره. المبحث الثالث: تقدير الضرورة والحاجة يكون بالرجوع إلى أهل العلم. المبحث الرابع: عدم الركون للاستضعاف. المبحث الخامس: الأخذ بضوابط العمل بالضرورة والحاجة. المبحث السادس: العمل بشروط الإكراه المعتبر. المبحث السابع: مراعاة الفرق بين فقه الاستضعاف وفقه التمكين. المبحث الثامن: العمل بآيات الصبر والصفح والعفو.

стр. 174

تمهيد إن مسائل الاستضعاف وأحكامه لم يبحثها الفقهاء في أبواب مستقلة، وإنما جاءت ضمن مباحث متنوعة متفرقة في أبواب الفقه، ولا يمكن حصر مسائل الاستضعاف، أو وضع ضوابط تنطبق على كل حالات الاستضعاف أو على كل المستضعفين، أو على جميع أحوالهم، إذ أن فقه الاستضعاف يخضع لفقه السياسة الشرعية، الذي يعتمد على فقه المقاصد (١) والمصالح والمفاسد، وفقه المآلات (٢)، وفقه الأولويات (٣)، وكذلك فقه

стр. 175

الموازنات (١)، إلا أن الأمور التي لم يحدد ضابطها في الشرع لا يجوز تعطيلها، بل الواجب التقريب، فمسائل الاستضعاف تخضع بالجملة للضوابط التي وضعها الفقهاء لمسائل الضرورة والحاجة والإكراه، وهي موضوعة على وجه التقريب بالجملة (٢). ولتجنب الاجتهاد التسويغي، أو الاعتماد على الضرورات الوهمية، أو على المصلحة الملغاة عند النظر في مسائل الاستضعاف فيمكن وضع بعض الضوابط التي ينبغي الأخذ بها عند الوقوع في الاستضعاف، وهو ما ستتناوله المباحث الثمانية التالية:

стр. 176

المبحث الأول تفاوت قدرات المستضعفين ينبغي أن ندرك بأن قدرات المستضعفين تختلف من إنسان لآخر، ومن جماعة إلى أخرى، قال الشاطبي ﵀: "إن الرخصة إضافية لا أصلية، بمعنى أن كل أحد في الأخذ بها فقيه نفسه، ما لم يحد فيها حد شرعي فيوقف عنده" (١)، وبين سبب ذلك وهو اختلاف القوة والضعف، بحسب الأحوال، وقوة العزيمة وضعفها، وبحسب الأزمان، وبحسب الأعمال، وبحسب الطبائع كالصبر والجبن والشجاعة، فلا يمكن وضع ضابط يطرد في جميع الناس، بل كل مخاطب فقيه نفسه، "والشجاعة ليست هي قوة البدن، وقد يكون الرجل قوي البدن ضعيف القلب، وإنما هي قوة القلب وثباته" (٢)، كما أن المشاق تختلف بالنسب والإضافات؛ وذلك يقضى بأن الحكم المبني عليها يختلف بالنسب والإضافات (٣)، وقال في موضع آخر:

стр. 177

"المنافع والمضار عامتها أن تكون إضافية لا حقيقية، ومعنى كونها إضافية أنها منافع أو مضار في حال دون حال، وبالنسبة إلى شخص دون شخص، أو وقت دون وقت، منها أنه لا يستمر إطلاق القول بأن الأصل في المنافع الأذن، وفي المضار المنع، كما قرره الفخر الرازي (١)؛ إذ لا يكاد يوجد انتفاع حقيقي، ولا ضرر حقيقي، وإنما عامتها أن تكون إضافية" (٢).

стр. 178

ومن الأمثلة على تفاوت قدرات المستضعفين وتقديراتهم مسألة الهجرة؛ لكون "المستضعف قد يكون قادرًا على ذلك الشيء مع ضرب من المشقة، وتمييز الضعف الذي يحصل عنده الرخصة عن الحد الذي لا يحصل عنده الرخصة شاق ومشتبه، فربما ظن الإنسان بنفسه أنه عاجز عن المهاجرة ولا يكون كذلك، ولاسيما في الهجرة عن الوطن؛ فإنها شاقة على النفس؛ وبسبب شدة النفرة قد يظن الإنسان كونه عاجزًا مع أنه لا يكون كذلك، فلهذا المعنى كانت الحاجة إلى العفو شديدة في هذا المقام" (١). فالهجرة مثال من أمثلة كثيرة تختلف فيها معايير الضرورة باختلاف الأشخاص، وقدراتهم البدنية، والمالية، ومكانتهم السياسية، والاجتماعية، فلا يمكن أن توزن كافة الضرورات بمقياس واحد، إن سماحة الشريعة الإسلامية لم تغفل مراعاة الحالات الخاصة، والطارئة، عندما يكون التشريع عامًا ومطردًا، وهذه هي واقعية التشريع الإسلامي التي لا تتجاهل اختلاف القدرات والطبائع والأحوال لدى المكلفين (٢). وقد نقلت لنا كتب السيرة ما جرى للصحابة رضوان اللَّه عليهم، وهم لم يكونوا على درجة واحدة من التحمل والصبر على الأذى، ولهذا لما وثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين، وحبسوهم وعذبوهم بالضرب والجوع والعطش، ليفتنوهم عن دينهم، فمنهم من يفتن من شدة البلاء الذي يصيبه، ومنهم من يصلب لهم ويعصمه اللَّه منهم (٣).

стр. 179

كما أن الفقهاء عند عرضهم لمسائل الإكراه صرحوا بمراعاة هذا الأمر، وأن الحكم يختلف بحسب حال المُكره، وبحسب الشيء الذي يُكره عليه، فهي من النوع الذي يتعلق بفقه الحال، قال السرخسي ﵀ في معرض حديثه عن الإكراه بالضرب: ". . ولكنا نقول نصب المقدار بالرأي لا يكون، ولا نص في التقدير هنا، وأحوال الناس تختلف باختلاف تحمل أبدانهم للضرب وخلافه، فلا طريق سوى رجوع المكره إلى غالب رأيه، فإن وقع في غالب رأيه أنه لا تتلف به نفسه ولا عضو من أعضائه لا يصير ملجأ، وإن خاف على نفسه التلف منه يصير ملجأ، وإن كان التهديد بعشرة أسواط وهكذا" (١)، جاء في شرح مجلة الأحكام: "إذا هُدِّدَ بالحبس والقيد وكان الرجل ذَا مُرُوءَةٍ ويشق عليه ذلك، بحيث يقع في قلبه أنه لو لم يفعله يموت بسبب الحبس والقيد، أو يذهب عضو منه فهو إكراه معتبرٌ شرعًا، كما أنه لو تَوَعَّدَهُ بالحبس في مكان مُظلم بحيث ذَهَاب الْبَصَرِ لِطُولِ مُقَامِهِ فيه فهو إكراه مُعْتَبَرٌ شرعًا. . . قال بعض المشايخ: أما الحبس الذي أَحْدَثُوهُ في زماننا فإنه من الإكراه المُلْجِىءِ" (٢). إن مراعاة حال المستضعف وقدرته هو ثمرة تحقيق المناط الخاص، وذلك لأن "التكليف الشرعي يدور مع القدرة والإمكان وجودًا وعدمًا وقدرًا. وإذا كان الميسور لا يسقط بالمعسور، فإن المعسور لا يلحق بالميسور. وتمييز ما هو مقدور مما ليس بمقدور، وما هو معسور مما هو ميسور يحتاج إلى دراية بالواقع وأهله" (٣).

стр. 180

ونخلص من هذا المطلب إلى أن المستضعف فقيه نفسه وفقًا للشروط التالية: ١ - أن يكون ذلك في مسائل استضعاف الأفراد. ٢ - أن يكون ذلك في المسائل التي لا نص فيها ولا إجماع. ٣ - أن يكون ذلك في حال الضرورة (١)، قال ابن القيم ﵀: "ما تبيحه الضرورة يجوز الاجتهاد فيه حال الاشتباه، وما لا تبيحه الضرورة فلا" (٢)، ويلحق بها الحاجة الشديدة، والحاجة القريبة من الضرورة، قال العز بن عبد السلام ﵀: "ولا شك أن هذه المصالح التي خولفت القواعد لأجلها منها ما هو ضروري لا بد منه، ومنها ما تمس إليه الحاجة المتأكدة" (٣)، وبالتالي فهي خاضعة للضوابط التي وضعها العلماء للأخذ بأحكام الضرورة والحاجة. ٤ - أن يدرك المستضعف أنه مؤتمن على هذا الأمر، فلا يحل له الإقدام عليه لمجرد التوهم، بل لا بد من اليقين أو غلبة الظن (٤). ٥ - عدم القدرة للرجوع إلى أهل العلم، إما لضيق الوقت أو عدم وجودهم.
следующие страницы →