← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 17438

الاستضعاف وأحكامه في الفقه الإسلامي

زياد بن عابد المشوخي

Полный текст (432 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

به فرعون، ولعله كان يكتم إيمانه أولًا، فلما قال فرعون: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى﴾ أزال الكتمان وأظهر كونه على دين موسى، وشافه فرعون بالحق (١). ومن أمثلة استضعاف الأفراد ما وقع لأبي بصير وأبو جندل، فقد أخرج البخاري قصة توقيع صلح الحديبية وفيه: (فجاء أبو بصير فقال: يا نبي اللَّه قد واللَّه أوفى اللَّه ذمتك قد رددتني إليهم ثم أنجاني اللَّه منهم، قال النبي ﷺ : (وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ لو كان له أحد)، فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سيف البحر، قال: وَيَنْفَلِتُ منهم أبو جندل ابن سهيل فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة. فواللَّه ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النبي ﷺ تُنَاشِدُهُ بِاللَّه وَالرَّحِمِ لمَّا أَرْسَلَ فمن أتاه فهو آمن فأرسل النبي ﷺ إليهم ﵃) (٢)، "وقصة أبي بصير وأبي جندل وإخوانها لها دلالة مثيرة، فهي قصة المكافحة في لؤمٍ من الأعداء ووحشةٍ من الأصحاب! (٣)، فأبو بصير خرج من المدينة وما معه سوى كف من التمر فأكلها ثلاثة أيام ثم أصبح يأتي الساحل فيصيب حيتانًا ألقاها البحر فيأكلها، وعمر ﵁ كتب للمستضعفين في مكة قول الرسول ﷺ لأبي بصير: (وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ لو كان معه رجال)، وأخبرهم أنه بالساحل على طريق عير قريش، فلما جاءهم كتابه جعلوا يتسللون رجلًا رجلًا عند أبي بصير (٤).

стр. 72

وأبو جندل بعودته مع المشركين إلى مكة عاد إلى حالة استضعاف الجماعة، وانضم إلى المستضعفين الذين أخبر عنهم اللَّه بقوله: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ. .﴾ (١)، قال ابن تيمية ﵀: "فهؤلاء كانوا يكتمون إيمانهم في قومهم، ولا يتمكنون من إظهاره، ومن هؤلاء مؤمن آل فرعون، كان يكتم إيمانه، ومن هؤلاء النجاشي الذي صلى عليه رسول اللَّه ﷺ ، فإنه كان ملك النصارى بالحبشة، وكان في الباطن مؤمنًا" (٢). ومن أمثلة استضعاف الأفراد ما جرى مع أصحاب الكهف التي وردت قصتهم في القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ (٣)، "أي إن علموا بمكانكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم -يعنون أصحاب دقيانوس (٤) - يخافون منهم أن يطلعوا على مكانهم فلا يزالون يعذبونهم بأنواع العذاب إلى أن يعيدوهم في ملتهم التي هم عليها أو يموتوا، وإن وافقتموهم على العود في الدين فلا فلاح لكم في الدنيا ولا في الآخرة" (٥). تنبيه: مما مضى يتبين أنه ليس من شرط تحقق الاستضعاف وقوع المستضعف في عذاب بل يكفي أن يغلب على ظنه وقوعه تحت العذاب ممن يقدر عليه، بل إن النجاشي كان ملكًا ومع هذا لم يقدر على الجهر بإسلامه في أول الأمر، ولا شك أن مجرد عدم إظهار الإسلام

стр. 73

وشعائره فيه عذاب معنوي للمستضعف، وإن سلم من العذاب الحسي، والظاهر أن النجاشي قد كتم إسلامه عن الحبشة حتى لا يعزلوه، واستطاع بذلك أن يحمي المسلمين، وأن يشجع نشر الإسلام بين الحبشة تدريجيًا دون استخدام للعنف أو القهر، ولكن اللَّه تعالى لم يمهله حتى يتم ذلك الأمر (١)، ولذا فقد قال لمبعوث الرسول ﷺ : (ولكن أعواني من الحبشة قليل فأنظرني حتى أكثر الأعوان والين القلوب) (٢)، حتى أنه خفي على بعض المسلمين إسلام النجاشي، ولهذا لما مات ﵁ نعاه الرسول ﷺ ودعا الناس إلى المصلى للصلاة عليه، فعن أبي هريرة ﵁: (أن رسول اللَّه ﷺ نَعَى النَّجَاشِيَّ في اليوم الذي مات فيه، خرج إلى المُصلى فصف بهم وكبر أربعًا) (٣)، وعن جابر ﵁ قال: قال ﷺ حين مات النَّجَاشِيُّ: (مات اليوم رجل صالحٌ فقوموا فصلوا على أخيكم أَصْحَمَةَ (٤)) (٥).

стр. 74

قال ابن حجر ﵀: "الظاهر أنه إنما خرج بالمسلمين إلى المصلى؛ لقصد تكثير الجمع الذين يصلون عليه؛ ولإشاعة كونه مات على الإسلام، فقد كان بعض الناس لم يُدْرِكُونَهُ أسلم. . . عن أنس أن النبي ﷺ لما صلى على النجاشي، قال بعض أصحابه: صَلَّى على عِلْج من الحبشة، فنزلت: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ (١) الآية، وله شاهد في معجم الطبراني الكبير من حديث وحشي بن حرب وآخر عنده في الأوسط من حديث أبي سعيد وزاد فيه أن الذي طعن بذلك فيه كان منافقا" (٢). النوع الثاني: استضعاف الجماعة (٣) والدولة: وهو الذي يقع على طائفة من المسلمين، أو جماعة منهم سواءً أكان لتلك الجماعة دولة أو كانوا أقلية، وقد يكون استضعافًا كليًا أو جزئيًا، ويقع الاستضعاف على تلك الجماعة المسلمة مع وجود قوة للمسلمين في مكان آخر بغض النظر عن الموانع أو الأمور التي تحول دونهم ودون نصرتهم. ومن أمثلة استضعاف الجماعة ما جرى للمسلمين في مكة قبل الهجرة، فالمرحلة المكية تعد نموذجًا لاستضعاف الجماعة، وللاستضعاف الكلي، كما أن المرحلة المدنية في بعض مراحلها تعد نموذجًا لاستضعاف الجماعة ولكن ذلك الاستضعاف كان جزئيًا وليس كليًا.

стр. 75

ومن أمثلة استضعاف الجماعة أو الطائفة ما جرى لبني إسرائيل على يد فرعون، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (١)، فقد استعبد فرعون الجبار الطاغية بني إسرائيل وكانوا في ذلك الزمان خيار أهل الأرض وجعلهم فرقًا، واستعملهم في الأعمال الشاقة والقذرة، ليلا ونهارا، ومع هذا كله يقتل أبناءهم ويستحي نساءهم إهانة لهم واحتقارا وخوفا من أن يوجد منهم الغلام الذي كان قد تخوف هو وأهل مملكته منه أن يوجد منهم غلام يكون سبب هلاكه وذهاب دولته على يديه (٢). * * * المطلب الثالث: تقسيم الاستضعاف باعتبار الاعتذار به وهو نوعان: النوع الأول: استضعاف مقبول شرعًا. النوع الثاني: استضعاف غير مقبول شرعًا. ودل على هذا التقسيم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا

стр. 76

غَفُورًا﴾ (١)، "فهذا الاستضعاف المعفو عمن اتصف به، غير الاستضعاف المعتذر به في أول الآية وصدرها، وهو قول الظالمي أنفسهم: ﴿كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾، فإن اللَّه تعالى لم يقبل قولهم في الاعتذار به، فدل على أنهم كانوا قادرين على الهجرة من وجه ما، وعفا عن الاستضعاف الذي لا يستطاع معه حيلة ولا يهتدى به سبيل" (٢)، كما يمكن تقسيمه إلى استضعاف حقيقي، واستضعاف متوهم. كما يمكن تقسيم الاستضعاف باعتبار مجاله، مثل: استضعاف سياسي، استضعاف اقتصادي، استضعاف ديني، والحاصل أنها لا تخرج عن كونها استضعافًا كليًا أو استضعافًا جزئيًا، ومتى ما وقع الاستضعاف الديني فإن الاستضعاف السياسي والاقتصادي يتبعه، وتلك الأمور في حقيقتها وسائل للاستضعاف. * * *

стр. 77

المبحث الثاني: العلاقة بين مرحلة الاستضعاف والمرحلة المكية إن تقسيم مراحل الدعوة الإسلامية إلى مرحلة سرية ومرحلة جهرية، ومن ثم مرحلة مكية ومرحلة مدنية، أو مرحلة التبين، ومرحلة التكوين، ومرحلة التمكين، أو مرحلتي الكتمان والإعلان، أو مرحلة الاستضعاف ومرحلة الاستخلاف وغيرها من التقسيمات كمرحلة النبوة، ثم إنذار عشيرته الأقربين، ثم إنذار قومه، ثم إنذار قوم ما أتاهم من نذير من قبله وهم العرب قاطبة، ثم إنذار جميع من بلغته دعوته من الجن والإنس إلى آخر الدهر (١)، إنما هو وصف لواقع الدعوة وأحوال المسلمين وبيان لمقتضيات تلك المدة والمرحلة ويترتب على ذلك من أحكام وفوائد منها: تمييز الناسخ من المنسوخ، ومعرفة تاريخ التشريع وتدرجه الحكيم بوجه عام، وذلك يترتب عليه الإيمان بسمو السياسة الإسلامية في تربية الشعوب والأفراد، وكذلك معرفة أساليب الدعوة إلى اللَّه ومراعاة مقتضى الحال (٢)، قال القرطبي ﵀: "وينبغي له -أي صاحب القرآن- أن يعرف المكي من المدني؛ ليفرق بذلك بين ما خاطب اللَّه به عباده في أول الإسلام، وما ندبهم إليه في آخر الإسلام، وما افترض اللَّه في أول الإسلام، وما زاد عليه من الفرائض في آخره، فالمدني هو الناسخ للمكي في أكثر القرآن، ولا يمكن أن ينسخ المكي المدني؛ لأن المنسوخ هو المتقدم في النزول قبل الناسخ له" (٣).

стр. 78

ولعله يحسن التنبيه إلى أنه لا يلزم من وجود هذا التقسيم في العهد الأول للدولة الإسلامية وجوده في العصر الحديث أو في كل عصر، بمعنى أنه يجب التقيد بتلك المراحل بمداها الزمني الذي مرت به حياة الرسول ﷺ وصحابته الكرام ﵃؛ لأن المدى الزمني لتلك المراحل كان تقديرًا ربانيًا ولا نص فيه يدعونا إلى الاقتداء به، ولا نحجر واسعًا، وليس المهم حساب الزمن، إنما المهم الحصيلة العملية للمستضعفين وقدرتهم على مواجهة المجتمع القائم من خلال الأشخاص أو المؤسسات (١)، كما أننا لسنا متعبدين بالمضي وفقًا لذلك المدى الزمني، وإلا لأدى هذا إلى جمود وقصور في التعامل مع الواقع، الأمر الذي يخالف طبيعة الإسلام ومرونته ويضيق مساحة الاجتهاد والعمل والتعاطي مع الأحداث والمستجدات والنوازل. كما أن العلم بالمكي والمدني لا يعني أن نأخذ أحكام العهد المكي ونسقطها كاملة على مرحلة الاستضعاف، وذلك لأن استنباط الأحكام الشرعية يكون من الأدلة وليس بمقارنة العهدين المكي والمدني ثم القياس على النظير من جميع الوجوه، وكلا العهدين المكي والمدني عهد تشريع، "وإذا رأيت في المدنيات أصلًا كليًا فتأمله تجده جزئيًا بالنسبة إلى ما هو أعم منه أو تكميلًا لأصل كلي. . . ليفرع عن ذلك كل ما جاء مفصلًا في المدني، فالأصل وارد في المكي" (٢)، ولو جعلت المرحلية أصلًا من أصول الأحكام لأدى ذلك إلى تضييع فرائض الدين والقول بعدم وجوبها، فالصلاة مثلًا لم تفرض إلا في أواخر العهد

стр. 79

المكي، كما يؤدي هذا الأمر إلى ارتكاب الكبائر واستحلالها تحت عذر المرحلية، فالخمر مثلًا إنما حرمت في المدينة (١). والحديث عن المراحل لا يعني الركون لها، أو التعامل معها على أنها أصل، وبالتالي تُخفى الشعائر والعبادات، بل إن الأصل في الإسلام هو الإظهار والإعلان كما سيأتي بيانه، ولذا شرع الآذان والعبادات الجماعية كصلاة الجماعة، والحج، وصوم رمضان، والزكاة، والأعياد وغيرها، ولا يمكن التعاطي مع العهد المكي على أنه الأصل لوحده أو مع العهد المدني على أنه الأصل لوحده، فكلاهما أصل ومكمل للآخر، قال شيخ الإسلام ابن تيمية مفسرًا لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (٢) أي: "بالحجة والبيان، وباليد واللسان هذا إلى يوم القيامة، لكن الجهاد المكي بالعلم والبيان، والجهاد المدني مع المكي باليد والحديد، قال تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ (٣) وسورة الفرقان مكية، وإنما جاهدهم باللسان والبيان، ولكن يكف عن الباطل وإنما قد بين في المكية: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ (٤) " (٥). قال الشاطبي ﵀: "المدني من السور ينبغي أن يكون منزلا في الفهم على المكي، وكذلك المكي بعضه مع بعض، والمدني بعضه مع بعض على حسب ترتيبه في التنزيل، وإلا لم يصح، والدليل على ذلك أن معنى الخطاب المدني في الغالب مبني على المكي، كما أن

стр. 80

المتأخر من كل واحد منهما مبني على متقدمة، دل على ذلك الاستقراء، وذلك إنما يكون بيان مجمل، أو تخصيص عموم، أو تقييد مطلق، أو تفصيل ما لم يفصل، أو تكميل ما لم يظهر تكميله" (١). لقد كانت المرحلة المكية تأسيسًا ومنطلقًا لما بعدها، وكان لتلك المرحلة أهميتها في الإسلام، حتى أنه كان يؤرخ للصحابة ﵃ بتلك المرحلة (٢). إن "كل مرحلة لها وسائل مكافئة لمقتضياتها وحاجاتها الواقعية، وكل مرحلة تسلم إلى المرحلة التي تليها. . فهو -أي الإسلام- لا يقابل الواقع بنظريات مجردة. كما أنه لا يقابل مراحل هذا الواقع بوسائل متجمدة" (٣). مما مضى يمكن القول بأن المرحلة المكية كانت تمثل حالة الاستضعاف الكلي، ولا يلزم حالة وقوع استضعاف كلي في أي زمن من الأزمان في مكان ما تطبيق كل ما كان قائمًا من أحكام في المرحلة المكية، إذ لكل زمان ظروفه، كما أن لكل مكان طبيعته الخاصة به، كما أن فقه الاستضعاف لا يعني بأي حال من الأحوال العودة للمرحلة المكية بكل أحكامها وآثارها. * * *

стр. 81

المبحث الثالث: مظاهر الاستضعاف المراد بمظاهر الاستضعاف الصورة التي يبدو عليها (١)، وهذه المظاهر تختلف بحسب أحوال المستضعفين، وبحسب نوع الاستضعاف الواقع عليهم، ومن أبرز هذه المظاهر ما يلي: المظهر الأول: وقوع القتل والتعذيب والسجن والإبعاد على المستضعفين: وهذا ما كان عليه النبي ﷺ والصحابة ﵃ بمكة، قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ﴾ (٢)، وقال : ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (٣)، ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾ ليحبسوك ويسجنوك ويوثقوك (٤)، إن الطرد والإبعاد سياسة ماضية مارسها أعداء الأنبياء والرسل، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ﴾ (٥)،

стр. 82

فقد أخبر اللَّه "تعالى عما توعدت به الأمم الكافرة رسلهم، من الإخراج من أرضهم، والنفي من بين أظهرهم" (١)، فـ "هم لا يقبلون من الرسل والذين آمنوا معهم، أن يتميزوا وينفصلوا بعقيدتهم وبقيادتهم وبتجمعهم الخاص. إنما يطلبون إليهم أن يعودوا في ملتهم، ويندمجوا في تجمعهم، ويذوبوا في هذا التجمع. أو أن يطردوهم بعيدًا وينفوهم من أرضهم. . ولم يقبل الرسل الكرام أن يندمجوا في التجمع الجاهلي، ولا أن يذوبوا فيه، ولا أن يفقدوا شخصية تجمعهم الخاص. . هذا التجمع الذي يقوم على قاعدة أخرى غير القاعدة التي يقوم عليها التجمع الجاهلي" (٢). وفي قصة شعيب ﵇، قال تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾ (٣)، "وهذا خطاب مع الرسول والمراد أتباعه الذين كانوا معه على الملة" (٤). وفي قصة لوط ﵇، قال : ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ (٥)، وأخبر سبحانه عما جرى للنبي الكريم ﵊، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٦) "وكان من صنعه تعالى: أنه أظهر رسوله ونصره، وجعل له بسبب خروجه من مكة أنصارًا وأعوانًا وجندا، يقاتلون في سبيل اللَّه، ولم يزل يرقيه اللَّه تعالى من شيء إلى

стр. 83

شيء، حتى فتح له مكة التي أخرجته، ومكن له فيها، وأرغم آناف أعدائه منهم، ومن سائر أهل الأرض، حتى دخل الناس في دين اللَّه أفواجا، وظهرت كلمة اللَّه ودينه على سائر الأديان، في مشارق الأرض ومغاربها في أيسر زمان؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ (١) " (٢). ولهذا لما انطلقت خديجة ﵂ برسول اللَّه ﷺ إلى ورقة بن نوفل (٣) أدرك في الحال ما الذي سيقع للرسول الكريم، فقال: (هذا الناموس الذي نزله اللَّه به على موسى يا ليتني فيها جذع، ليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومك، فقال رسول اللَّه ﷺ : (أو مخرجي هم!). قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا، ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي) (٤)، وإن الخروج من الديار ليس بالأمر الهين ولهذا فقد قارنه اللَّه بقتل النفس فقال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ (٥).

стр. 84

المظهر الثانى: إخفاء المسلمين للشعائر التى أصلها الإظهار: وذلك كالآذان والصلاة والجمع والأعياد والأضاحي ونحوها، بل وحتى أصل الإيمان كحال مؤمن آل فرعون، قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ (١). وكحال الصحابة ﵃ بمكة التي أخبر اللَّه عنهم بقوله سبحانه: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (٢)، "أي: بين أظهرهم ممن يكتم إيمانه ويخفيه منهم خيفة على أنفسهم من قومهم" (٣). ولقد اقتضت المرحلة المكية لاسيما في بداية الدعوة السرية إخفاء الشعائر والعبادات، ولذا فقد اجتهد النبي ﷺ إلى دعوة ألصق الناس به، وألا يدعو إلا من غلب على ظنه أنه سيدخل في الإسلام ويكتم أمره، وهذا من باب السياسة الشرعية وما تقتضيه مصلحة الإسلام والمسلمين في تلك الفترة، فكان بيت رسول اللَّه ﷺ المحضن الأول للدعوة، وأما المحضن الثاني فبيوت الصحابة ﵃ وفي مقدمتها بيت الأرقم ابن أبي الأرقم،

стр. 85

والمحضن الثالث شعاب مكة (١)، وقد كان أصحاب رسول اللَّه ﷺ إذا صلوا، ذهبوا في الشعاب فاستخفوا بصلاتهم من قومهم (٢). ولقد كان الصحابة ﵃ في حالة من الانضباط الأمني حتى لا يعلم بعضهم من أسلم أو كم عدد المسلمين يومئذ، ولم يكن الأمر مقتصرًا على الانضباط الأمني والسرية بل حتى الانضباط الاجتماعي، وهو جانب مهم من الانضباط الذي كانت الدعوة تنتهجه كإجراء وقائي يوفر لها بعض الحماية اللازمة للاستمرار في عملية بناء قدراتها الذاتية، بعيدًا عن أجواء القهر والملاحقات المرهقة، فكانوا ملتزمين بدرجة من الانضباط الاجتماعي، بحيث يصعب ملاحظة مظاهر الخروج عن المقررات والعادات والضوابط الاجتماعية التي درج المجتمع المكي عليها، فمصلحة الدعوة يومئذ اقتضت ذلك الانضباط الذي جنبهم الدخول في مواجهات جدالية سافرة، تضرهم ولا تنفعهم في تلك الفترة (٣). وهذا الانضباط الاجتماعي استمر حتى فترة متقدمة من مسيرة الإسلام قال ابن حجر ﵀ معلقًا على تسمية صلح الحديبية فتحًا: "ولما كانت قصة الحديبية مقدمة للفتح

стр. 86

سميت فتحا. . . فإن الفتح في اللغة فتح المغلق، والصلح كان مغلقا حتى فتحه اللَّه، وكان فتحه صد المسلمين عن البيت، وكان في الصورة الظاهرة ضيمًا للمسلمين وفي الصورة الباطنة عِزًّا لهم، فإن الناس لأجل الأمن الذي وقع بينهم اختلط بعضهم ببعض مِنْ غَيْر نكير وأسمع المسلمون المشركين القرآن، وناظروهم على الإسلام جهرة آمنين وكانوا قبل ذلك لا يتكلمون عندهم بذلك إلا خفية، وظهر من كان يخفي إسلامه فذل المشركون من حيث أرادوا العزة وَأُقْهِرُوا من حيث أرادوا الغلبة" (١). المظهر الثالث: عدم القدرة على تطبيق الأحكام الشرعية: سواءً كلها أو بعضها، كالحدود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيرها، وإن كانت أحوال المستضعفين تمنعهم من إظهار الشعائر فإنه من باب أولى أن تمنعهم من تطبيق الأحكام الشرعية، ففي "طوال العهد المكي لم يتنزل حكم شرعي تنفيذي -وإن تنزلت الأوامر والنواهي عن أشياء وأعمال- ولكن الأحكام التنفيذية كالحدود والتعازير والكفارات لم تتنزل إلا بعد قيام الدولة المسلمة التي تتولى تنفيذ هذه الأحكام" (٢). ومن المعلوم أن أول حد أقيم في الإسلام كان في المدينة، قال عبد اللَّه بن مسعود ﵁: (لقد علمت أول حد كان في الإسلام امرأة سرقت فقطعت يدها فتغير لذلك وجه رسول اللَّه ﷺ تغيرًا شديدًا ثم قال: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣)) (٤).

стр. 87

لم يكن المسلمون في المرحلة المكية أمة منفصلة عن المجتمع المكي، ولم تكن لهم أرض يمارسون عليها سيادتهم، أو يقيموا حكومة ترعى مصالحهم وتدافع عنهم وتنفذ شريعتهم، كما لم يكن لهم سلطان وقوة، وإنما كان الرسول ﷺ يسعى لجمع الناس على الدين تمهيدًا لإقامة الدولة الإسلامية لاحقًا، ولذا لم ينزل اللَّه في تلك الفترة تنظيمات وشرائع، وإنما عقيدة وخلقًا منبثقًا عنها، فلما أن صارت لهم الدولة بالمدينة، تنزلت الشرائع (١). وقد يتسنى للمستضعفين إظهار الشعائر من الآذان والصلاة وبناء المساجد ولبس الحجاب ونحوها، إلا أنهم لا يقدرون أن يقيموا الحدود لعدم وجود القوة والسلطة الإسلامية كحال الكثير من الأقليات الإسلامية في الدول الغربية اليوم، وقد يتسنى لهم إقامة محاكم إسلامية في قضايا محددة كالزواج والطلاق دون غيرها من القضايا. المظهر الرابع: عدم القدرة على الهجرة: وهذا أمر ظاهر فقد أخبر اللَّه عن حال المستضعفين في مكة، ووصف لنا أحوال المعذورين منهم، بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ (٢)، فالاستضعاف المعفو عمن اتصف به غير الاستضعاف المعتذر به في أول الآية

стр. 88

وصدرها، فإن اللَّه تعالى لم يقبل قولهم في الاعتذار به، فدل على أنهم كانوا قادرين على الهجرة من وجه ما، وعفا عن الاستضعاف الذي لا يستطاع معه حيلة ولا يهتدى به سبيل، فالمستضعف المعاقب في صدر الآية هو القادر من وجه، والمستضعف المعفو عنه في عجزها هو العاجز من كل وجه (١). قال القرطبي ﵀: "الحيلة لفظ عام لأنواع أسباب التخلص. والسبيل سبيل المدينة، فيما ذكر مجاهد والسدى وغيرهما، والصواب أنه عام في جميع السبل" (٢). و" ﴿حِيلَةً﴾ من الحيل فإنها نكرة في سياق النفي فتعم جميع أنواع الحيل" (٣). المظهر الخامس: قلة العدد: قال تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ. .﴾ (٤)، أي: يستقلون، أو يستذلون (٥)، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٦)، ولهذا فإن عمر بن الخطاب ﵁ لما قاتل المشركين في مكة قال لهم: (يا أعداء اللَّه! واللَّه لو قد بلغنا بثلاث مائة، لقد أخرجناكم منها) (٧).

стр. 89

وإن كان قلة العدد ليس شرطًا لوقوع الاستضعاف فقد يقع الاستضعاف والهزيمة مع الكثرة، والكثرة لا تغني شيئًا مع الفرقة والخذلان، قال تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ (١)، ولذلك جاء في الصحيح عن حذيفة ﵁ قال: (كنا مع رسول اللَّه ﷺ فقال: (حصوا لي كم يلفظ الإسلام؟) قال: فقلنا: يا رسول اللَّه، أتخاف علينا ونحن ما بين الست مئة إلى السبع مئة؟! قال: (إنكم لا تدرون لعلكم أن تبتلوا) قال: فابتلينا حتى جعل الرجل منا لا يصلي إلا سرًّا) (٢). قال الحافظ ابن حجر ﵀: "يشبه أن يكون أشار بذلك إلى ما وقع في أواخر خلافة عثمان ﵁ من ولاية بعض أمراء الكوفة؛ كالوليد بن عقبة؛ حيث كان يؤخر الصلاة أو لا يقيمها على وجهها، وكان بعض الورعين يصلي وحده سرًا، ثم يصلي معه خشية من وقوع الفتنة. وقيل: كان ذلك حين أتم عثمان الصلاة في السفر، وكان بعضهم يقصر سرًا وحده خشية الإنكار عليه. ووهم من قال: إن ذلك كان أيام قتل عثمان؛ لأن حذيفة لم يحضر ذلك. وفي ذلك علم من أعلام النبوة؛ لما فيه من الإخبار بالشيء قبل وقوعه، وقد وقع أشد من ذلك بعد حذيفة في زمن الحجاج وغيره" (٣). قال النووي ﵀: "فلعله كان في بعض الفتن التي جرت بعد النبي ﷺ فكان بعضهم يخفي نفسه ويصلي سرًا مخافة من الظهور والمشاركة في الدخول في الفتنة والحروب، واللَّه أعلم" (٤).

стр. 90

وقد أخبر النبي ﷺ الصحابة الكرام ﵃ عن تداعي الأمم فقال ﷺ : (يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها)، فقال ثوبان: بأبي أنت وأمي يا رسول اللَّه ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: (لا، بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن اللَّه من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن اللَّه في قلوبكم الوهن)، قالوا: وما الوهن يا رسول اللَّه؟ قال: (حب الدنيا وكراهية الموت)، وفي رواية: (وكراهية القتال) (١). والمراد أن الكفار وأمم الضلالة تقرب أن يدعو بعضهم بعضًا إلى الاجتماع لقتال المسلمين وكسر شوكتهم ليغلبوا على ما ملكوه من الديار، وحالهم كحال الفئة الآكِلَة عندما تتداعى إلى قصعة الطعام للأكل من غير مانع فيأكلونها صفوًا من غير تعب، ونفى ﵊ أن يكون هذا التداعي بسبب قلة العدد، بل بين أن السبب هو الغثاء الذي يصيب الأمة، والغثاء هو ما يحمله السيل من زبد ووسخ وشبههم به لقلة الشجاعة ودناءة القدر، والوهن هو الضعف (٢). ففي الحديث: "التحذير من الكثرة التي سببت فشل الأمة الإسلامية وجرأة أعدائها عليها، ليس لمجرد الكثرة بل لكراهية كل فرد الموت، باندماج الأعداء والمرجفين فيهم، واتحادهم مع الجبناء، فيصعب التحري، ويتكل كل فاقد العزيمة على غيره لتسلم له حياة قصيرة وإن كانت تعسة، فنزع اللَّه من قلوب العدو المهابة من المسلمين، وهي أقوى دواعي النصر وسبب سرعة انتشار الدين في بادىء أمره" (٣).

стр. 91

وخلاصة هذا المبحث أن للاستضعاف مظاهر من أبرزها: وقوع القتل والتعذيب والسجن والإبعاد على المستضعفين، وعدم القدرة على إظهار الشعار كلها أو بعضها، وعدم القدرة على تطبيق الحدود والأحكام الشرعية، وعدم القدرة على الهجرة وترك البلد الذي يقع فيه الاستضعاف، وقلة العدد. * * *

стр. 92

المبحث الرابع: استحكام الاستضعاف فى الأرض تلك هي أبرز مظاهر الاستضعاف، وهي تختلف من زمان لآخر، ومن مكان لآخر، وقد يشتد الاستضعاف حتى لا يستطيع المسلمين إظهار الشعائر كلها في بعض الأماكن، وقد تقل شدته فيتمكن المسلمون من إظهار بعض الشعائر، وهنا تساؤل حول إمكانية استحكام الاستضعاف في الأرض كلها، وهل يمكن أن يقع هذا أم لا؟ والجواب: أن النبي ﷺ أخبر عن غربة الإسلام، بقوله: (بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء) (١). وهذه الغربة تكون في بعض شرائعه، وقد يكون في بعض الأمكنة والأزمنة، كما كان في أول الأمر غريبا ثم ظهر، أو أنها تكون في آخر الدنيا، وهذا إنما يكون بعد الدجال ويأجوج ومأجوج عند قرب الساعة، وحينئذ يبعث اللَّه ريحا تقبض روح كل مؤمن ومؤمنة ثم تقوم القيامة، فأما بقاء الإسلام غريبا ذليلا في الأرض كلها قبل الساعة فلا يكون هذا، بل لا بد أن يبقي اللَّه من المؤمنين من هو ظاهر إلى قيام الساعة، فإذا مات كل مؤمن فقد جاءت الساعة (٢). ولا تقتضي غربة الإسلام جواز تركه، كما لا تقتضي أن يكون المتمسك به في شر، بل هو أسعد الناس، فطوبى من الطيب، فالمسلم المتبع للرسول ﷺ اللَّه تعالى حسبه وكافيه، وهو وليه حيث كان، ومتى كان، فإنه لا بد أن يحصل للناس في الدنيا شر، واللَّه على عباده نعم، لكن الشر الذي يصيب المسلم أقل، وسرعان ما يعوض عنه عاجلًا من

стр. 93

الإيمان ولذته ما يحتمل به الأذى، والنعم التي تصل إليه أكثر، والذي يحصل للكفار من الهلاك أعظم بكثير، من غير عوض لا آجلًا ولا عاجلًا (١). إذًا فالغربة المستحكمة المطبقة على الأرض كلها، بحيث يغدو الدين غريبًا في زمن من الأزمنة، في بقاع الأرض كلها، كا حدث قبل بعثة النبي ﷺ ، لا يكون في أمته ﷺ إلا بعد عهد عيسى ﵇، وقبل الساعة (٢)، وكذلك الاستضعاف الكلي لكل الأمة في الأرض كلها لا يمكن أن يقع، بل دلت الآيات والأحاديث على خلاف هذا. ومن جملة هذه الأدلة قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ (٣)، وقال : ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (٤)، "أى: عامة المؤمنين بعد إجلاء الكفار وهذا وعد منه تعالى بإظهار الدين وإعزاز أهله" (٥). عن أبي بن كعب ﵁ قال: لما قدم رسول اللَّه ﷺ وأصحابه المدينة وآوتهم الأنصار، رمتهم العرب عن قوس واحدة، كانوا لا يبيتون إلا بالسلاح ولا يصبحون إلا فيه، فقالوا: (ترون أنا نعيش حتى نبيت آمنين مطمئنين لا نخاف إلا اللَّه؟ فنزلت: ﴿وَعَدَ

стр. 94

اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (١)) (٢). وقد قال ابن عباس ﵄ في تفسير هذه الآية: (يوسع لهم في البلاد حتى يملكوها ويظهر دينهم على سائر الأديان) (٣)، "ذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة أنه وعد الذين آمنوا وعملوا الصالحات من هذه الأُمّة: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: ليجعلنهم خلفاء الأرض، الذين لهم السيطرة فيها، ونفوذ الكلمة، والآيات تدلّ على أن طاعة اللَّه بالإيمان به، والعلم الصالح سبب للقوّة والاستخلاف في الأرض ونفوذ الكلمة" (٤). وعن ثوبان ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (إن اللَّه زَوَى (٥) لي الأرض فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وإن أمتي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِىَ لي منها، وَأُعْطِيتُ الكنزين الأحمر والأبيض، وإني سَأَلْتُ رَبِّى لأمتي أَن لا يُهلِكَهَا بِسَنَةٍ بِعَامَّةٍ (٦)، وأن لا يُسَلِّطَ عليهم عَدُوًّا

стр. 95

من سِوَى أَنْفُسِهِمْ فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ (١)، وإن رَبِّى قَالَ: يَا محمد إني إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فإنه لا يُرَدُّ وإني أَعْطَيْتُكَ لأُمَّتِكَ أن لا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ بِعَامَّةٍ، وأن لا أُسَلِّطَ عليهم عَدُوًّا من سِوَى أَنْفُسِهِمْ يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ، وَلَوِ اجْتَمَعَ عليهم من بِأَقْطَارِهَا -أَوْ قَالَ مَنْ بَيْنَ أَقْطَارِهَا- حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا وَيَسْبِى بَعْضُهُمْ بَعْضًا) (٢)، وفي رواية: (سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بما هلك به الأمم قبلها فأعطانيها، وسألت ربي أن لا يظهر عليها عدوا من غيرها فأعطانيها، وسألت ربما أن لا يلبسها شيعا فمنعنيها) (٣). "وفي هذا الحديث دليل واضح على أن دين محمد ﷺ لا يزال إلى أن تقوم الساعة، ولا يهلك أمة محمد ﷺ عدو يستأصلها أبدًا، وأنها في أكثر أقطار الأرض والحمد للَّه كثيرا" (٤)، قال ابن حجر ﵀: "المراد أن ذلك لا يقع لجميعهم، وإن وقع لأفراد منهم غير مقيد بزمان. . . فإن الغرق والجوع قد يقع لبعض دون بعض لكن الذي حصل منه الأمان أن يقع عاما" (٥)، فدل هذا الحديث على أن "تسليط العدو الكافر قد يقع على بعض المؤمنين، لكنه لا يقع عمومًا فكذلك الخسف والقذف" (٦).

стр. 96

وقد أخبرنا النبي ﷺ ببقاء الطائفة المنصورة فقال ﵊: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر اللَّه وهم ظاهرون) (١)، "ولا يزال الأمر إلى قيام الساعة مهما قاموا بالإيمان والعمل الصالح، فلا بد أن يوجد ما وعدهم اللَّه، وإنما يسلط اللَّه عليهم الكفار والمنافقين ويديلهم في بعض الأحيان بسبب إخلال المسلمين بالإيمان والعمل الصالح" (٢). وقد أخبرنا المولى بأنه لن يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلًا فقال تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (٣)، فمن دلالات هذه الآية أنه سبحانه لا يجعل لهم على المؤمنين سبيلًا يمحو به دولة المسلمين ويستأصلهم ويستبيح بيضتهم، وإن حصل لهم ظفر في بعض الأحيان على بعض المؤمنين فإن العاقبة للمتقين في الدنيا والآخرة (٤)، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ (٥)، "ولكن حكمة اللَّه عادلة فإنها اقتضت أن من تمسك بالدين نصره اللَّه النصر المبين وأن من ترك أمره ونهيه ونبذ شرعه وتجرأ على معاصيه أن يعاقبه ويسلط عليه الأعداء واللَّه عزيز حكيم" (٦).

стр. 97

إن التمكين في الأرض باطنا وظاهرا ليس مستلزما لولاية اللَّه تعالى، بل قد يكون ولي اللَّه متمكنا ذا سلطان، وقد يكون مستضعفا إلى أن ينصره اللَّه، وأما الغلبة فإن اللَّه تعالى قد يُديل الكافرين على المؤمنين تارة، كما يديل المؤمنين على الكافرين، كما وقع للصحابة رضوان اللَّه عليهم مع عدوهم لكن العاقبة للمتقين، وإذا كان في المسلمين ضعفٌ، وكان عدوهم مستظهرا عليهم، كان ذلك بسبب ذنوبهم وخطاياهم، إما لتفريطهم في أداء الواجبات باطنا وظاهرا، وإما لعدوانهم بتعدي الحدود باطنا وظاهرا (١). ومن الأحاديث الدالة على التمكين للإسلام وأهله في الأرض، قوله ﵊: (لا يبقى على ظهر الأرض بيت مدر ولا وبر إلا أدخله اللَّه كلمة الإسلام، بعز عزيز، أو ذل ذليل، إما يعزهم اللَّه فيجعلهم من أهلها، أو يذلهم فيدينون لها) (٢). وقد بشرنا الصادق المصدوق ﵊ بالتمكين في الأرض فقال: (بَشِّرْ هذه الأُمَّةَ بِالسَّنَاءِ وَالرِّفْعَةِ والدين (٣) وَالنَّصْرِ وَالتَّمْكِينِ في الأَرْضِ فَمَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ عَمَلَ الآخِرَةِ لِلدُّنْيَا لَمْ يَكُنْ لَهُ في الآخِرَةِ نَصِيبٌ) (٤). ولعل فيما مضى من الأدلة ما يكفي للدلالة على استحالة وعدم إمكانية وقوع الاستضعاف الكلي للأمة الإسلامية كلها في الأرض.

стр. 98

الباب الثاني أسباب الاستضعاف ووسائل دفعه وضوابطها وفيه ثلاثة فصول: الفصل الأول: أسباب الاستضعاف. الفصل الثاني: وسائل دفع الاستضعاف. الفصل الثالث: الأمور والضوابط التي ينبغي على المستضعفين مراعاتها والأخذ بها.

стр. 99

الفصل الأول أسباب الاستضعاف وفيه تمهيد ومبحثان: المبحث الأول: أسباب الاستضعاف الداخلية. المبحث الثاني: أسباب الاستضعاف الخارجية.

стр. 100

تمهيد إن التعرف على أسباب الاستضعاف هو الخطوة الأولى في طريق الخلاص منه، وهو مما يُعين على معرفة وسائل دفعه، كما أن تلك الوسائل متنوعة وتختلف بحسب الزمان والمكان وحال المستضعف سواءً أكان فردًا أم جماعة، ولذا فإن من وسائل دفع الاستضعاف ما لا يمكن للمكلف الأخذ بها، ومنها ما يقدر المكلف على الأخذ بها، بل ويأثم على تركها كما سيأتي بيانه، ومنها ما لا يُمكن للفرد النهوض بها لوحده، ومنها ما لا يُمكن للجماعة أن تقوم بها، كما أن هنالك ضوابط وقواعد عامة وضعها الفقهاء ينبغي مراعاتها عند الأخذ بتلك الوسائل. إن بُعد المسلمين عن تعاليم دينهم وعدم تمسكهم بكتاب اللَّه وسنة نبيهم ﷺ من أبرز وأهم أسباب ضعفهم، وهنالك أسباب وعوامل أخرى هي في حقيقة الأمر تبع ونتيجة لهذا السبب الرئيس، وكلها أدت إلى وقوع المسلمين تحت استضعاف الأعداء، وقد تجتمع بعض هذه الأسباب والعوامل في بعض الأماكن، ولا تجتمع في أماكن أخرى، أو تجتمع في بعض الأزمنة، ولا تجتمع في غيرها، وقد يقوى أحد هذه الأسباب في زمان ويظهر دون غيره، وسواءً أكانت هذه الأسباب هي من الابتلاء أو من صنع أيدينا فإني أجملها في الأسباب التالية، والتي يمكن تقسيمها إلى مبحثين: المبحث الأول: أسباب الاستضعاف الداخلية. المبحث الثاني: أسباب الاستضعاف الخارجية.

стр. 101

المبحث الأول أسباب الاستضعاف الداخلية الأسباب الداخلية التي أدت إلى استضعاف المسلمين متعددة ونعرض في هذا المبحث لأبرز الأسباب من خلال المطالب التالية: المطلب الأول انشقاق المسلمين وتفرقهم لقد أخبر النبي ﷺ بافتراق الأمة إلى فرق محذرًا منه، كما أخبر أن افتراق هذه الأمة سيكون أعظم من افتراق الأمم التي قبلها من أهل الكتابين (اليهود والنصارى)، بل وأخبر ﵊ بما هو أعظم من الافتراق، وهو الاحتذاء بالأمم الكافرة فيما وقعوا فيه من موبقات وكبائر، ومنبع ذلك التفرق في الدين هو اتباع الهوى، عن أبي سعيد ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه، قلنا: يا رسول اللَّه اليهود والنصارى؟ قال: فمن!) (١). وعن عبد اللَّه بن عمرو قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل، حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية لكان في أمتي من يصنع ذلك، وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة، قالوا: ومن هي يا رسول اللَّه؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي) (٢)، "والمراد الموافقة في المعاصي والمخالفات لا في الكفر، وفي هذا معجزة

стр. 102

ظاهرة لرسول اللَّه ﷺ فقد وقع ما أخبر به" (١). وهذه الأحاديث خرجت منه ﵊ مخرج الخبر عن وقوع ذلك الافتراق، وعلى سبيل الذم لمن يفعله، وليست على سبيل الإقرار به (٢). وفي الوصايا العشر التي أمر اللَّه بها كل الأمم حذَّر سبحانه من التفرق في الدين، فقال سبحانه: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ. .﴾ (٣)، "وهذه السبل تعم اليهودية والنصرانية والمجوسية وسائر أهل الملل وأهل البدع والضلالات من أهل الأهواء والشذوذ في الفروع وغير ذلك من أهل التعمق في الجدل والخوض في الكلام هذه كلها عرضة للزلل ومظنة لسوء المعتقد" (٤). لقد كان لحب الدنيا والرئاسة والأثرة آثارها في تفرق المسلمين، بل وصل الحال ببعضهم إلى خيانة دينهم ووطنهم ومساندهم للأعداء سرًا وعلانيةً، مما أدى إلى استضعاف الأمة، وإلى إطالة عمر الاحتلال وتقويته، بل وتشجيعه على البقاء في ديار المسلمين والاستيلاء على المزيد، وإن خلا البلد من الاحتلال فإن وجود أمثال هؤلاء يؤدي إلى فرض الهيمنة والشروط السياسية وغيرها والتي تفوق في ضررها الاحتلال العسكري، فالموت إما أن يكون لأجل الحياة، وهو ما حث عليه القرآن من الجهاد لرد العدوان، وإما أن يكون لأجل استمرار الموت، وهو الموت في خدمة الاحتلال (٥)، كما نجحت القوى الحاقدة على الإسلام، في شق

стр. 103

المسلمين وصدعهم، فظهرت فرق الخوارج وفرق الشيعة والباطنية بأنواعها، فأدى ذلك إلى تبديد طاقة المسلمين المادية والعسكرية والفكرية بتوجيهها إلى داخلهم في صراعات دامية وطويلة، كما ظهرت فرق أخرى استمرت مدارسها حتى اليوم كالمرجئة والمعتزلة وغيرها (١). وإن كان هذا العامل دينيًا (عقديًا) في الأصل إلا أنه سرعان ما تحول إلى عامل سياسي وغلف بالغلاف العقدي لتذكية ناره واستمرارها. * * * المطلب الثانى العصبية والعنصرية بين المسلمين لم تقتصر الفرقة بين المسلمين على تلك الفرق، بل إن الفرقة امتدت لجوانب كثيرة في حياة المسلمين اليوم، فهنالك الفرقة بسبب الانتماء للبلد بحسب التقسيم الحدودي بين الدول الإسلامية، وهنالك الفرقة داخل البلد الواحد بسبب الانتماء لمناطق معينة في الشمال أو الجنوب أو الشرق أو الغرب، أو حتى بحسب المدن أو القرى، وهنالك الفرقة داخل القبيلة الواحدة وهكذا. وأصبح حال معظم المسلمين اليوم -إلا من رحم اللَّه- أشبه بحال أهل الجاهلية الذين كانوا يعاملون الناس بحسب ما لديهم من جاه أو أموال لا تقوى أو علم، وأشار القرآن الكريم في كثير من آياته إلى أولئك الذين اختصوا أنفسهم بامتيازات، وترفعوا على الناس، بل حتى على دعوات الرسل ﵈، وفي السيرة النبوية الكثير من المواقف والأحداث التي تظهر هذا الواقع الطبقي الجاهلي (٢).

стр. 104

ولأن العصبية الجاهلية كانت من أهم أسباب الفرقة والتقاتل بين الناس، فقد ركز الرسول ﷺ على إزالتها بل "وحاربها بكل قوة، ودون هوادة، وحذر منها، وسد منافذها؛ لأنه لا بقاء للدين العالمي، ولا بقاء للأمة الواحدة مع هذه العصبيات، ومصادر الشريعة الإسلامية زاخرة بإنكارها، وتشنيعها، وما أكثر النصوص في ذلك" (١)، ومن ذلك قوله : ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (٢)، "يريد بذلك تعالى ذكره وتمسكوا بدين اللَّه الذي أمركم به، وعهده الذي عهده إليكم في كتابه إليكم من الألفة والاجتماع على كلمة الحق، والتسليم لأمر اللَّه" (٣). وعندما سئل ﵊: أمن العصبية أن يحب الرجل قومه؟ قال: (لا، ولكن من العصبية أن يعين الرجل قومه على الظلم) (٤)، والمراد بالعصبية "هي المحاماة والمدافعة، والعصبي هو الذي يغضب لعصبته أي: أقاربه ويحامي عنهم" (٥).

стр. 105

وقال ﵇: (من نصر قومه على غير الحق فهو كالبعير الذي ردي فهو ينزع بذنبه) (١). والمراد أن من نصر قومه على باطل أو مشكوك فقد وقع في الإثم وهلك، فحاله كالبعير الذي سقط في البئر، ويخرج ويرفع بذنبه من ورائه ولا يقدر على الخلاص (٢). وعن جابر ﵁ قال: (غَزَوْنَا مع النبي ﷺ وقد ثَابَ مَعَهُ نَاسٌ من المهاجرين حتى كَثُرُوا، وكان من المهاجرين رجل لَعَّابٌ، فكَسَعَ (٣) أنصاريا، فَغَضِبَ الأنصاري غضبا شديدا حتى تَدَاعَوْا، وقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فخرج النبي ﷺ فقال: (ما بَالُ دَعْوَى أَهْلِ الجاهِلِيَّةِ)، ثم قال: (ما شَأْنُهُمْ؟) فَأُخْبِرَ بِكَسْعَةِ المهاجري الأنصاري، قال فقال النبي ﷺ : (دعوهما فإنها خَبِيثَةٌ)، وقال عبد اللَّه ابن أبي بن سلول: أَقَدْ تَدَاعَوْا عَلَيْنَا، لئن رجعنا إلى المدينة لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ، فقال عمر: ألا نقتل يا رسول اللَّه هذا الْخَبِيثَ لعبد اللَّه، فقال النبي ﷺ : (لا يتحدث الناس أنه كان يَقْتُلُ أصحابه)) (٤). فأمرهم ﵊ بترك دعوى الجاهلية؛ لأنها خبيثة منتنة، ودعوى الجاهلية في الأصل الاستغاثة عند إرادة الحرب كانوا يقولون: يا آل فلان فيجتمعون

стр. 106

فينصرون القائل ولو كان ظالما، فجاء الإسلام بالنهي عن ذلك، على الرغم من أن اسم المهاجرين والأنصار اسمان شريفان سماهم اللَّه بهما في كتابه فنهاهم عن ذلك وأرشدهم إلى أن يتداعوا بالمسلمين والمؤمنين وعباد اللَّه وهي الدعوى الجامعة بخلاف المفرقة كالفلانية والفلانية (١). "وكل ما خرج عن دعوة الإسلام والقرآن من نسب أو بلد أو جنس أو مذهب أو طريقة فهو من عزاء الجاهلية" (٢). لقد استبدل الإسلام التعصب الذي كان قائمًا عند أهل الجاهلية بالنصرة على الحق، والتعاون عليه، والحب في اللَّه، والبغض في اللَّه، وأي رابطة أو شعار أو دعوى تجمع الناس على الظلم والعدوان والإثم، فقد حاربها الإسلام، بل وأمر باستبدالها برابطة الاخوة الإسلامية. * * * المطلب الثالث عدم الأخذ بأسباب القوة ومن يتأمل في سيرة النبي ﷺ يجد أنه أخذ بأسباب القوة، ولجأ إلى الوسائل التي تحمي المسلمين وتقويهم، كأمره بالهجرة، ومن ثم بيعة العقبة الأولى، وبيعة العقبة الثانية، وبعد ذلك بناء الدولة الإسلامية بالمدينة، وعقد التحالفات والعهود التي من شأنها تحييد الأعداء من اليهود حتى تقوى الدولة الإسلامية وتستقر شؤونها.

стр. 107

وليس المراد بالقوة الإعداد العسكري فحسب، بل إن من القوة إعداد من يحمل السلاح، بترسيخ الإيمان في قلوبهم؛ ليكونوا قادرين على مواجهة الأعداء، وتحمل الأعباء التي قد تواجههم، والقوة في كل أمر بحسبه، قال ابن تيمية ﵀: "والقوة في كل ولاية بحسبها، فالقوة في إمارة الحرب ترجع إلى شجاعة القلب وإلى الخبرة بالحروب والمخادعة فيها، فإن الحرب خدعة وإلى القدرة على أنواع القتال من رمي وطعن وضرب وركوب وكر وفر ونحو ذلك. . . والقوة في الحكم بين الناس ترجع إلى العلم بالعدل الذي دل عليه الكتاب والسنة، وإلى القدرة على تنفيذ الأحكام" (١). وقد أمرنا اللَّه بالإعداد وهو من الأخذ بأسباب القوة، قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ (٢)، و"الإعداد اتخاذ الشيء لوقت الحاجة" (٣)، والقوة "كل ما يتقوى به على حرب العدو من آلة الجهاد" (٤)، وقد فسرها النبي ﷺ بالرمي، فقال ﵊ وهو على المنبر: (﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي) (٥). وفسر ﵊ القوة بالرمي؛ لأنها أقوى أنواعها، وإن كانت تشمل الرمي وغيره (٦)، قال القرطبي: "إنما فسر القوة بالرمي

стр. 108

وإن كانت القوة تظهر بإعداد غيره من آلات الحرب؛ لكون الرمي أشد نكاية في العدو، وأسهل مؤنة؛ لأنه قد يرمي رأس الكتيبة فيصاب فينهزم من خلفه" (١). والآية أمر جازم بإعداد كل ما في الاستطاعة من قوة، ولو بلغت القوة من التطور ما بلغت، فهو أمر جازم بمسايرة التطور في الأمور الدنيوية، وعدم الجمود على الحالات الأول إذا طرأ تطور جديد، ولكن كل ذلك مع التمسك بالدين، وقد أمر اللَّه المجاهدين بصلاة الخوف مما يدل على لزوم الجمع بين مكافحة العدو وبين القيام بما شرعه اللَّه جلَّ وعلا من دينه (٢). وقد قال ﷺ : (المؤمن القويّ خيرٌ وأحبّ إلى اللَّه منَ المؤمِن الضعيف، وفي كلٍّ خير، احرص على ما يَنفعك واستعن باللَّه ولا تعجز، وإن أصابك شيءٌ فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قُل: قدر اللَّه، وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان) (٣). قال النووي ﵀: "والمراد بالقوة هنا عزيمة النفس والقريحة في أمور الآخرة، فيكون صاحب هذا الوصف أكثر إقداما على العدو في الجهاد، وأسرع خروجا إليه وذهابا في طلبه، وأشد عزيمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر على الأذى في كل ذلك واحتمال المشاق في ذات اللَّه تعالى، وأرغب في الصلاة والصوم والأذكار وسائر العبادات، وأنشط طلبا لها، ومحافظة عليها ونحو ذلك، وأما قوله ﷺ : (وفي كل خير) فمعناه: في كل من القوي والضعيف خير؛ لاشتراكهما في الإيمان مع ما يأتي به الضعيف من العبادات" (٤). ولا شك أن من أهم أسباب القوة الجهاد في سبيل اللَّه والإعداد له، والآيات والأحاديث الواردة في فضل الجهاد والحث عليه والتحذير من تركه وعواقب ذلك كثيرة

стр. 109

جدا، قال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١)، قال ابن عباس ﵄: (ليس التهلكة أن يُقتل الرجل في سبيل اللَّه، ولكن الإمساك عن النفقة في سبيل اللَّه) (٢). عن أسلم أبي عمران قال: "غزونا من المدينة نريد القسطنطينية، وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، والروم ملصقوا ظهورهم بحائط المدينة، فحمل رجل على العدو، فقال الناس: مه مه لا إله إلا اللَّه يلقي بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، لما نصر اللَّه نبيه، وأظهر الإسلام، قلنا: هلم نقيم في أموالنا ونصلحها، فأنزل اللَّه : ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، فالإلقاء بأيدينا إلى التهلكة أن نقيم في أموالنا ونصلحها، وندع الجهاد. قال أبو عمران: فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل اللَّه حتى دفن بالقسطنطينية" (٣). فترك الجهاد إلقاء بالنفس إلى التهلكة، كما أن تركه عند تعينه بأن دخل الحربيون دار الإسلام، أو أخذوا مسلما وأمكن تخليصه منهم، وترك الناس الجهاد من أصله، وترك أهل الإقليم تحصين ثغورهم بحيث يخاف عليها من استيلاء الكفار بسبب ترك ذلك التحصين يعد من الكبائر (٤).

стр. 110

وقد حذرنا رسول اللَّه ﷺ من ترك الجهاد والانشغال عنه وبين لنا أن عاقبة ذلك وهو الذل، فقال: (إذا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ، سَلَّطَ اللَّه عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حتى تَرْجِعُوا إلى دِينِكُمْ) (١). والحديث فيه تحذير ووعيد شديد عن الاشتغال بالزرع في زمن يتعين فيه الجهاد، وإهمال القيام بوظائف العبادات، وترك الجهاد في سبيل اللَّه المتعين فعله، وعاقبة ذلك الذُل والهوان والضعف، ولا يرفع إلا بالرجوع إلى الدين، فجعل هذه الخصال من غير الدين ومرتكبها تارك للدين للمزيد من الزجر والتهويل والتقريع لفاعلها (٢). كما بين لنا النبي ﷺ عاقبة ترك الجهاد، بقوله: (يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها)، فقال ثوبان: بأبي أنت وأمي يا رسول اللَّه ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: (لا بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن اللَّه من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن اللَّه في قلوبكم الوهن)، قالوا: وما الوهن يا رسول اللَّه؟ قال: (حب الدنيا وكراهية الموت)، وفي رواية: (وكراهية القتال) (٣). و"أصل الوهن والضعف عن الجهاد ومكافحة العدو هو حب الدنيا، وكراهية بذل النفوس للَّه، وبذل مهجها للقتل في سبيل اللَّه، ألا ترى إلى حال الصحابة ﵃ وقلتهم في
следующие страницы →