المبحث الأول تفاوت قدرات المستضعفين
ينبغي أن ندرك بأن قدرات المستضعفين تختلف من إنسان لآخر، ومن جماعة إلى أخرى، قال الشاطبي ﵀: "إن الرخصة إضافية لا أصلية، بمعنى أن كل أحد في الأخذ بها فقيه نفسه، ما لم يحد فيها حد شرعي فيوقف عنده" (١)، وبين سبب ذلك وهو اختلاف القوة والضعف، بحسب الأحوال، وقوة العزيمة وضعفها، وبحسب الأزمان، وبحسب الأعمال، وبحسب الطبائع كالصبر والجبن والشجاعة، فلا يمكن وضع ضابط يطرد في جميع الناس، بل كل مخاطب فقيه نفسه، "والشجاعة ليست هي قوة البدن، وقد يكون الرجل قوي البدن ضعيف القلب، وإنما هي قوة القلب وثباته" (٢)، كما أن المشاق تختلف بالنسب والإضافات؛ وذلك يقضى بأن الحكم المبني عليها يختلف بالنسب والإضافات (٣)، وقال في موضع آخر:
стр. 177
"المنافع والمضار عامتها أن تكون إضافية لا حقيقية، ومعنى كونها إضافية أنها منافع أو مضار في حال دون حال، وبالنسبة إلى شخص دون شخص، أو وقت دون وقت، منها أنه لا يستمر إطلاق القول بأن الأصل في المنافع الأذن، وفي المضار المنع، كما قرره الفخر الرازي (١)؛ إذ لا يكاد يوجد انتفاع حقيقي، ولا ضرر حقيقي، وإنما عامتها أن تكون إضافية" (٢).
стр. 178
ومن الأمثلة على تفاوت قدرات المستضعفين وتقديراتهم مسألة الهجرة؛ لكون "المستضعف قد يكون قادرًا على ذلك الشيء مع ضرب من المشقة، وتمييز الضعف الذي يحصل عنده الرخصة عن الحد الذي لا يحصل عنده الرخصة شاق ومشتبه، فربما ظن الإنسان بنفسه أنه عاجز عن المهاجرة ولا يكون كذلك، ولاسيما في الهجرة عن الوطن؛ فإنها شاقة على النفس؛ وبسبب شدة النفرة قد يظن الإنسان كونه عاجزًا مع أنه لا يكون كذلك، فلهذا المعنى كانت الحاجة إلى العفو شديدة في هذا المقام" (١).
فالهجرة مثال من أمثلة كثيرة تختلف فيها معايير الضرورة باختلاف الأشخاص، وقدراتهم البدنية، والمالية، ومكانتهم السياسية، والاجتماعية، فلا يمكن أن توزن كافة الضرورات بمقياس واحد، إن سماحة الشريعة الإسلامية لم تغفل مراعاة الحالات الخاصة، والطارئة، عندما يكون التشريع عامًا ومطردًا، وهذه هي واقعية التشريع الإسلامي التي لا تتجاهل اختلاف القدرات والطبائع والأحوال لدى المكلفين (٢).
وقد نقلت لنا كتب السيرة ما جرى للصحابة رضوان اللَّه عليهم، وهم لم يكونوا على درجة واحدة من التحمل والصبر على الأذى، ولهذا لما وثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين، وحبسوهم وعذبوهم بالضرب والجوع والعطش، ليفتنوهم عن دينهم، فمنهم من يفتن من شدة البلاء الذي يصيبه، ومنهم من يصلب لهم ويعصمه اللَّه منهم (٣).
стр. 179
كما أن الفقهاء عند عرضهم لمسائل الإكراه صرحوا بمراعاة هذا الأمر، وأن الحكم يختلف بحسب حال المُكره، وبحسب الشيء الذي يُكره عليه، فهي من النوع الذي يتعلق بفقه الحال، قال السرخسي ﵀ في معرض حديثه عن الإكراه بالضرب: ". . ولكنا نقول نصب المقدار بالرأي لا يكون، ولا نص في التقدير هنا، وأحوال الناس تختلف باختلاف تحمل أبدانهم للضرب وخلافه، فلا طريق سوى رجوع المكره إلى غالب رأيه، فإن وقع في غالب رأيه أنه لا تتلف به نفسه ولا عضو من أعضائه لا يصير ملجأ، وإن خاف على نفسه التلف منه يصير ملجأ، وإن كان التهديد بعشرة أسواط وهكذا" (١)، جاء في شرح مجلة الأحكام: "إذا هُدِّدَ بالحبس والقيد وكان الرجل ذَا مُرُوءَةٍ ويشق عليه ذلك، بحيث يقع في قلبه أنه لو لم يفعله يموت بسبب الحبس والقيد، أو يذهب عضو منه فهو إكراه معتبرٌ شرعًا، كما أنه لو تَوَعَّدَهُ بالحبس في مكان مُظلم بحيث ذَهَاب الْبَصَرِ لِطُولِ مُقَامِهِ فيه فهو إكراه مُعْتَبَرٌ شرعًا. . . قال بعض المشايخ: أما الحبس الذي أَحْدَثُوهُ في زماننا فإنه من الإكراه المُلْجِىءِ" (٢).
إن مراعاة حال المستضعف وقدرته هو ثمرة تحقيق المناط الخاص، وذلك لأن "التكليف الشرعي يدور مع القدرة والإمكان وجودًا وعدمًا وقدرًا. وإذا كان الميسور لا يسقط بالمعسور، فإن المعسور لا يلحق بالميسور. وتمييز ما هو مقدور مما ليس بمقدور، وما هو معسور مما هو ميسور يحتاج إلى دراية بالواقع وأهله" (٣).
стр. 180
ونخلص من هذا المطلب إلى أن المستضعف فقيه نفسه وفقًا للشروط التالية:
١ - أن يكون ذلك في مسائل استضعاف الأفراد.
٢ - أن يكون ذلك في المسائل التي لا نص فيها ولا إجماع.
٣ - أن يكون ذلك في حال الضرورة (١)، قال ابن القيم ﵀: "ما تبيحه الضرورة يجوز الاجتهاد فيه حال الاشتباه، وما لا تبيحه الضرورة فلا" (٢)، ويلحق بها الحاجة الشديدة، والحاجة القريبة من الضرورة، قال العز بن عبد السلام ﵀: "ولا شك أن هذه المصالح التي خولفت القواعد لأجلها منها ما هو ضروري لا بد منه، ومنها ما تمس إليه الحاجة المتأكدة" (٣)، وبالتالي فهي خاضعة للضوابط التي وضعها العلماء للأخذ بأحكام الضرورة والحاجة.
٤ - أن يدرك المستضعف أنه مؤتمن على هذا الأمر، فلا يحل له الإقدام عليه لمجرد التوهم، بل لا بد من اليقين أو غلبة الظن (٤).
٥ - عدم القدرة للرجوع إلى أهل العلم، إما لضيق الوقت أو عدم وجودهم.
стр. 181
٦ - ألا يخالف الفعل أصلًا من أصول الشريعة الإسلامية ومبادئها العامة (١).
стр. 182
المبحث الثانى التفريق بين استضعاف العَالِم واستضعاف غيره
إن للعلماء منزلتهم ومكانتهم العظيمة والعالية في الإسلام فهم ورثة الأنبياء، والآيات والأحاديث الواردة في فضل العلم وأهله لا تكاد تحصى، ومن أجل هذه المنزلة والمكانة، ولكونهم محل اقتداء للناس، فإن أقوالهم وأفعالهم لها آثارها ولا يمكن أن تكون كأقوال وأفعال غيرهم، وإن تساهل بعض المنتسبين للعلم، وتهربهم من المسؤولية، واحتجاجهم بالضرورة أو الإكراه أو المصلحة وغيرها من الأعذار، أدى إلى المزيد من الضعف في الأمة (١).
قال ابن تيمية ﵀: "فالمرصدون للعلم عليهم للأمة حفظ علم الدين وتبليغه، فإذا لم يبلغوهم علم الدين أو ضيعوا حفظه كان ذلك من أعظم الظلم للمسلمين. . . وكذلك كذبهم في العلم من أعظم الظلم، وكذلك إظهارهم للمعاصي والبدع التي تمنع الثقة بأقوالهم وتصرف القلوب عن إتباعهم وتقتضى متابعة الناس لهم فيها هي من أعظم الظلم، ويستحقون من الذم والعقوبة عليها ما لا يستحقه من أظهر الكذب والمعاصي والبدع من غيرهم؛ لأن أظهار غير العالم وإن كان فيه نوع ضرر فليس هو مثل العالم في الضرر الذي يمنع ظهور الحق ويوجب ظهور الباطل. . . فترك أهل العلم لتبليغ الدين كترك أهل القتال للجهاد، وترك أهل القتال للقتال الواجب عليهم كترك أهل العلم للتبليغ الواجب عليهم، كلاهما ذنب عظيم. . . وما يظهرونه من البدع والمعاصي التي تمنع
стр. 183
قبول قولهم وتدعو النفوس إلى موافقتهم وتمنعهم وغيرهم من إظهار الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر أشد ضررًا للأمة وضررًا عليهم من إظهار غيرهم لذلك" (١).
ولذا وجب التنبيه على ذلك الأمر، ولا يعني هذا أنهم معصومون من الخطأ والزلل أو أنهم لا يباح لهم الترخص عند الاضطرار، أو أنهم لا يقع عليهم الاستضعاف، إنما المراد التفريق بين حالة العالم المستضعف وبين غيره من عوام الناس، خاصة عندما يتعلق استضعافه بالأمور التي تتعدى إلى غيره، وذلك لتأثيره الكبير، ويقاس على العالم في هذا الأمر تحديدًا كل من كان قدوةً أو متبوعًا كالأمير والقائد ونحوه، "إذ بهم تزل الأقدام، فالعالم يُقتدى به، والإمام تعتقد العامة وجوب طاعته، حتى في غير طاعة، والمتعبد يعظم الاعتقاد فيه" (٢)، ولهذا فقد رجح الكثير من أهل العلم أن المراد بأولي الأمر في قوله تعالى: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٣)، الأمراء والعلماء (٤)، وإن كان الأمراء إنما يُطاعون إذا أمروا
стр. 184
بمقتضى العلم، فطاعتهم تبع لطاعة العلماء، وهي تبع لطاعتهم للَّه ورسوله ﵊.
كما رجح بعض المفسرين أن المراد بقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١)، بأنهم العلماء على وجه الخصوص (٢).
ولا شك أن وقوع العالم في الاستضعاف إن كان ظاهرًا للناس، كأن يقع في الأسر أو السجن أو نحوه، فإن فتنة الناس فيما يصدر عنه أقل من فتنتهم بما يصدر عنه إن لم يكن استضعافه ظاهرًا لهم، وذلك لأن "دلالة الأحوال يختلف بها دلالة الأقوال في قبول دعوى ما يُوافقها، ورد ما يُخالفها، ويترتب عليها الأحكام بمجردها، ويتخرج عليه مسائل منها. . . لو تلفظ الأسير بكلمة الكفر، ثم ادعى أنه كان كُرهًا، فالقول قوله؛ لأن الأسر دليل الإكراه والتقية" (٣)، فإن عُرف أن العالم مُستضعف فينبغي التعاطي بحذر مع ما يصدر عنه، وعدم قبوله على إطلاقه، خاصة إن خالف أقواله واجتهاداته وأفعاله السابقة لاستضعافه.
стр. 185
ومن المقرر أنه "لا يُتبع أحد من العلماء إلا من حيث هو متوجه نحو الشريعة قائم بحُجتها حاكم بأحكامها جملة وتفصيلًا، وأنه من وجد متوجها غير تلك الوجهة في جزئية من الجزئيات، أو فرع من الفروع، لم يكن حاكما، ولا استقام أن يكون مقتدى به فيما حاد فيه عن صوب الشريعة البتة" (١)، فطاعة العلماء ومكانتهم ليست لذاتهم بل لما قام فيهم من العلم والفهم عن اللَّه ورسوله ﷺ (٢).
وحال العالم ليس كغيره، لاسيما إن تعلق الأمر بإعزاز دين اللَّه، وذلك لأن "كل أمر فيه إعزاز الدين فالإقدام عليه حتى يقتل أفضل من الأخذ بالرخصة، قال أحمد بن حنبل، وقد قيل له: إن عرضت على السيف تجيب، قال: لا، وقال: إذا أجاب العالم تقية، والجاهل يجهل، فمتى يتبين الحق؟!. والذي نقل إلينا خلفًا عن سلف أن الصحابة وتابعيهم بذلوا أنفسهم في ذات اللَّه، وأنهم لا تأخذهم في اللَّه لومة لائم، ولا سطوة جبار ظالم" (٣).
إلا أن العالم المستضعف إن خَشي أن يعود إنكاره بالضرر على المسلمين فلا يُنكر، أما إن خشي على نفسه فله الإنكار بل يُندب إليه؛ لأن المخاطرة بالنفوس في إعزاز الدين مأمور بها، وعندما سُئل ﷺ أَيُّ الجهاد أفضل؟ قال: (كلمة حق عند سلطان جَائِرٍ) (٤)،
стр. 186
إلا أنه لا يجب عليه الإنكار، قال العز ابن عبد السلام: "التقرير على المعاصي كلها مفسدة؛ لكن يجوز التقرير عليها عند العجز عن إنكارها باليد واللسان، ومن قدر على إنكارها مع الخوف على نفسه كان إنكاره مندوبًا إليه ومحثوثًا عليه؛ لأن المخاطرة بالنفوس في إعزاز الدين مأمور بها. . . كلمة حق عند سلطان جائر جعلها أفضل الجهاد؛ لأن قائلها قد جاد بنفسه كل الجود، بخلاف من يلاقي قرنه من القتال، فإنه يجوز أن يقهره ويقتله، فلا يكون بذله نفسه مع تجويز سلامتها كبذل المنكر مع يأسه من السلامة" (١).
قال ابن القيم ﵀: "فمن سئل عن علم فكتمه ألجمة اللَّه يوم القيامة بلجام من نار، هذا إذا أمن المفتي غائلة الفتوى، فإن لم يأمن غائلتها وخاف من ترتب شر أكثر من الإمساك عنها أمسك عنها، ترجيحًا لدفع أعلى المفسدتين باحتمال أدناهما" (٢).
قال الطحاوي: "ولذلك يحسن أن يستخار في النهي عن المنكر في شخص متمرد يُخشى بنهيه حصول ضرر عظيم عام أو خاص وإن جاء في الحديث أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر لكن إن خشي ضررا عاما للمسلمين فلا ينكر وإن خشي على نفسه فله الإنكار ولكن يسقط الوجوب" (٣).
لذا فإن أهل العلم قالوا: إن وجوب إنكار المنكر يكون بشرط أن لا يترتب عليه ضرر عام بالمسلمين، وألا يلحق المنكر بلاء لا قبل له به من قتل ونحوه، فإن أطاق هذا البلاء ولم يلحق الضرر بغيره فله الأخذ بالعزيمة (٤)، لقوله ﵊ عندما سئل أي
стр. 187
الجهاد أفضل؟ قال: (كلمة حق عند سلطان جائر) (١)، وإنما كان هذا من أفضل الجهاد "ليأسه من حياته، وأما النهي عن المنكر بين ظهور المسلمين، وإظهار شعائر الإسلام، فإن ذلك شاق على المتأخرين؛ لعدم المعين، وكثرة المنكر فيهم" (٢).
ويشهد لعدم الوجوب في حال الخشية من الضرر حديث حذيفة ﵁ مرفوعًا: (قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه)، قالوا: وكيف يذل نفسه؟ قال: (يتعرض من البلاء لما لا يطيقه) (٣)، ومع القول بعدم وجوب الإنكار في تلك الحال إلا أنه لا بد من الإنكار بالقلب (٤)، لحديث أم سلمة ﵂ مرفوعًا، قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : (يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برىء، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع)، قالوا: يا رسول اللَّه، ألا نقاتلهم، قال: (لا ما صلوا)، أي: من كره بقلبه وأنكر بقلبه) (٥).
إن الفرق بين استضعاف العالم وغيره، هو من جهة الاقتداء، ولولاه لما كان هنالك فرق بين استضعافه أو استضعاف غيره، قال الشاطبي ﵀: "تستعظم شرعًا زلة العالم وتصير صغيرته كبيرة، من حيث كانت أقواله وأفعاله جارية في العادة على مجرى الاقتداء؛ فإذا زل حُملت زلته عنه قولًا كانت أو فعلًا؛ لأنه موضوع منارًا يُهتدى به، فإن عُلم كون زلته زلة صغُرت في أعين الناس، وجسر عليها الناس تأسيًا به، وتوهموا فيها رخصة علم
стр. 188
بها، ولم يعلموها هم تحسينًا للظن به، وإن جهل كونها زلة فأحرى أن تحمل عنه محمل المشروع، وذلك كله راجع عليه" (١).
وقد ذكر بعض العلماء أن هناك حالات لا يؤخذ بالرخص فيها، ومنها: أن يكون المكره على الكفر من يقتدي به العوام ويتبعونه في تصرفاته وأقواله، إذ قد يؤدي تصرفه ذلك إلى فتنتهم في عقيدتهم، لاسيما من ذوي الجهالة ممن لا يُمَيِّزُ حَالَ عُذْرِهِ من غَيْرِهِ، فالحكم أنه يحرم عليه الأخذ بحكم الرخصة دفعًا للفساد، والمآل الذي يؤول إليه أمر العوام (٢).
* * *
стр. 189
المبحث الثالث تقدير الضرورة والحاجة يكون بالرجوع إلى أهل العلم
سبق بيان تفاوت قدرات المستضعفين، وأن المستضعف فقيه نفسه فيما يعرض له من مسائل لم يرد فيها دليل أو حد في الشرع، إلا أن هذا الأمر ليس على إطلاقه بل هو مقيد عند تعذر الرجوع لأهل العلم لا سيما في القضايا العامة.
ونظرًا لكون الاستضعاف قد لا يكون أمرًا مقتصرًا على المستضعف، بل قد يكون واقعًا على الجماعة أو الدولة، لذا فينبغي التفريق بين المسائل المتصلة بأمور الجماعة أو الدولة وبين المسائل المتصلة بالأفراد فقط ولا تتعدى إلى سواهم، فتلك المسائل هي مسؤولية ولي الأمر، وتقديرها موكل إليه، بخلاف مسائل الأفراد فتقديرها يوكل إلى ديانتهم وقدرتهم على الصبر وعزيمتهم فيها (١).
وحتى مسائل الجماعة أو الدولة فإن تقدير تلك الضرورات أو الحاجيات والإفتاء فيها بما يناسبها من التصرفات لا يكون لأي أحد، بل مرد ذلك إلى أهل العلم، للبحث في تلك المسائل بالرجوع لنصوص الشريعة، وقواعد وأصول الفقه، ومقاصد الشريعة حتى تنضبط الأمور، ويظل ارتباط المسلمين قويًا بدينهم وكتابهم وسنة نبيهم ﷺ .
كما أن اتخاذ القرارات المؤثرة على مجموع الناس لا ينبغي أن يتولاها الأفراد إلا إن تم نصبهم لذلك الغرض من قبل الجماعة، كأن يكون مندوبًا أو ممثلًا عن الجالية الإسلامية، وعليه حينئذ الرجوع لأهل العلم لتقدير المصالح والمفاسد، وتقدير الضرورة أو الحاجة،
стр. 190
ومعرفة البدائل الشرعية، وحجم الضرورة أو الحاجة ونحوها من القضايا التي لا يتوصل إليها إلا العلماء (١).
وهنا تظهر أهمية الاجتهاد الجماعي من خلال مجالس وهيئات وممثليات تنظر في قضايا المستضعفين التي تحتاج إلى بيان الحكم الشرعي والفتوى، قال ابن القيم ﵀: "ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم:
أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه، واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات؛ حتى يحيط به علمًا.
والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع، وهو فهم حكم اللَّه الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر، فمن بذل جهده واستفرغ وسعه في ذلك لم يعدم أجرين أو أجرًا، فالعالم من يتوصل بمعرفة الواقع والتفقه فيه إلى معرفة حكم اللَّه ورسوله" (٢).
* * *
стр. 191
المبحث الرابع عدم الركون للاستضعاف
إن وقوع الإنسان في الاستضعاف لا يعني الركون إلى تلك الحالة، والتوسع في الأخذ بالرخصة بدعوى المشقة، وتعاطي المحظور بدعوى الضرورة والحاجة، ولهذا لم يقبل اللَّه اعتذار القادرين على الهجرة بأنهم كانوا مستضعفين، بل وصفهم بأنهم ظالموا أنفسهم، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (١)، إن الأمة المستضعفة مهما بلغ ضعفها، فلا ينبغي لها أن يستولي عليها اليأس أو الكسل عن طلب حقها، ولقد استنقذ اللَّه أمة بني إسرائيل الضعيفة، من أسر فرعون وملئه، ومكنهم في الأرض، بل وملكهم بلادهم، وما دامت الأمة ذليلة مقهورة لا تأخذ حقها ولا تتكلم به، لا يقوم لها أمر دينها ولا دنياها ولا يكون لها إمامة فيه (٢).
إن حالة الاستضعاف ومسائلها تُعد استثناء، وإن التساهل في التعاطي مع الاستثناء حتى يغدو كأنه أصل لا تبيحه الشريعة الإسلامية، ولهذا فقد ختمت النصوص القرآنية التي تناولت الضرورة بنفي الإثم والمغفرة والرحمة والعفو، وهي كقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣)، وقوله سبحانه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٤)، وقوله : ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ
стр. 192
رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢)، وقوله تعالى في شأن هجرة المستضعفين: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ (٣)، "ذكر بكلمة الإطماع ولفظ العفو؛ إيذانا بأن ترك الهجرة أمر خطير، حتى إن المضطر من حقه أن لا يأمن ويترصد الفرصة، ويعلق بها قلبه" (٤).
كما جاءت القواعد الفقهية المقيدة للعمل بقاعدة الضرورة والتي هي حالة من حالات الاستضعاف، ومن تلك القواعد: "ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها" (٥)، و"ما أبيح بشرط الضرورة فهو عدم عند عدمها" (٦)، و"الضرورة إذا رفعت حرام ما وراءها" (٧).
إذًا حالة الاستضعاف تُعد من حالات الضرورة والحاجة، ومما مضى يستنبط ما يلي:
١ - أن إزالة تلك الضرورة مصلحة مؤقتة، وليست دائمة.
٢ - أن وجود هذا الاعتقاد لدى المستضعف يدفعه للسعي للخروج من حالة الاستثناء، والعودة إلى الأصل (٨).
стр. 193
٣ - أن رفع الحرج عن المستضعف حال الضرورة لا يعني الإباحة بمعنى التخيير بين الترك أو الفعل.
ومتى ما وجد المستضعف أو المستضعفون فرصة للخلاص من حالة الاستضعاف أو وسيلة لذلك، وجب عليهم الأخذ بها، متى ما تحققت الشروط، وانتفت الموانع، كما ينبغي عليهم السعي الحثيث للبحث عن البدائل، ولقد خرج عبد اللَّه بن سهيل بن عمرو ﵁ إلى بدر يكتم إيمانه، بعدما حبسه أبوه حتى ظن أنه رجع عن دينه، فلما التقى الجمعان، هرب إلى رسول اللَّه ﷺ وقاتل مع المسلمين، وعد بدريًا ﵁ (١)، وقد أقره الرسول ﷺ على فعله، وكان يتربص الفرصه للانحياز للمسلمين ولم يركن ﵁ إلى حكم الاستضعاف.
* * *
стр. 194
المبحث الخامس الأخذ بضوابط العمل بالضرورة والحاجة
إن فقه الاستضعاف ليس هو فقه الضرورة والحاجة، وذلك لأن المستضعف قد يكون واقعًا تحت الضرورة والحاجة، كحالة الاستضعاف الكلي، وقد لا يكون واقعًا تحت الضرورة في كل شؤونه كحالة الاستضعاف الجزئي.
كما أن فقه الاستضعاف ليس هو فقه الأقليات، فهو أوسع من فقه الأقليات إذ يشمل فقه الأقليات حالة استضعافها، ويشمل غيرها، أما في حالة قوة الأقليات فلا يشملها فقه الاستضعاف.
ولا يخلو عصر من العصور من وجود ذوي الأهواء من المفتين المتساهلين أو الموجَّهين ممن يقدمون مصالحهم الشخصية ويحفظونها ابتغاء متاع الدنيا، أو يسير في ركب الحكام طمعًا بما لديهم من مناصب أو أموال، لذا فقد استنبط الفقهاء ضوابط وشروط من النصوص الشرعية لمن أراد الترخص بسبب الضرورة أو الحاجة، تكون عونًا لطالب الحق، ومنعًا للعابثين، وقطعًا للطريق عمن جعل من الضرورة أو المصلحة سترًا يتستر به بلا قيد أو حد (١)، ومن هذه الشروط:
١ - تحقق وقوع الضرر (الاضطرار) بالمستضعف:
لأن الرخصة إنما تكون عند تحقق الضرورة، وتحقق وجود الاستضعاف يكون بتحقق وقوع الضرورة والحاجة والإكراه، وفقًا للشروط التي ذكرها الفقهاء، قال ابن قدامة ﵀: "الضرورة أمر معتبر بوجود حقيقته لا يكتفى فيه المظنة، بل متى وجدت الضرورة أباحت سواء وجدت المظنة أو لم توجد، ومتى انتفت لم يبح الأكل لوجود مظنتها" (٢).
стр. 195
أما فيما يتعلق بالجماعة فإنه يكتفى بالحاجة، وقد نبه على هذا إمام الحرمين ﵀ عند حديثه عن الكسب الحرام حالة إطباق الحرام، ولم يجد الناس لطلب الحلال سبيلًا، فقال: "فلهم أن يأخذوا منه قدر الحاجة، ولا تشترط الضرورة التي نرعاها في إحلال الميتة في حقوق آحاد الناس، بل الحاجة في حق الناس كافة تنزل منزلة الضرورة في حق الواحد المضطر لو صابر ضرورته، ولم يتعاط الميتة لهلك، لو صابر الناس حاجاتهم، وتعدوها إلى الضرورة لهلك الناس قاطبة، ففي تعدي الكافة الحاجة من خوف الهلاك ما في تعدي الضرورة في حق الآحاد" إذ "لا يراعى فيما يعم الكافة الضرورة بل يكتفى بحاجة ظاهرة" (١).
٢ - أن تكون جارية على أصول الشرع وقواعده ومقاصده:
فلا بد أن يشهد للضرورة أصل شرعي بالاعتبار، وهذا ما دلت عليه القاعدة الفقهية: "إنما تعتبر الضرورة فيما لا يكون فيه نص بخلافه" (٢). "فعلى كل ناظر ألا يتبع رأيه المحض، حتى يربطه بأصول الشريعة، ومن أعمل الرأي المجرد، أحل وحرم على خلاف الشريعة فلا حجة إذًا في قوله" (٣).
стр. 196
قال الغزالي ﵀: "الواقع في الرتبتين الأخيرتين -أي: الحاجي والتحسيني- لا يجوز الحكم بمجرده، إن لم يعتضد بشهادة أصل، إلا أنه يجري مجرى وضع الضرورات، فلا يبعد في أن يؤدي إليه اجتهاد مجتهد، وإن لم يشهد الشرع بالرأي، فهو كالاستحسان، فإن اعتضد بأصل، فذاك قياس وسيأتي، أما الواقع في رتبة الضرورات فلا يبعد في أن يؤدي إليه اجتهاد، وإن لم يشهد له أصل معين، ومثاله إن الكفار إذا تترسوا بجماعة من أسارى المسلمين" (١).
ولذلك نجد من الفقهاء من يُعبر عن هذه الضرورة بالضرورة الشرعية (٢)، وألحق الفقهاء بالضرورة الحاجة الماسة والشديدة (٣)، كما يلحق بالضرورة الحاجة العامة، قال العز بن عبد السلام ﵀: "إذا عم الحرام بحيث لا يوجد حلال فلا يجب على الناس الصبر إلى تحقق الضرورة لما يؤدي إليه من الضرر العام" (٤).
قال ابن القيم ﵀: "الشريعة مبناها وأساسها على الحِكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها ورحمة كلها، ومصالح كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى
стр. 197
الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث؛ فلسيت من الشريعة" (١).
٣ - أن يكون ارتكاب المستضعف للمحظور أقل ضررًا من الأخذ بالعزيمة:
ويعرف ذلك بالأخذ بقاعدة المصالح والمفاسد، وبالنظر لأخفهما وأغلظهما (٢)، ويسبق هذا ألا يكون هنالك من سبيل لدرء المفسدة إلا الوقوع في المحظور، ومن القواعد التي قررها أهل العلم: "درء المفاسد أولى من جلب المصالح، فإذا تعارض مفسدة ومصلحة، قدم دفع المفسدة غالبًا؛ لأن اعتناء الشارع بالمنهيات أشد من اعتنائه بالمأمورات" (٣)، ومن صيغ هذه القاعدة: "المحرم إذا عارضه الواجب قدم على الواجب؛ لأن رعاية درء المفاسد أولى من رعاية حصول المصالح" (٤)، والسبب في هذا لأن المصالح لم تشرع في الحقيقة إلا لدفع الضرر أيضًا (٥).
وأما إن اجتمعت المفاسد على المستضعف "فإن أمكن درؤها درأنا، وإن تعذر درء الجميع درأنا الأفسد فالأفسد" (٦)، ومثلها قاعدة: "درء المفسدة العليا أولى من درء غيرها" (٧)، ومثلها قاعدة: "تقديم المصلحة الراجحة على المفسدة الخفيفة" (٨)، وأيضًا
стр. 198
قاعدة: "تقديم المصلحة الراجحة على المفسدة المرجوحة أو البعيدة" (١).
فمن المقرر عند أهل العلم: أن "الضرورات لا تبيح كل المحظورات، بل يجب أن تكون المحظورات دون الضرورات، أما إذا كانت الممنوعات أو المحظورات أكثر من الضرورات فلا يجوز إجراؤها ولا تصبح مباحة" (٢)، ومن هنا جاءت القواعد الفقهية المقيدة لقاعدة الضرورة، ومنها: الضرر لا يزول بضرر آخر، ومن باب أولى ألا يزال بأكثر منه، إذ يشترط بأن يزال الضرر بلا إضرار بالغير إن أمكن، وإلا فبأخف منه (٣).
فـ "الضروريات تبيح المحظورات بشرط عدم نقصانها عنها" (٤)؛ لكون الضرورة في حقيقتها هي تعارض مصلحتين ومفسدتين على أمر واحد، فنرجح المصلحة الأكبر، وندفع المفسدة الأشد، فإن كانت مصلحة الالتزام بالحكم الأصلي أولى من مصلحة إزالة الضرورة، فلا يعتد بتلك الضرورة، ولا اعتبار لها، كمن أكره على قتل غيره (٥).
ومما يدخل في هذا أيضًا تقديم مصلحة الجماعة على مصلحة الفرد (٦)، فإن المفسدة الواقعة على الفرد هي الأدنى، والمفسدة الواقعة على الجماعة هي الأعلى.
стр. 199
وكذلك إذا تعارضت مصلحة دينية مع مصلحة دنيوية "فالأول مقدم؛ لأن ثمرة الدينية هي السعادة الأبدية التي لا يعادلها شيء" (١)، ومما يستدل به على هذه القاعدة قصة وفد بني عامر بن صعصعة وكان فيهم عامر بن الطفيل والذي خَيَّرَ النبي ﵊ بين ثَلاثِ خِصَالٍ فَقال: (يكون لك أهْلُ السَّهْلِ ولِي أهْلُ المَدَر أوْ أكُونُ خَلِيفَتَكَ أوْ أغْزُوكَ بأهْلِ غَطَفَانَ بألْف وألْفٍ) (٢)، فرد عليه النبي ﵊ بقوله: (ليس ذلك لك، ولا لقومك، ولكن لك أعنة الخيل)، قال: أنا الآن في أعنة خيل نجد، اجعل لي الوبر، ولك المدر، قال رسول اللَّه ﷺ : (لا)، فلما قفا من عند رسول اللَّه ﷺ ، قال عامر: أما واللَّه لأملأنها عليك خيلًا ورجالًا، فقال رسول اللَّه ﷺ : (يمنعك اللَّه) (٣)، وهذا ما جرى له فقد طعن في بيت امرأة، ونزل به الطاعون فهلك.
إن الرسول ﵊ رفض عرض عامر ولم يفرط في حق الأمة في تحديد من يحكمها بالرغم من التهديد الشديد، وبهذا ندرك أن القواعد الاعتقادية والتشريعية لا يجوز للمسلمين التنازل عنها أو التحاور حولها بل تصان بكل وسيلة، سواء أكانت بالمال، وإن لزم الأمر بالنفس، والرسول ﵊ لم يوافق على هذه المصلحة والتي
стр. 200
تبدو دنيوية؛ لكونها منفعة مؤقتة ومشكوك في نتائجها، وعارضت مصلحة دائمة ومرتبطة بأصول الإسلام، وهو أن يكون الحكم للَّه تعالى ووفق شريعته (١).
٤ - مراعاة مراتب الضروريات:
فهي تتفاوت بحسب تفاوت المصلحة المطلوب العناية بها، وبحسب المفسدة المترتبة عن الإخلال بها، وتظهر ثمرة هذا عند تعارض ضروريين، كتعارض ضروري الدين مع ضروري النفس فيقدم الأول، "والمصالح والمفاسد الأخروية مقدمة في الاعتبار على المصالح والمفاسد الدنيوية باتفاق؛ إذ لا يصح اعتبار مصلحة دنيوية تخل بمصالح الآخرة، فمعلوم أن ما يخل بمصالح الآخرة غير موافق لمقصود الشارع فكان باطلًا" (٢). ومن أجل هذا شرع الجهاد، بل تركه سيؤدي في النهاية إلى ضياع النفس وبقية الضرورات، بينما القيام به وإن أدى إلى ضياع بعض الأنفس، إلا أن ما حفظها من الأنفس أكثر مما لو ترك القيام به، قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٣)، قال الشاطبي ﵀: "وجدنا الدين أعظم الأشياء، ولذلك يُهمل في جانبه النفس والمال وغيرهما، ثم النفس ولذلك يُهمل في جانبها اعتبار قوام النسل والعقل والمال" (٤)، وقال أيضًا: "الضروريات إذا تؤملت وجدت على مراتب في التأكيد وعدمه،
стр. 201
فليست مرتبة النفس كمرتبة الدين، وليس تستصغر حرمة النفس في جنب حرمة الدين، فيبيح الكفر الدم، والمحافظة على الدين مبيح لتعريض النفس للقتل والإتلاف في الأمر بمجاهدة الكفار والمارقين عن الدين، ومرتبة العقل والمال ليست كمرتبة النفس، ألا ترى أن قتل النفس مبيح للقصاص، فالقتل بخلاف العقل والمال، وكذلك سائر ما بقى وإذا نظرت في مرتبة النفس تباينت المراتب فليس قطع العضو كالذبح، ولا الخدش كقطع العضو، وهذا كله محل بيانه الأصول" (١).
إن الإخلال بالدين إخلال بأول الضروريات، كما أن أركان الدين الخمسة متفاوتة في الترتيب فيما بينها، فليس الإخلال بالشهادتين كالإخلال بالصلاة، ولا الإخلال بالصلاة كالإخلال بالزكاة، ولا الإخلال بالزكاة كالإخلال برمضان وكذلك سائرها (٢).
قال ابن رجب ﵀: "إذا اجتمع للمضطر محرمان كل منهما لا يباح بدون الضرورة، وجب تقديم أخفهما مفسدة، وأقلهما ضررا؛ لأن الزيادة لا ضرورة إليها فلا يباح" (٣)، ومن القواعد الدالة على هذا المعنى: "الضرورة متى أمكن دفعها بأيسر الأمرين لا يصار إلى أعلاهما" (٤)، وقاعدة: "اتباع خير الخيرين مطلوب واجتناب شر الشرين فيه مرغوب" (٥).
ومن الأمثلة على مراعاة مراتب الضروريات، لو أُكره المستضعف على شرب الخمر، فيجوز له شربها؛ لأن حفظ النفوس والأطراف أولى من حفظ العقول في زمن قليل؛ ولأن فوات النفوس والأطراف دائم، وزوال العقول يرتفع عن قريب بالصحو (٦).
стр. 202
٥ - مراعاة الترتيب بين الضروريات والحاجيات والتكميلات:
فإذا تعارضت هذه الأقسام رجحت بحسب قوة المصلحة، فترجح المقاصد الخمسة الضرورية التي هي: حفظ الدين، والنفس، والنسل، والمال، على ما سواها من المقاصد الحاجية، ونرجح الحاجية على التحسينية، والسبب قوة المصلحة الضرورية، ولذا لم تخل شريعة من مراعاتها (١).
فإن كان الأخذ بالحاجية سيؤدي لنقض الضرورة لم يجز الأخذ به، لكونها مُكَمِّلة للضرورية؛ ولأن إبطال الأصل إبطال للتكملة؛ لأن التكملة مع ما كملته كالصفة مع الموصوف، وكالكلي مع الجزئي، وعلى فرض أنه يمكن تحصيل المصلحة التكميلية مع فوات المصلحة الأصلية، فإن تحصيل الأصلية أولى، لأن مفسدة فقد الأصل أعظم (٢)، وهذا ما دلت عليه القاعدة: "المُكَمِّلِ إذا عاد على الأصل بالنقض سقط اعتبارها" (٣)، و"كل تكمِلة أدت الى انخرام الأصل المُكَمِّلَ غير معتبرة" (٤)، "يقدم ما اشتدت الضرورة إليه على ما مست الحاجة إليه" (٥).
قال القرافي ﵀ (٦): "المعاصي منها صغائر، ومنها كبائر، ويعرف ذلك بكونها واقعة في الضروريات أو الحاجيات أو التكميليات، فإن ما كانت في الضروريات أعظم الكبائر،
стр. 203
وما كانت في التحسينات فأدنى رتبة بلا إشكال، وما وقعت في الحاجيات فمتوسطة بين الرتبتين، ثم إن كل رتبة من هذه الرتب لها مكمل، ولا يمكن أن يكون في رتبة المكمل، فإن المكمل مع المكمل في نسبة الوسيلة مع المقصد، ولا تبلغ الوسيلة رتبة المقصد، وأيضا الضروريات إذا تؤملت وجدت على مراتب في التأكيد وعدمه" (١). وربما يحسن التنبيه إلى أن هذا التقسيم للمقاصد لا يعني أن الشريعة لا تعتني بالتحسيني أو الحاجي، لكنه عند التزاحم يقدم الضروري، ثم الحاجي، ثم التحسيني، إذ أن اختلال التحسيني، يؤدي إلى اختلال الحاجي، واختلال الحاجي يؤدي إلى اختلال الضروري (٢).
٦ - الاقتصار على قدر حاجة المستضعف:
فلا يتجاوز الحد الذي يرفع الضرورة، قال الشاطبي ﵀: "الأمور الضرورية أو غيرها من الحاجية أو التكميلية إذا اكتنفتها من خارج أمور لا تُرضى شرعًا فإن الإقدام على جلب المصالح صحيح على شرط التحفظ بحسب الاستطاعة من غير حرج" (٣)، وقد جاءت القواعد الفقهية الموضحة لهذا الشرط، منها: "ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها" (٤)، ما أبيح للضرورة يختص بمحلها (٥)، و"الثابت بالضرورة لا يعدو موضع الضرورة؛ لأن علة ثبوتها الضرورة والحكم لا يزيد على قدر العلة" (٦)، و"الثابت بالضرورة يتقدر بقدر
стр. 204
الضرورة، ويتجدد بتجددها" (١)، ويزول بزوالها، و"الثابت بالضرورة يثبت بأدنى ما يندفع به الضرورة" (٢)، و"الأمر إذا ضاق اتسع، وإذا اتسع ضاق" (٣)، والمراد: "أن ما تدعو إليه الضرورة من المحظورات، إنما يرخص منه القدر الذي تندفع به الضرورة فحسب، فإذا اضطر الإنسان لمحظور فليس له أن يتوسع في المحظور، بل يقتصر منه على قدر ما تندفع به الضرورة فقط" (٤)، ومن باب أولى أن يقتصر الأمر على المستضعف المضطر ولا يتعدى إلى غيره (٥)، ومما يلحق بهذه القواعد قاعدة: "الأمور الضرورية لا يقاس عليها ما ليس في محلها من تلك الضرورة" (٦).
٧ - انتهاء الرخصة عند انتهاء حاجة المستضعف لها:
ومن القواعد الفقهية الدالة على هذا الشرط: "ما أبيح بشرط الضرورة فهو عدم عند عدمها" (٧)، و"الضرورة إذا رفعت حرام ما وراءها" (٨)، و"ما جاز لعذر بطل
стр. 205
بزواله" (١)، و"ما أحل إلا لضرورة أو حاجة، يُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا، وَيُزَالُ بِزَوَالِهَا" (٢).
٨ - أن لا يكون الاستضعاف مبطلًا لحق الغير:
وهي من القواعد المقررة لدى الفقهاء، ومن صيغها: الاضطرار لا يبطل حق الغير (٣)، والإباحة للاضطرار لا تُنَافِي الضَّمَانَ (٤)، و"الضرورة إلى مال الغير لا تُسقط الضمان" (٥)، و"يُباح أخذ مال الغير عند الضرورة بشرط الضمان" (٦).
وهذا الضمان لحق الغير لا يقتصر على المال.
* * *
стр. 206
المبحث السادس العمل بشروط الإكراه المعتبر
تقدم ذكر الشروط التي وضعها الفقهاء لاعتبار الضرورة والأخذ بها، وللمستضعف حالات، فتارة يكون واقعًا تحت تأثير الضرورة، وتارة تحت تأثير الحاجة الماسة أو الشديدة، أما الإكراه فيُعد سببًا من أسباب الضرورة، ومن المواضع التي تعمل فيها قاعدة الضرورة (١)، وقد اشترط الفقهاء شروطًا خاصة لاعتبار الإكراه، وينبغي على المستضعف في حال تعرضه للإكراه ألا يقدم على ما أُكره عليه مباشرة، إذ أن الإكراه منه المعتبر، ومنه ما لا اعتبار له، ويمكن تقسيم هذه الشروط بحسب متعلقها إلى أربعة أقسام:
أولا: الشروط المتعلقة بالمكره (بالكسر):
١. أن يكون المكره قادرا على إنفاذ ما هدد به؛ لأن الضرورة لا تتحقق إلا عند القدرة على الايقاع.
ثانيًا: الشروط المتعلقة بالمستضعف، أى: المكرَه (بالفتح):
١. أن يغلب على ظن المستضعف أنه إذا امتنع سينفذ المكرِه وعيده.
٢. أن يكون المستضعف عاجزًا عن دفع الإكراه إما بالمقاومة أو الفرار ونحوه.
٣. ألا يظهر من المستضعف ما يدل على اختياره، ولهذا أكد الفقهاء على أهمية أن يتأول المكرَه.
ثالثًا: الشروط المتعلقة بالمكرَه به:
١. أن يقع الإكراه بما يسبب الهلاك للمستضعف، أو يدخل عليه ضررًا كبيرًا (٢)، بنفسه أو ماله أو عرضه أو إخوانه المؤمنين أو دينه، كالقتل، والضرب الشديد، والحبس والقيد الطويلين، وأخذ المال الكثير، والإخراج من الديار.
стр. 207
٢. أن يكون الإكراه بشيء حال فوري، ويستثنى ما إذا ذكر زمنًا قريبًا جدًا (١).
رابعًا: الشروط المتعلقة بالإكراه نفسه:
١. أن يكون الإكراه على أمر غير مشروع.
٢. أن يكون الإتيان به منجيا من الضرر، أي يحصل من إتيان المستضعف للمكره عليه الخلاص من الشر المتوعد به (٢).
٣. أن يكون محلّ الفعل المكره عليه متعيّنًا.
ولا فرق بين الإكراه على القول والفعل عند الجمهور، ويستثنى من الفعل ما هو محرم على التأبيد كقتل النفس بغير حق بالإجماع (٣)، قال ابن تيمية ﵀: "إذا كَانَ المُكْرَهُ على الْقِتَالِ في الْفِتْنَةِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُقَاتِلَ، بَلْ عَلَيْهِ إفْسَادُ سِلاحِهِ، وَأَنْ يَصْبِرَ حَتَّى يُقْتَلَ مَظْلُومًا، فَكَيْفَ بِالمُكْرَهِ عَلَى قِتَالِ المُسْلِمِينَ مَعَ الطَّائِفَةِ الْخَارِجَةِ عَنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ: كَمَانِعِي الزَّكَاةِ، وَالمُرْتَدِّينَ، وَنَحْوِهِمْ، فَلا رَيْبَ أَنَّ هَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ إذَا أُكْرِهَ عَلَى الْحُضُورِ أَنْ لا يُقَاتِلَ وَإِنْ قَتَلَهُ المُسْلِمُونَ، كَمَا لَوْ أَكْرَهَهُ الْكُفَّارُ على حُضُورِ صَفِّهِمْ لِيُقَاتِلَ المُسْلِمِينَ، وَكَمَا لَوْ أَكْرَهَ رَجُلٌ رَجُلًا عَلَى قَتْلِ مُسْلِمٍ مَعْصُومٍ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ قَتْلُهُ بِاتِّفَاقِ المُسْلِمِينَ، وَإِنْ أَكْرَهَهُ بِالْقَتْلِ فَإِنَّهُ لَيْسَ حِفْظُ نَفْسِهِ بِقَتْلِ ذَلِكَ المَعْصُومِ" (٤).
стр. 208
ولا يمكن وضع حد منضبط للإكراه؛ لكونه يختلف باختلاف النظر في حال المستضعف وقدرته وصبره ومكانته، وبحسب حال المستكبر الذي وقع منه الإكراه، وكذلك الأمر المكره عليه، فليس الإكراه على الكفر كالإكراه على المعصية، وليس الإكراه على مجرد القول كالإكراه على القول والفعل أو مجرد الفعل وهكذا (١).
وربما يحسن بعد ذكر هذه الشروط والضوابط التأكيد على الأمور التالية:
١ - أن الضرورة لا تخالف النص أو الإجماع، بل هي حكم بخلاف الدليل لدليل شرعي خاص أو عام، وهي مخالفة مستندة إلى أدلة شرعية أخرى (٢)؛ كما أن المستضعف أو المستضعفين تختلف أحوالهم، فقد يقع في حالة من الاضطرار لا يتأتى معها مثل هذا التأمل والنظر، لاسيما مع ضيق الوقت للنجاة أو اتخاذ القرار، فليس له حينئذ إلا الرجوع لما ذكر سابقًا، وهو أن المستضعف فقيه نفسه، وذلك وفقًا للشروط المذكورة.
قال ابن القيم ﵀: "كلام الأئمة وفتاويهم في الاشتراط والوجوب، إنما هو في حال القدرة والسعة، لا في حال الضرورة والعجز؛ فالإفتاء بها لا ينافي نص الشارع، ولا قول الأئمة، وغاية المفتي بها أنه يقيد مطلق كلام الشارع بقواعد شريعته وأصولها، ومطلق كلام الأئمة بقواعدهم وأصولهم، فالمفتي بها موافق لأصول الشرع وقواعده، ولقواعد الأئمة" (٣).
٢ - أهمية مراعاة الضوابط المذكورة، وضرورة التقيد بها قدر المستطاع، ومن المهم أن يكون الحرص عظيمًا على الالتزام بالأصل، والعودة إلى حكمه، وعدم الركون للاستثناء،
стр. 209
أو التوسع في مثل هذه المسائل بما لا تقتضيه الضرورات والحاجات الحقيقية، والرجوع لأهل العلم ما أمكن ذلك.
٣ - لا يمكن قصر حالات الضرورة على الجوع والإكراه، بل كل حالة تطرأ على المستضعف بحيث لو لم تراع لضاعت مصالحه الضرورية أو غلب على ظنه ضياعها فإن المحظورات تباح له (١).
ومما يؤيد هذا أدلة القاعدة التي لم تقتصر على تلك المعاني، بل بينت أن حالة الضرورة تتجاوز حالة الغذاء، وكذلك حالة الإكراه، ومن ذلك قوله ﷺ في شأن إباحة الدفاع عن النفس أو المال أو العرض: (مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ) (٢)، وفي رواية أخرى: (من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله أو دون دمه أو دون دينه فهو شهيد) (٣).
ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (٥)، ولا شك أن المضار لا تقتصر على الغذاء أو الإكراه (٦).
* * *
стр. 210
المبحث السابع مراعاة الفرق بين فقه الاستضعاف وفقه التمكين
إن الناظر في الأدلة الشرعية من القرآن الكريم، أو السنة النبوية المطهرة والسيرة، يجد الفرق جليًا بين ما شُرع في حال القوة، وما شُرع في حال الضعف، وإن مراعاة الفرق بين فقه الاستضعاف وفقه التمكين تقتضي النظر في الأحوال التي اقترنت بالأدلة الشرعية، سواءً ما تعلق بالزمان أو المكان، أو المخاطب به، أو المناسبة، وليس كُل أحد يُدرك هذا الأمر، ولهذا كان بيان الصحابة رضوان اللَّه عليهم مما يعتمد عليه لمعرفتهم باللسان العربي وكذلك لـ"مباشرتهم للوقائع والنوازل، وتنزيل الوحي بالكتاب والسنة، فهم أقعد في فهم القرائن الحالية، وأعرف بأسباب التنزل، ويدركون ما لا يدركه غيرهم بسبب ذلك" (١)، ومن الأمور المعينة على إدراك هذا الفرق بين فقه الاستضعاف وفقه التمكين معرفة أسباب النزول، وأسباب ورود الحديث، ولأهميتها جعلها العلماء شرطًا من شروط المجتهد (٢)، وهو علم لا يستغني عنه المجتهد أو الفقيه، قال الشاطبي ﵀: "معرفة أسباب التنزيل لازمة لمن أراد علم القرآن، والدليل على ذلك أمران: أحدهما: أن علم المعاني والبيان الذي يُعرف به إعجاز نظم القرآن، فضلًا عن معرفة مقاصد كلام العرب؛ إنما مداره على معرفة مقتضيات الأحوال حال الخطاب، من جهة نفس الخطاب، أو المُخَاطِب، أو المُخَاطب، أو الجميع، إذ الكلام الواحد يختلف فهمه بحسب حالين، وبحسب مخاطبين، وبحسب غير ذلك. . . ولا يدل على معناها المراد إلا الأمور الخارجة
стр. 211
وعمدتها مقتضيات الأحوال، وليس كل حال يُنقل، ولا كل قرينة تقترن بنفس الكلام المنقول، وإذا فات نقل بعض القرائن الدالة فات فهم الكلام جملة، أو فهم شيء منه، ومعرفة الأسباب رافعة لكل مشكل في هذا النمط، فهي من المهمات في فهم الكتاب، ومعنى معرفة السبب هو معنى معرفة مقتضى الحال، وينشأ عن هذا الوجه الوجه الثاني: وهو أن الجهل بأسباب التنزيل موقع في الشبه، والإشكالات، ومورد للنصوص الظاهرة مورد الإجمال، حتى يقع الاختلاف وذلك مظنة وقوع النزاع" (١).
وبهذا يتبين لنا أهمية الإلمام بأسباب النزول وأسباب الورود، وأنها ليست تاريخًا للنزول فحسب، بل إنها جزء من النظر والاستنباط الفقهي، كما أنها تعين على معرفة الحكمة من التشريع والوقوف على المعنى، وأن الشريعة قامت على رعاية مصالح الإنسان لا على الاستبداد والتحكم (٢)، قال الغزالي ﵀: "إنه لو لم يكن للسبب مدخل لما نقله الراوي؛ إذ لا فائدة فيه، قلنا: فائدته معرفة أسباب التنزيل، والسير والقصص واتساع علم الشريعة، وأيضا امتناع إخراج السبب بحكم التخصيص بالاجتهاد" (٣)، قال ابن تيمية ﵀: "ومعرفة سبب النزول يعين على فهم الآية فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب. . . وقولهم نزلت هذه الآية في كذا، يُراد به تارة أنه سبب النزول، ويُراد به تارة أن ذلك داخل في الآية وإن لم يكن السبب كما تقول عُني بهذه الآية كذا" (٤).
стр. 212
إن الناظر في الأدلة الشرعية مجردة عن أسبابها، سواءً سبب النزول -فيما يتعلق بالآيات- أو سبب الورود -فيما يتعلق بالحديث، قلما يهتدي للمراد من الأدلة، ولربما فهمت على عكس المراد بها، وقد تقدم الحديث عن المرحلة المكية وصلتها بالاستضعاف، والمراد هنا التأكيد على أهمية دراسة أحوال النص لئلا ننزل أحكام التمكين على حالة الاستضعاف، أو أحكام الاستضعاف على حالة التمكين، ومن الأمثلة على هذا الفرق يمكننا المقارنة بين حادثة مقتل سمية ﵂ (١) في مكة (٢)، وبين حادثة المرأة المسلمة التي كُشفت عورتها في سوق بني قينقاع (٣)، ورد فعل النبي ﷺ والمسلمين في كلا الحادثتين.
* * *
فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (١)، قال بعض المفسرين أن تلك الآيات المدنية تُعد ناسخة للآيات المكية، إلا أن دعوى النسخ هذه لا دليل عليها، ولهذا ذهب العديد من المحققين إلى عدم صحة دعوى النسخ، وقيل: هو قول الجمهور (٢)، لاسيما مع إمكانية الجمع، ونجد هذا الأمر ظاهرًا في كتب التفسير وغيرها عند الإشارة لآية السيف وآيات الإعراض والعهود، بل إنا نجد أن هنالك من قال بأن آية السيف منسوخة، بل واختلف المفسرون في تحديدها (٣)، مع التنبيه إلى أن المتقدمين من أهل العلم توسعوا في إطلاق النسخ، فأطلقوه على التخصيص والاستثناء (٤).
стр. 215
قال ابن جرير ﵀: "فأما ما قاله قتادة ومن قال مثل قوله من أن هذه الآية منسوخة فقول لا دلالة عليه من كتاب ولا سنة ولا فطرة عقل، وقد دللنا في غير موضع من كتابنا هذا وغيره على أن الناسخ لا يكون إلا ما نفي حكم المنسوخ من كل وجه فأما ما كان بخلاف ذلك فغير كائن ناسخا" (١)، والسيوطي نقل في إتقانه عن العلامة ابن الحصار -رحمهما اللَّه- قوله: "إنما يرجع في النسخ إلى نقل صريح عن رسول اللَّه ﷺ أو عن صحابي يقول: آية كذا نسخت كذا، قال: وقد يحكم به عند وجود التعارض المقطوع به، من علم التاريخ ليعرف المتقدم والمتأخر، قال: ولا يعتمد في النسخ قول عوام المفسرين، بل ولا اجتهاد المجتهدين من غير نقل صحيح، ولا معارضة بينة؛ لأن النسخ يتضمن رفع حكم، وإثبات حكم تقرر في عهده ﷺ والمعتمد فيه النقل والتاريخ دون الرأي والاجتهاد، قال: والناس في هذا بين طرفي نقيض، فمن قائل: لا يقبل في النسخ أخبار الآحاد العدول، ومن متساهل يكتفي فيه بقول مفسر أو مجتهد، والصواب خلاف قولهما، انتهى" (٢).
وقال في موضع آخر: "ما أُمر به لسبب ثم يزول السبب، كالأمر حين الضعف والقِلة بالصبر والصفح ثم نسخ بإيجاب القتال، وهذا في الحقيقة ليس نسخًا، بل هو من قسم المُنسأ كما قال تعالى: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾، فالمُنسأ هو الأمر بالقتال إلى أن يقوى المسلمون، وفي حال الضعف يكون الحكم وجوب الصبر على الأذى، وبهذا يضعف ما لهج به كثيرون من أن الآية في ذلك منسوخة بآية السيف وليس كذلك، بل هي من المنسأ بمعنى: أن كل