← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 17438

الاستضعاف وأحكامه في الفقه الإسلامي

زياد بن عابد المشوخي

Полный текст (432 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وعمدتها مقتضيات الأحوال، وليس كل حال يُنقل، ولا كل قرينة تقترن بنفس الكلام المنقول، وإذا فات نقل بعض القرائن الدالة فات فهم الكلام جملة، أو فهم شيء منه، ومعرفة الأسباب رافعة لكل مشكل في هذا النمط، فهي من المهمات في فهم الكتاب، ومعنى معرفة السبب هو معنى معرفة مقتضى الحال، وينشأ عن هذا الوجه الوجه الثاني: وهو أن الجهل بأسباب التنزيل موقع في الشبه، والإشكالات، ومورد للنصوص الظاهرة مورد الإجمال، حتى يقع الاختلاف وذلك مظنة وقوع النزاع" (١). وبهذا يتبين لنا أهمية الإلمام بأسباب النزول وأسباب الورود، وأنها ليست تاريخًا للنزول فحسب، بل إنها جزء من النظر والاستنباط الفقهي، كما أنها تعين على معرفة الحكمة من التشريع والوقوف على المعنى، وأن الشريعة قامت على رعاية مصالح الإنسان لا على الاستبداد والتحكم (٢)، قال الغزالي ﵀: "إنه لو لم يكن للسبب مدخل لما نقله الراوي؛ إذ لا فائدة فيه، قلنا: فائدته معرفة أسباب التنزيل، والسير والقصص واتساع علم الشريعة، وأيضا امتناع إخراج السبب بحكم التخصيص بالاجتهاد" (٣)، قال ابن تيمية ﵀: "ومعرفة سبب النزول يعين على فهم الآية فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب. . . وقولهم نزلت هذه الآية في كذا، يُراد به تارة أنه سبب النزول، ويُراد به تارة أن ذلك داخل في الآية وإن لم يكن السبب كما تقول عُني بهذه الآية كذا" (٤).

стр. 212

إن الناظر في الأدلة الشرعية مجردة عن أسبابها، سواءً سبب النزول -فيما يتعلق بالآيات- أو سبب الورود -فيما يتعلق بالحديث، قلما يهتدي للمراد من الأدلة، ولربما فهمت على عكس المراد بها، وقد تقدم الحديث عن المرحلة المكية وصلتها بالاستضعاف، والمراد هنا التأكيد على أهمية دراسة أحوال النص لئلا ننزل أحكام التمكين على حالة الاستضعاف، أو أحكام الاستضعاف على حالة التمكين، ومن الأمثلة على هذا الفرق يمكننا المقارنة بين حادثة مقتل سمية ﵂ (١) في مكة (٢)، وبين حادثة المرأة المسلمة التي كُشفت عورتها في سوق بني قينقاع (٣)، ورد فعل النبي ﷺ والمسلمين في كلا الحادثتين. * * *

стр. 213

المبحث الثامن العمل بآيات الصبر والصفح والعفو لقد أمر اللَّه نبيه ﷺ بالصبر والصفح والكف والإعراض عن المشركين، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾ (١)، وقوله سبحانه: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٢)، وقوله : ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٤)، ونزلت معظم هذه الآيات في العهد المكي، ولما نزلت الآيات في الأمر بالقتال والجهاد في سبيل اللَّه في العهد المدني كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٥)، وقوله سبحانه: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٦)، وقوله : ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا

стр. 214

فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (١)، قال بعض المفسرين أن تلك الآيات المدنية تُعد ناسخة للآيات المكية، إلا أن دعوى النسخ هذه لا دليل عليها، ولهذا ذهب العديد من المحققين إلى عدم صحة دعوى النسخ، وقيل: هو قول الجمهور (٢)، لاسيما مع إمكانية الجمع، ونجد هذا الأمر ظاهرًا في كتب التفسير وغيرها عند الإشارة لآية السيف وآيات الإعراض والعهود، بل إنا نجد أن هنالك من قال بأن آية السيف منسوخة، بل واختلف المفسرون في تحديدها (٣)، مع التنبيه إلى أن المتقدمين من أهل العلم توسعوا في إطلاق النسخ، فأطلقوه على التخصيص والاستثناء (٤).

стр. 215

قال ابن جرير ﵀: "فأما ما قاله قتادة ومن قال مثل قوله من أن هذه الآية منسوخة فقول لا دلالة عليه من كتاب ولا سنة ولا فطرة عقل، وقد دللنا في غير موضع من كتابنا هذا وغيره على أن الناسخ لا يكون إلا ما نفي حكم المنسوخ من كل وجه فأما ما كان بخلاف ذلك فغير كائن ناسخا" (١)، والسيوطي نقل في إتقانه عن العلامة ابن الحصار -رحمهما اللَّه- قوله: "إنما يرجع في النسخ إلى نقل صريح عن رسول اللَّه ﷺ أو عن صحابي يقول: آية كذا نسخت كذا، قال: وقد يحكم به عند وجود التعارض المقطوع به، من علم التاريخ ليعرف المتقدم والمتأخر، قال: ولا يعتمد في النسخ قول عوام المفسرين، بل ولا اجتهاد المجتهدين من غير نقل صحيح، ولا معارضة بينة؛ لأن النسخ يتضمن رفع حكم، وإثبات حكم تقرر في عهده ﷺ والمعتمد فيه النقل والتاريخ دون الرأي والاجتهاد، قال: والناس في هذا بين طرفي نقيض، فمن قائل: لا يقبل في النسخ أخبار الآحاد العدول، ومن متساهل يكتفي فيه بقول مفسر أو مجتهد، والصواب خلاف قولهما، انتهى" (٢). وقال في موضع آخر: "ما أُمر به لسبب ثم يزول السبب، كالأمر حين الضعف والقِلة بالصبر والصفح ثم نسخ بإيجاب القتال، وهذا في الحقيقة ليس نسخًا، بل هو من قسم المُنسأ كما قال تعالى: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾، فالمُنسأ هو الأمر بالقتال إلى أن يقوى المسلمون، وفي حال الضعف يكون الحكم وجوب الصبر على الأذى، وبهذا يضعف ما لهج به كثيرون من أن الآية في ذلك منسوخة بآية السيف وليس كذلك، بل هي من المنسأ بمعنى: أن كل

стр. 216

أمر ورد يجب امتثاله في وقت ما لعله يقتضي ذلك الحكم ثم ينتقل بانتقال تلك العلة إلى حكم آخر، وليس بنسخ، إنما النسخ الإزالة للحكم حتى لا يجوز امتثاله" (١). وكل دعاوى النسخ إن لم تستند لدليل فهي محل نظر، خاصة مع إمكان الجمع؛ لأن شرط النسخ التعارض مع تعذر الجمع، ومن المقرر عند أهل العلم أنه لا يصار إلى النسخ مع إمكان الجمع (٢)، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فإن من الناس من يقول آيات المجادلة والمحاجة للكفار منسوخات بآية السيف لاعتقاده أن الأمر بالقتال المشروع ينافي المجادلة المشروعة، وهذا غلط فإن النسخ إنما يكون إذا كان الحكم الناسخ مناقضا للحكم المنسوخ" (٣). وقال في موضع آخر بعد أن أشار إلى الآيات الواردة في الأمر بالكف والعفو الصفح ثم آيات الأمر بالقتال والجهاد: "فكان ذلك -أي: التمكين- عاقبة الصبر والتقوى الذين أمر اللَّه بهما في أول الأمر، وكان إذ ذاك لا يؤخذ من أحد من اليهود الذين بالمدينة ولا غيرهم جزية، وصارت تلك الآيات في حق كل مؤمن مستضعف لا يمكنه نصر اللَّه ورسوله بيده ولا بلسانه فينتصر بما يقدر عليه من القلب ونحوه، وصارت آية الصغار على المعاهدين في حق كل مؤمن قوي يقدر على نصر اللَّه ورسوله بيده أو لسانه، وبهذه الآية ونحوها كان المسلمون يعملون في آخر عمر رسول اللَّه ﷺ وعلى عهده خلفائه الراشدين، وكذلك هو إلى قيام الساعة، لا تزال طائفة من هذه الأمة قائمين على الحق ينصرون اللَّه ورسوله النصر التام، فمن كان من المؤمنين بأرض هو فيها مستضعف، أو في

стр. 217

وقت هو فيه مستضعف، فليعمل بآية الصبر والصفح عمن يؤذي اللَّه ورسوله من الذين أوتوا الكتاب والمشركين، وأما أهل القوة فإنما يعملون بآية قتال أئمة الكفر الذين يطعنون في الدين، وبآية قتال الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون" (١). وإن مرحلة الاستضعاف تقتضي مثل هذا العمل بآيات الصفح والعفو والمغفرة والإعراض عن الأعداء، وعدم الانجرار أو الدخول في صراع جانبي يستهلك الطاقة، ويضعف القوة، ويؤلب الأعداء، ويفرق الأنصار، إن الإخلاص والتضحية والشجاعة والإقدام لا تكفي لتبرير التصرفات المندفعة والمجردة عن الفقه الشرعي وفهم الواقع والتقدير الحقيقي للقدرات والإمكانات، وعلى المستضعفين الحذر من أن تكون تصرفاتهم مجردة عن فقه المآلات، وفقه الأولويات، ودون النظر في المصالح والمفاسد، وعليهم الحذر من أن يتم استدراجهم لأمور وتصرفات انفعالية نتيجة للضغوط المحيطة بهم وبأمتهم، وبالمقابل فإن على المستضعفين الأخذ بالأسباب والعمل والسعي الجاد للتمكين في الأرض، وألا يجعلوا من الواقع حجة وعذرًا للبقاء في حالة الاستثناء (٢). ولقد عمل النبي ﷺ على ضبط سلوك أتباعه بما يحول دون حصول مواجهة مع كفار قريش في المرحلة المكية، عن ابن عباس ﵄ أن عبد الرحمن بن عوف، وأصحابًا له أتوا

стр. 218

النبي ﷺ بمكة، فقالوا: يا رسول اللَّه، إنا كنا في عز، ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة، فقال: (إني أمرت بالعفو، فلا تقاتلوا، فلما حوّلنا اللَّه إلى المدينة، أمرنا بالقتال، فكفوا، فأنزل اللَّه : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (١)) (٢). * * *

стр. 219

الباب الثالث أحكام الاستضعاف وفيه فصلان الفصل الأول: المسائل المتعلقة بالاستضعاف. الفصل الثاني: ما يرخص به حال الاستضعاف.

стр. 220

الفصل الأول المسائل المتعلقة بالاستضعاف وفيه تسعة مباحث: المبحث الأول: الاستعانة بالكفار في القتال حال الاستضعاف. المبحث الثاني: دفع المال للكفار حال الاستضعاف. المبحث الثالث: تعطيل الحدود في حال الاستضعاف. المبحث الرابع: الاعتراف بالاحتلال حال الاستضعاف. المبحث الخامس: بيع الأراضي للاحتلال حال الاستضعاف. المبحث السادس: تسليم المطلوبين المسلمين ونحوهم (الذميين) في حال الاستضعاف المبحث السابع: التجنس بجنسية دولة غير إسلامية حال الاستضعاف. المبحث الثامن: المشاركة في الحكم الكافر أو الجائر حال الاستضعاف. المبحث التاسع: نزع الحجاب حال الاستضعاف.

стр. 221

المبحث الأول الاستعانة بالكفار في القتال حال الاستضعاف تمهيد الشريعة الإسلامية كما اعتبرت أحوال الأفراد وراعت ضروراتهم وحاجاتهم فهي كذلك اعتبرت ضرورات الجماعة والدولة المسلمة وما تقتضيه سلامتها واستقرار كيانها وملكها والحفاظ على سيادتها. قد تقع الدولة الإسلامية في ظروف تقتضي منها الاستعانة بالكفار، فهل يجوز للمسلمين حينئذ الاستعانة بالكفار في حالة الاستضعاف أو يحرم عليهم ذلك؟ ومتى تكون الاستعانة جائزة؟ ومتى تكون محرمة؟ وما شروط الجواز؟ هذا ما سوف يعرض له هذا المبحث من خلال المطالب التالية: المطلب الأول تعريف الاستعانة الاستعانة في اللغة هي مصدر استعان، وهي: طلب العون، من أعان يعين إعانة، فهو مُعين، وعَوين ومِعوان، يُقال: تعاونَ القوم، إذا أعانَ بعضُهم بعضًا، والاسم: العَون، والمَعُونة والعون: الظهير على الأمر، يقال: استعنت بفلان فأعانني وعاونني (١). وأما تعريف الاستعانة اصطلاحًا فلم يخرج الفقهاء بالمعنى الاصطلاحي للاستعانة عن المعنى اللغوي، فكل فعل لا يقوم به الإنسان على وجه الاستقلال ويطلب العون فيه من غيره يكون استعانة، فهي طلب العون من الغير. * * *

стр. 222

المطلب الثاني حكم الاستعانة بالكفار اتفق الفقهاء على جواز الاستعانة بالكفار في القتال وذلك في أعمال الخدمة والرمي والحفر ونحوها مما لا يخرجون فيه عن الصغار، ونقل ابن حزم ﵀ الإجماع على ذلك (١)، واختلف الفقهاء في حكم الاستعانة بهم في مباشرة القتال مع المسلمين ضد الكفار، وضد البغاة، على النحو التالي: الفرع الأول: حكم الاستعانة بالكفار على الكفار: القول الأول: عدم جواز الاستعانة بالكفار في القتال، وجواز الاستعانة مقتصر على الأعمال والصنائع والخدمة كحفر أو هدم أو رمي بمنجنيق، وهو قول المالكية والظاهرية؛ وذلك لأن معنى الجهاد أن يقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللَّه، والمشرك لا يقاتل لأجل هذا الغرض (٢). واستدلوا بعموم النصوص الواردة في كتاب اللَّه في التحذير من موالاة الكافرين، والركون إليهم، واتخاذهم بطانة، ومن تلك النصوص قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٣)، "تضمنت المنع من التأييد والانتصار بالمشركين ونحو ذلك" (٤)، "وفي هذه الآية دلالة على أنه لا يجوز

стр. 223

الاستعانة بأهل الذمة في أمور المسلمين من العمالات والكتبة، ولهذا قال أحمد: لا يستعين الإمام بأهل الذمة على قتال أهل الحرب" (١). ومن الأدلة قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ (٢)، "واقتضت الآية النهي عن الاستنصار بالكفار والاستعانة بهم والركون إليهم والثقة بهم، وهو يدل على أن الكافر لا يستحق الولاية على المسلم بوجه ولدًا كان أو غيره، ويدل على أنه لا تجوز الاستعانة بأهل الذمة في الأمور التي يتعلق بها التصرف والولاية" (٣). واستدل أصحاب هذا القول بأدلة من السنة النبوية منها: ما روته عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت: خرج رسول اللَّه ﷺ قِبَلَ بدر فلما كان بِحَرَّةِ الْوَبَرَةِ أَدْرَكَهُ رَجُلٌ قد كان يُذْكَرُ مِنْهُ جُرْأَةٌ وَنَجْدَةٌ فَفَرِحَ أصحاب رسول اللَّه ﷺ حين رَأَوْهُ فلما أَدْرَكَهُ قال لرسول اللَّه ﷺ : جِئْتُ لِأَتَّبِعَكَ وَأُصِيبَ مَعَكَ، قال له رسول اللَّه ﷺ : (تُؤْمِنُ باللَّه ورسوله)، قال: لا، قال: (فَارْجعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ) (٤)،

стр. 224

قالت ثم مَضَى حتى إذا كنا بالشجرة أَدْرَكَهُ الرجل، فقال له كما قال أول مرة، فقال له النبي ﷺ كما قال أول مرة، قال: (فارجع فلن أستعين بمشرك)، قال ثم رجع فَأَدْرَكَهُ بِالْبَيْدَاءِ فقال له كما قال أول مرة، (تؤمن باللَّه ورسوله؟) قال: نعم، فقال له رسول اللَّه ﷺ : (فَانْطَلِقْ) (١). عن أبي حميد الساعدي ﵁ (٢) قال: خرج رسول اللَّه ﷺ إلى أحُدٍ حتى إذا خَلَّفَ ثنَّيةَ الوَداع نظر خلفه فإذا كتيبة حسناء، قال: (من هؤلاء؟) قالوا: بنو قينقاع وهو رهط عبد اللَّه بن سلام، قال: (وأسلموا!) قالوا: لا، بل هم على دينهم، قال: (قل لهم فليرجعوا، فإنا لا نستعين بالمشركين) (٣). القول الثاني: جواز الاستعانة بالكفار في القتال بشروط، وهو قول الحنفية والشافعية والحنابلة، وحمل أصحاب هذا القول الآيات التي استدل جمها أصحاب القول الأول بأن المراد بها عدم جواز الاستعانة بالكفار إذ كانوا متى غلبوا لهم الغلبة والظهور وكان حكم الكفر هو الغالب، أما إذا كانوا متى غلبوا كان حكم الإسلام هو الجاري عليهم دون حكم الكفر فتجوز الاستعانة (٤).

стр. 225

كما استدلوا بالنصوص الواردة في السنة النبوية والتي دلت على جواز الاستعانة، ومنها: قوله ﷺ : (سَتُصَالِحُونَ الرُّومَ صُلحًا آمِنًا وَتَغزُونَ أَنتُم وَهُم عَدُوًّا من وَرَائِكُم) (١)، وبما ما روي: (أن سعد بن مالك بن أبي وقاص ﵁ غزا بقوم من اليهود فَرَضَخ (٢) لهم) (٣). عن أبي هريرة ﵁ قال: (شهدنا مع رسول اللَّه ﷺ خيبر، فقال لرجل ممن يَدَّعِي الإسلام: (هذا من أهل النار)، فلما حضر القتال، قاتل الرجل قتالا شديدا، فأصابته جراحة، فقيل يا رسول اللَّه: الذي قلت إنه من أهل النار، فإنه قد قاتل اليوم قتالا شديدا، وقد مات، فقال النبي ﷺ : (إلى النار)، قال: فكاد بعض الناس أن يَرْتَابَ، فبينما هم على ذلك، إذ قيل: إنه لم يمت ولكن به جراحا شديدا، فلما كان من الليل لم يصبر على الجراح فقتل نفسه، فَأُخْبِرَ النبي ﷺ بذلك، فقال: (اللَّه أكبر أشهد أني عبد اللَّه ورسوله)، ثم أمر بلالا فنادى بالناس: (إنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، وَإِنَّ اللَّه لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ (٤)) (٥).

стр. 226

كما استدلوا بما وقع في غزوة حنين عندما قال ﵇ لصفوان بن أمية (١): (يا صفوان هل عندك من سلاح؟) قال: عارية أم غصبا؟ قال: (لا، بل عارية)، فأعاره ما بين الثلاثين إلى الأربعين درعا، وغزا رسول اللَّه ﷺ حُنَيْنًا فلما هُزِمَ المشركون جُمِعَتْ دُرُوعُ صَفْوَانَ فَفَقَدَ منها أَدْرَاعًا، فقال رسول اللَّه ﷺ لصفوان: (إنا قد فَقَدْنَا من أَدْرَاعِكَ أَدْرَاعًا فهل نَغْرَمُ، فهل نغرم لك؟) قال: لا يا رسول اللَّه؛ لأن في قلبي اليوم ما لم يكن يومئذ (٢).

стр. 227

وأجابوا عن استدلال أصحاب القول الأول بحديث: (لن أستعين بمشرك)، بأن النبي ﷺ إنما قال ذلك لعلمه أن الرجلين يُسلمان إذا أبى ذلك عليهما، أو لأنه يخاف الغدر منهما لضعف كان بالمسلمين يوم بدر (١) كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ (٢). وقال الامام الشافعي ﵀: "فليس واحد من الحديثين مخالفًا للآخر، وإن كان رده؛ لأنه لم ير أن يستعين بمشرك فقد نسخه ما بعده من استعانته بمشركين، فلا بأس أن يستعان بالمشركين على قتال المشركين إذا خرجوا طوعًا" (٣)، ويفهم من هذا اشتراط كونهم تابعين للمسلمين وتحت قيادتهم. واشترط الحنفية الشافعية والحنابلة للجواز شروطًا وهي: ١ - أن تدعوا الحاجة لذلك (٤). ٢ - أن يعرف الإمام حسن رأيهم في المسلمين (٥). ٣ - أن يأمن الإمام خيانتهم (٦).

стр. 228

٤ - أن يخالفوا معتقد العدو كاليهود مع النصارى، وقيل: لا يشترط ذلك وهو المعتمد عند الشافعية. ٥ - أن يكون حكم الإسلام هو الغالب، بأن يقاتلوا تحت راية المسلمين، وأن يخرجوا وفقًا لشروط المسلمين (١). وقالوا إن للإمام أن ينظر في مصلحة المسلمين فإن رأى المصلحة في تميزهم ليعلم نكايتهم أفردهم في جانب الجيش، وإن خشي أن تقوى شوكتهم خلطهم بالجيش وفرقهم بين المسلمين، ومتى ما خاف الإمام خيانتهم فلا ينبغي له أن يستعين بهم، أو أن يمكنهم من الاختلاط بالمسلمين (٢). ويحسن التنبيه إلى أن الصحيح من مذهب الحنابلة أنه يحرم الاستعانة بالكفار إلا عند الضرورة، وكذلك إن كان الكفار أكثر عددا أو يُخاف منهم (٣).

стр. 229

ومما يستنبط من أقوال الفقهاء في المسألة ومما مضى من الأدلة ما يلي: ١ - اتفاق الفقهاء على أن الأصل عدم جواز الاستعانة بالكفار، ومن أجاز منهم ذلك فقد قصره على الحاجة أو الضرورة وحدد له شروطًا وجعله في أضيق النطاق، قال ابن حزم ﵀: "فإن علم المسلم واحدا كان أو جماعة أن من استنصر به من أهل الحرب أو الذمة يؤذون مسلمًا أو ذميًا فيما لا يحل، فحرام عليه أن يستعين بهما وإن هلك، لكن يصبر لأمر اللَّه تعالى، وإن تلفت نفسه وأهله وماله، أو يقاتل حتى يموت شهيدًا كريمًا، فالموت لا بد منه ولا يتعدى أحدٌ أجله، برهان هذا أنه لا يحل لأحد أن يدفع ظلما عن نفسه بظلم يوصله إلى غيره، هذا ما لا خلاف فيه" (١). ٢ - التفريق بين مشاركة أهل الذمة وآحاد المشركين في القتال وبين مشاركة الدول الكافرة؛ لكون أهل الذمة من مواطني الدولة الإسلامية، ولذا شرط الفقهاء للجواز غلبة حكم الإسلام، وهذا قد يتأتى في الآحاد وأهل الذمة، إلا أنه يصعب تحققه في حال الاستعانة بالدول الكافرة حتى وإن كانت معاهدة لاطلاعهم على أسرار المسلمين ومعرفة مواطن ضعفهم وقوتهم، كما أن اشتراكهم مع المسلمين سيحول الجهاد إلى حرب شرسة خالية من المعاني السامية للجهاد وأهدافه وآدابه وضوابطه (٢)، وقد تنسب جرائمهم للمسلمين فيفقد الجهاد الهدف المراد منه وهو الدعوة للإسلام. ٣ - أن أدلة المانعين صحيحة وصريحة، وأما أدلة المجيزين فليست صريحة بل إن حديث المصالحة مع الروم قد يحمل على أنه تحالف عسكري، وهو خبر، بل قد تضمن الإخبار بغدرهم بعد التحالف، ونصه: "ستصالحون الروم صلحا آمنا فتغزون أنتم وهم عدوا من ورائكم فتنصرون وتغنمون وتسلمون ثم ترجعون حتى تنزلوا بمرج ذي تلول

стр. 230

فيرفع رجل من أهل النصرانية الصليب فيقول: غلب الصليب فيغضب رجل من المسلمين فيدقه فعند ذلك تغدر الروم وتجمع للملحمة" (١). ٤ - أنه لا ينبغي القول بالنسخ طالما أمكن الجمع بين النصوص، فالنصوص المانعة تحمل على حالات، فحديث عائشة ﵂ حمله العلماء على: (أ) خشية الغدر وعدم الحاجة إلى الاستعانة بالكافر (٢). (ب) أنه ﵊ تفرس في الذي قال له: لا أستعين بمشرك، الرغبة في الإسلام فرده، وأجيب بـ "أنها نكرة في سياق النفي فيحتاج مدعى التخصيص" (٣). (جـ) أن النهي كان في وقت خاص وهو بدر (٤). أما حديث أبو حميد الساعدي ﵁ يمكن حمله على: (أ) قوة جيش الكفار وكثرته. (ب) الخشية من الخيانة (٥). والذي أرجحه في هذه المسألة هو عدم جواز الاستعانة بالكفار في القتال ضد الكفار إلا في حال الضرورة والحاجة، وذلك وفقًا لما تقتضيه مصلحة المسلمين، ويقدره الإمام والعلماء، فالمسألة لا تخرج عن كونها من مسائل الضرورة والحاجة فينبغي أن يطبق عليها ضوابط العمل والأخذ بالضرورة والحاجة، وكذلك الضوابط الخاصة التي وضعها الفقهاء للجواز، واللَّه أعلم.

стр. 231

الفرع الثانى: حكم الاستعانة بالكفار على البغاة من المسلمين: البغاة لغة: جمع مفرده باغٍ، والبغي أصله الحسد، ثم سُمي الظلم بغيًا؛ لأن الحاسد يظلم المحسود، والفئة الباغية هم البغاة، وأهل البغي والفساد (١). وأما اصطلاحًا: فهم الخَارِجُون من المسلمين عن طاعة الإمام الحق بتأويل سائغ ولهم قوة ومنعة (٢). وقد اختلف الفقهاء في حكم الاستعانة بالكفار على قتال أهل البغي على قولين: القول الأول: عدم جواز الاستعانة بالكفار على قتال البغاة مطلقًا وهو قول جمهور أهل العلم من المالكية (٣) والشافعية (٤) والحنابلة (٥) والظاهرية (٦).

стр. 232

واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (١)، وفي الاستعانة بالكفار تسليط لهم على المسلمين. إلا أن المالكية رأوا أن المنع من الاستعانة بهم حتى في حال الضرورة، بينما أجازه أكثر الفقهاء عند الضرورة، ووضعوا شروطًا لذلك منها: أن تكون فيهم جرأة وحسن إقدام، وأن يتمكن الإمام من منعهم قتل أهل البغي بعد هزيمتهم (٢)؛ وذلك لأن قتال البغاة أحكامه الخاصة والتي تختلف عن قتال الكفار، ومن تلك الأحكام عدم جواز رميهم بما يعم كنار ومنجنيق، ويُقاس عليه الأسلحة الحديثة كالطيران والمدفعية ونحوها، ولكن عند كثرتهم وإحاطتهم بالفئة العادلة يجوز ذلك للضرورة (٣)، فإن لم يكن ذلك كافيًا أجاز الفقهاء حينئذ الاستعانة بالكفار؛ لأن "الضرر يدفع بقدر الإمكان" (٤)، واستعمال ما يعم من السلاح ضد البغاة أقل ضررًا من الاستعانة بالكفار عليهم لأنهم يرون قتلهم مدبرين. كما يمكن الاستدلال على منع الاستعانة بالكفار في القتال ضد البغاة بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (٥)، فهو سبحانه "قدم الإصلاح على القتال وهذا يقتضي أن يبدأ في

стр. 233

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالأرفق مترقيًا إلى الأغلظ فالأغلظ" (١)، وأمر سبحانه المؤمنين بالقتال في حال بغي إحدى الطائفتين، كما جعل غاية القتال رجوع الفئة الباغية للحق (٢) وفي حال الاستعانة بالكفار فإنه يصعب وقف القتال تمامًا عند تلك الغاية حتى إن شرط عليهم الإمام ذلك. القول الثاني: جواز الاستعانة بالكفار على قتال البغاة وهو قول الحنفية (٣)، واشترطوا لذلك أن يكون حكم الإسلام هو الظاهر، وإلا فلا يجوز، وعللوا ذلك؛ "لأنهم يقاتلون لإعزاز الدين، والاستعانة عليهم بقوم منهم أو من أهل الذمة كالاستعانة عليهم بالكلاب" (٤). وأجيب: بأن عزة الدين تتحقق بدون الاستعانة بالكفار، بل إن في الاستعانة بالكفار إذلال للمسلمين من أهل البغي. يتضح مما مضى من أدلة الفريقين قوة أدلة الفريق الأول، ولذا فإن الراجح -واللَّه أعلم- عدم جواز الاستعانة بالكفار في قتال الفئة الباغية، وإن اضطر المسلمون في حال الاستضعاف ودعت الضرورة لذلك فيكتفى باستعمال ما يعم من السلاح، أو الاستعانة بسلاح الكفار، وقد دل على هذا قاعدة: "يُحتارُ أهون الشرين" (٥)، وكذلك: "إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفهما" (٦)، بل قال

стр. 234

الآمدي ﵀ (١): "ارتكاب أدنى الضررين يصير واجبا نظرا إلى رفع أعلاهما" (٢). المطلب الثالث حكم الاستعانة بأهل البدع وفيه فرعان: الفرع الأول: تعريف البدعة لغة واصطلاحًا: البدعة في اللغة: ابتداء الشيء وصنعه لا عن مثال سابق، يقال: أبدعت الشيء قولًا أو فعلًا، إذا ابتدأته لا عن سابق مثال (٣). أما في الاصطلاح: فهي: "ما لم يشرعه اللَّه ورسوله، وهو ما لم يأمر به أمر إيجاب ولا استحباب، فأما ما أمر به أمر إيجاب أو استحباب وعلم الأمر به بالأدلة الشرعية، فهو من الدين الذي شرعه اللَّه" (٤)، كا عُرفت بأنها: "ما أُحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، وأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعًا وإن كان بدعة لغة" (٥)، وعرفها الشاطبي ﵀ بأنها: "طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية" (٦).

стр. 235

الفرع الثاني: أقوال الفقهاء في حكم الاستعانة بأهل البدع: ورد عن الإمام أحمد ﵀ نهيه عن الاستعانة بأهل الأهواء (١)، وعلل ذلك بأنهم يدعون إلى مذهبهم، ويغتر بهم الناس، وهذا هو مذهب الحنابلة (٢)، وهذا النهي محمول على الكراهة؛ لأن غاية ما يكون عليه أهل البدع والأهواء أن يكونوا كفارًا بتلك البدع، والاستعانة بالكافر كما مضى جائزة عند الضرورة وفقًا لما ذكره الفقهاء من شروط. ومتى ما اضطر المسلمون إلى الاستعانة بأهل البدع فلهم ذلك، على أن يضيق نطاق الاستعانة بما يفي بالغرض، كأن تكون الاستعانة بالسلاح، أو بالخبراء أو التدريب، لاسيما إن عُرف غشهم للمسلمين وعدم نصحهم، كما مضى بيانه من قاعدة اختيار أخف الضررين وأهون الشرين، ولذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فإذا تعذر إقامة الواجبات من العلم والجهاد وغير ذلك إلا بمن فيه بدعة مضرتها دون مضرة ترك ذلك الواجب، كان تحصيل مصلحة الواجب مع مفسدة مرجوحة معه خيرًا من العكس، ولهذا

стр. 236

كان الكلام في هذه المسائل فيه تفصيل، وكثير من أجوبة الإمام أحمد وغيره من الأئمة خرج على سؤال سائل قد علم المسئول حاله، أو خرج خطابا لمعين، قد علم حاله، فيكون بمنزلة قضايا الأعيان الصادرة عن الرسول إنما يثبت حكمها في نظيرها" (١). وسئل ابن تيمية ﵀ عن رجل يفضل اليهود والنصارى على الرافضة فأجاب: "الحمد للَّه كل من كان مؤمنًا بما جاء به محمد فهو خير من كل من كفر به، وإن كان في المؤمن بذلك نوع من البدعة سواءً كانت بدعة الخوارج والشيعة والمرجئة والقدرية أو غيرهم؛ فإن اليهود والنصارى كفارٌ كفرًا معلومًا بالاضطرار من دين الإسلام، والمبتدع إذا كان يحسب أنه موافق للرسول لا مخالف له لم يكن كافرًا به، ولو قدر أنه يكفر فليس كفره مثل كفر من كذب الرسول" (٢)، وقد قال تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا. .﴾ (٣)، وهذه الآية نص في "أن اليهود في غاية العدواة مع المسلمين، ولذلك جعلهم قرناء للمشركين في شدة العداوة، بل نبه على أنهم أشد في العداوة من المشركين من جهة أنه قدم ذكرهم على ذكر المشركين" (٤).

стр. 237

وخلاصة هذه المسألة: جواز استعانة المستضعفين بأهل البدع والأهواء عند الضرورة، وينبغي أن يشترط عليهم ألا يدعوا لبدعتهم أو يظهرونها، وإن أمكن اقتصار الاستعانة على السلاح والاستشارة والتدريب ونحوه فهو الأولى، ولا بأس به على أن يتم تعليم المسلمين الذين سيتم تدريبهم حقيقة ذلك المذهب وكيفية الرد على الشبهات وتحصينهم علميًا وفكريًا. * * * المطلب الرابع حكم الاستعانة بالكفار في الجوانب الأخرى قد يضطر المستضعفون إلى الاستعانة بجمعيات وهيئات ومؤسسات حقوقية ذات أهداف إنسانية، إما للمطالبة بالحق وبيانه، أو لكشف حقيقة وإزالة الغموض عنها، أو لملاحقة الجاني والمجرم ومعاقبته والتضييق عليه وغيرها من الأهداف، فهل يجوز للمستضعفين التعاون مع هذه الجهات والاستفادة منها ومن اختصاصاتها. يمكن القول بأن مثل هذا النوع من التعاون لا دليل على تحريمه إن لم يكونوا محاربين للمسلمين، والأصل في هذا قوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (١)، فالكفار في الآية إما مسالم لم يقاتل المسلمين ولم يخرجهم من ديارهم فلم ينه اللَّه المسلمين عن برهم والإقساط إليهم، ورخص في صلتهم، أو غير مسالم ويقاتل المسلمين ويخرجهم من ديارهم ويظاهر على ذلك، وفرق بين الإذن بالبر والقسط وبين النهي عن الموالاة والمودة (٢).

стр. 238

قال ابن جرير ﵀: "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عُني بذلك: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ من جميع أصناف الملل والأديان أن تبروهم وتصلوهم وتقسطوا إليهم، إن اللَّه عم بقوله الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم جميع من كان ذلك صفته، فلم يخصص به بعضًا دون بعض، ولا معنى لقول من قال: ذلك منسوخ؛ لأن بر المؤمن من أهل الحرب ممن بينه وبينه قرابة نسب، أو ممن لا قرابة بينه وبينه ولا نسب غير محرم ولا منهي عنه إذا لم يكن في ذلك دلالة له أو لأهل الحرب على عورة لأهل الإسلام أو تقوية لهم بكراع أو سلاح" (١). وفي نهاية هذا المطلب أشير إلى بعض الأمور والمسائل وهي: ١ - هذه الاستعانة لا تعدو أن تكون من الحلف أو الدخول في الجوار الذي سبق بيان جوازه وشروط ذلك في الفصل الثاني. ٢ - ينبغي عند الاستعانة بتلك الجهات أن يغلب على الظن تحقيق المصالح ودرء المفاسد من خلال هذه الاستعانة، أما إن كانت ستؤدي إلى ضياع الحقوق فيحرم ذلك. ٣ - ينبغي ألا يترتب على هذه الاستعانة إذلال وصغار للمسلمين أو مداهنة أو تنازل عن العقيدة لمجاراة أو مجاملة هذه الأطراف أو الجهات، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ (٢)، والآية تنهى عن الاعتزاز بالكفار (٣)، وإنما يكون الاعتزاز بالكفار في حال ذل المسلمين لهم، أما مجرد المطالبة والتعاون على ما فيه مصلحة الإنسانية، كقضايا حقوق الأسرى، وحقوق

стр. 239

الإنسان، وحقوق اللاجئين، وحقوق الأطفال ورفع الظلم ونحوها من المصالح المشتركة فهو أمر مطلوب شرعًا وعقلًا، ومما يدل على ذلك عموم قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (١). ٤ - من مقتضيات هذا التعاون البر والقسط، فلا مانع من مدحهم بما فيهم من خصال حسنة كما مدح النبي ﷺ النجاشي على عدله قبل إسلامه، مع الحذر من أن يمتد هذا الثناء إلى الثناء على عقائدهم، بل وينبغي الوفاء معهم كما فعل النبي ﷺ مع المطعم بن عدي الذي مات على الشرك. قال ابن حجر ﵀: "وكان الأصل في موالاة خزاعة للنبي ﷺ أن بني هاشم في الجاهلية كانوا تحالفوا مع خزاعة، فاستمروا على ذلك في الإسلام، وفيه جواز استنصاح بعض المعاهدين وأهل الذمة، إذا دلت القرائن على نصحهم، وشهدت التجربة بإيثارهم أهل الإسلام على غيرهم، ولو كانوا من أهل دينهم، ويستفاد منه جواز استنصاح بعض ملوك العدو استظهارا على غيرهم، ولا يُعد ذلك من موالاة الكفار ولا موادة أعداء اللَّه، بل من قبيل استخدامهم، وتقليل شوكة جمعهم، وإنكاء بعضهم ببعض، ولا يلزم من ذلك جواز الاستعانة بالمشركين على الإطلاق" (٢). * * *

стр. 240

المبحث الثاني دفع المال للكفار حال الاستضعاف بحث الفقهاء مسألة اشتراط أهل الحرب على المسلمين دفع المال لهم، واتفقوا على عدم الجواز في حالة قدرة المسلمين وقوتهم (١)، واستدلوا على ذلك بما يلي: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٢)، قال العمراني (٣): "وأما عقد الهدنة على مال يُؤخذَ من المسلمين، فإن لم يكن هناك ضرورة لكن كان الإمام محتاجًا إلى ذلك بأن بلغه سير العدو وخافهم، أو كانوا قد ساروا ولم يلتقوا، أو التقوا ولم يظهروا على المسلمين. . . فلا يجوز بذل العوض لهم، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى﴾، قال الشافعي ﵀: "فأخبر اللَّه تعالى أن المؤمنين إذا قَتلوا أو قُتلوا استحقوا الجنة فاستوى الحالتانِ في الثواب فلم يجز دفع العِوَضِ لدفع الثواب؛ ولأن في ذلك إلحاق الصغار بالمسلمين فلم يجز من غير ضرورة" (٤). الدليل الثاني: النصوص الواردة في النهي عن الهوان والذلة، ومنها: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٥)، وفي اشتراط دفع المال للكفار إهانة

стр. 241

لا يقبلها الإسلام (١)، وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢)، ومن المعلوم أن دفع المال للكفار بدون ضرورة ذلة لا عزة. الدليل الثالث: أن إعطاء المال للكفار في حال عدم الضرورة عكس مصلحة الشرع؛ لأن اللَّه شرع أخذ الجزية منهم، وفي إعطائها وأشباهها لهم إلحاق الصغار والذل بالمسلمين (٣). فهذه الأدلة السابقة وغيرها تدل على عدم جواز دفع المال إلى الكفار في حال قوة المسلمين، أما في حال استضعاف الدولة الإسلامية واضطرارها إلى دفع المال إلى الكفار، فهل يجوز حينئذ ذلك. والجواب يتضح ببيان ما بحثه الفقهاء في مسألة اشتراط أهل الحرب على المسلمين دفع المال لهم في حال الضرورة والخوف واتفقوا على الجواز، بل ذهب بعضهم إلى الوجوب حال الضرورة بأن كانوا يعذبون الأسرى ففديناهم، أو حالة الحصار وخوف الاصْطِلام (٤). واستدلوا لذلك بما يلي: الدليل الأول: فعله ﷺ يوم الأحزاب فقد شاور أصحابه في أن يصالح غَطفان على شطر ثمار المدينة، ليكفوا عن المدينة ويفرق الأحزاب وكتب بذلك صحيفة (٥).

стр. 242

فدل هذا على جواز الموادعة مع الكفار ولو بدفع مال لهم عند الضعف، وأما عند القوة فلا تجوز؛ لأنه لما قالت الأنصار ما قالت، عَلِمَ رسول اللَّه ﷺ منهم القوة فشق الصحيفة، ودل على أن دفع المال للكفار فيه معنى الاستذلال، ولأجله كرهت الأنصار دفع بعض الثمار، والاستذلال لا يجوز أن يرضى به المسلمون إلا عند تحقق الضرورة (١). الدليل الثاني: أن في دفع المال للكفار في حال الاستضعاف وتحقق الضرورة دفعًا لشر الكفرة الحال، وفرصة للاستعداد لمواجهتهم في المستقبل، فيكون دفعًا لأعلى المفسدتين (٢)، وفي هذا إعمال لقاعدة: "الضرر الأشدُ يُزال بالضرر الأخف" (٣). قال ابن العربي ﵀ (٤): "قال علماؤنا: أوجب اللَّه سبحانه في هذه الآية (٥) القتال؛ لاستنقاذ الأسرى من يد العدو مع ما في القتال من تلف النفس، فكان بذل المال في فدائهم أوجب، لكونه دون النفس وأهون منها" (٦).

стр. 243

فإن قيل: إن في دفع المال للكفار إعانة لهم على المعصية. أجيب: بأنه: "قد يجوز الإعانة على المعصية لا لكونها معصيةً، بل لكونها وسيلةً إلى تَحصيل المصلحة الراجحة، وكذلك إذا حصل بالإعانة مصلحةٌ تَرْبُو على مصلحة تفويتِ المفسدة كما تُبْذَلُ الأموال في فِدَى الأسرى الأحرار المسلمين من أيدي الكفرة والفجرة" (١). فإن قيل: إن في دفع المال لهم صغار وذل للمسلمين. أجيب: بأن بذل "المال إن كان فيه صغار فإنه يجوز تحمله؛ لدفع صغار أعظم منه، وهو القتل والأسر وسبي الذرية الذين يفضي سبيهم إلى كفرهم" (٢). وخلاصة هذه المسألة: جواز دفع المال للدولة الكافرة عند اضطرار المستضعفين لذلك، ورأى الإمام أن هذا الصلح خير للمسلمين فحينئذ لا بأس بأن يفعله (٣)، وبعض الفقهاء اشترط خشية الإبادة ولم يكتف بالضرورة، قال الجويني ﵀ (٤): "فأي مقدار للأموال في هجوم أمثال هذه الأهوال لو مست إليها الحاجة، وأموال الدنيا لو قوبلت بقطرة دم لم تعدلها ولم توازها. . فالأموال في هذا المقام من المستحقرات. . وأموال العالمين

стр. 244

لا تقابل وطأة الكفار في قرية من قرى الديار، وفيها سفك دم المسلمين وامتداد يد إلى الحرم" (١). إلا أن الواجب أن تدفع الأموال للإعداد قبل أن تمتد الأخطار ثم تدفع الأموال للكفار، كما أن الواجب "أن يكون الخطر واقعًا محققًا وليس فرضيًا ومحتملًا، كما يجب أن يكون تقدير القوى لدى المسلمين والكفار قريبًا من الواقع إلى أقصى حد وليس تقديرًا مبنيًا على المبالغة والتهويل" (٢)، والأمة الإسلامية موعودة بالنصر والتمكين إن أخذت الأسباب، والأعداء لا تقف مطالبهم عند حد. * * *

стр. 245

المبحث الثالث تعطيل (١) الحدود فى حال الاستضعاف قد تتعرض الدولة الإسلامية -كما هو حاصل في واقعنا المعاصر في كثير من الدول الإسلامية والعربية- إلى ضغوط بسبب إقامتها للحدود الشرعية أو لمنعها من إقامة الحدود وتطبيق الشريعة الإسلامية، وقد تمتد هذه الضغوط لتشمل عقوبات اقتصادية كقطع المساعدات ووقف القروض، أو مقاطعة سياسية، بل ولربما تعرضت الدولة الإسلامية للحصار أو الحرب أو إسقاط النظام فيها عبر وسائل متعددة كافتعال الأزمات وغيرها (٢)، فهل يجوز للدولة الإسلامية المستضعفة أن تتوقف عن إقامة الحدود أو تسقط العمل بها، هذا ما سوف يناقشه هذا المبحث، من خلال المطالب التالية: المطلب الأول تعريف الحدود وفيه فرعان: الفرع الأول: تعريف الحدود لغة: الحدود جمع حد وهو: الفصل بين الشيئين لئلا يختلط أحدهما بالآخر أو لئلا يتعدى أحدهما على الآخر وجمعه حدود، ومن معانيه المنع، يقال: حد الرجل عن الشر يَحُدُّه إذا منعه وحبسه عنه، ومنه الحدود المقدرة في الشرع لأنها تمنع من الإقدام (٣).

стр. 246

الفرع الثاني: تعريف الحدود اصطلاحًا: تنوعت عبارات الفقهاء في تعريف الحد، ولكنها كلها تدور حول العقوبات المقدرة والواجبة لحق اللَّه تعالى، وبالتالي يمكن تعريف الحد اصطلاحًا بأنه: عقُوبَةٌ مُقَدَّرَةٌ وَجَبَتْ حَقًّا للَّهِ تَعَالَى (١). * * * المطلب الثاني الحكمة من الحدود وأهميتها إن الشريعة الإسلامية جاءت بالعقائد والمبادىء والقيم والأخلاق والأحكام التي تنظم المجتمع المسلم في كافة شؤونه وجوانبه وتعاملاته، ثم جاءت بعد ذلك بالحدود والعقوبات كسياج يحمي ذلك المجتمع ويحافظ على مكتسباته في كافة الجوانب، وإن لم تطبق تلك الحدود فإن المكتسبات سوف تضيع وتتلاشى شيئًا فشيئًا، لذا احتاج الأمر إلى الحزم وعدم الرأفة وهو في هذا الموضع رحمة للجاني، ورحمة للمجتمع، فإقامة الحدود "يحصل بها النجاة لمن أقامها وأقيمت عليه وإلا هلك العاصي بالمعصية والساكت بالرضا بها" (٢)، فليست الغاية من إقامة الحدود التشفي والانتقام وفرض السلطة والنظام، قال ابن تيمية ﵀: "فإن إقامة الحد من العبادات، كالجهاد في سبيل اللَّه، فينبغي أن يعرف أن إقامة الحدود رحمة من اللَّه بعباده، فيكون الوالي شديدًا في إقامة الحد لا تأخذه رأفة في دين اللَّه فيعطله، ويكون

стр. 247

قصده رحمة الخلق بكف الناس عن المنكرات، لا شفاء غيظه وإرادة العلو على الخلق، بمنزلة الوالد إذا أدب ولده، فإنه لو كف عن تأديب ولده كما تشير به الأم رقة ورأفة لفسد الولد، وإنما يؤدبه رحمة به وإصلاحًا لحاله، مع أنه يود ويؤثر أن لا يحوجه إلى تأديب، فهكذا شرعت الحدود، وهكذا ينبغي أن تكون نية الوالي في إقامتها فإنه متى كان قصده صلاح الرعية، والنهى عن المنكرات بجلب المنفعة لهم ودفع المضرة عنهم، وابتغى بذلك وجه اللَّه تعالى وطاعة أمره، ألان اللَّه له القلوب، وتيسرت له أسباب الخير، وكفاه العقوبة البشرية، وقد يرضى المحدود إذا أقام عليه الحد، وأما إذا كان غرضه العلو عليهم، وإقامة رياسته ليعظموه، أو ليبذلوا له ما يريد من الأموال انعكس عليه مقصوده" (١). والحدود إنما سميت بذلك لأنها تمنع من ارتكاب الفواحش، وتحفظ الضرورات الخمس (٢)، قال ابن القيم ﵀: "فكان من بعض حكمته سبحانه ورحمته أن شرع العقوبات في الجنايات الواقعة بين الناس بعضهم على بعض في النفوس والأبدان والأعراض والأموال كالقتل والجراح والقذف والسرقة، فأحكم سبحانه وجوه الزجر الرادعة عن هذه الجنايات غاية الإحكام، وشرعها على أكمل الوجوه، المتضمنة لمصلحة الردع والزجر مع عدم المجاوزة لما يستحقه الجاني من الردع" (٣)، ليس هذا فحسب بل إن الحدود كفارة للجاني، قال الشاطبي ﵀: "إن المصلحة ليست الازدجار فقط، بل ثم أمر آخر، وهو كونها كفارة؛ لأن الحدود كفارات لأهلها، وإن كانت زجرًا أيضا على إيقاع

стр. 248

المفاسد" (١)، وإنما أجاز فقهاء الشافعية للسيد أن يقيم الحد على العبد بناء على أن إقامة الحدود من باب الإصلاح لا من باب الولاية (٢)، والذي يظهر أنها من باب الولاية والإصلاح معًا، وقد أجمعت الأمة على أنه ليس لآحاد الرعية إقامة الحدود على الجناة، بل أجمعوا على أنه لا يجوز إقامة الحدود على الأحرار الجناة إلا للإمام؛ لأن إقامة الحدود شأنها عظيم فلو تولاها غير الإمام لوقع النزاع (٣). وقد أشار النبي ﵊ إلى أهمية إقامة الحدود، بقوله ﷺ : (إِقَامَةُ حَدٍّ من حُدُودِ اللَّه خَيْرٌ من مَطَرِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً في بِلَادِ اللَّهِ (٤)؛ وذلك "لأن في إقامتها زجرًا للخلق عن المعاصي، وسببا لفتح أبواب السموات للمطر، وفي العفو عنها والتهاون بها انهماكًا لهم في الإثم، وسببا لأخذهم بالجدب والسنين، ولأن إقامتها عدل، والعدل خير من المطر، أو المطر يحيي الأرض، والعدل يحيي أهلها، ولأن دوام المطر قد يفسد وإقامتها صلاح محقق" (٥). قال ابن القيم ﵀: "اللَّه أوجب إقامة الحدود؛ سدًا للذريعة إلى الجرائم، إذا لم يكن عليها وازع طبيعي، وجعل مقادير عقوباتها وأجناسها وصفاتها

стр. 249

بحسب مفاسدها في نفسها، وقوة الداعي إليها وتقاضي الطباع لها" (١). هذه بعض الحكم من إقامة الحدود، ولهذا فإن إقامتها فرض على السلطان، قال الشافعي ﵀: "فإن الحد فرض على السلطان أن يقوم به، وإن تركه كان عاصيًا للَّه بتركه. والأدب أمر لم يبح له إلا بالرأي، وحلال له تركه، ألا ترى أن رسول اللَّه ﷺ قد ظهر على قوم أنهم قد غلوا في سبيل اللَّه فلم يعاقبهم؛ ولو كانت العقوبة تلزم لزوم الحد ما تركهم" (٢). * * * المطلب الثالث التمهيد إقامة الحدود إن مطالبة البعض بالتمهيد وتهيئة المجتمع لإقامة الحدود لكي تعطي ثمارها والنتائج المرجوة منها، وذلك بإصلاح الحكومات، وبتعيين الصالحين، وإصلاح المجتمع، وإعادة النظر في المناهج التعليمية، والاستفادة من وسائل الإعلام، وتنشئة الأفراد تنشئة صالحة بالتربية الإسلامية (٣)، مطلب واقعي ومنطقي، إلا أنه ينبغي التأكيد على ما يلي:

стр. 250

١ - أن ليس كل من يُطالب بهذا المطلب ينطلق من منطلق شرعي، بل إن البعض قد يُطالب بذلك لجهله بالأحكام الشرعية والحدود والعقوبات في الشريعة الإسلامية ومزاياها وآثارها الإيجابية، وهنا يبرز دور علماء الأمة والدعاة وطلبة العلم والمفكرين في البيان والتوضيح والتواصل مع هؤلاء. ٢ - أن هذا المطلب قد يتناسب مع تلك المجتمعات التي تم تغييب الأحكام الشرعية عنها منذ سنين، إلا أنه لا ينطبق على المجتمعات التي تحكم بالشريعة الإسلامية. ٣ - أن المجتمعات الإسلامية بعامة مُهيأة لقبول الأحكام الشرعية، وهذا هو الأصل والعمل بالقوانين الوضعية هو الأمر الطارىء والدخيل، بل إن تطبيق الأحكام الشرعية هو ما تُطالب به الشعوب، وبالتالي فإن مدة التمهيد هذه -إن كان المجتمع بحاجة لها- لا ينبغي أن تطول، ولا أن تؤدي إلى إسقاط حقوق الأفراد وضياعها تحت ستار التمهيد. ٤ - أن عهد التدرج في التشريع قد انتهى، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١)، فإن "الشريعة جاءت كاملة لا تحتمل الزيادة ولا النقصان" (٢)، "ولا معنى للإكمال إلا وفاء النصوص بما يحتاج إليه أهل الشرع إما بالنص على كل فرد فرد، أو باندراج ما يحتاج إليه تحت العمومات الشاملة" (٣)، فإن كان عهد التدرج في التشريع قد انتهى إلا أن التدرج
следующие страницы →