← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 17438

الاستضعاف وأحكامه في الفقه الإسلامي

زياد بن عابد المشوخي

Полный текст (432 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الفرع الثاني: تعريف الحدود اصطلاحًا: تنوعت عبارات الفقهاء في تعريف الحد، ولكنها كلها تدور حول العقوبات المقدرة والواجبة لحق اللَّه تعالى، وبالتالي يمكن تعريف الحد اصطلاحًا بأنه: عقُوبَةٌ مُقَدَّرَةٌ وَجَبَتْ حَقًّا للَّهِ تَعَالَى (١). * * * المطلب الثاني الحكمة من الحدود وأهميتها إن الشريعة الإسلامية جاءت بالعقائد والمبادىء والقيم والأخلاق والأحكام التي تنظم المجتمع المسلم في كافة شؤونه وجوانبه وتعاملاته، ثم جاءت بعد ذلك بالحدود والعقوبات كسياج يحمي ذلك المجتمع ويحافظ على مكتسباته في كافة الجوانب، وإن لم تطبق تلك الحدود فإن المكتسبات سوف تضيع وتتلاشى شيئًا فشيئًا، لذا احتاج الأمر إلى الحزم وعدم الرأفة وهو في هذا الموضع رحمة للجاني، ورحمة للمجتمع، فإقامة الحدود "يحصل بها النجاة لمن أقامها وأقيمت عليه وإلا هلك العاصي بالمعصية والساكت بالرضا بها" (٢)، فليست الغاية من إقامة الحدود التشفي والانتقام وفرض السلطة والنظام، قال ابن تيمية ﵀: "فإن إقامة الحد من العبادات، كالجهاد في سبيل اللَّه، فينبغي أن يعرف أن إقامة الحدود رحمة من اللَّه بعباده، فيكون الوالي شديدًا في إقامة الحد لا تأخذه رأفة في دين اللَّه فيعطله، ويكون

стр. 247

قصده رحمة الخلق بكف الناس عن المنكرات، لا شفاء غيظه وإرادة العلو على الخلق، بمنزلة الوالد إذا أدب ولده، فإنه لو كف عن تأديب ولده كما تشير به الأم رقة ورأفة لفسد الولد، وإنما يؤدبه رحمة به وإصلاحًا لحاله، مع أنه يود ويؤثر أن لا يحوجه إلى تأديب، فهكذا شرعت الحدود، وهكذا ينبغي أن تكون نية الوالي في إقامتها فإنه متى كان قصده صلاح الرعية، والنهى عن المنكرات بجلب المنفعة لهم ودفع المضرة عنهم، وابتغى بذلك وجه اللَّه تعالى وطاعة أمره، ألان اللَّه له القلوب، وتيسرت له أسباب الخير، وكفاه العقوبة البشرية، وقد يرضى المحدود إذا أقام عليه الحد، وأما إذا كان غرضه العلو عليهم، وإقامة رياسته ليعظموه، أو ليبذلوا له ما يريد من الأموال انعكس عليه مقصوده" (١). والحدود إنما سميت بذلك لأنها تمنع من ارتكاب الفواحش، وتحفظ الضرورات الخمس (٢)، قال ابن القيم ﵀: "فكان من بعض حكمته سبحانه ورحمته أن شرع العقوبات في الجنايات الواقعة بين الناس بعضهم على بعض في النفوس والأبدان والأعراض والأموال كالقتل والجراح والقذف والسرقة، فأحكم سبحانه وجوه الزجر الرادعة عن هذه الجنايات غاية الإحكام، وشرعها على أكمل الوجوه، المتضمنة لمصلحة الردع والزجر مع عدم المجاوزة لما يستحقه الجاني من الردع" (٣)، ليس هذا فحسب بل إن الحدود كفارة للجاني، قال الشاطبي ﵀: "إن المصلحة ليست الازدجار فقط، بل ثم أمر آخر، وهو كونها كفارة؛ لأن الحدود كفارات لأهلها، وإن كانت زجرًا أيضا على إيقاع

стр. 248

المفاسد" (١)، وإنما أجاز فقهاء الشافعية للسيد أن يقيم الحد على العبد بناء على أن إقامة الحدود من باب الإصلاح لا من باب الولاية (٢)، والذي يظهر أنها من باب الولاية والإصلاح معًا، وقد أجمعت الأمة على أنه ليس لآحاد الرعية إقامة الحدود على الجناة، بل أجمعوا على أنه لا يجوز إقامة الحدود على الأحرار الجناة إلا للإمام؛ لأن إقامة الحدود شأنها عظيم فلو تولاها غير الإمام لوقع النزاع (٣). وقد أشار النبي ﵊ إلى أهمية إقامة الحدود، بقوله ﷺ : (إِقَامَةُ حَدٍّ من حُدُودِ اللَّه خَيْرٌ من مَطَرِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً في بِلَادِ اللَّهِ (٤)؛ وذلك "لأن في إقامتها زجرًا للخلق عن المعاصي، وسببا لفتح أبواب السموات للمطر، وفي العفو عنها والتهاون بها انهماكًا لهم في الإثم، وسببا لأخذهم بالجدب والسنين، ولأن إقامتها عدل، والعدل خير من المطر، أو المطر يحيي الأرض، والعدل يحيي أهلها، ولأن دوام المطر قد يفسد وإقامتها صلاح محقق" (٥). قال ابن القيم ﵀: "اللَّه أوجب إقامة الحدود؛ سدًا للذريعة إلى الجرائم، إذا لم يكن عليها وازع طبيعي، وجعل مقادير عقوباتها وأجناسها وصفاتها

стр. 249

بحسب مفاسدها في نفسها، وقوة الداعي إليها وتقاضي الطباع لها" (١). هذه بعض الحكم من إقامة الحدود، ولهذا فإن إقامتها فرض على السلطان، قال الشافعي ﵀: "فإن الحد فرض على السلطان أن يقوم به، وإن تركه كان عاصيًا للَّه بتركه. والأدب أمر لم يبح له إلا بالرأي، وحلال له تركه، ألا ترى أن رسول اللَّه ﷺ قد ظهر على قوم أنهم قد غلوا في سبيل اللَّه فلم يعاقبهم؛ ولو كانت العقوبة تلزم لزوم الحد ما تركهم" (٢). * * * المطلب الثالث التمهيد إقامة الحدود إن مطالبة البعض بالتمهيد وتهيئة المجتمع لإقامة الحدود لكي تعطي ثمارها والنتائج المرجوة منها، وذلك بإصلاح الحكومات، وبتعيين الصالحين، وإصلاح المجتمع، وإعادة النظر في المناهج التعليمية، والاستفادة من وسائل الإعلام، وتنشئة الأفراد تنشئة صالحة بالتربية الإسلامية (٣)، مطلب واقعي ومنطقي، إلا أنه ينبغي التأكيد على ما يلي:

стр. 250

١ - أن ليس كل من يُطالب بهذا المطلب ينطلق من منطلق شرعي، بل إن البعض قد يُطالب بذلك لجهله بالأحكام الشرعية والحدود والعقوبات في الشريعة الإسلامية ومزاياها وآثارها الإيجابية، وهنا يبرز دور علماء الأمة والدعاة وطلبة العلم والمفكرين في البيان والتوضيح والتواصل مع هؤلاء. ٢ - أن هذا المطلب قد يتناسب مع تلك المجتمعات التي تم تغييب الأحكام الشرعية عنها منذ سنين، إلا أنه لا ينطبق على المجتمعات التي تحكم بالشريعة الإسلامية. ٣ - أن المجتمعات الإسلامية بعامة مُهيأة لقبول الأحكام الشرعية، وهذا هو الأصل والعمل بالقوانين الوضعية هو الأمر الطارىء والدخيل، بل إن تطبيق الأحكام الشرعية هو ما تُطالب به الشعوب، وبالتالي فإن مدة التمهيد هذه -إن كان المجتمع بحاجة لها- لا ينبغي أن تطول، ولا أن تؤدي إلى إسقاط حقوق الأفراد وضياعها تحت ستار التمهيد. ٤ - أن عهد التدرج في التشريع قد انتهى، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١)، فإن "الشريعة جاءت كاملة لا تحتمل الزيادة ولا النقصان" (٢)، "ولا معنى للإكمال إلا وفاء النصوص بما يحتاج إليه أهل الشرع إما بالنص على كل فرد فرد، أو باندراج ما يحتاج إليه تحت العمومات الشاملة" (٣)، فإن كان عهد التدرج في التشريع قد انتهى إلا أن التدرج

стр. 251

باق في تطبيق هذا التشريع وهو من باب تقديم الأهم على المهم، والبدء بالأيسر فالأيسر وهو ما يشهد له الأدلة الشرعية ومنها: ما رواه ابْنِ عَبَّاسٍ أَنّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ، فَقَالَ: (إِنَّكَ تَقْدُمُ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَلْيَكُنْ أَوَّلُ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةَ اللَّهِ، فَإِذَا عَرَفُوا اللَّه فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ اللَّه قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ، فَإِذَا فَعَلُوا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّه فَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ تُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِذَا أَطَاعُوا بِهَا فَخُذْ مِنْهُمْ، وَتَوَقَّ كِرَامَ أَمْوَالِهمْ) (١). ومنها: ما روته عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: (بَايَعْنَا النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَرَأَ عَلَيْنَا: ﴿أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾، وَنَهَانَا عَنِ النِّيَاحَةِ، فَقَبَضَتِ امْرَأَةٌ مِنَّا يَدَهَا، فَقَالَتْ: فُلانَةُ أَسْعَدَتْنِي (٢)، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَجْزِيَهَا، فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا، فَذَهَبَتْ ثُمَّ رَجَعَتْ) (٣). ووجه الدلالة: أن النبي ﷺ قبل منها تأخير المبايعة وارتكابها هذا المحرم وهو دفع الأجرة على النياحة لتأليف قلبها، وقلب المرأة الأخرى، وهذا هو التدرج في التطبيق. ٥ - إن على الدولة الإسلامية في حال الاستضعاف التدرج في تطبيق الأحكام بعد تهيئة المجتمع وتحصين الجبهة الداخلية أولًا، مما يعينها على الصمود ومواجهة الضغوط الخارجية.

стр. 252

فإن قيل: هل لهذا التفريق بين المجتمعات التي يُحكم فيها بالإسلام وتطبق فيها الحدود والأحكام الشرعية كلها أو بعضها، وتلك التي لا علاقة لها بالإسلام ولا معرفة لها به، أو التي غُيب عنها الحكم بالأحكام الشرعية حتى غدت كأنها مجتمعات جديدة الدخول في الإسلام، هل لهذا التفريق أصل شرعي أو دليل؟ والجواب على هذا بما ورد عن النبي ﷺ أن وفد ثَقِيفٍ لما قَدِمُوا عليه أنزلهم المسجد؛ ليكون أرَقَّ لقلوبهم، فَاشْتَرَطُوا عليه أن لا يُحْشَرُوا، ولا يُعْشَرُوا، ولا يُجَبَّوْا، فقال رسول اللَّه ﷺ : (لكم أن لا تُحْشَرُوا، ولا تُعْشَرُوا، ولا خير في دين ليس فيه ركوع) (١). وقد أنزلهم النبي ﷺ في المسجد ليكون أكثر إلانة لقلوبهم بسبب رؤيتهم المسلمين وخشوعهم واجتماعهم وعبادتهم للخالق ، ولكنهم شرطوا ألا يحشروا أي: ألا يندبون إلى الغزو والجهاد، كما شرطوا ألا يُعشَرُوا أي: لا يؤخذ عشر أموالهم، فوافقهم النبي على ذلك، وشرطوا ألا يجبوا -بالجيم وشد الموحدة- أي: أن يركعوا، وأرادوا أن لا يصلوا فلم يجبهم على ذلك. وإنما سمح لهم بترك الجهاد وترك الصدقة؛ لأنهما لم يكونا واجبين في العاجل، بل بحضور العدو أو بحول الحول، بخلاف الصلاة فهي واجبة في كل يوم وليلة فلم يجز أن يشترطوا تركها (٢).

стр. 253

وقد أشكلت هذه الشروط على بعض التابعين فسأل جابر ﵁ عن شأن ثقيف إذ بايعت، قال: اشترطت على النبي ﷺ أن لا صدقة عليها، ولا جهاد، وأنه سمع النبي ﷺ بعد ذلك يقول: (سَيَتَصَدَّقُونَ وَيُجَاهِدُونَ إِذَا أَسْلَمُوا) (١)، وفي هذا الحديث دليل على جواز مبايعة الكافر وقبول الإسلام منه، وإن شرط شرطًا باطلًا (٢)، وقد قبل الرسول ﵊ هذا التدرج في حال قوة الإسلام، فالحاجة إلى التدرج في حال الاستضعاف أولى، وإن كان هذا الاشتراط مقبولًا ممن دخل في الإسلام حديثًا، ويُرجى منه صلاح حاله وتعرفه على شرائعه، فإنه مع هذا لم يقبل منهم ترك الصلاة، ومثل هذا الاشتراط لا يصح من المسلمين، ولهذا قاتل الصحابة ﵃ المرتدين على ترك الزكاة، ودل على الحديث على جواز التفريق بين المجتمعات التي دخلها الإسلام حديثًا وتلك التي تطبق الأحكام الشرعية. * * * المطلب الرابع استبدال الحدود عند وقوع الاستضعاف قد يُطالب البعض استبدال الحدود بوسائل أخرى من العقوبات وذلك بحسب الزمان والمكان، ولربما استدل هؤلاء لرأيهم بالمصلحة أو غيرها، وقد رد الجويني ﵀ على ذلك بقوله: "لسنا نرى أولًا إقامة السياط مقام الأحجار، فإن الحدود لا تتغير كيفياتها ولا تبدل آلاتها" (٣).

стр. 254

قال ابن القيم ﵀: "الأحكام نوعان: نوع: لا يتغير عن حالة واحدة هو عليها لا بحسب الأزمنة ولا الأمكنة ولا اجتهاد الأئمة، كوجوب الواجبات وتحريم المحرمات والحدود المقدرة بالشرع على الجرائم ونحو ذلك، فهذا لا يتطرق إليه تغيير، ولا اجتهاد يخالف ما وضع عليه. والنوع الثاني: ما يتغير بحسب اقتضاء المصلحة له زمانًا ومكانًا وحالًا كمقادير التعزيرات وأجناسها وصفاتها، فإن الشارع ينوع فيها بحسب المصلحة، فشرع التعزير بالقتل لمدمن الخمر في المرة الرابعة، وعزم على التعزير بتحريق البيوت على المتخلف عن حضور الجماعة، لولا ما منعه من تعدي العقوبة إلى غير من يستحقها من النساء والذرية، وعزر بحرمان النصيب المستحق من السلب، وأخبر عن تعزير مانع الزكاة بأخذ شطر ماله" (١). وقال ابن تيمية ﵀: "وللشريعة أسرار في سد الفساد وحسم مادة الشر؛ لعلم الشارع بما جُبلت عليه النفوس، وبما يخفي على الناس من خفى هداها الذي لا يزال يسري فيها حتى يقودها إلى الهلكة، فمن تحذلق على الشارع واعتقد في بعض المحرمات أنه إنما حرم لعلة كذا وتلك العلة مقصودة فيه فاستباحه بهذا التأويل، فهو ظلوم لنفسه جهول بأمر ربه، وهو إن نجا من الكفر لم ينج غالبا من بدعة أو فسق أو قلة فقه في الدين وعدم بصيرة، أما شواهد هذه القاعدة فأكثر من أن تحصر. . . إن اللَّه سبحانه أوجب إقامة الحدود سدا للتذرع إلى المعاصي، إذا لم يكن عليها زاجر، وإن كانت العقوبات من جنس الشر، ولهذا لم تشرع الحدود إلا في معصية تتقاضاها الطباع، كالزنا والشرب والسرقة والقذف، دون أكل الميتة والرمي بالكفر ونحو ذلك، فإنه اكتفى فيه بالتعزير، ثم إنه أوجب على السلطان إقامة الحدود إذا رُفعت إليه الجريمة وإن تاب العاصي عند ذلك وإن

стр. 255

غلب على ظنه أنه لا يعود إليها؛ لئلا يُفضي ترك الحد بهذا السبب إلى تعطيل الحدود مع العلم بأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له" (١). ولهذا فإن مثل هذا الاستبدال في الحدود أو المطالبة به مع اعتقاد عدم صلاحية أحكام اللَّه ورسوله ﷺ لكل زمان قد يخرج صاحبه من الملة، وإن تأجيل إقامة الحد أقل ضررًا من التحاكم إلى الطاغوت، "فكل من خرج عن سنة رسول اللَّه ﷺ وشريعته فقد أقسم اللَّه بنفسه المقدسة أنه لا يؤمن حتى يرضى بحكم رسول اللَّه في جميع ما يشجر بينهم من أمور الدين والدنيا، وحتى لا يبقى في قلوبهم حرج من حكمه، ودلائل القرآن على هذا الأصل كثيرة، وبذلك جاءت سنة رسول اللَّه وسنة خلفائه الراشدين" (٢)، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٣)، "وهذا نص في تكفير من لم يرض بحكم الرسول ﵊. . قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٤)، وهذا يدل على أن مخالفته معصية عظيمة وفي هذه الآيات دلائل على أن من رد شيئا من أوامر اللَّه أو أوامر الرسول ﵊ فهو خارج عن الإسلام سواء رده من جهة الشك أو من جهة التمرد وذلك يوجب صحة ما ذهبت الصحابة إليه من الحكم بارتداد مانعي الزكاة وقتلهم وسبي ذراريهم" (٥).

стр. 256

وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢)، "فعلى جميع الخلق أن يحكموا رسول اللَّه خاتم النبيين وأفضل المرسلين وأكرم الخلق على اللَّه، ليس لأحد أن يخرج عن حكمه في شيء سواء كان من العلماء أو الملوك أو الشيوخ أو غيرهم" (٣). فإن قيل: إن الحدود تدرأ بالشبهات (٤) وذلك في حال القوة، فالقول باستبدالها في حال الضعف أيسر من درئها. والجواب عن هذا بأنه قياس فاسد؛ لأن درء الحدود بالشبهات مما جاءت به الشريعة، فهو جزء من تطبيق الشريعة وأحكامها، أما تعطيل الحدود فقد منعت منه الشريعة، كما أن الدرء ليس كاستبدال الحدود بأحكام جديدة بعد اكتمال الدين، كما أنه ليس كإضعاف الغرم الذي قال به الفقهاء، قال الإمام أحمد ﵀: "وكل من درأنا عنه الحد والقود، أضعفنا عليه الغرم" (٥). ودرء الحدود بالشبهات مما خُولف فيه الدليل بالتأويل، أما استبدال الحد فهو مخالفة للدليل بلا تأويل سائغ شرعًا (٦).

стр. 257

كما أن درء الحدود بالشبهات على فرض صحته، لا يثبت به مثل هذا الأمر العظيم الذي يفضي إلى التحاكم لغير حكم اللَّه (١)، وليس هذا مجال العمل به. وليست كل الشبهات تدرأ الحد، بل "الشبهة إذا كانت محتملة فهي التي توجب ذلك، أما لو لم تكن محتملة فليست شبهة، بل هي دلسة وقع بها التذرع إلى إسقاط ما شرعه اللَّه من الحدود" (٢). قال ابن القيم ﵀: "الحدود جعلها اللَّه تعالى زواجر للنفوس وعقوبة ونكالًا وتطهيرًا، فشرعها من أعظم مصالح العباد في المعاش والمعاد، بل لا تتم سياسة ملك من ملوك الأرض إلا بزواجر وعقوبات لأرباب الجرائم، ومعلوم ما في التحيل لإسقاطها من منافاة هذا الغرض وإبطاله، وتسليط النفوس الشريرة على تلك الجنايات، إذا علمت أن لها طريقًا إلى إبطال عقوباتها فيها، وأنها تسقط تلك العقوبات بأدنى الحيل، فإنه لا فرق عندها البتة بين أن تعلم أنه لا عقوبة عليها فيها وبين أن تعلم أن لها عقوبة وأن لها إسقاطها بأدنى الحيل" (٣). وإن استبدال الحدود والعقوبات الشرعية بأي عقوبات وضعية لن يحقق المراد، ولن يفي بالغرض، وإنما سيؤدي إلى نتائج عكسية، قال ابن تيمية ﵀: "وقد أجمع المسلمون على أن تعطيل الحد بمال يؤخذ أو غيره لا يجوز، وأجمعوا على أن المال المأخوذ من الزاني والسارق والشارب والمحارب وقاطع الطريق ونحو ذلك لتعطيل الحد مال سحت خبيث كثير مما يوجد من فساد أمور الناس، إنما هو لتعطيل الحد بمال أو جاه، وهذا من

стр. 258

أكبر الأسباب التي هي فساد أهل البوادي والقرى والأمصار من الأعراب والتركمان والأكراد والفلاحين وأهل الأهواء كقيس ويمن وأهل الحاضرة من رؤساء الناس وأغنيائهم وفقرائهم وأمراء الناس ومقدميهم وجندهم، وهو سبب سقوط حرمة المتولي، وسقوط قدره من القلوب وانحلال أمره" (١). وخلاصة ما سبق عدم جواز استبدال الحدود، وأن درء الحدود بالشبهات أمر مختلف عن استبدال الحدود، وكذلك التدرج في التطبيق مختلف عن الاستبدال. * * * المطلب الخامس الفرق بين تعطيل الحدود وتعطيل التعازير إن للحدود الشرعية خصوصيتها فهي ليست كسائر العقوبات، ويتضح الفرق بكون العقوبات والتعازير يحق للإمام تعطيلها إذا رأى الإمام المصلحة في ذلك، بخلاف الحدود، وهذه جملة من نصوص الفقهاء تبين هذا الفرق بينهما. قال الإمام الشافعي ﵀: "إن العقوبات غير الحدود، فأما الحدود فلا تعطل بحال، وأما العقوبات فللإمام تركها على الاجتهاد" (٢). وقال القرافي ﵀: "الحد مُقدر شرعًا، والتعزير غير مقدر شرعًا، بل قد اتفقوا على عدم تحديد أقله، واختلفوا في تحديد أكثره، فعندنا هو غير محدود، بل بحسب الجناية والجاني والمجني عليه" (٣).

стр. 259

ويوضح السرخسي سبب التفريق بينهما بقوله: "لأن الحدود زواجر، والزواجر مشروعة حقًا للَّه تعالى، فأما ما يكون حقًا للعبد فهو في الأصل جائز، فما أوجب من العقوبات حقًا للعبد وجب باسم القصاص الذي ينبىء عن المساواة؛ ليكون إشارة إلى معنى الجبر، وما أوجب باسم الحد فهو حق اللَّه تعالى، وفي هذا الاسم إشارة إلى معنى الزجر" (١). وقال ابن حزم ﵀: "إن الحدود ليست موكولة إلى اختيار أحد إن شاء أقامها وإن شاء عطلها، بل هي واجبة للَّه تعالى وحده، لا خيار فيها لأحد، ولا حكم، وأما الدماء فهي موكولة إلى اختيار الولي إن شاء استقاد، وإن شاء عفا، فبطل أن تكون من الحدود وصح أنها من حقوق الناس" (٢). قال ابن قدامة ﵀: "القتل لو وجب لحق اللَّه تعالى لم يخير الإمام فيه كقطع السارق وكما لو انفرد بأخذ المال، ولأن الحدود للَّه تعالى إذا كان فيها قتل سقط ما دونه كما لو سرق وزنى وهو محصن" (٣). قال الجصاص ﵀: "لا يجوز تعطيل الحدود بعد ثبوتها عند من يقيمها، وقد يجوز ترك التعزير على حسب ما يرى الإمام فيه من المصلحة" (٤). ولعل في هذه العبارات ما يكفي لإيضاح الفرق بين العقوبات والحدود من جهة التعطيل أو عدمه. وخلاصة هذا المطلب أن الدولة الإسلامية إذا وقعت في حالة استضعاف -وفق الشروط المعتبرة لذلك- جاز للحاكم تعطيل العقوبات والتعازير.

стр. 260

المطلب السادس الحدود عام الرمادة والمراد بالرمادة أي: الهلاك، ويقال: رمد القوم رمدًا هلكوا، وسُميت الرمادة بذلك؛ لأن الأرض كانت قد اغبرت من شدة الجدب، واسودت من قلة المطر حتى عاد لونها شبيها بالرماد، وكان الغبار يرتفع بين السماء والأرض كالرماد، واستمرت مدة ست سنين، وذلك في سنة ثمان عشرة (١). وقد ورد عن عمر ﵁ قوله: (لا يُقطع في عذق ولا في عام سنة) (٢)، كما ورد عنه إسقاط الحد لوجود شبهة الاضطرار، وذلك لما سرق عبيد لعبد الرحمن بن حاطب (٣) بعيرًا فانتحروه فوجد عندهم جلده ورأسه، فرفع أمرهم إلى عمر بن الخطاب ﵁ فأمر بقطعهم فمكثوا ساعة -وما نرى إلا أن قد فرغ من قطعهم- ثم قال عمر: (علي بهم، ثم قال لعبد الرحمن: واللَّه إني لأراك تستعملهم، ثم تجيعهم، وتسيء إليهم، حتى لو وجدوا ما

стр. 261

حرم اللَّه عليهم لحل لهم، ثم قال لصاحب البعير: كم كنت تعطى لبعيرك؟ قال: أربع مئة درهم، قال لعبد الرحمن: قم فاغرم لهم ثمان مئة درهم) (١). ولما جاء عبد اللَّه بن عمرو بن الحضرمي (٢) لعمر ﵁ بغلام له ليقطع يده، قال: وما له؟ قال: سرق مرآة لامرأتي خير من ستين درهمًا، قال عمر: (غلامكم سرق متاعكم) (٣). ومثل هذا الفعل من عمر يُحمل على تعارض مصلحة حفظ الحياة مع مصلحة حفظ المال، فقدم الأولى على الثانية (٤)، أو للاشتباه بين من يسرق عدوانًا، وبين من يسرق اضطرارًا، والحدود تدرأ بالشبهات، فالحد لم يجب أصلًا لوجود الشبهة (٥). قال ابن القيم ﵀ في معرض حديثه عن فعل الفاروق ﵁: "وهذا محض القياس ومقتضي قواعد الشرع، فإن السنة إذا كانت سنة مجاعة وشدة غلب على الناس الحاجة والضرورة، فلا يكاد يسلم السارق من ضرورة تدعوه إلى ما يسد به رمقه" (٦). والفاروق ﵁ بعمله بهذه السياسة، إنما هو يعمل بوصية النبي ﷺ حين قال: (ادْفَعُوا الحُدُودَ ما وَجَدْتُمْ لهَا مَدْفَعًا) (٧)، "وعمر بن الخطاب ﵁ أعمل فقه الواقع

стр. 262

ببعديه هنا، فقه واقع النص، وفقه واقع التطبيق بالنظر إلى الظروف المحتفة بالواقعة، وحاجة الناس إلى الطعام، مما أورث شبهة أسقطت الحد" (١). وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : (ادرؤا الحدود ما استطعتم عن المسلمين، فإن وجدتم للمسلم مخرجًا فخلوا سبيله؛ فإن الإمام لأن يخطىء في العفو خير له من أن يخطىء في العقوبة) (٢).

стр. 263

وروي عن عمر بن الخطاب ﵁ قوله: (لئن أعطل الحدود بالشبهات أحب إلي من أن أقيمها بالشبهات) (١). وحديث درء الشبهات وإن كان ضعيفًا إلا أن العلماء تلقته بالقبول وبالتالي يجوز التخصيص به (٢)، وهذه النصوص وغيرها تبين أن على الأئمة أن يدفعوا الحدود بكل عذر ممكن، وشبهة معتبرة يمكن أن يدفع بها الحد، كما وقع منه ﵊ لماعز وغيره من تلقين الأعذار (٣). وخلاصة هذا المطلب أن عمر ﵁ لم يعطل الحدود، وأن درء الحدود بالشبهات ليس كتعطيلها سواءً لعدم القدرة على تطبيقها لوجود الاستضعاف أو لغيره من الأسباب. * * * المطلب السابع حالات جواز تعطيل الحدود لقد جاءت النصوص في التحذير من تعطيل الحدود، ومنها قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٥)، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٦).

стр. 264

كما أن الفقهاء "أجمعوا على أنه إذا بلغ الإمام لم تجز الشفاعة فيه؛ لأن ذلك إسقاط حق وجب للَّه تعالى" (١). ولأهمية إقامة الحدود فإن الفقهاء اتفقوا على مشروعية إقامتها حتى في حال غلبة أهل البغي، وأن أحكامهم لا تنقض، إلا ما كان خلافا للكتاب أو السنة أو الإجماع، كما ينقض من أحكام أهل العدل والسنة (٢)، قال ابن تيمية ﵀: "ومن النهي عن المنكر إقامة الحدود على من خرج من شريعة اللَّه، ويجب على أولي الأمر وهم علماء كل طائفة وأمراؤها ومشايخها أن يقوموا على عامتهم ويأمروهم بالمعروف وينهوهم عن المنكر" (٣). وبالرغم من أهمية إقامة الحدود، والنتائج السلبية والمخاطر المترتبة على تعطيلها أو تأجيلها، إلا أن العلماء ذكروا بعض الحالات التي يجوز معها تأجيل الحد، بل نقل ابن العربي ﵀ وغيره اتفاق الأمة على جواز تأخير القصاص إذا أدت إقامته إلى إثارة الفتنة أو تشتيت الكلمة. واستدلوا لهذا الحكم بأدلة منها: فعل النبي ﵊ إذ لم يحد عبد اللَّه بن أبي وقد كان رأس أصحاب الإفك، ومع هذا ترك حده لمصلحة هي أعظم من إقامته (٤). كما استدلوا بالخلاف الذي وقع بين الصحابة رضوان اللَّه عليهم في زمن خلافة علي ﵁، فقال ﵀: "لما بُويع له -أي: لعلي ﵁ طلب أهل الشام في شرط البيعة

стр. 265

التمكن من قتلة عثمان وأخذ القود منهم، فقال لهم علي ﵁: (ادخلوا في البيعة، واطلبوا الحق تصلوا إليه، فقالوا: لا تستحق بيعة وقتلة عثمان معك، تراهم صباحا ومساء)، فكان علي في ذلك أشد رأيًا وأصوب قولًا؛ لأن عليًا لو تعاطى القود منهم لتعصبت لهم قبائل، وصارت حربًا ثالثة، فانتظر بهم أن يستوثق الأمر، وتنعقد البيعة العامة، ويقع الطلب من الأولياء في مجلس الحكم، فيجري القضاء بالحق، ولا خلاف بين الأمة أنه يجوز للإمام تأخير القصاص، إذا أدى ذلك إلى إثارة الفتنة أو تشتيت الكلمة" (١). قال ابن حجر ﵀: "إن أحدًا لم ينقل أن عائشة ومن معها نازعوا عليًا في الخلافة، ولا دعوا إلى أحد منهم ليولوه الخلافة، وإنما أنكرت هي ومن معها على علي منعه من قتل قتلة عثمان، وترك الاقتصاص منهم، وكان علي ينتظر من أولياء عثمان أن يتحاكموا إليه، فإذا ثبت على أحد بعينه أنه ممن قتل عثمان اقتص منه، فاختلفوا بحسب ذلك، وخشي من نسب إليهم القتل أن يصطلحوا على قتلهم، فأنشبوا الحرب بينهم إلى أن كان ما كان" (٢). ففي حالة عدم استقرار الحكم لا يمكن إقامة الحدود، قال ابن تيمية ﵀ واصفًا حالة الحكم في زمن علي ﵁: "ولم يكن ممكنا من أن يعمل كل ما يُريده من إقامة الحدود ونحو ذلك؛ لكون الناس مختلفين عليه، وعسكره وأمراء عسكره غير مطيعين له في كل ما كان يأمرهم به، فإن التفرق والاختلاف يقوم فيه من أسباب الشر والفساد وتعطيل الأحكام ما يعلمه من يكون من أهل العلم العارفين بما جاء من النصوص في فضل الجماعة والإسلام" (٣)، فلم يكن تأجيل القصاص من قتلة عثمان ﵁ إلا من باب درء المفاسد بالرغم من مصلحة تنفيذ القصاص (٤).

стр. 266

ويذكر ابن قدامة ﵀ حالات أخرى لجواز تأخير إقامة الحد، وهي: "إنْ كَانَ بِالمُسْلِمِينَ حَاجَةٌ إلَى الْمَحْدُودِ، أَوْ قُوَّةٌ بِهِ، أَوْ شُغْلٌ عَنْهُ، أُخِّرَ" (١)، فعند الحاجة إلى هذا الشخص الذي وقع عليه الحد يعطل الحد، لمصلحة الجماعة، وكذلك إن كان به قوة تحول بين الدولة وبين تطبيق الحد عليه، أو انشغال المسلمين عنه بأمر أهم كهجوم عدو أو وقوع كارثة. ومما وقع فيه الخلط هنا: "أن معظم العاملين في الحقل الإسلامي -وبخاصة المتحمسين منهم- أعطوا عناية كبرى لقضية. . . "تطبيق الشريعة الإسلامية" يعنون الجانب القانوني من الشريعة ولا سيما في العقوبات أي الحدود والقصاص والتعازير. وهذا الجانب جزء من الإسلام ولا ريب، ولا يجوز إغفاله أو الإعراض عنه، ولكن المبالغة في المطالبة به، والحديث عنه واعتباره رأس الأمر وعموده وذروة سنامه، كان له آثار سيئة على التفكير الإسلامي والعمل الإسلامي، وآثار أخرى على أفكار الناس العاديين، واستغل ذلك خصوم الإسلام وشريعته ودعوته. وطالما قلت: إن القوانين وحدها لا تصنع المجتمعات، ولا تبني الأمم، إنما تصنع المجتمعات والأمم: التربية والثقافة ثم تأتي القوانين سياجًا وحماية. . فالواجب إذن أن تعطى هذه القضية حجمها الحقيقي من الفكر والعمل، وأن تعطى مساحات مناسبة للاشتغال والإعداد والمطالبة بـ"تربية إسلامية متكاملة معاصرة"" (٢). وإن كان هذا رأي بعض المعاصرين فإن ابن تيمية ﵀ تطرق لهذه المسألة بقوله: "والسنة أن يكون للمسلمين إمام واحد والباقون نوابه فإذا فرض أن الأمة خرجت عن ذلك لمعصية من بعضها وعجز من الباقين أو غير ذلك فكان لها عدة أئمة؛ لكان يجب على

стр. 267

كل إمام أن يقيم الحدود ويستوفي الحقوق، ولهذا قال العلماء إن أهل البغي ينفذ من أحكامهم ما ينفذ من أحكام أهل العدل، وكذلك لو شاركوا الإمارة، وصاروا أحزابا، لوجب على كل حزب فعل ذلك في أهل طاعتهم، فهذا عند تفرق الأمراء وتعددهم، وكذلك لو لم يتفرقوا لكن طاعتهم للأمير الكبير ليست طاعة تامة، فإن ذلك أيضا إذا اسقط عنه إلزامهم بذلك، لم يسقط عنهم القيام بذلك، بل عليهم أن يقيموا ذلك، وكذلك لو فرض عجز بعض الأمراء عن إقامة الحدود والحقوق أو إضاعته لذلك لكان ذلك الفرض على القادر عليه، وقول من قال لا يقيم الحدود إلا السلطان ونوابه إذا كانوا قادرين فاعلين بالعدل كما يقول الفقهاء الأمر إلى الحاكم إنما هو العادل القادر، فإذا كان مضيعا لأموال اليتامى أو عاجزا عنها لم يجب تسليمها إليه مع إمكان حفظها بدونه، وكذلك الأمير إذا كان مضيعا للحدود أو عاجزا عنها لم يجب تفويضها إليه مع إمكان إقامتها بدونه، والأصل أن هذه الواجبات تقام على أحسن الوجوه، فمتى أمكن إقامتها من أمير لم يحتج إلى اثنين، ومتى لم يقم إلا بعدد ومن غير سلطان أقيمت إذا لم يكن في إقامتها فساد يزيد على إضاعتها، فإنها من باب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فإن كان في ذلك من فساد ولاة الأمر أو الرعية ما يزيد على إضاعتها لم يدفع فساد بأفسد منه واللَّه اعلم" (١). إذًا فالحدود من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبالتالي إن ترتب على هذا الأمر بالمعروف منكر، أو ترتب على النهي عن المنكر منكر أعظم منه، فلا ينبغي الإقدام عليه. وخلاصة هذه المسألة: جواز تعطيل الحدود في حالة الاستضعاف، بشرط اتصال الاستضعاف بإقامة الحدود، بمعنى أن تكون إقامة الحدود سببًا من أسباب وقوع

стр. 268

الاستضعاف، ويشهد لصحة هذا أن النجاشي ﵀ لم يقم الحدود في الحبشة، بل لم يكن بإمكانه القيام بذلك لعدم وجود القوة الكافية للمسلمين، وعدم تمكنه من الملك، ولم يقدح هذا في إيمانه، إلا أنه ينبغي التأكيد على ما يلي: ١ - أن على الحاكم إقامة الحد متى ما كانت الفرصة مناسبة ليخرج من حالة الاستثناء ويعود إلى الأصل. ٢ - إن أمكن إقامة بعض الحدود دون بعض، وجب إقامة المقدور عليه منها؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ. .﴾ (١)، وقوله ﵊: (... دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ إِنَّمَا هَلَكَ من كان قَبْلكُمْ بِسُؤَالِهمْ وَاخْتِلَافِهِمْ على أَنْبِيَائِهِمْ فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عن شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (٢)، وكما هو معلوم فإن المقدور لا يسقط بالمعذور (٣). ٣ - إن أمكن إقامة بعض الحدود بطريقة لا تتسبب بالضرر على الدولة الإسلامية أو تأليب الأعداء عليها، فينبغي إقامة الحد، كأن تتم إقامته بحضور عدد محصور، ودون

стр. 269

الإعلان عنه في وسائل الإعلام، بل يُكتفى بإخبار الخصوم ونحوهم ممن يرى الحاكم المصلحة في حضوره أو إخباره. فإن قيل: إن اللَّه أمر بالإعلان عند إقامة الحد، فقال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١)، كما أن في الإعلان والشهود من الفوائد والحكم ما لا تتحقق بإقامته سرًا وبحضور العدد القليل من الناس، "والنص وإن ورد في حد الزنا لكن النص الوارد فيه يكون واردًا في سائر الحدود دلالة؛ لأن المقصود من الحدود كلها واحد وهو زجر العامة، وذلك لا يحصل إلا وأن تكون الإقامة على رأس العامة؛ لأن الحضور ينزجرون بأنفسهم بالمعاينة، وَالْغُيَّبَ يَنْزَجِرُون بإخبار الحضور فيحصل الزجر للكل، وكذا فيه منع الجلاد من المجاوزة عن الحد الذي جعل له؛ لأنه لو جاوز لمنعه الناس عن المجاوزة، وفيه أيضا دفع التهمة والميل فلا يتهمه الناس أن يقيم الحد عليه بلا جرم سبق منه" (٢). والجواب على هذا من عدة أوجه: أولًا: لا ننكر تحقق هذه المصالح من شهود الناس لتنفيذ الحكم وإعلانه، إلا أن هذه المصالح التي تتحقق بالإعلان عن إقامة الحد لا يُمكن مقابلتها بالمفاسد التي تقع على الدولة الإسلامية في حال الاستضعاف، ومن المقرر أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح. ثانيًا: أن المقصود بالطائفة يتحقق بالواحد فصاعدًا على الصحيح، وإن كان الأفضل والأولى في الأحوال العادية حضور وشهود العدد الكبير، وقد تنوعت أقوال المفسرين

стр. 270

والفقهاء في عدد الطائفة من الواحد فصاعدًا، أو أربعة قياسًا على شهود الزنا (١)، قال ابن جرير ﵀ بعد أن أورد الاقوال في عدد الطائفة: "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: أقل ما ينبغي حضور ذلك من عدد المسلمين الواحد فصاعدا؛ وذلك أن اللَّه عم بقوله: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ﴾ (٢)، والطائفة قد تقع عند العرب على الواحد فصاعدا" (٣)، قال ابن حزم ﵀: "فلما اختلفوا كما ذكرنا وجب أن ننظر في ذلك فوجدنا جميع الأقوال لا يُحتج بها، إلا قول مجاهد وابن عباس وهو أن الطائفة واحد فصاعدا، فوجدناه قولًا يوجبه البرهان من القرآن والإجماع واللغة، فأما القرآن فإن اللَّه تعالى يقول: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى﴾ (٤) فبين تعالى نصًا جليًا أنه أراد بالطائفتين هنا الاثنين فصاعدًا بقوله في أول الآية: ﴿اقْتَتَلُوا﴾، وبقوله تعالى: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى﴾، وبقوله تعالى في آخر الآية: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ (٥)، وبرهان آخر وهو أن اللَّه تعالى قال: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٦) " (٧)، وبالتالي فإن حضور العدد القليل يفي بالغرض، ويقي الدولة الإسلامية من تبعات الاعلان عن هذا الأمر وعواقبه في حال ضعفها.

стр. 271

٤ - التدرج في تطبيق الحدود الشرعية إنما يكون في بداية التطبيق، وهو لا يعني التراجع بل المراد منه استكمال الأسباب والظروف لبدء التطبيق (١). ٥ - إنما يأثم الحكام في حال القدرة على إقامة الحدود، أما في حال الاستضعاف والخشية على الدولة الإسلامية فلا يأثم الحكام، وليس هذا من إقرار الحكم بغير ما أنزل اللَّه أو ترك العمل بأحكام الشريعة الإسلامية، بل هو من باب التأجيل لحين التمكن من العمل؛ فإن العجز مسقط للأمر والنهي وإن كان واجبًا في الأصل واللَّه أعلم (٢)، إلا أنه يجب التنبيه على خطورة وأضرار تساهل الحكام في التعاطي مع هذه المسألة العظيمة وإعمالهم للقوانين الوضعية وتعطيلهم للشريعة، وتذرعهم لمثل هذا التعطيل بأبسط الضغوط أو لمجرد الانتقادات من الجمعيات التي تدعي المطالبة بحقوق الإنسان، وهذا الأمر لن يزيد ملكهم إلا ضعفًا، ولن يزيدهم إلا وهنًا، ولن يحفظ لهم ولا للبلاد والعباد الأمن والأمان. * * *

стр. 272

المبحث الرابع الاعتراف بالاحتلال حال الاستضعاف وفي الواقع المعاصر أثيرت مسألة الاعتراف ببعض الدول، وأخذت بُعدًا سياسيًا ودوليًا، ومن أبرز هذه الدول الكيان الصهيوني في فلسطين (١)، وقد ناقش بعض الفقهاء المعاصرين مسألة الاعتراف بهذا الكيان، ويقاس عليه الاعتراف بالاحتلال في أي بلد إسلامي آخر، وهذه المسألة تمثل صورة من صور الاستضعاف. فما المراد بالاعتراف؟ وما الأمور المترتبة عليه؟ وهل يجوز الاعتراف بالاحتلال في حالة الاستضعاف؟ هذا ما سيجيب عليه هذا المبحث من خلال المطالب الخمسة التالية: المطلب الأول تعريف الاعتراف وأشكاله الفرع الأول: الاعتراف في اللغة: الإقرار بالشيء عن مَعْرفِة، والعُرْفُ الاسم من الاعْتِرافِ (٢). وأما الاعتراف (reconnaissance) اصطلاحًا هو: "عمل قانوني يصدر عن الدولة تسلم بموجبه بنشوء واقع دولي جديد، كالاعتراف بدولة أو حكومة أو موقف أو معاهدة. . إلخ، وينطوي على التسليم باستعداد الدولة للدخول في روابط وعلاقات قانونية على هذا الأساس" (٣).

стр. 273

الفرع الثانى: الاعتراف اصطلاحًا: وهو: "عمل يصدر عن دولة أو مجموعة من الدول أو منظمة دولية تعلن بموجبه صراحة قبولها جماعة سياسية بوصفها دولة مع كل ما يرتبه هذا الوصف القانوني من حقوق وواجبات" (١). كما عرَّف مجمع القانون الدولي الاعتراف بالدولة بأنه: "التصرف الحر الذي يصدر عن دولة واحدة أو عدة دول للإقرار بوجود جماعة بشرية فوق إقليم معين، تتمتع بتنظيم سياسي واستقلال كامل، وتقدر على الوفاء بالتزاماتها الدولية" (٢)، وبالتالي فإن الاعتراف يعتبر عمل سياسي وقانوني (٣). وليس للاعتراف شكل محدد فقد يتم الاعتراف فرديًا بأن تقوم به كل دولة على حدة، أو جماعيًا باعتراف عدة دول سواءً عن طريق مؤتمر دولي أو معاهدة دولية، وهذا الشكل يكون أكثر فعالية وقوة، ويكون الاعتراف صريحًا أو ضمنيًا، والقانون الدولي يمنح لكل دولة مطلق الحرية في الاعتراف أو عدمه (٤). * * * المطلب الثاني آثار الاعتراف ونتائجه تنشأ الدولة المعاصرة من الناحيتين السياسية والاجتماعية، باستكمال عناصرها الثلاثة: الشعب والإقليم والسلطة السياسية، ولكنها تحتاج إلى اعتراف الدول الأخرى بها، لكي تستطيع الانضمام إلى الأسرة الدولية، والتمتع بالشخصية الدولية، وممارسة جميع الحقوق، ولا تقتصر نتائج وفوائد الاعتراف على مجرد هذه الأمور، بل يتضمن شرعية النظام القائم

стр. 274

والأسس التي قام عليها، ومسألة الاعتراف مرتبطة بتطور العلاقات الدولية، وتطور فكرة الدولة، وبقيت هذه المسألة حتى منتصف القرن السابع عشر الميلادي تقريبًا، غريبة على فقه القانون الدولي العام، غير أن أهميتها أخذت ابتداء من هذه الفترة وبسبب ظهور الدول الحديثة تتضاعف عاما بعد عام (١). ويتضح من تعريف مصطلح الاعتراف السابق أنه ليس أمرًا شكليًا فحسب، بل يترتب عليه تَبِعات في مخُتلف المجالات سواءً على الصعيد القانوني أو السياسي، ومن شأنها التأثير في حقوق وواجبات وامتيازات الدولة المُعترف بها، وذلك في نطاق القانون الدولي وكذلك القانون الداخلي، ومن أبرز تلك الآثار: ١ - تمتع الدولة الجديدة بالحق في التقاضي أمام المحاكم الوطنية للدولة المعترف بها. ٢ - الاعتراف بما يصدر عن الهيئات القضائية والتنفيذية للدولة الجديدة أمام المحاكم، وكذلك غيرها من السلطات الداخلية. ٣ - تمتع الدولة الجديدة بالحصانة القضائية والدبلوماسية بالنسبة لممثليها وأموالها في مواجهة الدولة المعترف بها. ٤ - حق الدولة الجديدة في المطالبة بأموالها وحقوقها الموجودة في أراضي الدولة المعترف بها، بالإضافة إلى حقها في هذه الأموال والتصرف فيها.

стр. 275

٥ - حق الدولة الجديدة بكافة الحقوق والامتيازات التي تتمتع بها الدول الأعضاء في المجتمع الدولي. ٦ - حق الدولة في أن تكون لها جنسية خاصة بها، إلى غيرها من الآثار والنتائج (١). * * * المطلب الثالث حكم الاعتراف بالاحتلال (الاحتلال الصهيونى نموذجًا) إن الآثار السلبية والأضرار التي تترتب على الاعتراف بالاحتلال متحققة سواءً أكان الاحتلال في فلسطين أو غيرها، وبالتالي فإن هذا المطلب سيعرض لمسألة الاعتراف بالاحتلال الصهيوني نموذجًا ويقاس عليه الاعتراف بالاحتلال الواقع على أي بلد إسلامي، وإن كنا نؤمن بخصوصية فلسطين من حيث المكانة والمنزلة والتي دلت عليها الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة، ومن حيث العدو الجاثم على أرضها اليوم وعداوته التي أخبرنا بها العليم الخبير بقوله : ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا. .﴾ (٢). لقد غدت مسألة الاعتراف بدولة الاحتلال الصهيوني "إسرائيل" من أبرز القضايا السياسية التي أُثيرت في الواقع المعاصر، وقد تطرق لها عدد من الفقهاء والكتاب المعاصرين، ويمكننا القول بأن الفقهاء اتفقوا على تحريم الاعتراف بـ"إسرائيل"؛ لكونها قامت على غصب أرض إسلامية، بعد سلسلة من الجرائم والمجازر التي لا تُعد ولا تُحصى ولا تزال ممتدة، وترتب عليها القتل والتهجير القسري للمسلمين من تلك الأرض

стр. 276

المباركة، وإنما خالف د. أحمد الريسوني (١) في مسألة جواز الاعتراف في حال الضرورة، وبهذا تكون الأقوال في المسألة كما يلي: القول الأول: جواز الاعتراف بالاحتلال الصهيوني حال الضرورة للفلسطينيين خاصة (٢). وقد خص هذا القول الفلسطينيين بالجواز إذا قدروه وقرروه بصفة شورية للضرورة، أما غيرهم من المسلمين وحكامهم فإنه لا يجوز ولا يُقبل بحال من الأحوال لا الصلح ولا الاعتراف ولا التطبيع؛ لأنهم لا ضرورة لهم ولا حاجة عندهم لشيء من ذلك، وإنما هو تخاذل وخذلان وذل وهوان. كما أكد د. الريسوني على أن جرائم الكيان الصهيوني لا تسقط بالتقادم، كما أن حقوق المسلمين لا تسقط بالتقادم (٣)، وهو ما نص عليه الفقهاء، ومثلها قاعدة: "الضرر لا يكون قديما" (٤)، و"المعنى أن الضرر قديمه كحديثه في الحكم، فلا يُراعى قدمه ولا يُعتبر بل يزال" (٥)، واعتبر أن الكيان ليس مجرد ضرر يزال، بل هو ضرر وخطر وفساد وشر

стр. 277

وهلاك، وجاء رأيه بعد بدء الحصار على الحكومة الفلسطينية المنتخبة في انتخابات ٢٠٠٦ م بدعوى عدم اعترافها بـ"إسرائيل" (١). وأدلة هذا القول تتلخص فيما يلي: الدليل الأول: الصعوبات التي يواجهها الشعب الفلسطيني وحده، واعتبر أن هذه الصعوبات والحصار تمثل حالة الضرورة التي تبيح المحظورات. ويمكن مناقشة هذا الدليل: بعدم تحقق الضرورة، وعلى فرض تحققها فإن الفقهاء وضعوا ضوابط للأخذ بالضرورة ومنها ما سبق بيانه وهو أن يكون ارتكاب المستضعف للمحظور أقل ضررًا من الأخذ بالعزيمة، والضرر المترتب على الاعتراف أكبر قدرًا من ضرر عدم الاعتراف، كما أن مفسدة الاعتراف آكد من مفسدة عدم الاعتراف. الدليل الثاني: قياس الاعتراف على الهدنة طويلة الأمد التي عقدها النبي ﷺ مع قريش في صلح الحديبية. ونوقش: بأن القياس فاسد؛ لأن صلح الحديبية لم يترتب عليه اعتراف بشرعية قريش، بل كان اعترافًا من قريش بالرسول ﷺ وصحبه، كما أن مكة كانت في الأصل بأيدي قريش وهم أهلها، ولم يتنازل النبي ﷺ في صلح الحديبية عن أي أرض، بل لم يتنازل عن حق المسلمين في العمرة إن أجلها ولم يحرم المسلمين منها. كما أن أرض فلسطين أرض إسلامية، وفيها القبلة الأولى للمسلمين، واليهود جاؤوا غاصبين، والاعتراف بدولتهم ليس من باب الصلح لا المؤقت ولا المطلق. الدليل الثالث: أن العقود التي تتم تحت القهر والإكراه والاضطرار لا مشروعية لها ولا قانونية، وهي قابلة للنقض والإلغاء في أي وقت، وستكون هنالك مداخل ومخارج

стр. 278

متعددة للأجيال اللاحقة من الفلسطينيين ومن المسلمين لإحقاق الحق وإزهاق الباطل متى استطاعوا إلى ذلك سبيلا. ويمكن مناقشة هذا الدليل: بأن الاعتراف سيتم تدويله ليصبح مستندًا قانونيًا دوليًا، ومن يضمن نقض مثل هذا الاعتراف، وما الفائدة من التنازل اليوم ومن ثم السعي لنقضه من جديد، ومن المقرر أن "حفظ الموجود أولى من تحصيل المفقود، ودفع الضرر أولى من جلب النفع" (١)، وأن "الدفع أهون من الرفع" (٢)، واستعادة الحق بلا اعتراف أيسر من استعادته بعد الاعتراف. الدليل الرابع: قياس الاعتراف على جواز دفع شيء من الأموال والممتلكات للبغاة وقطاع الطرق لأجل تخليص الباقي وحفظه إذا لم يكن بد من ذلك، ودل على جوازه ما هم أن يفعله النبي ﷺ يوم الخندق بمصالحة غطفان على شطر ثمار المدينة (٣). ونوقش بأنه قياس فاسد؛ لأن التنازل عن ثمار المدينة أو المال أمر يمكن تعويضه، ولا يتضمن تنازلًا عن أرض، بل هو حفظ للأرض وللناس، وإن صح تسميته تنازلًا فهو تنازل عن ناتج الأرض مع الاحتفاظ بالأصل وهو أمر مؤقت. ومما يجدر التنبيه إليه هو أن تخصيص الفلسطينيين بالجواز يظهر ضعف هذا القول؛ لأن تنازل أصحاب الأرض والحق يكون مسوغًا ومبررًا لغيرهم للاعتراف. القول الثاني: عدم جواز الاعتراف بالاحتلال الصهيوني: وهو قول معظم الفقهاء المعاصرين، وقد رد عدد من أصحاب هذا القول على رأي الدكتور/ الريسوني الذي سبق

стр. 279

ذكره، ومن أبرزهم الأستاذ الدكتور/ علي محيي الدين القره داغي (١). ومن أدلة هذا القول ما يلي (٢): الدليل الأول: عدم تحقق الضرورة التي يجوز معها الاعتراف بالكيان، كما أن تقدير هذه الضرورة يعود إلى علماء فلسطين، ولم يقل أحد من علماء فلسطين المعتبرين بجواز الاعتراف بالكيان الصهيوني (٣). الدليل الثاني: وهو على فرض تحقق الضرورة مع الحصار والحرب وغيرها من وسائل الاستضعاف فإن شروط الأخذ بالضرورة لم تتحقق، ومن بين هذه الشروط أن لا يكون الاستضعاف مبطلًا لحق الغير، ودل على هذا قاعدة: "الاضطرار لا يُبطل حق الغير" (٤).

стр. 280

فإن قيل: إنه إبطال لحق النفس لا الغير، قيل: بل هو إبطال لحق النفس والغير، فالاعتراف يترتب عليه إبطال حق المسلمين في الماضي، والحاضر، والمستقبل، حتى يغدو الاعتراف مستندًا لليهود وغيرهم في عدم أحقية المسلمين في المستقبل لهذه الأرض وما فيها من مقدسات. الدليل الثالث: أن المفسدة المترتبة على الاعتراف أعظم من المفسدة المترتبة على عدم الاعتراف، بل إن مفسدة الاعتراف محققة؛ لأنها إقرار للعدو على ما ارتكبه من مجازر وجرائم، وما اغتصبه من حقوق ومقدسات، كما أن من الشروط التي وضعها الفقهاء للإتيان بالفعل المكره عليه، أن يكون الإتيان به مُنجيًا من الضرر، ونحن نعلم من أحوال اليهود وأخبارهم وأخلاقهم التي أخبرنا بها الحكيم الخبير، والرسول الكريم ﵊، أنهم لا يفوا بالعهود والمواثيق، كما أن واقعهم المعاصر خير شاهد على بقاء وتأصل هذا الأمر فيهم حتى اليوم. ومن جملة المفاسد المترتبة على الاعتراف بالكيان الصهيوني إسقاط حق المسلمين في المقدسات أو حتى المطالبة بها، بل وإسقاط حق المسلمين في الجهاد والمقاومة، بل وعدم مشروعيتها ومحاكمة المجاهدين وملاحقتهم. الدليل الرابع: القرآن يشهد والواقع يؤكد أن الصهاينة لا يلتزمون بالوعود والمواثيق، قال تعالى: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (١)، وقد جرب التفاوض والاعتراف والتنازل تحت شعار الواقعية مع الكيان الصهيوني، وتورطت بسببه منظمة التحرير فتنازلت عن مبادئها، فما الذي جنته من وراء ذلك؟ حتى الدول العربية التي طبعت مع الكيان واعترفت به، ما الذي جنته طوال تلك السنين؟.

стр. 281

الدليل الخامس: أن من نتائج الاعتراف التنازل عن الأرض، وقد اتفق جميع العلماء منذ القرن الماضي إلى الآن بعدم جواز التنازل عن شبر من أرض فلسطين، ومن هذه الفتاوى: ١ - فتوى مؤتمر علماء فلسطين الأول في القدس الشريف بتاريخ ٢٦/ ١ / ١٩٣٥ م، والتي اعتمدت على فتاوى علماء المسلمين في العراق ومصر والهند والمغرب وسوريا وفلسطين والأقطار الإسلامية الأخرى، والتي أجمعت على تحريم بيع الأرض في فلسطين لليهود، وتحريم السمسرة على هذا البيع والتوسط فيه وتسهيل أمره بأي شكل وصورة، وتحريم الرضا بذلك كله والسكوت عنه، ومن فعل هذا وهو عالم بالحكم وعالم بنتيجته ومستحل له، فإن فعله هذا يستلزم الكفر والارتداد عن دين الإسلام، ولا يُصلى عليه ولا يُدفن في مقابر المسلمين ويجب نبذه ومقاطعته واحتقار شأنه وعدم التودد إليه والتقرب منه، ولو كانوا آباء أو أبناء أو إخوانا أو أزواجا. ٢ - فتوى علماء العراق، وفتوى علماء نجد في عام ١٩٣٧ م، فتوى رئيس جمعية العلماء المركزية في الهند فتوى علماء باكستان. ٣ - فتوى الأزهر الشريف عام ١٩٥٦، وفتوى مجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر، وفتاوى شيوخه، ومما جاء في فتوى لجنة الفتوى بالأزهر ١٣٧٥ هـ: "أن الصلح مع (إسرائيل) كما يُريده الداعون إليه لا يجوز شرعًا؛ لما فيه من إقرار الغاصب على الاستمرار في غصبه، والاعتراف بحقية يده على ما اغتصبه، وتمكين المعتدي من البقاء على عدوانه" (١).

стр. 282

٤ - وكل هذه الفتاوى تؤكد على حرمة الاعتراف بالكيان والصلح الدائم معه. ومن الشبهات التي قد يطرحها من يُطالب بالاعتراف بالكيان الصهيوني إمكانية سحب الاعتراف. ويُجاب عن هذه الشبهة: بأن جميع تصرفات الدولة في القانون الدولي تصدر في الأصل عن إرادة كاملة ورضى عدا التصرفات التي تفرضها الظروف الاستثنائية مثل: القوة أو الهزيمة في الحرب وما يتبعها من تنازلات، ومتى ما صدر الاعتراف فإنه يُصبح حُجة على الدولة، وقد أجمع فقهاء القانون أن الاعتراف مع بقاء كل المقومات اللازمة لوجود الدولة يمنع سحبه باعتباره تصرفًا لا يقبل النقض. ومن الشبهات إمكانية الاعتراف المشروط. ويجاب عن هذه الشبهة: بأن القانون الدولي قد استقر على أن الإخلال بالشروط التي قيد بها الاعتراف أو بأحدها لا يترتب عليه بطلان الاعتراف، وأقصى ما يمكن اتخاذه مقابل هذا الإخلال هو قطع العلاقات الدبلوماسية (١). إن النظر في النتائج المترتبة على الاعتراف في القانون الدولي وتنزيلها على الواقع في فلسطين تظهر أن جملة من الآثار والنتائج المحرمة المترتبة على الاعتراف بالكيان الصهيوني ومنها:

стр. 283

١ - إسقاط حق المسلمين في المسجد الأقصى المبارك ومدينة القدس وفلسطين. ٢ - إسقاط حق عودة اللاجئين. ٣ - إسقاط حق الفلسطينيين في الأراضي التي اغتصبت منهم. ٤ - الإقرار بالحق التاريخي المزعوم لليهود في فلسطين. ٥ - الإقرار بشرعية المجازر التي ارتكبها الكيان فهي ستغدو عملًا مشروعًا للحصول على الاستقلال وإقامة الكيان. ٦ - نفاذ القرارات والأحكام القضائية والقوانين الصهيونية التي ألغت الحقوق وصادرتها ولا يزال يكتوي بها المسلمون في فلسطين. ٧ - قبول الإقرار بيهودية الدولة وبالتالي عدم أحقية أي مسلم بالوجود فيها إلا على سبيل الزيارة أو الإقامة المؤقتة. ٨ - أحقية اليهود في المطالبة بحقوقهم وأماكن أجدادهم في الدول التي تعترف بدولتهم. ٩ - التزام الدول المعترفة بالكيان بإقامة علاقات دبلوماسية وتجارية وغيرها. هذه بعض المفاسد والآثار المترتبة على الاعتراف والتي لا تتوقف عند تلك النتائج، إن الكيان الصهيوني يمكن تشبيهه بأنه طفل لقيط يبحث عن شهادة ميلاد تتمثل في الاعتراف به، وسيبقى هذا الكيان بلا شرعية قانونية حتى في نظر اليهود أنفسهم إلى حين حصولهم على الاعتراف من أصحاب الحق. ومما مضى من أدلة يتضح قوة القول الثاني وأدلته وهو عدم جواز الاعتراف بالاحتلال، وضعف القول الأول بل وخطورة الأخذ به والعمل بمقتضاه. * * *

стр. 284

المطلب الرابع بدائل الاعتراف بالكيان الصهيونى إن ترجيح القول بعدم جواز الاعتراف بالكيان الصهيوني يطرح التساؤل حول كيفية التعامل مع هذا الكيان، لاسيما إخواننا الفلسطينيين المستضعفين الذين يعيشون في داخل فلسطين، أو المضطرين للتعامل مع الاحتلال في مختلف التعاملات، وكيف يمكن دفع الحاجة القائمة؟ وكيف يتعامل أهل فلسطين مع هذا الكيان القائم؟ والجواب على هذا التساؤل: يتضح ببيان أنواع الاعتراف في القانون الدولي العام فهو ينقسم إلى نوعين: اعتراف ضمني بـ (الواقع)، واعتراف صريح وقانوني، وما مضى من أقوال وأدلتها ومناقشتها فهو محمول على الاعتراف الصريح والقانوني، أما الاعتراف الفعلي أو الواقعي فهو: "تعبير يستخدم في العمل الدولي لوصف الاعتراف الذي قد يصدر مصحوبا بتحفظ بشأن شرعية الموقف الذي يجري الاعتراف به أو بهدف تحديد آثار الاعتراف سواء من حيث مدته أو مداه" (١)، فهو يتم عن طريق الدخول في العلاقات مع الدولة الجديدة دون التعرض بصفة رسمية وعلى نحو صريح لموضوع الوجود القانوني للدولة (٢). ويتضح من هذا أن الاعتراف الواقعي مؤقت وأساسه الأمر الواقع، فهو اعتراف بالوجود الفعلي للدولة أو الحكومة، ويمكن إلغاؤه، أما الاعتراف القانوني فهو اعتراف كامل نهائي، ولا يمكن إلغاؤه، ويفيد ثبوت الشخصية الدولية الكاملة (٣). وإن كان من ضوابط العمل بالضرورة الاقتصار على قدر حاجة المستضعف فإن قدر الحاجة هنا تدفع بالاعتراف الواقعي.

стр. 285

المطلب الخامس الاعتراف الواقعي فى الفقه الإسلامي عند التأمل في سيرة النبي ﷺ نجد أن ما عقده من معاهدات مع اليهود في المدينة، وصلح الحديبية مع قريش لا يمكن اعتباره اعترافًا كاملًا، والظاهر أنه اعتراف واقعي، ولم تتضمن تلك المعاهدات أمورًا دائمة بل أمور مؤقتة ومشروطة ومحددة بخلاف مفهوم الاعتراف القانوني المعاصر. وفي الفقه الإسلامي نجد بعض التطبيقات التي يمكن مقارنتها بالاعتراف الواقعي ومن ذلك: عقد الذمة، قال الزركشي ﵀ (١): "وفرق بين قولنا: لا يُمنعون، وبين قولنا: لهم ذلك، لأن عدم المنع أعم من الإذن، والإذن حكم شرعي بالإباحة ولم يرد، وقد استنكر عبارة "المنهاج" فيما إذا صولحوا على أن الأرض لهم أن لهم إحداث الكنائس فإنها تقتضي أنه حق لهم ولم يقل به أحد. وقد ذكر القاضي أبو الطيب في باب الغصب من تعليقه: أنا لا نطلق في حق أهل الذمة فيما يخالفون فيه الشرع لفظ التقرير لا على الكفر ولا على شيء من عقائدهم الخبيثة وإنما جاء الشرع بترك التعرض لهم وفاء بالعقد وحفظا لعقد الأمان الذي جرى بيننا وبينهم. فإن قيل: هذا هو التقرير؟ قلنا: لا؛ لأن التقرير يوجب فَوَاتَ الدَّعْوَى، وترك التعرض لا يوجب فواتها، وإنما هو مجرد تأخير المعاقبة إلى الآخرة ويجوز أن تكون الحجة لازمة
следующие страницы →