الدليل الخامس: أن من نتائج الاعتراف التنازل عن الأرض، وقد اتفق جميع العلماء منذ القرن الماضي إلى الآن بعدم جواز التنازل عن شبر من أرض فلسطين، ومن هذه الفتاوى:
١ - فتوى مؤتمر علماء فلسطين الأول في القدس الشريف بتاريخ ٢٦/ ١ / ١٩٣٥ م، والتي اعتمدت على فتاوى علماء المسلمين في العراق ومصر والهند والمغرب وسوريا وفلسطين والأقطار الإسلامية الأخرى، والتي أجمعت على تحريم بيع الأرض في فلسطين لليهود، وتحريم السمسرة على هذا البيع والتوسط فيه وتسهيل أمره بأي شكل وصورة، وتحريم الرضا بذلك كله والسكوت عنه، ومن فعل هذا وهو عالم بالحكم وعالم بنتيجته ومستحل له، فإن فعله هذا يستلزم الكفر والارتداد عن دين الإسلام، ولا يُصلى عليه ولا يُدفن في مقابر المسلمين ويجب نبذه ومقاطعته واحتقار شأنه وعدم التودد إليه والتقرب منه، ولو كانوا آباء أو أبناء أو إخوانا أو أزواجا.
٢ - فتوى علماء العراق، وفتوى علماء نجد في عام ١٩٣٧ م، فتوى رئيس جمعية العلماء المركزية في الهند فتوى علماء باكستان.
٣ - فتوى الأزهر الشريف عام ١٩٥٦، وفتوى مجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر، وفتاوى شيوخه، ومما جاء في فتوى لجنة الفتوى بالأزهر ١٣٧٥ هـ: "أن الصلح مع (إسرائيل) كما يُريده الداعون إليه لا يجوز شرعًا؛ لما فيه من إقرار الغاصب على الاستمرار في غصبه، والاعتراف بحقية يده على ما اغتصبه، وتمكين المعتدي من البقاء على عدوانه" (١).
стр. 282
٤ - وكل هذه الفتاوى تؤكد على حرمة الاعتراف بالكيان والصلح الدائم معه.
ومن الشبهات التي قد يطرحها من يُطالب بالاعتراف بالكيان الصهيوني إمكانية سحب الاعتراف.
ويُجاب عن هذه الشبهة: بأن جميع تصرفات الدولة في القانون الدولي تصدر في الأصل عن إرادة كاملة ورضى عدا التصرفات التي تفرضها الظروف الاستثنائية مثل: القوة أو الهزيمة في الحرب وما يتبعها من تنازلات، ومتى ما صدر الاعتراف فإنه يُصبح حُجة على الدولة، وقد أجمع فقهاء القانون أن الاعتراف مع بقاء كل المقومات اللازمة لوجود الدولة يمنع سحبه باعتباره تصرفًا لا يقبل النقض.
ومن الشبهات إمكانية الاعتراف المشروط.
ويجاب عن هذه الشبهة: بأن القانون الدولي قد استقر على أن الإخلال بالشروط التي قيد بها الاعتراف أو بأحدها لا يترتب عليه بطلان الاعتراف، وأقصى ما يمكن اتخاذه مقابل هذا الإخلال هو قطع العلاقات الدبلوماسية (١).
إن النظر في النتائج المترتبة على الاعتراف في القانون الدولي وتنزيلها على الواقع في فلسطين تظهر أن جملة من الآثار والنتائج المحرمة المترتبة على الاعتراف بالكيان الصهيوني ومنها:
стр. 283
١ - إسقاط حق المسلمين في المسجد الأقصى المبارك ومدينة القدس وفلسطين.
٢ - إسقاط حق عودة اللاجئين.
٣ - إسقاط حق الفلسطينيين في الأراضي التي اغتصبت منهم.
٤ - الإقرار بالحق التاريخي المزعوم لليهود في فلسطين.
٥ - الإقرار بشرعية المجازر التي ارتكبها الكيان فهي ستغدو عملًا مشروعًا للحصول على الاستقلال وإقامة الكيان.
٦ - نفاذ القرارات والأحكام القضائية والقوانين الصهيونية التي ألغت الحقوق وصادرتها ولا يزال يكتوي بها المسلمون في فلسطين.
٧ - قبول الإقرار بيهودية الدولة وبالتالي عدم أحقية أي مسلم بالوجود فيها إلا على سبيل الزيارة أو الإقامة المؤقتة.
٨ - أحقية اليهود في المطالبة بحقوقهم وأماكن أجدادهم في الدول التي تعترف بدولتهم.
٩ - التزام الدول المعترفة بالكيان بإقامة علاقات دبلوماسية وتجارية وغيرها.
هذه بعض المفاسد والآثار المترتبة على الاعتراف والتي لا تتوقف عند تلك النتائج، إن الكيان الصهيوني يمكن تشبيهه بأنه طفل لقيط يبحث عن شهادة ميلاد تتمثل في الاعتراف به، وسيبقى هذا الكيان بلا شرعية قانونية حتى في نظر اليهود أنفسهم إلى حين حصولهم على الاعتراف من أصحاب الحق.
ومما مضى من أدلة يتضح قوة القول الثاني وأدلته وهو عدم جواز الاعتراف بالاحتلال، وضعف القول الأول بل وخطورة الأخذ به والعمل بمقتضاه.
* * *
стр. 284
المطلب الرابع بدائل الاعتراف بالكيان الصهيونى
إن ترجيح القول بعدم جواز الاعتراف بالكيان الصهيوني يطرح التساؤل حول كيفية التعامل مع هذا الكيان، لاسيما إخواننا الفلسطينيين المستضعفين الذين يعيشون في داخل فلسطين، أو المضطرين للتعامل مع الاحتلال في مختلف التعاملات، وكيف يمكن دفع الحاجة القائمة؟ وكيف يتعامل أهل فلسطين مع هذا الكيان القائم؟
والجواب على هذا التساؤل: يتضح ببيان أنواع الاعتراف في القانون الدولي العام فهو ينقسم إلى نوعين: اعتراف ضمني بـ (الواقع)، واعتراف صريح وقانوني، وما مضى من أقوال وأدلتها ومناقشتها فهو محمول على الاعتراف الصريح والقانوني، أما الاعتراف الفعلي أو الواقعي فهو: "تعبير يستخدم في العمل الدولي لوصف الاعتراف الذي قد يصدر مصحوبا بتحفظ بشأن شرعية الموقف الذي يجري الاعتراف به أو بهدف تحديد آثار الاعتراف سواء من حيث مدته أو مداه" (١)، فهو يتم عن طريق الدخول في العلاقات مع الدولة الجديدة دون التعرض بصفة رسمية وعلى نحو صريح لموضوع الوجود القانوني للدولة (٢).
ويتضح من هذا أن الاعتراف الواقعي مؤقت وأساسه الأمر الواقع، فهو اعتراف بالوجود الفعلي للدولة أو الحكومة، ويمكن إلغاؤه، أما الاعتراف القانوني فهو اعتراف كامل نهائي، ولا يمكن إلغاؤه، ويفيد ثبوت الشخصية الدولية الكاملة (٣).
وإن كان من ضوابط العمل بالضرورة الاقتصار على قدر حاجة المستضعف فإن قدر الحاجة هنا تدفع بالاعتراف الواقعي.
стр. 285
المطلب الخامس الاعتراف الواقعي فى الفقه الإسلامي
عند التأمل في سيرة النبي ﷺ نجد أن ما عقده من معاهدات مع اليهود في المدينة، وصلح الحديبية مع قريش لا يمكن اعتباره اعترافًا كاملًا، والظاهر أنه اعتراف واقعي، ولم تتضمن تلك المعاهدات أمورًا دائمة بل أمور مؤقتة ومشروطة ومحددة بخلاف مفهوم الاعتراف القانوني المعاصر.
وفي الفقه الإسلامي نجد بعض التطبيقات التي يمكن مقارنتها بالاعتراف الواقعي ومن ذلك: عقد الذمة، قال الزركشي ﵀ (١): "وفرق بين قولنا: لا يُمنعون، وبين قولنا: لهم ذلك، لأن عدم المنع أعم من الإذن، والإذن حكم شرعي بالإباحة ولم يرد، وقد استنكر عبارة "المنهاج" فيما إذا صولحوا على أن الأرض لهم أن لهم إحداث الكنائس فإنها تقتضي أنه حق لهم ولم يقل به أحد. وقد ذكر القاضي أبو الطيب في باب الغصب من تعليقه: أنا لا نطلق في حق أهل الذمة فيما يخالفون فيه الشرع لفظ التقرير لا على الكفر ولا على شيء من عقائدهم الخبيثة وإنما جاء الشرع بترك التعرض لهم وفاء بالعقد وحفظا لعقد الأمان الذي جرى بيننا وبينهم. فإن قيل: هذا هو التقرير؟ قلنا: لا؛ لأن التقرير يوجب فَوَاتَ الدَّعْوَى، وترك التعرض لا يوجب فواتها، وإنما هو مجرد تأخير المعاقبة إلى الآخرة ويجوز أن تكون الحجة لازمة
стр. 286
وَالدَّعْوَةُ قَائِمَةً، وَتُؤَخَّرُ المُعَاقَبَةُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَرِدَ الشَّرْعُ بِتَقْرِيرِهِمْ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ ثُمَّ يَنْفِي لُزُومَ الْحُجَّةِ وَتَوَجُّهَ الدَّعْوَةِ" (١).
وخلاصة هذا المبحث هو عدم جواز اعتراف المستضعفين بالكيان الصهيوني أو الاحتلال لأي بلد إسلامي، ونؤكد أن وجود المقاومة ضد الغاصب يكفي في القانون الدولي للاعتراف بها كسلطة شرعية وتظل سيادتها قائمة من الناحية القانونية كما أن وجودها يمنع استقرار سلطة الغاصب (٢).
كما أن القانون الدولي المعاصر لا يفرض على الدول التزامات قانونية بضرورة الاعتراف بدولة جديدة اكتملت لها عناصر وجودها، بل يترك للدولة السلطة التقديرية المطلقة في هذا المجال، لكي تقرر بحرية كاملة في ضوء مصالحها الذاتية والظروف التي عاصرت نشأة الدولة الجديدة (٣)، وأشير في نهاية هذا المبحث إلى نظرية (STIMSON) نسبة إلى صاحبها وزير الخارجية الأمريكي والتي تنص على عدم تقبل شرعية أي وضع ينشأ عن فرض بطريق سياسة الأمر الواقع، كما لا يعترف بأي أثر ناجم عن مثل تلك
стр. 287
الأوضاع التي تمس سيادة واستقلال الدول، وقد تم تأكيد هذه النظرية بتوصية من جمعية عصبة الأمم ١٩٣٢ م (١).
وبالتالي فإن على المستضعفين الاستفادة من مثل هذه الأنظمة والقوانين الدولية التي تحمي حقوقهم والمطالبة بتطبيقها مع التأكيد على أنها لا تكفي لإعادة الحقوق، وإنما تعالج ظرفًا استثنائيًا مرتبطًا بحالة الاستضعاف.
* * *
стр. 288
المبحث الخامس بيع الأراضي للاحتلال حال الاستضعاف
الأصل في التعامل مع الكافر في البيع أو الشراء هو الحل والإباحة، إلا أنه عندما تتعرض دولة إسلامية للاحتلال، فإن قاعدة سد الذرائع تقتضي تحريم المباح إذا أفضى إلى حرام، فهل يجوز للمسلمين بيع الأراضي أو العقارات أو تأجيرها على الكافر المحارب؟
إن عموم الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع والمعقول تدل بوضوح على حرمة التعامل مع الاحتلال في أي أمر من شأنه أن يزيدهم قوة وتسلطًا على المسلمين، ويُطيل من أمد بقائهم في ديار الإسلام، ومن جملة هذه الأدلة ما يلي:
١ - قال تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (١)، وفي بيع الأرض أو تأجير العقار للكافر المحارب فردًا أو جماعة إعانة لهم على العدوان ومحاربة المسلمين.
٢ - قال تعالى: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (٢)، قال ابن القيم ﵀: "ومن أعظم السبيل تسليط الكافر على انتزاع أملاك المسلمين منهم وإخراجهم منها قهرًا" (٣)، فإن من يملك الأرض ملك كل شيء.
٣ - قال اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧) وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (٤)، إن بيع الأرض أو العقارات وتأجيرها للمحاربين فيه خيانة عظيمة للمسلمين.
стр. 289
٤ - حرم الفقهاء بيع السلاح للكفار المحاربين وكل ما يُستعان به في القتال ضد المسلمين (١)، ونقل النووي ﵀ الإجماع على ذلك، فقال: "وأما بيع السلاح لأهل الحرب فحرام بالإجماع" (٢)، كما ذهب الفقهاء إلى تحريم بيع الطعام، أو بيع الدار أو تأجيرها لمن يتخذنها كنيسة أو معبدًا أو من يجعل فيها الخمر (٣)، وبيع الأرض للكافر المحارب عون له على القتال ضد المسلمين، بل هو أعظم من بيع السلاح له، فهو إنما يشتري السلاح ليحتل الأرض، وببيعها له فإن يحصل على مراده دون الحاجة إلى السلاح.
٥ - قال ﷺ : (المُسْلِمُ أَخو المُسْلِمِ لا يظلمه ولا يُسْلِمُهُ) (٤)، وفي بيع السلاح للكافر المحارب خذلان للمسلم وإسلام وظلم له.
٦ - عن علي ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: (لعن اللَّه من لعن والده، ولعن اللَّه من ذبح لغير اللَّه، ولعن اللَّه من آوى مُحدِثًا، ولعن اللَّه من غيَّرَ منار الأرض (٥)) (٦).
стр. 290
والمراد بالمحدث هو من يأتي بفساد في الأرض بفعل جناية أو معصية توجب الْحَدَّ أو بدعة في الدين أو ظلم (١)، "ومن أَعظَمِ الحَدَثِ تَعطِيلُ كتابِ اللَّه وسُنَّةِ رسُولهِ، وإِحدَاثُ ما خَالفَهُمَا، وَنَصرُ من أَحدَثَ ذلك والذَّبُّ عنه" (٢)، قال ابن تيمية ﵀: "ومن آوَى مُحَارِبًا، أَو سَارِقًا، أَو قَاتِلًا ونَحْوَهُم، ممَّن وجب عَلَيْهِ حَدٌّ أَو حَقٌّ للَّه تَعَالَى أَو لآدَمِيَّ، ومَنَعَهُ مِمَّن يَسْتَوْفِي منْهُ الوَاجِبَ بِلا عُدْوَانٍ، فَهُوَ شَرِيكُهُ في الجُرْمِ. ولقد لَعَنَهُ اللَّه ورَسُولُهُ" (٣)، فمن آوى المحاربين فقد شاركهم في الإثم فاستحق اللعنة، وكذلك من غير منار الأرض وتلاعب بعلاماتها، ولا شك أن من باع الأرض للكافر المحارب أو أجرها له يكون أشد إثمًا، وأعظم ضررًا على المسلمين، فمن غير منار أرض سرق أمتارًا أو أقل له ولذريته وهو مسلم، أما من باعها للمحتل فقد سرق أرض الأمة، وأجيال المسلمين وتنازل عن تضحيات من حفظها وفتحها، وباع حق القادم من أبنائها، ولا عذر له بالاضطرار، لأن الاضطرار لا يسقط حق الغير كما هو مقرر لدى الفقهاء (٤).
стр. 291
٧ - أنه ﵊ هم أن يُصالح غَطفان على شطر ثمار المدينة ليكفوا عن المدينة ويفرق الأحزاب وكتب بذلك صحيفة (١).
ووجه الدلالة: أن أقصى ما أراد أن يفعله الرسول ﷺ في حال الضرورة (٢) هو أن يعطي الكفار جزءًا من الثمار، ومع هذا رفض الصحابة ﵃ هذا الأمر، فدل هذا على عدم جواز بيعهم الأرض حال الضرورة.
٨ - ما رواه عمران بن حصين (٣) موقوفًا: (نهى رسول اللَّه ﷺ عن بيع السلاح في الفتنة) (٤)، وهذا النهي مرتبط بالزمان، وإن كان الأصل جواز بيع السلاح للمسلمين، فإن منع بيع الأرض للمحتل أو لمن يبيعها له أشد ضررًا وخطرًا من بيع السلاح حال الفتنة.
стр. 292
٩ - ومن المعقول أن بيع الأراضي للاحتلال قد يؤدي إلى تحول الدار من دار إسلام إلى دار حرب مع مرور السنين، وقد منع الفقهاء المسلم في حال قدرته على الامتناع في دار الحرب أن يهاجر منها لئلا يصير موضعه دار حرب، قال النووي ﵀: "إن قدر -أي: المسلم- على الامتناع في دار الحرب والاعتزال، وجب عليه المقام بها؛ لأن موضعه دار إسلام، فلو هاجر لصار دار حرب، فيحرم ذلك" (١)، وبالتالي فإن بيع الأرض للكافر المحارب أشد حرمة وضررًا؛ "لأن حفظ الموجود أولى من تحصيل المفقود، ودفع الضرر أولى من جلب النفع" (٢).
١٠ - إن من أركان الدولة الأساسية في النظم الوضعية المعاصرة هي: السكان (الشعب)، الأرض، السلطة الحاكمة (٣)، فإن تم بيع الأرض للمحتل تبعه مع مرور الوقت خروج السكان، لاسيما مع فرض الاحتلال للقوانين التي ترتبط بتملك الأرض والعقار، واستغلاله للقوانين والأنظمة حتى إذا تمكن من الأرض وضيق على السكان وأخرجهم، تذرع بالاستفتاء أو الانتخابات ونحوها من الأنظمة لاكتساب القانونية وإضفاء الشرعية على وجوده.
١١ - ذهب الحنابلة إلى عدم جواز الشفعة للذمي على المسلم خلافًا للجمهور (٤)، واستدلوا لهذا المنع بأن الشفعة من حقوق المسلمين بعضهم على بعض فلا حق للذمي
стр. 293
فيها، وبالأمر الوارد باضطرارهم إلى أضيق الطريق (١)، ولم يجعل لهم حقًا في الطريق المشترك عند تزاحمهم مع المسلمين، فكيف يجعل لهم حقًا إلى انتزاع ملك المسلم منه قهرًا، بل هذا تنبيه على المنع من انتزاع الأرض من يد المسلم وإخراجه منها لحق الكافر لنفي ضرر الشركة عنه، وضرر الشركة على الكافر أهون عند اللَّه من تسليطه على إزالة ملك المسلم عنه قهرًا، ولأن حق الشفعة للذمي يتضمن مع إضراره بالمسلم إضرارًا بالدين، وتملك دار المسلمين منهم قهرًا وشغلها بما يُسخط اللَّه بدل ما يرضيه وهذا خلاف قواعد الشرع، كما أن الذمي تبع لنا في الدار وليس بأصل من أهل الدار، وتملكه فيها من باب الضرورة (٢). فإن كان هذا الأمر في شأن الذمي الذي هو من رعايا الدولة الإسلامية وتبع لها ويدفع الجزية مع الصغار، واختلاف الفقهاء في مسألة حق الشفعة للذمي فيه إشارة لعدالة الإسلام معهم، وذلك الخلاف في حال الأمن من شرهم وخضوعهم لأحكام المسلمين، فكيف الحال ببيع الأرض أو الدار للكافر المحارب؟.
стр. 294
وخلاصة هذه المسألة: عدم جواز بيع الأرض أو تأجيرها على الكافر المحارب، وقد أصدر مؤتمر علماء فلسطين الأول في ٢٥ يناير ١٩٣٥ م فتوى بالإجماع تحرِّم بيع أي شبر من أراضي فلسطين لليهود، ويعدُّ البائع والسمسار والوسيط المستحل للبيع مارقين من الدين، خارجين من زمرة المسلمين، وحرمانهم من الدفن في مقابر المسلمين، ومقاطعتهم في كل شيء والتشهير بهم (١)، وإن كان لفلسطين خصوصية وأهمية، إلا أن الأدلة التي وردت كفيلة للدلالة على أن هذا الحكم يشمل كل بلاد الإسلام.
* * *
стр. 295
المبحث السادس تسليم المطلوبين المسلمين ونحوهم (الذميين) فى حال الاستضعاف
هل يجوز للدولة الإسلامية في حال الاستضعاف أن تسلم أحد رعاياها للدولة الكافرة، هذا ما سوف يناقشه هذا المبحث من خلال المطالب التالية:
المطلب الأول تعريف تسليم المطلوبين (١)
تسليم المطلوبين مصطلح حديث نسبيًا، ويعبر عنه أحيانًا بالاسترداد (٢)، وعرف في النظم الوضعية بعدة تعريفات منها:
أنه: "الإجراء الذي تسلم به دولة -استنادًا إلى معاهدة أو تأسيسًا على المعاملة بالمثل عادة- إلى دولة أخرى شخصًا تطلبه الدولة الأخيرة لاتهامه أو لأنه محكوم عليه بعقوبة جنائية" (٣)، كما عُرف بأنه: "عمل تقوم به سلطات دولة ما بناء على طلب رسمي من دولة أخرى تضع بموجبه شخصًا معينًا في يد سلطات هذه الدولة الأخيرة التي تطالب بتسليمه إليها لمحاكمته عن جريمة جنائية ارتكبها فوق إقليمها أو ينعقد الاختصاص بنظرها لقضائها الجنائي" (٤).
стр. 296
أما الفقهاء فلم يعبروا في كُتبهم عن هذا المعنى تحديدًا أي (تسليم المطلوبين) ولم يتعرضوا لمثل هذه المسألة، وإنما تعرضوا لمسألة أخرى مشابهة لهذه المسألة وهي مسألة اشتراط رد المسلم.
* * *
المطلب الثانى أقوال الفقهاء في مسألة رد المسلم
أولًا: اتفق الفقهاء على عدم جواز رد المسلمة لدولة كافرة وألحقوا بها من في حكمها كالصبي (١)؛ مستدلين بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ (٢).
ثانيًا: اختلف الفقهاء في مسألة رد الرجل المسلم لدولة كافرة على أربعة أقوال:
القول الأول: جواز شرط رد الرجل المسلم وتضمينه المعاهدة مع الكفار، بشرط شدة الحاجة لذلك، وتعين المصلحة فيه، وقالوا: إن للمسلمين أن يأمروه سرًا بقتالهم والفرار منهم، وهو قول الحنابلة (٣)، واستدلوا بأن النبي ﷺ شرط ذلك في صلح الحديبية، ووفى لهم به (٤).
القول الثاني: جواز شرط رد الرجل المسلم وتضمينه المعاهدة مع الكفار، إن طلبته عشيرته لا غيرها؛ لأنها تذب عنه وتحميه مع قوته في نفسه، فإن كان لا عشيرة له أو له عشيرة لا تحميه؛ فلا يرد لئلا يفتنوه، ويرد المطلوب إلى غير عشيرته إن كان يقدر على قهر
стр. 297
الطالب والهرب منه، ولم يشترط بعضهم العشيرة بل جعل الضابط: الأمن على دمه فإن كانوا مأمونين على دمه رد إليهم وإلا لم يرد (١)، قالوا: وللمطلوب أن يقتل الطالب، وللمسلمين التعريض له بالقتل لا التصريح وهذا قول الشافعية (٢).
القول الثالث: جواز شرط رد الرجل المسلم وتضمينه المعاهدة مع الكفار، ولا يجوز شرط فاسد كإبقاء مسلم عندهم، إلا لخوف أعظم من ذلك (٣)، وهو قول المالكية (٤).
القول الرابع: عدم جواز شرط رد الرجل المسلم، وهو شرط باطل لا يجب الوفاء به، وهو قول الحنفية، وابن حزم ﵀ (٥).
واستدلوا بما يلي:
الدليل الأول: أن حكم الرد منسوخ بقوله تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي
стр. 298
الْكَافِرِينَ﴾ (١)، وقوله : ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢)، "فَأَبْطَلَ اللَّه تعالى كُلَّ عَهْدٍ ولم يُقِرَّهُ، ولم يجعل للمشركين إلا القتل، أو الإسلام، ولأهلِ الكتابِ خاصةً إعطاءُ الجزيةِ وهم صاغرون" (٣).
الدليل الثاني: قوله ﵇: (أَنَا بَرِيءٌ من كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بين أَظْهُرِ المُشْرِكِينَ)، قالوا: يا رسول اللَّه لِمَ؟ قال: (لا تَرَاءى نَارَاهُمَا) (٤).
стр. 299
ووجه الدلالة: أنه ﷺ نهى عن الإقامة عند الكفار، فكيف نرد المسلم إليهم، وفي رده إقامة جبرية له، فكيف ننهاه ثم نرده! فهذا تناقض.
الدليل الثالث: أن ما وقع في صلح الحديبية كان وحيًا يدل على هذا قول النبي ﷺ لعمر: (إني رسول اللَّه ولست أعصيه)، وقوله ﷺ لما رأى أمر الناقة: (حبسها حابس الفيل) (١)(٢)، بل سماه اللَّه فتحًا مبينًا.
الدليل الرابع: قوله ﷺ : (ما بالُ رجالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا ليست في كتاب اللَّه، ما كان من شرطٍ ليس في كتاب اللَّهِ فهو باطلٌ وإِن كان مِائَةَ شرطٍ قَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ وشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ) (٣)، "فإن أعطاهم الإمام على هذا عهدا فإنه لا ينبغي له أن يفي بهذا الشرط؛ لأنه مخالف لحكم الشرع" (٤).
الدليل الخامس: من المعقول أن الواجب على الإمام فك الأسير المسلم، فكيف يكون عونًا على أسره (٥).
الدليل السادس: أن الفقهاء المجيزين لرد المسلم جعلوه في أضيق نطاق، وقيدوه بقيود منها: شدة الحاجة، وتعين المصلحة، وضعف المسلمين، ووجود العشيرة التي تحميه، بل رأي الجمهور عدم جواز رد العبد المسلم (٦)، فعاد قولهم بالمنع وأما في حالة الضرورة والحاجة فلها حكمها الخاص عند الجميع.
стр. 300
والراجح واللَّه أعلم قول الحنفية لما فيه من مراعاة عموم الأدلة التي أوجبت علو الإسلام وأهله وعزتهم، وأما فعله ﷺ يوم الحديبية فقد اقترنت به أمور إن اقترنت بمثله فيمكننا عندئذ القول: بجواز شرط رد المسلم.
* * *
المطلب الثالث بيان الفرق بين التسليم والرد
تطرق المطلب السابق لأقوال الفقهاء في مسألة الرد، وأما قياس البعض مسألة تسليم المطلوبين بصورتها المعاصرة على تلك المسألة فهو قياس غير صحيح، وذلك للفرق بين الرد والتسليم، ومن ذلك ما يلي:
١ - الفرق بينهما من حيث الدلالة اللغوية، فالرَّدُّ مصدر رددت الشيء، وهو يدل على صرف الشيء ورَجْعُه، رَدَّهُ عن وجهه يَرُدُّه رَدًّا ومَرَدًّا وتَرْدادًا: صرفه، ويدل على عدم قبول الشيء، يقال ردَّ عليه الشيء إِذا لم يقبله، وكذلك إِذا خَطَّأَه. وتقول: رَدَّه إِلى منزله، ورَدَّ إِليه جوابًا أَي: رجع (١)، وأما التسليم فهو مصدر سَلَّم، وهو يدل على ترك الشيء ودفعه، والخِذْلانِ فيقال: أَسلَمَ الرجلَ وأَسْلَمَه أَي: خذله، وكذلك قبض الشيء وأخذه (٢).
٢ - الرد صورته التخلية بين الطالب والمطلوب مع التعريض للمطلوب بسبل الخلاص، وأما التسليم فصورته أخذ المطلوب للطالب مقيدًا، وقد عبر الفقهاء عن هذا بقولهم: "ومعنى الرد له التخلية بينه وبينهم كما في رد الوديعة، لا إجباره على الرجوع، إذ لا يجوز إجبار المسلم على الإقامة بدار الحرب، فلو شرط في العقد أن يبعث به الإمام إليهم
стр. 301
لم يصح، إلا أن يراد بالبعث الرد بالمعنى السابق فظاهر أنه يصح" (١). قال الماوردي ﵀: "فصفة الرد أن يكون إذنًا منه بالعود، وتمكينًا لهم من الرد، ولا يتولاه الإمام جبرًا إن تمانع المردود، وكذلك أذن رسول اللَّه ﷺ لأبي جندل وأبي بصير في العود، فإن أقام المطلوب على تمانعه من العود، قيل للطالب: إنت ممكن من استرجاعه، فإذا قدرت عليه لم تمنع منه، وإن عجزت عنه لم تُعَنْ عليه" (٢).
٣ - في الرد مخارج ليست في التسليم، أشار إليها النبي ﷺ بقوله كما في الصحيح: (وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ لو كان معه رجال) (٣)، فلما بلغت هذه الكلمة المسلمين الذين احتبسوا وردوا إلى مكة خرجوا لأبي بصير فاجتمع إليه منهم قرابة السبعين (٤)، فأين هذا من التسليم الذي لا يكون معه أي سبيل للخلاص فهو كالأسر وزيادة. ومن المخارج أنه ﷺ : "لم يُعْطِهِم أَن يَرُدَّ عليهم من خرج منهم مسلمًا إلى غير المدينة في بلاد الإسلام والشرك، وإن كان قادرًا عليه. . . ولم يذكُر أَحد أنه أعطاهم في مسلم غير أهل مكة شيئًا من هذا الشرط" (٥). ومن المخارج أيضًا: "أن للمسلم الذي يجيء من دار الحرب في زمن الهدنة قتل من جاء في طلب رده -إذا شرط لهم ذلك-؛ لأن النبي ﷺ لم ينكر على أبي بصير قتله العامري ولا أمر فيه بقود ولا دية" (٦).
стр. 302
٤ - الذي يُراعى عند الرد حال المطلوب، وأما الذي يُراعى عند التسليم حالة الطالب، وفي هذا يقول الماوردي ﵀: "وروعي حكم الوقت فيما يقتضيه حال المطلوب، فإن ظهرت المصلحة في حثه على العود لتألف قومه أشار به الإمام عليه بعد وعده بنصر اللَّه، وجزيل ثوابه؛ ليزداد ثباتًا على دينه وقوة في استنصاره، وإن ظهرت المصلحة في تثبيطه عن العود، أشار به -أي الإمام- سرًا وأمسك عن خطابه جهرًا، فإن ظهر من الطالب عُنْفٌ بالمطلوب واعده الإمامُ، فإن كان لفرط إشفاقٍ (١) تركه، وإن كان لشدة منعه" (٢).
٥ - أن سبب طلب الرد هو الإسلام بخلاف سبب التسليم الذي يكون غالبًا لارتكاب جريمة ما، وقد يقول قائل: هذا دليل على أن التسليم من أجل ارتكاب جريمة أولى، إذ كيف يرد النبي ﷺ الرجل لإسلامه ولا نرد الرجل لارتكابه جريمة قد تكون ممنوعة ومحرمة عليه شرعًا؟.
ولإيضاح الأمر أقول: إن من كان سبب رده الإسلام يكون له مخارج "فإن النبي ﷺ قد كان أذن لهم بالتلفظ بالكفر، وهو الذي كانت الكفار تطلبه فيتلفظون به حتى يأتي اللَّه بالفتح أو أمر من عنده" (٣)، وهذا من المخارج، قال الشافعي ﵀: "فإذا صالح الإمام على مثل ما صالح عليه رسول اللَّه ﷺ أهل الحديبية صالح على أن لا يمنع الرِّجَالَ دُونَ النِّسَاءِ لِلرَّجَالِ من أهل دار الحرب إذا جاء أحد من رجال أهل دار الحرب إلى منزل الإمام نفسه وجاء من يطلبه من أوليائه خلى بينه وبينهم بأن لا يمنعه من الذهاب به، وأشار على من أسلم أن لا يأتي منزله وأن يذهب في الأرض، فإن أرض اللَّه واسعة فيها مراغم كثيرة. . . إذا صالح
стр. 303
الإمام على أن يبعث إليهم بمن كان يقدر على بعثه منهم ممن لم يأته لم يجز الصلح؛ لأن رسول اللَّه ﷺ لم يبعث إليهم منهم بأحد، ولم يأمر أبا بصير، ولا أصحابه بإتيانهم، وهو يقدر على ذلك، وإنما معنى رددناه إليكم لم نمنعه كما نمنع غيره" (١).
وبعد ذكر هذه الفروق والتي أجدها كافية لبيان الفرق بين الرد والتسليم فقد وجدت للفقهاء نصوصًا صريحة بأن الرد الذي هو التخلية دون التسليم، فقد جاء في حاشيتا قليوبي وعميرة: " (ولو شرطَ) -أي: الإمام- عليهم -أي: على الكفار- في الهدنة (أن يَرُدُّوا مَن جاءَهُم مُرْتَدًّا منَّا لَزِمَهُمْ الوفاءُ) بذلك (فإن أبوا فقد نقضوا) العهدَ (والأظهر جوازُ شرطِ أن لا يَرُدُّوا) المرتدَّ، والثاني: المنعُ بل لا بُدَّ من اسْتِرْدَادِهِ لإِقامةِ حُكمِ المرتدينَ عليهِ فَعَلَيْهِم التَّمْكِينُ منهُ والتَّخْلِيَةُ دُونَ التَّسْلِيمِ" (٢).
وخلاصة هذا المطلب أن الرد الذي وقع عليه صلح الحديبية واختلف الفقهاء فيه، هو ليس التسليم بصورته المعاصرة، ولا سبيل لحمل أقوال الفقهاء في مسألة الرد على مسألة التسليم، للفروق المذكورة بينهما، علاوة على ظهور الفرق بين الرد والتسليم في اللغة.
* * *
المطلب الرابع تسليم المطلوبين للدولة الكافرة حال الاستضعاف
تسليم المطلوبين المسلمين، وكذلك أهل الذمة لدولة محاربة، حكمه أنه محرم، ويدل على هذا أدلة من القرآن الكريم والسنة الشريفة وعمل الصحابة، أوردها في الفروع التالية:
стр. 304
الفرع الأول: الأدلة من القرآن الكريم:
١ - قوله تعالى: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (١)، "إن اللَّه لا يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلًا بالشرع، فإن شريعة الإسلام ظاهرة إلى يوم القيامة، ويتفرع على ذلك مسائل من أحكام الفقه، منها: أن الكافر لا يرث المسلم، ومنها: أن الكافر إذا استولى على مال المسلم لم يملكه بدليل هذه الآية، ومنها أن الكافر ليس له أن يشتري عبدًا مسلمًا، ومنها: أن المسلم لا يُقتل بالذمي بدليل هذه الآية" (٢)، قلت ومنها: عدم جواز تسليم المسلم للكفار أو شرط بقائه لديهم.
٢ - قوله تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (٣)، فالآية تنهى عن التعاون على الإثم والعدوان وعلى أن نتجاوز ما حده اللَّه لنا وفرضه علينا في أنفسنا وفي غيرنا (٤)، وفي تسليم المطلوب المسلم لدولة محاربة تعاون على الإثم ومشاركة في العدوان والظلم، وأي ظلم أعظم من خذلان المسلم وتسليمه لمن يؤذيه ويعذبه ويفتنه ويحكم عليه بغير حكم اللَّه ورسوله ﷺ .
٣ - قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٥)، فالإسلام سبب في العزة والكرامة، ومعاقبة الكافر للمسلم ذُل وهوان علاوة على أنها بغير حكم اللَّه ورسوله (٦).
٤ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ
стр. 305
الظَّالِمِينَ﴾ (١)، وورد في سبب نزولها عن سَعْدِ قال: كُنَّا مع النَّبِيِّ ﷺ سِتَّةَ نَفَرٍ، فقال المُشْرِكُونَ للنبي ﷺ : اطْرُدْ هَؤُلَاءِ لا يَجْتَرِئُونَ عَلَيْنَا، قال: وَكُنْتُ أنا وابنُ مَسْعُودٍ وَرَجُلٌ من هُذَيْلٍ وَبِلَالٌ وَرَجُلَانِ لَسْتُ أُسَمِّيهِمَا، فَوَقَعَ في نَفْسِ رَسُولِ اللَّه ﷺ ما شاء اللَّه أن يَقَعَ فَحَدَّثَ نَفْسَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّه : ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ (٢)، والطرد أقل ضررًا من التسليم.
الفرع الثانى: الأدلة من السنة النبوية:
١ - طلبت قريش من الرسول ﷺ رد من أسلم فرفض طلبهم، بل وغضب ﷺ وأنكر على من طلب منه أن يستجيب لطلب المشركين، مما يدل على حرمة رد المسلمين إلى الكفار المحاربين، فعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: (خرج عَبدَان إلى رسول اللَّه ﷺ يعني يوم الحديبية قبل الصلح فكتب إليه مَوَالِيهُمْ فقالوا: يا محمد واللَّه ما خرجوا إليك رَغْبَةً في دينك وإنما خرجوا هربا من الرق، فقال ناس: صدقوا يا رسول اللَّه ردهم إليهم، فغضب رسول اللَّه ﷺ وقال: (ما أراكم تَنْتَهُونَ يا معشر قريش حتى يَبْعَثَ اللَّه عليكم منَ ضْرِبُ رقابكم على هذا وأبى أن يَرُدَّهُمْ وقال هم عُتَقَاءُ اللَّهِ (٣)، وفي رواية: (لما كان يوم الحديبية خرج إلينا ناس من المشركين فيهم سُهَيْلُ بن عمرو وأُنَاس من رؤساء المشركين، فقالوا: يا رسول اللَّه خرج إليك ناس من أَبْنَائِنَا وإِخْوَانِنَا وأَرِقَّائِنَا وليس
стр. 306
لهم فِقْهٌ في الدِّينِ وإنما خرجوا فرارًا من أموالنا وضياعنا فَارْدُدْهُمْ إلينا، قال ﷺ : (فإن لم يكن لهم فِقْهٌ في الدِّينِ سَنُفَقِّهُهُمْ. . .) الحديث) (١).
"وإنما غضب رسول اللَّه ﷺ لأنهم عارضوا حكم الشرع فيهم بالظن والتَّخْمِين وشهدوا لأوليائهم المشركين بما ادَّعَوْهُ أنهم خرجوا هربا من الرق لا رغبة في الإسلام، وكان حكم الشرع فيهم أنهم صاروا بخروجهم من ديار الحرب مُسْتَعْصِمِينَ بعروة الإسلام أحرارًا، لا يجوز رَدّهمْ إليهم فكان معاونتهم لأوليائهم تعاونا على العدوَان" (٢)، ودل هذا الحديث أن الشخص بمجرد دخوله في الإسلام ولجوئه للمسلمين ودولتهم يصبح من مواطني الدولة الإسلامية الذين لهم حق الرعاية والحماية، ودلت الرواية الثانية أن حكم عدم الرد لم يقتصر على الرقيق.
فإن قيل: هذا الدليل في الرد، وقد مضى التفريق بينه وبين التسليم فكيف تستدل به على منع التسليم؟
ويجاب: بأنه إذا ثبت حرمة الرد ومنعه فمن باب أولى أن يحرم التسليم.
٢ - ما رواه عبد اللَّه بن عمر أن رسول اللَّه ﷺ قال: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يُسْلِمُهُ ومن كان في حاجة أخيه كان اللَّه في حاجته ومن فَرَّجَ عن مسلم كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّه عنه كُرْبَةً من كُرُبَاتِ يوم القيامة ومن ستر مسلمًا ستره اللَّه يوم القيامة) (٣).
стр. 307
"ولا يُسْلِمُهُ أي: لا يتركه مع من يُؤْذِيه ولا فِيمَا يُؤْذِيه، بل يَنْصُرُهُ وَيَدْفَعُ عنه، وهذا أخص من ترك الظلم، وقد يكون ذلك واجبًا وقد يكون مندوبًا بحسب اختلاف الأحوال" (١)، وتسليم المسلم للكفار ظلم وإسلام له.
٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض وكونوا عباد اللَّه إخوانا المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يَخْذُلُهُ ولا يحقره التقوى هاهنا -ويشير إلى صدره ثلاث مرات- بحسب امرىء من الشر أن يحقر أخاه المسلم كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه) (٢).
و"الْخَذْل: ترك الإعانة والنصر، ومعناه إذا استعان به في دفع ظالم ونحوه لزمه إعانته إذا أمكنه ولم يكن له عذر شرعي" (٣)، وأي ظلم وخذلان أعظم من تسليم المسلم للعدو والتخلية بينه وبين طالبيه من الكفار.
٤ - قوله ﵊: (الإسلام يعلو ولا يعلى) (٤)، وفي تسليم المسلم إلى الدولة الكافرة إذلال له لا محالة وعلو لأهل الكفر على المسلم.
٥ - ومن الأدلة أنه "إذا كان دم الحربي الكافر يَحُرُم بالأمان فما ظنك بالمؤمن الذي يصبح ويمسي في ذمة اللَّه! كيف ترى في الغدر به والقتل؟ وقد قال ﵊:
стр. 308
(الإِيمَانُ قَيَّدَ الْفَتْكَ لا يَفْتِكُ مُؤْمِنٌ) (١)، ومعنى الحديث أن الإيمان يمنع من الفتك الذي هو فجأة القتل بعد الأمان غدرًا كما يمنع القيد من التصرف (٢)، وسبب النهي عن الفتك؛ لأنه متضمن للمكر والخديعة (٣)، وفي تسليم المسلم للكفار فتك به.
الفرع الثالث: الأدلة من عمل الصحابة ﵃ -:
١ - عندما فر جماعة من عسكر الفرس والتجؤوا إلى عسكر المسلمين قبيل معركة القادسية، بعث رستم رسولًا إلى سعد بن أبي وقاص يطلب منه أن يرد عليه الذين هربوا، فقال سعد ﵁: (إنا قوم لا نضيع ذمامنا ولا ننقض عهدنا، وقد أتوا إلينا مستسلمين وفي صحبتنا راغبين، فيجب علينا أن نذب عنهم ولا نمكن أحدًا منهم، فعاد الرسول إلى رستم وأعاد عليه الجواب فغضب وأمر الجيوش بالزحف) (٤)، فالفرس كانوا في حالة حرب مع المسلمين ومع هذا طلبوا من المسلمين أن يسلموهم من أسلم منهم فأبوا وامتنعوا بل وكان الرد صريحًا وواضحًا من قبل المسلمين. ولا يستبعد أن يكون عمر وبقية الصحابة ﵃ قد علموا بهذه القصة فتكون في حكم الإجماع أو اتفاق الأمة.
стр. 309
الفرع الرابع: الأدلة من المعقول:
١ - اتفق العلماء على عدم جواز قضاء القاضي غير المسلم على المسلم (١)، ومنعوا اشتراط حكمهم على مسلم (٢)، وفي تسليم المطلوب المسلم إلى الدولة الكافرة تسليط للقضاة غير المسلمين وتمكين لهم للحكم عليه بغير ما أنزل اللَّه.
٢ - منع الفقهاء شرط بقاء الأسير المسلم لدى الكفار أو أن يمكنوا من مسلم كان أسيرًا في أيديهم ثم انفلت منهم، ولا يقضي لهم عليه بشيء (٣)، والتسليم كالأسر وزيادة، ووجه كون التسليم يزيد على الأسر؛ أن الأسر كان من قِبَلِ الكفار، أما التسليم فهو من قبل المسلمين للكفار.
٣ - منع الفقهاء للرد مطلقًا والذين أجازوه اشترطوا في الرد أن يكون للعشيرة وقيدوها إن كانت تمنعه أو للضرورة وفي حال ضعف المسلمين، فمنع التسليم من باب أولى.
وبعد عرض هذه الأدلة فالراجح واللَّه أعلم عدم جواز تسليم المسلم للدولة الكافرة حال الاستضعاف، فإن قيل: إن مصلحة الجماعة مقدمة على مصلحة الفرد، وقد تتعرض الدولة للأضرار وللحصار وغيره من الأضرار فقد يستغل بعض المجرمين هذا النظام في الدول الإسلامية، وتصبح الدول الإسلامية مقر تجمع للمطلوبين من الجناة وغيرهم.
стр. 310
فالجواب: بأنه لا ضمان في حال الاستضعاف أن الكفار الذين يطالبون بتسليم المسلم سيكفون عنا بمجرد التسليم، ثم إن المخرج من ذلك يكون من خلال بدائل التسليم لا التسليم، كما أن عدم تسليم المجرم لا يعني عدم المحاسبة والعقاب، ولهذا فإن رأي الجمهور في مسألة نفاذ الأحكام الإسلامية هو تنفيذ الأحكام الإسلامية على المسلمين والذميين على ما يرتكبونه من جرائم أينما وقعت، ومثل هذا القول يقطع دَابرَ المجرمين والمفسدين ويُفوت عليهم فرصة استغلال عدم تسليمهم للدول التي ارتكبوا فيها جرائهم بل قد يكون الحكم الشرعي أشد عليهم من الحكم القانوني مما يترتب عليه أن تكون الدول الإسلامية مكانًا غير آمن للمجرمين وخيارًا ليس مفضلًا للهرب إليها.
وأما بدائل التسليم فهي تختلف بحسب الغرض من طلب التسليم، والجهة الطالبة للتسليم، وحالة الدولة الإسلامية، ومنها ما يلي:
١ - إن كان الغرض من طلب التسليم إكمال إجراءات التحقيق، فإنه من الممكن دعوة فريق من المحققين للتحقيق مع المطلوب المسلم أو الذمي داخل الدولة الإسلامية وبحضور محققين منها، إذ "لا يوجد نص قانوني (دولي) يجبر دولة على تسليم رعاياها للتحقيق معهم في دولة أخرى، ولا توجد قاعدة قانونية تنص على ضرورة التحقيق في مكان الحادث" (١).
ومثل هذا البديل لا يجوز إلا عند الضرورة والحاجة إليه، وفرق بين التحقيق مع المسلم أو الذمي وبين الحكم عليه، فالغرض من التحقيق أنه قد تكون للمطلوب المسلم أو الذمي صلة مع مجرمين غير مسلمين في الدولة الطالبة للتسليم.
٢ - ومن البدائل التعويض ولو بدفع مال، وقد سبق بحثه.
стр. 311
٣ - ومن البدائل إمكانية إعادة الحقوق، فالدول لا تطلب التسليم عادة بقصد التسليم في حد ذاته، بل بهدف استعادة الحقوق (١)، وهذه الحقوق قد تكون مما يمكن استعادته أو التعويض عنه كالأموال والمجوهرات المسروقة والأمور العينية، فإن الدولة الإسلامية إن كان بينها وبين الدولة الطالبة عهد فهي تتكفل بإعادة المسروقات كما تتكفل بمعاقبة هذا السارق؛ لوجود العهد بينها وبين الدولة الإسلامية.
وأما الدولة المحاربة ففي حال الضرورة يجوز للدولة الإسلامية أن تعرض عليها هذا العرض مقابل عدم تسليم المطلوب المسلم، والحكم هنا أولى بالجواز من مسألة دفع المال؛ لأن الأمر لا يعدو أن يكون إعادة لأموالهم إن كانت للمسلمين مصلحة في ذلك وحاجة إليه، بخلاف تلك المسألة فهي دفع أموالنا لهم وكلاهما جائز في حال الضرورة والحاجة وتحقق المصلحة.
وينبغي أن يترتب على إعادة الأموال إلغاء طلب التسليم وإيقاف الحكم الصادر على المطلوب وإسقاط الدعوى المرفوعة ضده.
أما في تعامل الدولة الإسلامية مع دولة إسلامية تحكم مثلها بالأحكام الشرعية، فالأولى التسليم؛ لأنه من التعاون على البر والتقوى ومحاربة الفساد.
٤ - ومن البدائل محاكمة الشخص المطلوب في محاكم الدولة الإسلامية، وهو ما يسمى في القانون بمبدأ إما التسليم أو المحاكمة (٢).
٥ - ومن البدائل أن نأمر المطلوب بالخروج في حالة عدم قدرة الدولة الإسلامية على توفير الملجأ للمطلوب، ومن الممكن مساعدته على هذا، وقد أشار لهذه المسألة السرخسي
стр. 312
عند كلامه عن المطلوب المستأمن حيث قال ﵀: "وإن قال المشركون للمسلمين ادْفَعُوهُ إلَيْنَا، وإلا قاتَلْنَاكُمْ وليس بالمسلمين عليهم قوة، فليس ينبغي للمسلمين أن يفعلوا ذلك؛ لأنه غدرٌ منا بأمانه وذلك لا رخصة فيه،. . . ولكن أن يقولوا له: اخْرُجْ من بلاد المسلمين فاذهبْ حيثُ شِئت من أرضِ اللَّه تعالى" (١).
ويمكننا أن نقيس المطلوب المسلم على المطلوب المستأمن عند الحاجة لذلك وعدم قدرة الدولة الإسلامية على حمايته ومنعه، فلو كان مقيمًا في دولة إسلامية ضعيفة أو لها مصالح مهمة مع الدولة الكافرة التي طلبت التسليم، فإنها تعرض عليه الخروج إلى دولة إسلامية قوية أو لا تربطها علاقات ومصالح مهمة مع تلك الدولة الكافرة.
* * *
стр. 313
المبحث السابع التجنس بجنسية دولة غير إسلامية حال الاستضعاف
وفيه خمسة مطالب
المطلب الأول تعريف الجنسية
عرف الجنس في اللغة بأنه: الضرب من كل شيء، والجمع أجناس، وهو أعم من النوع، فالحيوان جنس، والإنسان نوع، ويقال: هذا يجانس هذا، أي: يُشاكله، ومنه المجانسة والتجنيس (١)، كما عرفت الجنسية بأنها: "الصفة التي تلحق بالشخص من جهة انتسابه لشعب أو أمة" (٢).
أما في القانون الوضعي فقد عرفت الجنسية بأنها: "رابطة قانونية وسياسية لها طابع الدوام والاستمرار تربط الفرد بدولة ما، وتعني الخضوع والولاء من جانب الفرد والحماية من جانب الدولة. . . فالجنسية رابطة بين الشخص والدولة تجعله تابعًا لها" (٣).
إن الأصل أن يهاجر المسلم من دار الكفر إلى دار الإسلام، إلا أنه عندما يضطر المستضعف للخروج من بلده لظلم السلطة القائمة وبعدها عن الشريعة الإسلامية، حتى تستوي في أحكامها وأنظمتها مع الدول الكافرة، إلا أنه لا يأمن على نفسه وأهله، فيخاف
стр. 314
السجن والعذاب وغيره، فهل يجوز له الخروج والتجنس بجنسية دولة غير إسلامية يأمن فيها على نفسه وأهله.
لقد جاء الإسلام ليضع أساسًا جديدًا ومتينًا للعلاقة بين المسلمين يختلف عن الروابط التي كانت قائمة بين العرب في الجاهلية، وهو وحدة العقيدة والدين، فصار المسلمون أمة واحدة، لا فرق بينهم بسبب الجنس أو اللون أو اللغة أو العرف أو أي عامل آخر، فالإسلام دين وجنسية، سما عن جميع الاعتبارات الدنيوية ووحد المسلمين بالعقيدة، فكانت الصلة المتينة بين كل مسلم وأخيه في كل مكان وزمان (١)، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (٢)، وقال : ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (٣).
كما أن فقهاء المسلمين لم يسموا هذه الرابطة باسم الجنسية، وهذا لا يعني عدم وجود آثار ونتائج هذه الرابطة بين المسلم والدولة الإسلامية (٤)، واكتساب هذه الرابطة يكون بالاشتراك في العقيدة الإسلامية فهي رباط ديني واجتماعي معًا (٥)، فأساس رابطة الجنسية
стр. 315
في الدولة الإسلامية هو: الإسلام فكل مسلم يتمتع بجنسية دار الإسلام لتوافر هذه الصفة فيه فالإسلام عقيدة وجنسية (١).
* * *
المطلب الثانى الإقامة في دار الكفر
لم يتطرق الفقهاء لمسألة التجنس بجنسية دولة غير إسلامية وفقًا لمفهوم الجنسية المعاصر، إلا أنهم تطرقوا لمسألة إقامة المسلم في دار الكفر، ومسألة الهجرة والتي سبق بيانها، ومن هنا يمكننا بعد استعراض أراء الفقهاء في مسألة الإقامة في دار الحرب بيان حكم التجنس بجنسية دولة غير إسلامية.
إن المسلم إذا أراد الإقامة في دار الكفر لا يخلو من الحالات التالية:
أولًا: حالة العجز عن إظهار الشعائر والعبادات مع القدرة على الهجرة:
وفي هذه الحالة اتفق الفقهاء على وجوب الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام إن كان المسلم لا يستطيع أن يُقيم الشعائر أو أن يقوم بالواجبات أو خاف الفتنة في دينه، بل نقل
стр. 316
الونشريسي (١) وغيره (٢) الإجماع على هذا، فقال: "الهجرة باقية لازمة إلى يوم القيامة، واجب بإجماع المسلمين على من أسلم بدار الحرب، أن لا يقيم بها حيث تجرى عليه أحكام المشركين، وأن يهجرها ويلحق بدار المسلمين حيث تجرى عليه أحكامهم" (٣)، وقال في موضع آخر: "الهجرة من أرض الكفر إلى أرض الإسلام فريضة إلى يوم القيامة وكذلك الهجرة من أرض الحرام والباطل بظلم أو فتنة" (٤).
وقد استدل الفقهاء لعدم جواز الإقامة في دار الحرب بما يلي:
١ - عموم الآيات الواردة في وجوب الهجرة ومنها قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ (٥)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (٦)، قال ابن كثير ﵀: "هذه الآية الكريمة عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين وهو قادر على الهجرة وليس متمكنا من إقامة الدين، فهو ظالم لنفسه مرتكب حراما بالإجماع وبنص هذه الآية" (٧).
стр. 317
٢ - عموم الأحاديث الواردة في وجوب الهجرة والتحذير من الإقامة عند الكفار، ومنها قوله ﷺ : (أَنَا بَرِيءٌ من كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ المُشْرِكِينَ)، قَالُوا: يا رسُول اللَّهِ لِمَ؟ قال: (لا تَرَاءَى نَارَاهُمَا) (١).
٣ - عن جرير ﵁ قال: "بَايَعْتُ رسول اللَّه ﷺ على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم، وعلى فِرَاقِ المُشْرِكِ) (٢).
٤ - ومن المعقول أن الإقامة تؤدي إلى تخلق الولد بأخلاق الكفار في حال الزواج منهم، وكذلك الفتنة والمخاطرة بالنفس والدين بسبب المخالطة، وتكثير سواد وعدد الكفار، لاسيما إن كانت هذه الإقامة بغرض التجارة وكسب المال (٣).
ثانيًا: حالة العجز عن إظهار الشعائر والعبادات مع عدم القدرة على الهجرة:
ويعذر الإنسان في هذه الحالة لعجزة عن الهجرة، لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ (٤).
ثالثًا: حالة القدرة على إظهار الشعائر والعبادات:
وللفقهاء في هذا الحالة رأيان:
الرأي الأول: استحباب الهجرة وهو رأي جمهور الفقهاء عدا المالكية، واستدلوا لعدم وجوبها، بكون الآيات الواردة في الهجرة إنما دلت على وجوبها في حق المستضعف العاجز
стр. 318
عن إظهار دينه، ويفهم من هذا أن غيره لا تجب عليه، وعللوا للاستحباب بما علل به أصحاب القول الأول وهو ألا يكثر سواد الكفار، وخشية الميل لهم أو أن يكيدوا له (١)، وأما الأحاديث الواردة في النهي عن المقام بين أظهر المشركين فحملوها على من لم يأمن دينه عندهم (٢).
الرأي الثاني: عدم جواز الإقامة في دار الكفر، وهو رأي المالكية، ونقل عن الإمام مالك أنه كره السفر إلى بلاد الحرب للتجارة كراهية شديدة، وقال: "لا يخرج إلى بلادهم حيث تجري أحكام الشرك عليه" (٣)، بل ومنع من بيع كل ما هو قوة على أهل الإسلام مما يتقوون به في حروبهم مما يعلم أنه قوة في الحرب، واستثنوا من هذا الدخول إليها لمصلحة المسلمين كمفاداة أسير عندهم، أو من دخلها من دون قصد كمن ضل عن الطريق أو أدخلته الريح غلبة (٤).
قال ابن قدامة ﵀: "فالناس في الهجرة على ثلاثة أضرب:
أحدها: من تجب عليه، وهو من يقدر عليها، ولا يمكنه إظهار دينه، ولا يمكنه إقامة واجبات دينه، مع المقام بين الكفار، فهذا تجب عليه الهجرة. . .؛ لأن القيام بواجب دينه واجب على من قدر عليه، والهجرة من ضرورة الواجب وتتمته وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
стр. 319
الثاني: من لا هجرة عليه، وهو من يعجز عنها إما لمرض، أو إكراه على الإقامة، أو ضعف من النساء والولدان وشبههم، فهذا لا هجرة عليه.
والثالث: من تستحب له ولا تجب عليه، وهو من يقدر عليها، لكنه يتمكن من إظهار دينه، وإقامته في دار الكفر، فتستحب له ليتمكن من جهادهم، وتكثير المسلمين ومعونتهم، ويتخلص من تكثير الكفار ومخالطتهم ورؤية المنكر بينهم، ولا تجب عليه لإمكان إقامة واجب دينه بدون الهجرة" (١).
وبعد استعراض الحالات الثلاث، فإن الحالة الثالثة هي محل البحث في هذه المسألة، مع التنبيه على أن عموم الأدلة تدل على أن الأصل في إقامة المسلم في دار الكفر هو التحريم، ويستثنى من هذا الحكم الحالات التالية:
١ - من لم يقدر على الهجرة أو لم يجد مأوى له.
٢ - من كان قادرًا على الاعتزال.
٣ - كل من كان في إقامته مصلحة للمسلمين كالتجار والرسل والسفراء والدعاة والطلاب ونحوهم.
ولذا فقد ذهب فقهاء الشافعية إلى أن إقامة المسلم في دار الكفر هي الأفضل إن كان يرجو ظهور الإسلام فيها، أو قدر على الامتناع في دار الكفر والاعتزال؛ لأن موضعه فيها صار دار إسلام، وكذلك إن قدر على دعائهم إلى الإسلام أو قتالهم (٢)، كما استثنى المالكية من تحريم الإقامة من كان في إقامته مصلحة المسلمين كمفاداة أسير عندهم (٣).
стр. 320
المطلب الثالث حصول المستضعف على جنسية الدولة الكافرة (١)
إن كان بقاء المسلم في الدولة الكافرة يترتب عليه مصلحة للمسلمين فإن الراجح جواز إقامته في دار الكفر، أما في حال الاستضعاف فإن المسلم المستضعف يكون أشد حاجة للإقامة في دار الكفر، وأما الحصول على الجنسية فإنها تبع لتلك الإقامة، والجنسية ما هي إلا لتنظيم تلك الإقامة في دار الكفر (٢)، وأما الفصل بين الجنسية والإقامة فلا يترتب عليه إلا أن يكون المستضعف منقوص الحقوق، وربما تم إخراجه من الدولة وإنهاء إقامته فيها؛ لكونه لم يحصل على الجنسية، بينما قد يترتب على حصوله على الجنسية نوع من الحماية والحصانة تمكنه من العودة إلى بلده دون خوف مما كان يتهدده قبل حصوله عليها.
وبالنظر في أراء الفقهاء في مسألة إقامة المسلم في دار الكفر مع القدرة على إظهار الإيمان والشعائر يتضح لي رجحان الرأي الأول وهو جواز هجرة وإقامة المستضعف في بلاد الكفار وحصوله على جنسيتها، ويشهد لهذا الرأي هجرة الصحابة ﵃ إلى الحبشة، بل وأمر النبي ﷺ لهم بذلك، كما يشهد له (أن رسول اللَّه ﷺ أذن لقوم