← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 17438

الاستضعاف وأحكامه في الفقه الإسلامي

زياد بن عابد المشوخي

Полный текст (432 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

الونشريسي (١) وغيره (٢) الإجماع على هذا، فقال: "الهجرة باقية لازمة إلى يوم القيامة، واجب بإجماع المسلمين على من أسلم بدار الحرب، أن لا يقيم بها حيث تجرى عليه أحكام المشركين، وأن يهجرها ويلحق بدار المسلمين حيث تجرى عليه أحكامهم" (٣)، وقال في موضع آخر: "الهجرة من أرض الكفر إلى أرض الإسلام فريضة إلى يوم القيامة وكذلك الهجرة من أرض الحرام والباطل بظلم أو فتنة" (٤). وقد استدل الفقهاء لعدم جواز الإقامة في دار الحرب بما يلي: ١ - عموم الآيات الواردة في وجوب الهجرة ومنها قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ (٥)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (٦)، قال ابن كثير ﵀: "هذه الآية الكريمة عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين وهو قادر على الهجرة وليس متمكنا من إقامة الدين، فهو ظالم لنفسه مرتكب حراما بالإجماع وبنص هذه الآية" (٧).

стр. 317

٢ - عموم الأحاديث الواردة في وجوب الهجرة والتحذير من الإقامة عند الكفار، ومنها قوله ﷺ : (أَنَا بَرِيءٌ من كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ المُشْرِكِينَ)، قَالُوا: يا رسُول اللَّهِ لِمَ؟ قال: (لا تَرَاءَى نَارَاهُمَا) (١). ٣ - عن جرير ﵁ قال: "بَايَعْتُ رسول اللَّه ﷺ على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم، وعلى فِرَاقِ المُشْرِكِ) (٢). ٤ - ومن المعقول أن الإقامة تؤدي إلى تخلق الولد بأخلاق الكفار في حال الزواج منهم، وكذلك الفتنة والمخاطرة بالنفس والدين بسبب المخالطة، وتكثير سواد وعدد الكفار، لاسيما إن كانت هذه الإقامة بغرض التجارة وكسب المال (٣). ثانيًا: حالة العجز عن إظهار الشعائر والعبادات مع عدم القدرة على الهجرة: ويعذر الإنسان في هذه الحالة لعجزة عن الهجرة، لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ (٤). ثالثًا: حالة القدرة على إظهار الشعائر والعبادات: وللفقهاء في هذا الحالة رأيان: الرأي الأول: استحباب الهجرة وهو رأي جمهور الفقهاء عدا المالكية، واستدلوا لعدم وجوبها، بكون الآيات الواردة في الهجرة إنما دلت على وجوبها في حق المستضعف العاجز

стр. 318

عن إظهار دينه، ويفهم من هذا أن غيره لا تجب عليه، وعللوا للاستحباب بما علل به أصحاب القول الأول وهو ألا يكثر سواد الكفار، وخشية الميل لهم أو أن يكيدوا له (١)، وأما الأحاديث الواردة في النهي عن المقام بين أظهر المشركين فحملوها على من لم يأمن دينه عندهم (٢). الرأي الثاني: عدم جواز الإقامة في دار الكفر، وهو رأي المالكية، ونقل عن الإمام مالك أنه كره السفر إلى بلاد الحرب للتجارة كراهية شديدة، وقال: "لا يخرج إلى بلادهم حيث تجري أحكام الشرك عليه" (٣)، بل ومنع من بيع كل ما هو قوة على أهل الإسلام مما يتقوون به في حروبهم مما يعلم أنه قوة في الحرب، واستثنوا من هذا الدخول إليها لمصلحة المسلمين كمفاداة أسير عندهم، أو من دخلها من دون قصد كمن ضل عن الطريق أو أدخلته الريح غلبة (٤). قال ابن قدامة ﵀: "فالناس في الهجرة على ثلاثة أضرب: أحدها: من تجب عليه، وهو من يقدر عليها، ولا يمكنه إظهار دينه، ولا يمكنه إقامة واجبات دينه، مع المقام بين الكفار، فهذا تجب عليه الهجرة. . .؛ لأن القيام بواجب دينه واجب على من قدر عليه، والهجرة من ضرورة الواجب وتتمته وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

стр. 319

الثاني: من لا هجرة عليه، وهو من يعجز عنها إما لمرض، أو إكراه على الإقامة، أو ضعف من النساء والولدان وشبههم، فهذا لا هجرة عليه. والثالث: من تستحب له ولا تجب عليه، وهو من يقدر عليها، لكنه يتمكن من إظهار دينه، وإقامته في دار الكفر، فتستحب له ليتمكن من جهادهم، وتكثير المسلمين ومعونتهم، ويتخلص من تكثير الكفار ومخالطتهم ورؤية المنكر بينهم، ولا تجب عليه لإمكان إقامة واجب دينه بدون الهجرة" (١). وبعد استعراض الحالات الثلاث، فإن الحالة الثالثة هي محل البحث في هذه المسألة، مع التنبيه على أن عموم الأدلة تدل على أن الأصل في إقامة المسلم في دار الكفر هو التحريم، ويستثنى من هذا الحكم الحالات التالية: ١ - من لم يقدر على الهجرة أو لم يجد مأوى له. ٢ - من كان قادرًا على الاعتزال. ٣ - كل من كان في إقامته مصلحة للمسلمين كالتجار والرسل والسفراء والدعاة والطلاب ونحوهم. ولذا فقد ذهب فقهاء الشافعية إلى أن إقامة المسلم في دار الكفر هي الأفضل إن كان يرجو ظهور الإسلام فيها، أو قدر على الامتناع في دار الكفر والاعتزال؛ لأن موضعه فيها صار دار إسلام، وكذلك إن قدر على دعائهم إلى الإسلام أو قتالهم (٢)، كما استثنى المالكية من تحريم الإقامة من كان في إقامته مصلحة المسلمين كمفاداة أسير عندهم (٣).

стр. 320

المطلب الثالث حصول المستضعف على جنسية الدولة الكافرة (١) إن كان بقاء المسلم في الدولة الكافرة يترتب عليه مصلحة للمسلمين فإن الراجح جواز إقامته في دار الكفر، أما في حال الاستضعاف فإن المسلم المستضعف يكون أشد حاجة للإقامة في دار الكفر، وأما الحصول على الجنسية فإنها تبع لتلك الإقامة، والجنسية ما هي إلا لتنظيم تلك الإقامة في دار الكفر (٢)، وأما الفصل بين الجنسية والإقامة فلا يترتب عليه إلا أن يكون المستضعف منقوص الحقوق، وربما تم إخراجه من الدولة وإنهاء إقامته فيها؛ لكونه لم يحصل على الجنسية، بينما قد يترتب على حصوله على الجنسية نوع من الحماية والحصانة تمكنه من العودة إلى بلده دون خوف مما كان يتهدده قبل حصوله عليها. وبالنظر في أراء الفقهاء في مسألة إقامة المسلم في دار الكفر مع القدرة على إظهار الإيمان والشعائر يتضح لي رجحان الرأي الأول وهو جواز هجرة وإقامة المستضعف في بلاد الكفار وحصوله على جنسيتها، ويشهد لهذا الرأي هجرة الصحابة ﵃ إلى الحبشة، بل وأمر النبي ﷺ لهم بذلك، كما يشهد له (أن رسول اللَّه ﷺ أذن لقوم

стр. 321

بمكة أن يقيموا بها بعد إسلامهم، منهم العباس ابن عبد المطلب) (١) وغيره، إذا لم يخافوا الفتنة. وكان ﵊ يأمر جيوشه أن يقولوا لمن أسلم: (إن هاجرتم فلكم ما للمهاجرين وإن أقمتم فأنتم كأعراب، وليس يخيرهم إلا فيما يحل لهم) (٢). إلا أنه يشترط لهذا الجواز ما يلي: ١ - تحقق الاستضعاف في البلد المسلم الذي سوف يفارقه. ٢ - أن يتعذر عليه الهجرة إلى بلد إسلامي، أو أن تكون نتيجة هجرته للبلد الإسلامي مساوية لبقائه في بلده من حيث الاستضعاف الواقع عليه، قال ابن العربي ﵀: "فإذا لم يوجد بلد إلا كذلك؟ قلنا: يختار المرء أقلها إثمًا، مثل أن يكون بلد به كفر، فبلد فيه جور

стр. 322

خير منه، أو بلد فيه عدل وحرام، فبلد فيه جور وحلال خير منه للمقام، أو بلد فيه معاصٍ في حقوق اللَّه فهو أولى من بلد فيه معاصٍ في مظالم العباد" (١). ٣ - إن أمكن المستضعف الحصول على حق اللجوء فإنه يكتفي به بدلًا من الحصول على الجنسية؛ إلا إن رأى أن المصلحة تقتضي حصوله على الجنسية وأنه سيحصل على المزيد من الحقوق. ٤ - أن تكون أنظمة البلاد المراد الهجرة إليها عادلة، تسمح للمسلم بإظهار إسلامه وممارسة عباداته، ويكون فيها آمنًا هو وأهله وأمواله، كما كان حال المسلمين بالحبشة في زمن النجاشي ﵀. ٥ - أن يأخذ المستضعف بكل الأسباب التي تعينه وأسرته على المحافظة على الدين وإقامة العبادات. ٦ - أن يعود المستضعف إلى بلده متى ما زالت الأسباب التي أدت إلى خروجه منه، أو إلى أي بلد مسلم متى ما تيسر ذلك. ٧ - ألا يشارك في أي عمل ضد المسلمين. قال ابن حزم ﵀: "وأما من فرَّ إلى أرض الحرب لظلم خافه ولم يحارب المسلمين ولا أعانهم عليهم ولم يجد في المسلمين من يجيره، فهذا لا شيء عليه؛ لأنه مضطر مكره، وقد ذكرنا أن الزهري محمد بن مسلم بن شهاب كان عازما على أنه إن مات هشام بن عبد الملك لحق بأرض الروم؛ لأن الوليد بن يزيد كان نذر دمه إن قدر عليه وهو كان الوالي بعد هشام، فمن كان هكذا فهو معذور" (٢).

стр. 323

وإن التجنس والإقامة بين أظهر الكفار لا يستلزم الموالاة بالضرورة، فقد يقيم الرجل بين ألد أعدائه، ويتعامل معه وهو يبغضه أشد البغض، وهذا رسول اللَّه ﷺ والصحابة ﵃ معه كانوا يقيمون بمكة وفيها المشركون ويتعاملون معهم، وكذلك بالمدينة وفيها ذميون من أهل الكتاب، ولم يستلزم ذلك حبهم ولا موالاتهم (١). * * * المطلب الرابع التجنس الجماعي للمستضعفين مضى الحديث عن تجنس الأفراد في حال استضعافهم، أما في حالة استضعاف الجماعة، فهل يجوز التجنس بجنسية دولة كافرة؟ بداية أشير إلى أن هذه الحالة تقع عندما يداهم العدو بلاد المسلمين ويحتلها ولا يبقى أمامهم إلا خيار القتل أو التشريد أو الحصول على جنسية المحتل؛ ليصبحوا من مواطنيه، ويراهن الاحتلال على ذوبانهم وانسلاخهم من هويتهم الإسلامية، وهذا ما جرى لمسلمي الاتحاد السوفيتي السابق، والمسلمين في فلسطين المحتلة سنة ١٩٤٨ م (٢)، فالحكم في هذه الحالة أن بقاءهم في بلادهم مع حصولهم على الجنسية هو الأولى، ويشهد لهذا ما يلي: ١ - أن بقاءهم في بلادهم يحفظ بلاد الإسلام من أن تصير دار حرب، فيحرم عليهم الخروج، لاسيما مع قدرتهم على إظهار شعائر الإسلام والعبادات (٣).

стр. 324

٢ - أن خروجهم من بلدهم فيه تقوية للأعداء وإضعاف للمسلمين. ٣ - أن بلاد الإسلام لا تصير دار كفر بمجرد استيلاء الكفار عليها، طالما بقي المسلمون قادرين على إظهار الإيمان والشعائر وهو قول الجمهور (١). ٤ - أن خروجهم يؤدي إلى ضعف المقاومة؛ لاعتمادها عليهم في الدعم والمساندة والتأييد والضغط والتأثير على الاحتلال ومعرفة نقاط ضعفه وأسراره. ٥ - أن الحصول على الجنسية وإن كان فيه مفسدة، إلا أن عدم الحصول عليها يترتب عليه مفاسد أعظم. ولذا فقد قال العز بن عبد السلام ﵀: "ولو استولى الكفار على إقليم عظيم، فولوا القضاء لمن يقوم بمصالح المسلمين العامة، فالذي يظهر إنفاذ ذلك كله، جلبًا للمصالح العامة، ودفعًا للمفاسد الشاملة؛ إذ يبعد عن رحمة الشارع ورعايته لمصالح عبادة تعطيل المصالح العامة وتحمل المفاسد" (٢). وخلاصة هذا المبحث: جواز التجنس الجماعي للمستضعفين متى ما تحققت الشروط وكانت المصلحة تقتضي ذلك. * * *

стр. 325

المبحث الثامن المشاركة فى الحكم حال الاستضعاف إن المسلم في حال الاستضعاف يحتاج إلى ما يبقيه ويقويه، وهو حينئذ قد يتعرض إلى أمور لا يقدر على تجاوزها إلا بشيء من التنازلات، التي لا تؤثر في حقيقة الإيمان، وتسهم في حمايته وحماية ما حققه من انجازات أو مكتسبات، لذا فقد يضطر المستضعف أو المستضعفين بعد تقديرهم للموقف، والموازنة بين المصالح والمفاسد إلى التعامل مع بعض الكفار أو الظلمة، لئلا يقضى على وجودهم، أو تخفيفًا لوطأة الظلم على أفراد الأمة (١)، وبعد ظهور الأنظمة الوضعية في العالم الإسلامي برزت مسألة المشاركة في الحكم رغم جوره أو مشاركة الأقلية المسلمة في الحكم ببلاد الكفر، وهذه المسألة إنما يتصور وقوعها في حالة الاستضعاف الجزئي. وللعلماء في هذه المسألة آراء أوردها في الأقوال التالية: القول الأول: منع المشاركة في الحكم مطلقًا. واستدل أصحاب هذا الرأي بما يلي: ١ - عموم الأدلة الواردة بتحريم الحكم بغير ما أنزل اللَّه ووصفت أصحاب هذا الفعل بالكفر والظلم والفسق، قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٢)، وقال : ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٣)، وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٤)، وقال : ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (٥).

стр. 326

٢ - النهي عن مجالسة الكفار وأصحاب المعاصي المستهزئين بالإسلام وأحكامه، قال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ (١)، "نهى اللَّه عن مجالسة الكفار الذين يكفرون بحجج اللَّه وآي كتابه ويستهزئون بها، حتى يخوضوا في حديث غيره" (٢)، "أي إنكم إذا جلستم معهم وأقررتموهم على ذلك فقد ساويتموهم فيما هم فيه" (٣)، وقال القرطبي: "وإنما كانت الرخصة قبل الفتح وكان الوقت وقت تقية" (٤). ونوقش: بأن المشارك لا يخوض معهم، بل الواقع أنه يمنعهم من الخوض، وسبب الرخصة قبل الفتح كان الضعف، وهو متحقق اليوم في ظل عدم وجود حكم إسلامي. ٣ - الأمر باعتزال أمر العامة في زمن الفتنة، فعن عبد اللَّه بن عمرو ﵄ قال: كنا نحن حول رسول اللَّه ﷺ جلوسًا إذ ذكر الفتنة أو ذكرت عنده، فقال رسول اللَّه ﷺ : (إذا رأيت الناس قد مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ وَخَفَّتْ أَمَانَاتُهُمْ، وكانوا هكذا وشبك بين أنامله)، فقمت إليه، فقلت: كيف أفعل يا رسول اللَّه؟ جَعَلَنِي اللَّه فداك، قال: (الْزَمْ بَيْتَكَ، وَامْلِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَخُذْ بِمَا تَعْرِفُ، وَدَعْ مَا تُنْكِرُ، وَعَلَيْكَ بِأَمْرِ خَاصَّةِ نَفْسِكَ وَدَعْ عَنْكَ أَمْرَ الْعَامَّةِ) (٥).

стр. 327

ونوقش: بأن المراد بأمر العامة، "كافة الناس فليس المراد العوام فقط" (١)، "أي: اتركه، فإذا غلب على ظنك أن المنكر لا يزول بإنكارك وخفت محذورًا فأنت في سعة من تركه وأنكر بالقلب" (٢)، ومن يشارك في الحكم يغلب على ظنه أنه سيزيل النكر ويأمر بالمعروف. ٤ - النهي عن إتيان أبواب السلطان، قال ﵊: (من سكن البادية جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى أبواب السلطان افتتن) (٣)، وسبب وقوعه في الفتنة؛ "لأنه إن وافقه في مرامه فقد خاطر بدينه، وإن خالفه فقد خاطر بروحه؛ ولأنه يرى سعة الدنيا، فيحتقر نعمة اللَّه عليه، وربما استخدمه، فلا يسلم من الإثم في الدنيا، والعقوبة في العقبى" (٤). ونوقش: بأن الحديث "محمول على من أتاه لطلب الدنيا، لاسيما إن كان ظالمًا جائرًا، أو على من اعتاد ذلك ولزمه، فإنه يُخاف. عليه الافتتان والعُجب" (٥)، والمسلم المُشارك في الحكم إنما يأتيه لأجل الآخرة. ٥ - أن مشاركة المسلم في مثل هذا النوع من الحكم يمنح الحاكم الكافر أو الظالم القوة ويكسبه الشرعية، ويعينه على التدليس على عوام الناس، كما ستؤدي هذه المشاركة إلى إطالة أمد هذا الحكم الكافر أو الجائر، ولربما مرر من خلالهم بعض القوانين الجائرة.

стр. 328

٦ - أن مشاركة المسلم تتضمن الموافقة المسبقة والمعلنة على الشكل والمضمون للنظام القائم إلى حين تغييره، وكذلك الموافقة على الاحتكام لغير شرع اللَّه إلى حين تحكيمه، بل وطرح الأحكام الشرعية الثابتة والقطعية للتصويت وإبداء الرأي. ٧ - أن الرسول ﷺ لم يكن حاله في أي مرحلة من مراحله كحال المشارك في الحكم، ففي المرحلة المكية السلطان لقريش ولا مشاركة له ﵊ في الحكم، وفي المرحلة المدنية السلطان كله له (١). القول الثاني: جواز المشاركة في السلطة التنظيمية (التشريعية) دون التنفيذية: منع المشاركة في السلطة التنفيذية وجوازها في السلطة التنظيمية (التشريعية)، واستدل أصحاب هذا الرأي على منع المشاركة في السلطة التنفيذية بأدلة الفريق الأول، وبجواز المشاركة في السلطة التنظيمية بأدلة الفريق الثالث. والفرق عندهم بين السلطتين هو أن السلطة التنفيذية تنفيذ لأوامر ومطالب السلطة الكافرة أو الظالمة فلا مجال للتغيير أو المخالفة، أما السلطة التنظيمية فهي وضع للأنظمة والقوانين دون تنفيذ، كما أن المشاركة في السلطة التنظيمية تتيح الفرصة لاختيار السلطة التنفيذية (٢).

стр. 329

ونوقش: بأن المشاركة في السلطة التنظيمية كأقلية لا يؤدي إلى اختيار السلطة التنفيذية، كما لا يؤدي إلى سن القوانين والأنظمة العادلة، فتصبح المشاركة حينئذ كالمشاركة في السلطة التنفيذية، حيث سيتم تمرير القوانين والأنظمة المخالفة للشريعة الإسلامية دون جدوى من رفض الأقلية في السلطة التنظيمية لهذه القوانين والأنظمة. وأجيب: بأن المشاركة في السلطة التنظيمية هو بيان للحق، وإنكار للباطل، وإبراء للذمة، وإقامة للحجة، وإن لم يؤد للتغيير، ويسدل لهذا بما ورد في قصة أصحاب السبت، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (١)، أما في حال المشاركة في السلطة التنفيذية فلا يسع المشارك إلا التنفيذ. القول الثالث: جواز المشاركة بشروط: جواز المشاركة في الحكم بشروط (٢)، واستدل أصحاب هذا الرأي بما يلي: ١ - مشاركة نبي اللَّه يوسف ﵇، قال تعالى: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (٣)، و"في هذه الآية ما يبيح للرجل الفاضل أن يعمل للرجل الفاجر، بشرط أن يعلم أنه يفوض إليه في فصل ما لا يعارض فيه، فيصلح منه ما شاء، وأما إن كان عمله

стр. 330

بحسب اختيار الفاجر وشهواته وفجوره فلا يجوز له ذلك" (١)، كما أن فيها "دليل على جواز طلب الولاية إذا كان الطالب ممن يقدر على إقامة العدل وإجراء أحكام الشريعة، وإن كان من يد الجائر أو الكافر، وعن مجاهد: أنه أسلم الملك على يده" (٢)، وإنما سأل يوسف ﵇ الولاية للمصلحة الدينية (٣)، و"شفقة على خلق اللَّه لا منفعة نفسه" (٤). ونوقش: بأن فعل يوسف ﵇ من شرع من قبلنا، وهو ليس بشرع لنا إذا جاء في شرعنا ما ينقضه. وأجيب: بأن الشرائع كلها اتفقت على أن الحاكمية للَّه، وقد قال يوسف ﵇: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٥)، وتسلمه لذلك المنصب لا يُعد مخالفة لهذا الأصل، ومن ادعى أن الجواز خاص بيوسف ﵇ فعليه أن يأتي بالدليل؛ لأن الأصل في سير الأنبياء أن نقتدي بها، بل أمر اللَّه نبيه ﵊ أن يقتدي بيوسف وإخوانه من الأنبياء فقال -سبحانه- بعد أن ذكر في سورة الأنعام عددًا من الأنبياء ﵈ ومن بينهم يوسف ﵇: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ. .﴾ (٦).

стр. 331

٢ - عموم الأدلة الواردة في الحث على التعاون على البر والتقوى، ومنها قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (١)، وفي المشاركة في الحكم تعاون على البر ومنع للإثم، وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٢)، وما يستطيعه المستضعف في تلك الحال هو المشاركة ومحاولة تغيير ما يمكن تغيره. ٣ - عموم الأدلة الواردة بالحث على نصرة الدين، ومنها قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ. .﴾ (٣)، والمشاركة في الحكم هي النصرة الممكنة للمستضعف. ٤ - عموم الأدلة الواردة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومنها قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٤)، وقوله سبحانه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٥)، وإن مشاركة المستضعف في الانتخابات والدخول في الحكم من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ٥ - أن مشاركة المستضعف من باب دفع أعلى المفسدتين، فمن المقرر عند أهل العلم أنه إذا تعارض مفسدتان، رُوعي أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفهما، ودل على هذا قاعدة:

стр. 332

"يُختار أهون الشرين"، وقاعدة: "الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف" (١)، ولا شك أن

стр. 333

الأنظمة والقوانين والدساتير التي تضعها الدول الكافرة أو الدول الظالمة قد لا توافق

стр. 334

الشريعة الإسلامية في معظمها، بل قد تعارضها أو تحاربها، إلا أن مشاركة المسلم حال الاستضعاف يترتب عليها تخفيف الشر والظلم، وأما ترك المشاركة فينتج عنها المزيد من الظلم والضرر والعديد من المفاسد، وليس من الحكمة ترك الأمر لأهل الباطل، دون أن يجدوا معارضًا، بل لو رشح كافران وكان أحدهما أقرب للمسلمين أو أخف ضررًا، والآخر شديد العداوة لوجب انتخاب الأول لدفع شر الآخر. يتبين من خلال النظر في أقوال كل فريق وأدلته استدلالهم بأدلة عامة، كما أن هذه المسألة لا يمكن الجزم فيها برأي محدد، إذ يتغير الحكم فيها بحسب الزمان والمكان، وتقدير المصالح والمفاسد، إلا أن العلماء القائلين بجواز المشاركة في الحكم وضعوا شروطًا لذلك منها: ١ - ألا يترتب على المشاركة إقرار الكفر، أو المعاونة على الظلم، فينبغي أن يفوض إليه فعل لا يعارضه فيه، فيتمكن من الإصلاح والتغيير، وأما إذا كان عمله بحسب اختيار الفاجر وشهواته وفجوره فلا يجوز ذلك (١). ٢ - ألا يكون هنالك سبيل للإصلاح وللأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإزالة الفساد أو تخفيف الظلم ورفعه دون التعرض إلى الأذى والضرر إلا بتلك المشاركة (٢).

стр. 335

٣ - أن يكون المشارك قادرًا على إقامة العدل، وإجراء أحكام الشريعة (١)، "وما زال قضاة الإسلام يتولون القضاء من جهة من ليس بصالح، ولولا ذلك لبطلت أحكام الشرع، فهم مثابون على ذلك إذا عدلوا" (٢). والراجح -واللَّه أعلم- أن المشاركة وإن كان يترتب عليها بعض المفاسد، إلا أن عدم المشاركة كذلك، وتبقى مسألة ترجيح المفاسد والمصالح عائدة للعلماء والمجتهدين مع الاستفادة من رأي المتخصصين في كل زمان ومكان بحسبه، فمن ترجح عنده المشاركة لتحصيل هذه المصالح ينبغي أن يلتزم بالشروط التي وضعها العلماء لجواز تلك المشاركة، ومن ترجح عنده عدم المشاركة لا ينبغي له أن يُعادي من رأى المشاركة، ولربما كان الأصلح للمستضعفين وجود فريق مشارك في الحكم، وفريق آخر غير مشارك، فيحمي الأول الثاني، ويقوم الثاني بما يعجز عنه الأول. وأما التفريق بين المشاركة في السلطة التنفيذية والمشاركة في السلطة التشريعية، ومنع المشاركة في الأولى، وجوازه في الثانية؛ لكون السلطة التنفيذية هي مجرد تنفيذ للأنظمة والقوانين دون أي دور في التنظيم أو التقنين أو تعديلها، بينما المشارك في السلطة التشريعية يتسنى له سن الأنظمة وتعديلها، ولا صلة له في التنفيذ، فالذي يظهر لي أنه لا فرق بينهما من حيث التطبيق العملي، بمعنى أن المشاركة في إحدى السلطتين (التنفيذية أو التشريعية) إن كان يترتب عليها القدرة على التغيير وتحققت المصلحة فتجوز، وإلا فلا يجوز ذلك سواء في التنفيذية أو التنظيمية، بل قد تكون الخطورة والضرر عند عدم القدرة على التغيير في المشاركة بالسلطة التشريعية، واللَّه أعلم. * * *

стр. 336

المبحث التاسع نزع الحجاب حال الاستضعاف وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول تعريف الحجاب والنقاب الحجاب لغة: معناه الستر، يقال: حجب الشيء يحجبه حجبًا وحجابًا، وحجبه ستره، وامرأة محجوبة قد سترت بستر (١). وأما الحجاب اصطلاحا: فلا يخرج استعمال الفقهاء لهذا اللفظ عن معناه اللغوي الذي هو الستر والحيلولة (٢)، ويمكننا القول بأنه: ستر المرأة لبدنها وزينتها، بما يمنع الأجانب عنها من رؤيته. وأما النقاب لغة: فهو القناع على مارن الأنف، والجمع نُقب، يقال: تنقبت المرأة وانتقبت، قال الفراء: إذا أدنت المرأة نقابها إلى عينها فتلك الوصوصة، فإن أنزلته دون ذلك إلى المحجر فهو النقاب، فإن كان على طرف الأنف فهو اللفام واللثام، قال أبو عبيد: النقاب عند العرب هو الذي يبدو منه محجر العين، وكانت تبدو إحدى العينين والأخرى مستورة (٣)، "والفرق بين الحجاب والنقاب، أن الحجاب ساتر عام، أما النقاب فساتر لوجه المرأة فقط" (٤). * * *

стр. 337

المطلب الثاني الأدلة على وجوب الحجاب يُعد الحجاب من المسائل المجمع عليها، فالآيات والأحاديث النبوية الواردة في الأمر به واضحة وصريحة في دلالتها على وجوبه، ومنها: ١ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (١)، عن أم سلمة ﵂ قالت: (لما نزلت: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾، خرج نساء الأنصار كَأَنَّ عَلَى رُءُوسِهِنَّ الْغِرْبَانَ مِنْ الْأَكْسِيَةِ) (٢). قال ابن العربي ﵀: "اختلف الناس في الجلباب على ألفاظ متقاربة عمادها أنه الثوب الذي يستر به البدن، لكنهم نوعوه هاهنا، فقد قيل: إنه الرداء، وقيل: إنه القناع. . . قيل معناه تغطي به رأسها فوق خمارها، وقيل تغطي به وجهها حتى لا يظهر منها إلا عينها اليسرى" (٣)، وقال ابن تيمية ﵀: "هو الملاءة، وهو الذي يسميه ابن مسعود وغيره الرداء، وتسميه العامة الإزار، وهو الإزار الكبير الذي يغطى رأسها وسائر بدنها" (٤). ٢ - قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا

стр. 338

لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١)، قال ابن حزم ﵀: "فأمرهن اللَّه تعالى بالضرب بالخمار على الجيوب وهذا نص على ستر العورة والعنق والصدر" (٢)، وقال الجصاص ﵀: " ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ وفي ذلك دليل على أن صدر المرأة ونحرها عورة لا يجوز للأجنبي النظر إليهما منها" (٣)، وقال ابن كثير: "والخمر جمع خمار، وهو ما يُخمر به، أي: يُغطى به الرأس، وهي التي تسميها الناس المقانع، قال سعيد بن جبير: (﴿وَلْيَضْرِبْنَ﴾ وليشددن، ﴿بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾، يعني على النحر والصدر فلا يرى منه شيء) " (٤). ٣ - عن عائشة ﵂ قالت: (يرحم اللَّه نساء المهاجرات الأول لما أنزل اللَّه: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾، شققن مروطهن فاختمرن بها)، وكانت تقول ﵂: (لما نزلت هذه الآية: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ , أَخَذْنَ أُزْرَهُنَّ فَشَقَّقْنَهَا من قِبَلِ الْحَوَاشِي فَاخْتَمَرْنَ بِهَا) (٥).

стр. 339

٤ - ما روته أم عطية ﵂ أن النبي ﷺ لما أمر النساء بالخروج لصلاة العيد، فقالت امرأة: يا رسول اللَّه إِحْدَانَا لَيْسَ لَهَا جِلْبَابٌ، قال: (لِتلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا) (١)، فأمر النبي ﷺ أن تلبسها صاحبتها من جلبابها دليل على عدم جواز خروج النساء من بيوتهن إلا متحجبات. ٥ - ما رواه عبد اللَّه بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: (الْمَرْأَةُ عَوْرَةٌ، فَإِذَا خَرَجَتْ اسْتَشْرَفَهَا الشَّيْطَانُ) (٢)، وفي رواية: (فتقول ما رآني أحد إلا أعجبته وأقرب ما تكون إلى اللَّه إذا كانت في قعر بيتها) (٣)، المراد أنها ذات عورة، جعل المرأة نفسها عورة؛ لأنها إذا ظهرت يستحي منها كما يستحي من العورة إذا ظهرت، ويستقبح ظهورها للرجال، والمراد بالعورة هنا كل ما يستحي منه إذا ظهر، واستشراف الشيطان لها بأن يزينها في نظر الرجال، وقيل: أي نظر إليها ليغويها ويُغوي بها، وأصل الاستشراف رفع البصر للنظر إلى الشيء وبسط الكف فوق الحاجب، وقيل بل المراد: شيطان الإنس من أهل الفسق سماه به على التشبيه (٤).

стр. 340

المطلب الثالث نزع الحجاب حال الاستضعاف يُعد الحجاب أبرز شعائر ومظاهر الإسلام، وبقي الاستعمار يُحاربه تحت شعارات مختلفة منها: الحرية، والمساواة، والتخلص من العادات، ويصفه بأنه رمز للانغلاق، ولعبودية المرأة، ولا عجب فإن نزعه طريق لانتشار الرذيلة والفاحشة وضياع الأخلاق والقيم وإضعاف الأمة. والغرب الذي طالما فاخر بديمقراطيته وانفتاحه والحرية التي لديه يضيق ذرعًا اليوم بالحجاب والنقاب، بل ويسن القوانين ويضع الأنظمة لمحاربته، وإن كان هذا الأمر مستغربًا في الغرب فكيف الحال ببعض بلاد المسلمين؟!. إن هذه الأحوال بحاجة للدراسة والتأمل لبيان الحكم الشرعي الذي ينطلق من الأدلة الشرعية، ومقاصد الشريعة الإسلامية، ويراعي أحوال المستضعفين فلا يغفل عن واقعهم، ولا يجنح للتساهل أو للتشدد، وذلك في الفروع التالية: الفرع الأول: شروط نزع الحجاب حال الاستضعاف: إن شأن الحجاب كشأن بقية الفرائض والواجبات فإن كان المستضعف يجوز له أن يخفي إيمانه حال العجز عن الإظهار أو الخوف منه، بل وأن ينطق بكلمة الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان حال الإكراه، فما دون ذلك من الفرائض والواجبات يجوز تركه حال الضرورة من باب أولى، فالضرورات تبيح المحظورات، إلا أنه يشترط لجواز ذلك ما يلي: ١ - تحقق الضرورة والحاجة وأن يكون الحجاب مرتبطًا بها، أي سببًا من مسبباتها. ٢ - اقتصار جواز نزعه في موضع الضرورة أو الحاجة، فإن كان نزع الحجاب مطلوب في الجامعات مثلًا، فيقتصر نزعه عند الدخول إليها؛ لأن الثابت بالضرورة يتقدر بقدرها، ولا يعدو موضعها (١).

стр. 341

٣ - عدم وجود البدائل، كاضطرار المستضعفة الدخول إلى تلك الأماكن التي يحظر فيها لبس الحجاب مع عدم وجود البديل، كأن يشترط نزعه عند نقاط السفر أو المرور بمراكز الجوازات أو في الجامعات مثلًا أو المواصلات العامة، ولا تتمكن من الذهاب لجامعات أخرى أو أن تستعمل مواصلات خاصة ونحوها من البدائل. ٤ - السعي الجاد للخروج من هذا الاستثناء، وذلك بالعمل على إصدار أنظمة تسمح بالحجاب، وذلك بالاستفادة من الجمعيات الحقوقية والمهتمة بمثل هذه الأمور والتي تربطها بالحرية الشخصية، وإن لم تكن تلك الجمعيات أو الجهات إسلامية. الفرع الثانى: شروط نزع النقاب حال الاستضعاف: اختلف الفقهاء في مسألة تغطية المرأة لوجهها، بناء على فهمهم للمراد بالزينة الظاهرة في قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ (١)، فهي عند الأكثر الوجه والكفين، وهو ما رجحه الطبري وغيره للإجماع على أن للمرأة أن تكشف وجهها وكفيها في صلاتها، وقياسًا على جواز كشفهما في الحج، وإجازة الفقهاء للنظر لهما عند الحاجة والضرورة (٢). قال ابن تيمية ﵀: "والسلف قد تنازعوا في الزينة الظاهرة على قولين: فقال ابن مسعود ومن وافقه: هي الثياب، وقال ابن عباس ومن وافقه: هي في الوجه واليدين، مثل: الكحل والخاتم. . فابن مسعود ذكر آخر الأمرين، وابن عباس ذكر أول الأمرين" (٣).

стр. 342

وليس الغرض هنا عرض الأقوال في المسألة أو الترجيح، وإن كان الفقهاء قد اتفقوا على وجوب تغطية المرأة لوجهها إذا خشيت في كشفه الفتنة، وإن لم تخش في كشفه الفتنة فهذا محل الخلاف بينهم، إنما المراد بيان حكم نزع النقاب حال الاستضعاف عند القائلين بوجوب تغطية الوجه، فإن المستضعف إن كان ممن يرى عدم وجوب التغطية فلن يقع في هذا الإشكال فيما يتصل بالنقاب، وإن كان ممن يرى وجوب التغطية فيسعه في حال الضرورة والحاجة الأخذ بالقول المرجوح (١)، وهذا الأمر ينبني على قاعدة الاستحسان (٢).

стр. 343

فالاستحسان غير خارج عن مقتضى الأدلة، إلا أنه نظر إلى لوازم الأدلة ومآلاتها، ومقتضاه الرجوع إلى تقديم دليل على دليل، فهو رجوع إلى ما عُلم من قصد الشارع في الجملة في أمثال تلك الأشياء المفروضة (١)، وليس مجرد الرجوع إلى مجرد التشهي والهوى، وأما الاستحسان المجرد ليس بحجة في الشرع. فإن كان لبس النقاب في حال الاستضعاف سيؤدي إلى فوات مصلحة من جهة أخرى، أو جلب مفسدة فإن تركه جائز، بل قد يجب لحفظ النفس في حال الخوف من الضرر كالقتل أو الضرب، كما يقع في بلاد الغرب أحيانًا من ردة فعل على خلفية بعض الأحداث، قال الشاطبي ﵀: "ولو بقينا مع أصل الدليل العام لأدى إلى رفع ما اقتضاه ذلك الدليل من المصلحة، فكان من الواجب رعى ذلك المآل إلى أقصاه، ومثله الاطلاع على العورات في التداوي والقراض والمساقاة وإن كان الدليل العام يقتضي المنع، وأشياء من هذا القبيل كثيرة هذا نمط من الأدلة الدالة على صحة القول بهذه القاعدة" (٢). وينبغي على المسلمين في الدول الإسلامية التصدي لمحاولات نزع الحجاب، ولا شك أن أحوالهم ليس كأحوال المسلمين في الغرب، وأما المسلمون في الغرب فينبغي على الدول الإسلامية أن تساند موقفهم وتطالب بحقوقهم، وإن مجرد التلويح بقطع العلاقات الاقتصادية أو خفضها كفيل لكي يتراجع الغرب عن قراراته الظالمة في حق المسلمات، وإن لم تقم الحكومات بهذا الواجب فإن على الشعوب المسلمة نصرة إخوانها من خلال

стр. 344

المقاطعة الاقتصادية، وتفعيل الضغوط الشعبية من خلال وسائل الإعلام وغيرها من الوسائل المتاحة والتي تحقق المصلحة وتدفع المفسدة، وهذا كله لا يعفي الدعاة والمسلمين عمومًا من واجب بيان الحق وشرح تعاليم الإسلام والرد على الشبهات التي تثار حول شرائعه وشعائره. * * *

стр. 345

الفصل الثالث ما يُرخص به حال الاستضعاف وفيه أربعة مباحث المبحث الأول: كتمان الإسلام وشعائره حال الاستضعاف. المبحث الثاني: استخدام المستضعف للحيلة ونحوها. المبحث الثالث: استخدام المستضعف للتَقِيَّة. المبحث الرابع: استخدام المستضعف للمداراة والمداهنة.

стр. 346

المبحث الأول كتمان الإسلام وشعائره حال الاستضعاف الأصل في الفرد المسلم هو إظهار دينه وشعائره ومخالفة هديه للكفار، إلا أنه في حال الاستضعاف قد يضطر لإخفاء الإيمان أو بعض شعائره، فما الحكم في مثل هذه الحالة، هذا ما سيعرض له هذا المبحث من خلال المطالب التالية: المطلب الأول تعريف الشعائر ومكانتها وفيه ثلاثة فروع: الفرع الأول: الشعائر لغة: جمع شعيرة، وهي: العلامة، وتشمل جميع متعبدات اللَّه التي أشعرها اللَّه، أي: جعلها أعلامًا، وإنّما قيل شعائر اللَّه لكلِّ عَلَمٍ مما تُعُبِّد به لأنَّ قولهم شَعَرت به علمتُه فلهذا سمِّيت الأعلام التي هي متعبَّداتُ اللَّه شعائر (١). الفرع الثانى: الشعائر اصطلاحًا: أما المعنى الاصطلاحي فلا يخرج عن المعنى اللغوي، فشعائر الإسلام: هي معالم الدين والطاعة والقُرب (٢)، والمراد بإخفائها عدم إظهارها وكتمانها. وقد مثل الفقهاء للشعائر الظاهرة بصلاة الجماعة، والجمعة، والعيد، والآذان، والأضحية، ومناسك الحج، وإقامة الحدود، وتنفيذ الأحكام، والجهاد وغيرها من التكاليف (٣).

стр. 347

الفرع الثالث: مكانة شعائر الإسلام وأهمية إظهارها: إن شعائر الإسلام هي: مظاهر الدين وعلاماته، ولهذا فقد فسرها البعض بأنها: دين اللَّه (١)، وتعظيمها "فعل من أفعال القلب، وهو الأصل لتعظيم الجوارح بالأفعال" (٢)، فعبادة القلوب هي الأصل (٣)، "والتقوى في الحقيقة تقوى القلوب لا تقوى الجوارح" (٤)، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (٥). وقد اعتبرها البعض من الحاجات الأخروية، "فالضروري الأخروي في الطاعات هو فعل الواجبات وترك المحرمات، والحاجي هو: السنن المؤكدات والشعائر الظاهرات، والتكميلي: ما عدا الشعائر من المندوبات، والضروريات الدنيوية كالمآكل والمشارب والملابس والمناكح، والتكميلي منها كأكل الطيبات وشرب اللذيذات وسكنى المساكن العاليات والغرف الرفيعات والقاعات الواسعات، والحاجي منها ما توسط بين الضرورات والتكميلات" (٦). وللشعائر أهميتها في التعريف بالدار بأنها دار إسلام (٧)، ولخطورة شأنها قال ابن تيمية ﵀: "فأما الذين لا يلتزمون شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة فلا أعلم في وجوب قتالهم خلافًا" (٨).

стр. 348

ولذا فإن الفقهاء قالوا بوجوب إظهار الشعائر والمبادرة بذلك على الفور واعتبره الأصل، فقالوا: "الأصل المبادرة بإظهار الشعائر في البلد بمجرد فتحها، ولا موجب للتأخير بعد زوال المانع" (١). ويترتب على كتمان الإيمان وإخفاء شعائره المشابهة في الهدى الظاهر للكفار وهو ذريعة إلى الموافقة في القصد والعمل، كما أن المشاركة في الهدى الظاهر تورث تناسبًا وتشابهًا يقود إلى الموافقة في الأخلاق والأعمال وهذا أمر محسوس فإن اللابس لثياب الجند مثلًا يجد في نفسه نوع تخلق بأخلاقهم، والمخالفة في الهدي الظاهر توجب المفارقة والمخالفة في الباطن (٢). * * * المطلب الثاني كتمان الإسلام وإخفاء شعائره إن الأصل في الفرد المسلم أن يظهر دينه وشعائره، خاصة إن كان في بلاد الإسلام، أما في حال تحقق الاستضعاف واتصاله بإظهار الشعائر، وعدم القدرة على إظهارها، فإنه يجوز كتمان الإيمان وإخفاء الشعائر، ولهذا فإن الفقهاء قالوا: "إذا أخذ الكفار بلد المسلمين واستولوا عليه وصار تحت حكمهم ولم يمنعوا المسلمين من إقامة الشعائر الإسلامية وجبت عليهم الجمعة" (٣)، فإن منعوهم من ذلك لم تجب عليهم. وقد دل على جواز كتمان الإيمان وإخفاء شعائره في حال الاستضعاف ما يلي: ١ - عموم الأدلة الواردة في رفع الحرج، ومنها قوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٤)،

стр. 349

وقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا. .﴾ (١)، وقال : ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٢)، وقال سبحانه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ. .﴾ (٣)، وقال : ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٤)، وقوله ﷺ : (. . . فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) (٥). ٢ - قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (٦). ووجه الدلالة هو: أن اللَّه أذن للمكره بأن ينطق بالكفر مع اطمئنان القلب بالإيمان، فترك الشعائر أولى بالجواز في حال الإكراه؛ لأن "جنس ترك المأمور به أعظم من جنس فعل المنهي عته، وأن مثوبة بني آدم على أداء الواجبات أعظم من مثوبتهم على ترك المحرمات، وأن عقوبتهم على ترك الواجبات أعظم من عقوبتهم على فعل المحرمات" (٧). ٣ - أن "من كان بِمَكَّةَ من المُسْتَضْعَفِينَ لم يَكُونُوا يُصَلُّونَ إِلَّا سِرًّا" (٨)، ولم يكن بإمكانهم إظهار شيء من الشعائر وإلا عرف المشركون حالهم فوقعوا في العذاب أو

стр. 350

الضرر، بل إن هذا ما كان عليه حال النبي ﷺ في أول الأمر، فقد "ذكر بعض أهل العلم أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكة وخرج معه علي ابن أبي طالب مستخفيًا من أبيه أبي طالب ومن جميع أعمامه وسائر قومه، فيصليان الصلوات فيها، فإذا أمسيا رجعا، فمكثا كذلك ما شاء اللَّه أن يمكثا، ثم إن أبا طالب عثر عليهما يوما وهما يصليان، فقال لرسول اللَّه ﷺ : يا ابن أخي، ما هذا الدين الذي أراك تدين به؟ قال: (أي عم هذا دين اللَّه ودين ملائكته ودين رسله ودين أبينا إبراهيم)، أو كما قال ﷺ : "بعثني اللَّه به رسولًا إلى العباد، وأنت أي عم أحق من بَذلتُ له النصيحة ودعونه إلى الهدى، وأحق من أجابني إليه، وأعانني عليه)، أو كما قال، فقال أَبو طالب: أي ابن أخي إني لا أستطيع أن أفارق دين آبائي وما كانوا عليه، ولكن واللَّه لا يخلص إليك بشيء تكرهه ما بقيت" (١). ٤ - أن النجاشي ﵀ كتم إيانه وأخفاه عن قومه في أول الأمر -كما سبق بيانه- وقَبِل منه الصحابة ﵃ ذلك الأمر وأخفوه، ولم ينقل أنهم أمروه بإظهار إسلامه أو أن يقيم الشعائر. ٥ - مشروعية العمل بالتَّقِيَّةُ، "وقد يجوز إخفاء الإيمان وترك إظهاره تقية بعد أن يكون مطمئن القلب بالإيمان" (٢)، وسيأتي بيان ذلك. ٦ - أن كتمان الإيمان وإخفاء شعائره حال الاستضعاف يكون من باب الأفعال المشتملة على المصالح والمفاسد مع رجحان مصالحها على مفاسدها، قال العز بن عبد السلام ﵀: "ترك الصلاة، وصوم رمضان، وتأخير الزكاة، وحقوق الناس الواجبات من غير عذر شرعي

стр. 351

مفسدة محرمة، لكنه جائز بالإكراه؛ فإن حفظ النفوس أولى مما يترك بالإكراه، مع أن تداركه ممكن، فيكون جمعًا بين هذه الحقوق وبين حفظ الأرواح" (١). * * * المطلب الثالث المفاضلة بين إظهار الشعائر وإخفائها حال الاستضعاف إن كتمان الإيمان وإخفاء شعائره رخصة للمستضعف، ومتى ما أظهر المستضعف الشعائر بنية إعزاز دين اللَّه وإن كان يعلم بأنه سيعود عليه بالضرر أو التلف كان مأجورًا على ذلك ومثابًا عليه، وهو الأولى مع جواز إخفائها في تلك الحال (٢). يشهد لهذا أن علي ﵁ عندما قام يخطب وتحدث عن فضائل الصديق ﵁ قال: (أيها الناس أخبروني بأشجع الناس؟ قالوا: أنت يا أمير المؤمنين، قال: أما أن ما بارزت أحدًا إلا انتصفت منه، ولكن أخبروني بأشجع الناس، قالوا: لا نعلم، فمن؟ قال: أبو بكر ﵁، إنه لما كان يوم بدر جعلنا لرسول اللَّه ﷺ عريشًا، فقلنا: من يكون مع رسول اللَّه ﷺ ليلًا؛ يهوي إليه أحد من المشركين، فواللَّه ما دنا منه إلا أَبو بكر شاهرًا بالسيف على رأس رسول اللَّه ﷺ لا يهوي إليه أحد إلا أهوى إليه، فهذا أشجع الناس، فقال علي:

стр. 352

ولقد رأيت رسول اللَّه ﷺ وأخذته قريش فهذا يجأ وهذا يتلتله (١)، وهم يقولون: أنت الذي جعلت الآلهة إلاهًا واحدا، قال: فواللَّه ما دنا منه أحد إلا أَبو بكر يضرب هذا ويجاء هذا ويتلتل هذا، وهو يقول: ويلكم أتقتلون رجلَا أن يقول ربي اللَّه، ثم رفع علي بردة كانت عليه فبكى حتى أخضلت لحيته، ثم قال: أنشدكم باللَّه أمؤمن آل فرعون خير أم أبو بكر؟ فسكت القوم، فقال: ألا تجيبوني، فواللَّه لساعة من أبي بكر خير من ملء الأرض من مؤمن آل فرعون، ذاك رجل كتم إيمانه، وهذا رجل أعلن إيمانه) (٢).

стр. 353

وعلي ﵁ يشير إلى قصة مؤمن آل فرعون التى وردت في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ (١)، ومؤمن آل فرعون كان يكتم إيمانه، وإنما أمكنه أن يقول هذه الكلمات لفرعون؛ لكونه لم يصرح بأنه على دين موسى ﵇، وزعم أن المصلحة تقتضى ترك قتل موسى، أو أنه أظهر إيمانه وواجه فرعون بذلك معتمدًا على قرابته له ولو كان إسرائيليًا لقتله، وهو ما رجحه الطبري (٢)، ولا شك أن إظهاره لإيمانه كان متأخرًا خلافًا لحال الصديق ﵁. ويشهد لجواز إظهار الإيمان وشعائره حال الاستضعاف قصة إسلام أبي ذر ﵁ بعدما دخل على النبي ﷺ فقال: (اعْرِضْ عَلَيَّ الْإِسْلَامَ فَعرَضَه، فَأَسْلَمْتُ مَكَانِي، فقال لي: يا أبا ذر، اكْتُمْ هذا الأمر، وَارْجعْ إلى بلدك، فإذا بلغك ظهورنا فأَقْبِل، فقلت: والذي بعثك بالحق لَأَصْرُخَنَّ بها بين أَظْهُرِهِمْ، فجاء إلى المسجد وقريش فيه، فقال: يا معشر قريش، إني أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فقالوا: قوموا إلى هذا الصَّابِىءِ، فقاموا فَضُرِبْتُ لِأَمُوتَ، فَأَدْرَكَنِى العباس فَأَكَبَّ عَلَيَّ، ثم أَقبَلَ عليهم فقال: وَيْلَكُمْ تَقْتُلُونَ رجلًا من غِفَار! وَمَتْجَرُكُمْ وَمَمَرُّكُمْ عَلَى غِفَار فَأَقلَعُوا عَنِّي، فلما أن أَصْبَحْتُ الْغَدَ رَجَعْتُ، فقلت: مثل ما قلت بالأمس، فقالوا: قوموا إلى هذا الصَّابِىءِ، فَصُنِعَ بِي مِثْلَ مَا صُنِعَ بِالْأَمْسِ، وَأَدْرَكَنِى العباس، فَأَكَبَّ عَلَيَّ، وقال مِثلَ مَقَالَتِهِ بِالْأَمْسِ، قال: فكان هذا أول إسلام أبي ذر ﵁) (٣).

стр. 354

قال ابن حجر ﵀ معلقًا على هذه القصة: "وكأنه فهم أن أمر النبي ﷺ له بالكتمان ليس على الإيجاب، بل على سبيل الشفقة عليه، فأعلمه أن به قوة على ذلك، ولهذا أقره النبي ﷺ على ذلك، ويؤخذ منه جواز قول الحق عند من يخشى منه الأذية لمن قاله، وإن كان السكوت جائزًا، والتحقيق أن ذلك مختلف باختلاف الأحوال والمقاصد، وبحسب ذلك يترتب وجود الأجر وعدمه" (١). يتبين مما مضى أن إظهار الشعائر حال الاستضعاف يرتبط بأمور منها: ١ - قوة إيمان الشخص وقدرته على الصبر، وتحمل تبعات إظهاره للشعائر. ٢ - وجود الأعوان أو الحماية سواءً أكانت من مسلم أو كافر. ٣ - أن يكون في الإظهار إعزاز لدين اللَّه. قال ابن تيمية ﵀: "وقد تكون الغربة في بعض شرائعه، وقد يكون ذلك في بعض الأمكنة، ففي كثير من الأمكنة يخفى عليهم من شرائعه ما يصير به غريبًا بينهم، لا يعرفه منهم إلا الواحد بعد الواحد، ومع هذا فطوبى لمن تمسك بتلك الشريعة كما أمر اللَّه ورسوله، فإن إظهاره والأمر به والإنكار على من خالفه هو بحسب القوة والأعوان" (٢)، قال ﷺ : (مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ) (٣). * * *

стр. 355

المطلب الرابع متى يجب كتمان الإسلام وشعائره ؟ يمكن القول بوجوب كتمان الإسلام وشعائره فى الحالات التالية: ١ - وقوع الضرر على جماعة من المسلمين بسبب إظهار الفرد للشعائر، فيجب عليه حينئذ إخفاء الشعائر؛ لأن مصلحة الجماعة مقدمة على مصلحة الفرد، إلا أن يكون في إظهاره تشجيع لهم وتجرؤ على الحق، وإعزاز لدين اللَّه، وأن يغلب على الظن عدم إلحاق العذاب والقتل والضرر بالمسلمين نتيجة لذلك الإظهار. ٢ - تحقق مصلحة للمسلمين، ودل على هذا أمر النبي ﷺ للعباس ﵁ بالبقاء بمكة بعد إسلامه لما في ذلك من مصلحة للمسلمين (١). كما دل عليه قصة نعيم بن مسعود ﵁ (٢) الذي أسلم في الخندق وخذل الأحزاب عن المسلمين إذ لم يكونوا يعلمون بإسلامه، قال ﵁: قال لي رسول اللَّه ﷺ يوم الخندق: (خذل عنا، فإن الحرب خدعة) (٣).
следующие страницы →