← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 17438

الاستضعاف وأحكامه في الفقه الإسلامي

زياد بن عابد المشوخي

Полный текст (432 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

مفسدة محرمة، لكنه جائز بالإكراه؛ فإن حفظ النفوس أولى مما يترك بالإكراه، مع أن تداركه ممكن، فيكون جمعًا بين هذه الحقوق وبين حفظ الأرواح" (١). * * * المطلب الثالث المفاضلة بين إظهار الشعائر وإخفائها حال الاستضعاف إن كتمان الإيمان وإخفاء شعائره رخصة للمستضعف، ومتى ما أظهر المستضعف الشعائر بنية إعزاز دين اللَّه وإن كان يعلم بأنه سيعود عليه بالضرر أو التلف كان مأجورًا على ذلك ومثابًا عليه، وهو الأولى مع جواز إخفائها في تلك الحال (٢). يشهد لهذا أن علي ﵁ عندما قام يخطب وتحدث عن فضائل الصديق ﵁ قال: (أيها الناس أخبروني بأشجع الناس؟ قالوا: أنت يا أمير المؤمنين، قال: أما أن ما بارزت أحدًا إلا انتصفت منه، ولكن أخبروني بأشجع الناس، قالوا: لا نعلم، فمن؟ قال: أبو بكر ﵁، إنه لما كان يوم بدر جعلنا لرسول اللَّه ﷺ عريشًا، فقلنا: من يكون مع رسول اللَّه ﷺ ليلًا؛ يهوي إليه أحد من المشركين، فواللَّه ما دنا منه إلا أَبو بكر شاهرًا بالسيف على رأس رسول اللَّه ﷺ لا يهوي إليه أحد إلا أهوى إليه، فهذا أشجع الناس، فقال علي:

стр. 352

ولقد رأيت رسول اللَّه ﷺ وأخذته قريش فهذا يجأ وهذا يتلتله (١)، وهم يقولون: أنت الذي جعلت الآلهة إلاهًا واحدا، قال: فواللَّه ما دنا منه أحد إلا أَبو بكر يضرب هذا ويجاء هذا ويتلتل هذا، وهو يقول: ويلكم أتقتلون رجلَا أن يقول ربي اللَّه، ثم رفع علي بردة كانت عليه فبكى حتى أخضلت لحيته، ثم قال: أنشدكم باللَّه أمؤمن آل فرعون خير أم أبو بكر؟ فسكت القوم، فقال: ألا تجيبوني، فواللَّه لساعة من أبي بكر خير من ملء الأرض من مؤمن آل فرعون، ذاك رجل كتم إيمانه، وهذا رجل أعلن إيمانه) (٢).

стр. 353

وعلي ﵁ يشير إلى قصة مؤمن آل فرعون التى وردت في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ (١)، ومؤمن آل فرعون كان يكتم إيمانه، وإنما أمكنه أن يقول هذه الكلمات لفرعون؛ لكونه لم يصرح بأنه على دين موسى ﵇، وزعم أن المصلحة تقتضى ترك قتل موسى، أو أنه أظهر إيمانه وواجه فرعون بذلك معتمدًا على قرابته له ولو كان إسرائيليًا لقتله، وهو ما رجحه الطبري (٢)، ولا شك أن إظهاره لإيمانه كان متأخرًا خلافًا لحال الصديق ﵁. ويشهد لجواز إظهار الإيمان وشعائره حال الاستضعاف قصة إسلام أبي ذر ﵁ بعدما دخل على النبي ﷺ فقال: (اعْرِضْ عَلَيَّ الْإِسْلَامَ فَعرَضَه، فَأَسْلَمْتُ مَكَانِي، فقال لي: يا أبا ذر، اكْتُمْ هذا الأمر، وَارْجعْ إلى بلدك، فإذا بلغك ظهورنا فأَقْبِل، فقلت: والذي بعثك بالحق لَأَصْرُخَنَّ بها بين أَظْهُرِهِمْ، فجاء إلى المسجد وقريش فيه، فقال: يا معشر قريش، إني أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فقالوا: قوموا إلى هذا الصَّابِىءِ، فقاموا فَضُرِبْتُ لِأَمُوتَ، فَأَدْرَكَنِى العباس فَأَكَبَّ عَلَيَّ، ثم أَقبَلَ عليهم فقال: وَيْلَكُمْ تَقْتُلُونَ رجلًا من غِفَار! وَمَتْجَرُكُمْ وَمَمَرُّكُمْ عَلَى غِفَار فَأَقلَعُوا عَنِّي، فلما أن أَصْبَحْتُ الْغَدَ رَجَعْتُ، فقلت: مثل ما قلت بالأمس، فقالوا: قوموا إلى هذا الصَّابِىءِ، فَصُنِعَ بِي مِثْلَ مَا صُنِعَ بِالْأَمْسِ، وَأَدْرَكَنِى العباس، فَأَكَبَّ عَلَيَّ، وقال مِثلَ مَقَالَتِهِ بِالْأَمْسِ، قال: فكان هذا أول إسلام أبي ذر ﵁) (٣).

стр. 354

قال ابن حجر ﵀ معلقًا على هذه القصة: "وكأنه فهم أن أمر النبي ﷺ له بالكتمان ليس على الإيجاب، بل على سبيل الشفقة عليه، فأعلمه أن به قوة على ذلك، ولهذا أقره النبي ﷺ على ذلك، ويؤخذ منه جواز قول الحق عند من يخشى منه الأذية لمن قاله، وإن كان السكوت جائزًا، والتحقيق أن ذلك مختلف باختلاف الأحوال والمقاصد، وبحسب ذلك يترتب وجود الأجر وعدمه" (١). يتبين مما مضى أن إظهار الشعائر حال الاستضعاف يرتبط بأمور منها: ١ - قوة إيمان الشخص وقدرته على الصبر، وتحمل تبعات إظهاره للشعائر. ٢ - وجود الأعوان أو الحماية سواءً أكانت من مسلم أو كافر. ٣ - أن يكون في الإظهار إعزاز لدين اللَّه. قال ابن تيمية ﵀: "وقد تكون الغربة في بعض شرائعه، وقد يكون ذلك في بعض الأمكنة، ففي كثير من الأمكنة يخفى عليهم من شرائعه ما يصير به غريبًا بينهم، لا يعرفه منهم إلا الواحد بعد الواحد، ومع هذا فطوبى لمن تمسك بتلك الشريعة كما أمر اللَّه ورسوله، فإن إظهاره والأمر به والإنكار على من خالفه هو بحسب القوة والأعوان" (٢)، قال ﷺ : (مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ) (٣). * * *

стр. 355

المطلب الرابع متى يجب كتمان الإسلام وشعائره ؟ يمكن القول بوجوب كتمان الإسلام وشعائره فى الحالات التالية: ١ - وقوع الضرر على جماعة من المسلمين بسبب إظهار الفرد للشعائر، فيجب عليه حينئذ إخفاء الشعائر؛ لأن مصلحة الجماعة مقدمة على مصلحة الفرد، إلا أن يكون في إظهاره تشجيع لهم وتجرؤ على الحق، وإعزاز لدين اللَّه، وأن يغلب على الظن عدم إلحاق العذاب والقتل والضرر بالمسلمين نتيجة لذلك الإظهار. ٢ - تحقق مصلحة للمسلمين، ودل على هذا أمر النبي ﷺ للعباس ﵁ بالبقاء بمكة بعد إسلامه لما في ذلك من مصلحة للمسلمين (١). كما دل عليه قصة نعيم بن مسعود ﵁ (٢) الذي أسلم في الخندق وخذل الأحزاب عن المسلمين إذ لم يكونوا يعلمون بإسلامه، قال ﵁: قال لي رسول اللَّه ﷺ يوم الخندق: (خذل عنا، فإن الحرب خدعة) (٣).

стр. 356

قال ابن تيمية ﵀ في معرض حديثه عن مخالفة الكفار: "المخالفة لهم لا تكون إلا بعد ظهور الدين وعلوه، كالجهاد وإلزامهم بالجزية والصغار، فلما كان المسلمون في أول الأمر ضعفاء لم يشرع المخالفة لهم، فلما كمل الدين وظهر وعلا شُرع ذلك، ومثل ذلك اليوم لو أن المسلم بدار حرب أو دار كفر غير حرب لم يكن مأمورا بالمخالفة لهم في الهدي الظاهر؛ لما عليه في ذلك من الضرر، بل قد يستحب للرجل، أو يجب عليه أن يشاركهم أحيانا في هديهم الظاهر، إذا كان في ذلك مصلحة دينية من دعوتهم إلى الدين، والاطلاع على باطن أمرهم لإخبار المسلمين بذلك، أو دفع ضررهم عن المسلمين ونحو ذلك من المقاصد الصالحة، فأما في دار الإسلام والهجرة التي أعز اللَّه فيها دينه وجعل على الكافرين بها الصغار والجزية ففيها شُرعت المخالفة، وإذا ظهرت الموافقة والمخالفة لهم باختلاف الزمان ظهرت حقيقة الأحاديث في هذا" (١)، وقال أيضا: "وبالجملة لا خلاف بين المسلمين أن من كان في دار الكفر وقد آمن وهو عاجز عن الهجرة لا يجب عليه من الشرائع ما يعجز عنها بل الوجوب بحسب الإمكان، وكذلك ما لم يعلم حكمه" (٢). * * * المطلب الخامس كتمان الجماعة للإسلام وإخفاء شعائره سبق بيان أهمية إظهار الإسلام وأنه الأصل، وكذلك الشعائر لمكانتها ومنزلتها، وإن كان هذا الأمر في حق الأفراد، فإنه في حق الجماعة أولى، وفي حق الدولة الإسلامية أشد طلبًا، إلا أن النبي ﷺ والصحابة ﵃ عندما كانوا بمكة لم يكن بمقدورهم في بداية تلك المرحلة إظهار الإيمان أو الشعائر، وقد وردت أحاديث كثيرة تظهر حال المسلمين في تلك المرحلة وطريقة تعاملهم معها، ومن تلك الأحاديث:

стр. 357

قول سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصِ ﵁: (ما أَسْلَمَ أَحَدٌ إلا فِي اليوم الذي أَسْلَمْتُ فِيهِ وَلَقَدْ مَكَثْتُ سَبْعَةَ أَيَّامِ وَإِنِّي لَثُلُثُ الإسلام) (١). وعن عمرو بن عبسة السلمي، ﵁ (٢) قال: قلت يا رسول اللَّه: من معك على هذا الأمر؟ قال: (حر، وعبد)، ومعه أَبو بكر، وبلال، ثم قال له: (ارجع إلى قومك حتى يمكن اللَّه لرسوله)، قال: وكان عمرو بن عبسة يقول: (لقد رأيتني وأني لربع الإسلام) (٣). عن عفيّف بن عمرو ﵁ (٤) قال: (كنت امرءًا تاجرًا، وكنت صديقًا للعباس بن عبد المطلب في الجاهلية، فقدمت لتجارة فنزلت على العباس بن عبد المطلب بمنى، فجاء رجل فنظر إلى الشمس حين مالت فقام يصلي، ثم جاءت امرأة فقامت تصلي، ثم جاء غلام حين راهق الحلم فقام يصلي، فقلت للعباس: من هذا؟ فقال: هذا محمد بن عبد اللَّه ابن عبد المطلب ابن أخي يزعم أنه نبي، ولم يتابعه على أمره غير هذه المرأة، وهذا الغلام،

стр. 358

وهذه المرأة خديجة بنت خويلد امرأته، وهذا الغلام ابن عمه: علي بن أبي طالب، قال عفيف الكندي -وأسلم وحسن إسلامه-: لوددت أني كنت أسلمت يومئذ، فيكون لي ربع الإسلام) (١). ومثل هذه الأقوال من الصحابة ﵃ إنما قالوها بحسب اطلاعهم؛ وذلك أن من كان أسلم في ابتداء الأمر كان يخفي إسلامه (٢)، ولا شك أن في هذا دلالة واضحة على جواز كتمان الإيمان، وإخفاء الشعائر التي كانت في ذلك الحين كالصلاة مثلًا. كما ورد في قصة موسى ﵇ مع فرعون أن اللَّه أوحى إليه باتخاذ البيوت قبلة وإخفاء الصلاة خوفًا عليهم من بطش فرعون وملئه، قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣)، عن مجاهد قال: "كانوا لا يصلون إلا في البِيعَ، فقيل لهم صلوا في بيوتكم من مخافة فرعون" (٤)، قال ابن كثير ﵀: "وكأن هذا واللَّه أعلم لما اشتد بهم البلاء من قبل فرعون وقومه وضيقوا عليهم أمروا بكثرة الصلاة" (٥).

стр. 359

ويحسن التنبيه إلى أن إخفاء الشعائر لا يكون مقتصرًا على دار الحرب بل قد يكون في دار الإسلام إذا انتشرت البدعة وصار لها السلطان، قال ابن تيمية ﵀: "ليس مذهب السلف مما يتستر به إلا في بلاد أهل البدع، مثل: بلاد الرافضة والخوارج، فإن المؤمن المستضعف هناك قد يكتم إيمانه، واستنانه كما كتم مؤمن آل فرعون إيمانه، وكما كان كثير من المؤمنين يكتم إيمانه حين كانوا في دار الحرب" (١). ونخلص من هذا إلى جواز إخفاء الشعائر للفرد وللجماعة، ويشترط لهذا أمور: ١ - تحقق الاستضعاف. ٢ - تعلق الاستضعاف بالشعائر التي تخفى، بمعنى أن تكون تلك الشعائر سببًا في وقوع الاستضعاف حال إظهارها. ٣ - الاقتصار على قدر الضرورة والحاجة، بإظهار ما لا يضر إظهاره من الشعائر، فالمقدور لا يسقط بالمعذور. ٤ - إقامة الشعائر في السر طالما تعذر إقامتها في العلن ما أمكن ذلك. ٥ - إظهار الشعائر فور زوال المانع أو وجود القوة أو الأعوان، ويشهد لهذا عمل الصحابة في المرحلة المكية بعد إسلام عمر، قال عبد اللَّه بن مسعود ﵁: (واللَّه ما استطعنا أن نصلي عند الكعبة ظاهرين حتى أسلم عمر) (٢). قال ابن تيمية ﵀: "والحجة على العباد إنما تقوم بشيئين، بشرط التمكن من العلم بما أنزل اللَّه، والقدرة على العمل به، فأما العاجز عن العلم كالمجنون، أو العاجز عن العمل فلا أمر عليه ولا نهي، وإذا انقطع العلم ببعض الدين أو حصل العجز عن بعضه

стр. 360

كان ذلك في حق العاجز عن العلم أو العمل بقوله كمن انقطع عن العلم بجميع الدين أو عجز عن جميعه كالمجنون مثلًا، وهذه أوقات الفترات فإذا حصل من يقوم بالدين من العلماء أو الأمراء أو مجموعهما كان بيانه لما جاء به الرسول شيئًا فشيئًا بمنزلة بيان الرسول لما بعث به شيئًا فشيئًا، ومعلوم أن الرسول لا يبلغ إلا ما أمكن علمه والعمل به، ولم تأت الشريعة جملة كما يقال إذا أردت أن تُطاع فأمر بما يُستطاع، فكذلك المجدد لدينه والمحيي لسنته لا يبلغ إلا ما أمكن علمه والعمل به، كما أن الداخل في الإسلام لا يُمكن حين دخوله أن يُلقن جميع شرائعه ويؤمر بها كلها، وكذلك التائب من الذنوب، والمتعلم والمسترشد لا يُمكن في أول الأمر أن يُؤمر بجميع الدين، ويذكر له جميع العلم، فإنه لا يطيق ذلك، وإذا لم يطقه لم يكن واجبًا عليه في هذه الحال، وإذا لم يكن واجبًا لم يكن للعالم والأمير أن يوجبه جميعه ابتداءً، بل يعفو عن الأمر والنهي بما لا يمكن علمه وعمله إلى وقت الإمكان، كما عفى الرسول عما عفى عنه إلى وقت بيانه، ولا يكون ذلك من باب إقرار المحرمات وترك الأمر بالواجبات؛ لأن الوجوب والتحريم مشروط بإمكان العلم والعمل، وقد فرضنا انتفاء هذا الشرط فتدبر هذا الأصل فإنه نافع، ومن هنا يتبين سقوط كثير من هذه الأشياء وان كانت واجبة أو محرمة في الأصل لعدم إمكان البلاغ الذي تقوم به حجة اللَّه في الوجوب أو التحريم، فإن العجز مسقط للأمر والنهي وأن كان واجبًا في الأصل واللَّه أعلم" (١). * * *

стр. 361

المبحث الثانى استخدام المستضعف للحيلة ونحوها وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول تعريف الحيلة وأنواعها وفيه ثلاثة فروع: الفرع الأول: تعريف الحيلة في اللغة: مشتقة من الْحَوْلِ، وهو التَّحَوُّلُ من حَالٍ إلَى حَالٍ بِنَوْعِ تَدْبِيرٍ وَلُطْفٍ يُحِيلُ به الشيء عن ظاهره، والحيلة والاحتيال والتحيل تعني الحذق، وجودة النظر، والقدرة على دقة التصرف (١). الفرع الثانى تعريف الحيلة اصطلاحًا: " الطرق الخفية إلى حصول الغرض، وبحيث لا يتفطن له إلا بنوع من الذكاء والفطنة، فإن كان المقصود أمرًا حسنًا كانت حيلة حسنة، وإن كان قبيحًا كانت قبيحة" (٢). كما عرفت بأنها: "تقديم عمل ظاهر الجواز لإبطال حكم شرعي وتحويله في الظاهر إلى حكم آخر فمآل العمل فيها خرم قواعد الشريعة في الواقع" (٣). والتعريف الأول أجمع لاشتماله على الحيل المشروعة والحيل المحرمة. الفرع الثالث: أنواع الحيلة: يتضح من تعريف الحيلة أنها تنقسم إلى نوعين: حيلة مشروعة محمودة، وحيلة محرمة مذمومة، وكل نوع يندرج تحته أقسام.

стр. 362

قال ابن القيم ﵀: "فالحيلة والمكر والخديعة تنقسم إلى محمود، ومذموم، فالحيل المحرمة منها ما هو كفر، ومنها ما هو كبيرة، ومنها ما هو صغيرة، وغير المحرمة منها ما هو مكروه، ومنها ما هو جائز، ومنها ما هو مستحب، ومنها ما هو واجب" (١). قال الشاطبي ﵀: "فالحيل التي تقدم إبطالها وذمها والنهي عنها، ما هدم أصلًا شرعيًا وناقض مصلحة شرعية، فإن فرضنا أن الحيلة لا تهدم أصلًا شرعيًا ولا تناقض مصلحة شهد الشرع باعتبارها، فغير داخلة في النهي ولا هي باطلة" (٢). قال ابن تيمية ﵀ عن الحيلة المحرمة: "أن يقصد سقوط الواجب، أو حل الحرام بفعل لم يقصد به ما جعل ذلك الفعل له، أو ما شرع، فهو يريد تغيير الأحكام الشرعية بأسباب لم يقصد بها ما جعلت تلك الأسباب له، وهو يفعل تلك الأسباب؛ لأجل ما هو تابع لها، لا لأجل ما هو المتبوع المقصود بها، بل يفعل السبب لما ينافي قصده من حكم السبب، فيصير بمنزلة من طلب ثمرة الفعل الشرعي ونتيجته، وهو لم يأت بقوامه وحقيقته، فهذا خداع واستهزاء بآيات اللَّه وتلاعب بحدود اللَّه، وقد دل على تحريمه الكتاب والسنة وإجماع السلف الصالح وعامة دعائم الإيمان ومباني الإسلام ودلائل ذلك لا تكاد تنضبط" (٣). وليس المراد هنا بحث مسألة الحيلة المحرمة والمذمومة والتي تطرق لها الفقهاء في كثير من أبواب الفقهاء، بل المراد هنا بحث الحيلة المشروعة والمحمودة التي يجوز للمستضعف استعمالها.

стр. 363

المطلب الثاني الأدلة على مشروعية الحيلة للمستضعف لقد حث اللَّه المستضعفين على الاحتيال للخلاص من الكفار والهجرة إلى المسلمين، وعذر من لم يكن لديه القدرة على ذلك، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ (١)، والآية نص في جواز الحيلة للمستضعفين. قال ابن تيمية ﵀: "فَلَوْ احْتَالَ الْمُؤْمِنُ المُسْتَضْعَفُ عَلَى التَّخَلُّصِ مِنْ بَيْنِ الْكُفَّارِ لَكَانَ مَحْمُودًا فِي ذَلِكَ وَلَوْ احْتَالَ مُسْلِمٌ عَلَى هَزِيمَةِ الْكَافِرِ، كَمَا فَعَلَ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، أَوْ عَلَى أَخْذِ مَالِهِ مِنْهُمْ، كَمَا فَعَلَ الْحَجَّاجُ بْنُ علاطة وَعَلَى قَتْلِ عَدُوٍّ للَّه وَلِرَسُولِهِ كَمَا فَعَلَ النَّفَرُ الَّذِينَ احْتَالُوا عَلَى ابْنِ أَبِي الْحَقِيقِ الْيَهُودِيِّ وَعَلَى قَتْلِ كَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ لَكَانَ مَحْمُودًا" (٢). * * * المطلب الثالث ما يلحق بالحيلة المشروعة ذكر العلماء أمثلة على الحيل المشروعة وما يلحق بها، ومن ذلك ما يلي: الفرع الأول: المعاريض: وهي في اللغة من التورية بالشيء عن الشيء، وأصله الستر، يقال: عرفته في معراض كلامه، وفي لحن كلامه، وفحوى كلامه، والتعريض خلاف التصريح (٣).

стр. 364

والمعنى الاصطلاحي لا يخرج عن المعنى اللغوي، قال ابن القيم ﵀: "المعاريض وهي: أن يتكلم الرجل بكلام جائز يقصد به معنى صحيحًا ويوهم غيره أنه يقصد به معنى آخر" (١)، وعرفت بأنها: " إضمار أمر وراء ما دل الظاهر عليه إما بزيادة أو نقصان أو تقييد مطلق أو تخصيص عام مع أنه لا ينبه السامع على أنه نوى ذلك لأنه لو نبهه عليه لما حصل المقصود" (٢). وقد اعتبرها ابن تيمية وابن القيم -رحمهما اللَّه- نوعًا من الحيل في الخطاب (٣)، وصرح ابن القيم أن معاريض الفعل هى الحيل، وذهب الحافظ ابن حجر إلى أن المعاريض بالفعل أولى بالجواز (٤). ودليل مشروعيتها ما ورد عن عمر بن الخطاب ﵁ إنه قال: (ما في المعاريض ما يغني الرجل عن الكذب) (٥)، وفي رواية: (إن في المعاريض ما يكف، أو يعف الرجل

стр. 365

عن الكذب) (١). وقد بوب البخاري "باب المَعارِيضُ مَنْدُوحَةٌ عَنِ الكَذِبِ" (٢)، أي: سعة وفسحة، من الندح وهو الأرض الواسعة، يقال: ندحت الشيء إذا وسعته، وإنك لفي ندحة ومندوحة من كذا أي سعة، يعني أن في التعريض بالقول من الاتساع ما يغني الرجل عن تعمد الكذب (٣)، "وفي ذلك طريقان أحدهما أن يتكلم بكلمة ويريد بها غير ما وضعت له الكلمة من حيث الظاهر إلا أن ما أراده يكون من محتملات لفظه الطريق الثاني أن يقيد الكلام بلعل وعسى وذلك بمنزلة الاستثناء يخرج الكلام به من أن يكون عزيمة" (٤). كما دل على جواز المعاريض، ما رواه أَبو هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لم يَكْذِبْ إبراهيم النَّبِيُّ ﵇ قَطُّ إلا ثلاث كَذَبَاتٍ، ثِنْتَيْنِ فِي ذَاتِ اللَّهِ (٥) قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ (٦)، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ (٧)، وواحدة في شأن سارة، فإنه قَدِمَ أرض جَبَّارٍ ومعه سارة وكانت أَحْسَنَ الناس، فقال لها: إن هذا الجبار إن يعلم إنك امراتي يَغْلِبْنِى عليك، فإن سَألَكِ فَأَخْبِرِيهِ أَنَّكِ أُخْتِي، فَإِنَّكِ أُخْتِي في الإسلام، فإني لا أعلم في الأرض

стр. 366

مسلما غَيْرِي وَغَيْرَكِ، فلما دخل أرضه رَآهَا بعض أهل الجبار أتاهُ، فقال له: لقد قدم أرضك امرأة لا ينبغي لها أن تكون إلا لك، فأرسل إليها فأتى بها، فقام إبراهيم ﵇ إلى الصلاة، فلما دخلت عليه لم يَتَمَالَكْ أن بَسَطَ يَدَهُ إليها، فَقُبِضَتْ يَدُهُ قَبْضَةً شَدِيدَةً، فقال لها: ادْعِي اللَّه أن يُطْلِقَ يَدِي ولا أَضُرُّكِ، فَفَعَلَتْ، فَعَادَ، فَقُبِضَتْ أَشَدَّ مِنْ الْقَبْضَةِ الْأُولَى، فقال لها مثل ذلك، ففعلت، فعاد، فقبضت أشد من الْقَبْضَتَيْنِ الْأُولَيَبْنِ، فقال: ادْعِي اللَّه أن يطلق يُطْلِقَ فلك اللَّه أن لا أَضُرَّكِ، ففعلت، وأطلقت يده، ودعا الذي جاء بها، فقال له: إنك إنما أتَيْتَنِي بِشَيْطَانٍ، ولم تَأْتِني بإنسان، فَأَخْرِجْهَا من أرضي وَأَعْطِهَا هاجر، قال: فأقبلت تمشي فلما رآها إبراهيم ﵇ انْصَرَفَ، فقال لها: مَهْيَمْ، قالت: خَيْرًا كَفَّ اللَّه يَدَ الْفَاجِرِ وَأَخْدَمَ خَادِمًا، قال أَبو هريرة: فتلك أُمُّكُمْ يَا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ) (١). ومن فوائد الحديث: "مشروعية أخوة الإسلام، وإباحة المعاريض، والرخصة في الانقياد للظالم والغاصب، وقبول صلة الملك الظالم، وقبول هدية المشرك، وإجابة الدعاء بإخلاص النية، وكفاية الرب لمن أخلص في الدعاء بعمله الصالح" (٢)، قال النووي ﵀: "وهذا كذب جائز بل واجب؛ لكونه في دفع الظالم فنبه النبي ﷺ على أن هذه الكذبات ليست داخلة في مطلق الكذب المذموم" (٣). وحكمها للمستضعف أنها جائزة عند الحاجة، أما لغيره فالضابط أن كل ما وجب بيانه حرم التعريض فيه؛ لكونه كتمان للحق وتدليس كالإقرار والشهادة والعقود ووصفها والفتوى والقضاء ونحوه، وكل ما حرم بيانه فالتعريض فيه جائز، بل واجب بالنسبة

стр. 367

للمستضعف حتى وإن كان التعريض في اليمين (١)، قال ابن حجر ﵀: "ومحل الجواز فيما يخلص من الظلم، أو يحصل الحق، وأما استعمالها في عكس ذلك من إبطال الحق أو تحصيل الباطل فلا يجوز" (٢)، وقال أيضًا: "ومشروعية المعاريض الموهمة إذا دعت الضرورة إليها، وشرط جوازها أن لا تبطل حقا لمسلم" (٣). ولذا حذر النبي ﷺ من استعمال المعاريض ونحوها من غير حاجة أو ضرورة بل وعدها من الخيانة، فقال ﵊: (كَبُرَتْ خِيَانَةً أن تُحَدِّثَ أَخَاكَ حَدِيثًا هُوَ لَكَ بِهِ مُصَدِّقٌ وَأَنْتَ لَهُ بِهِ كَاذِبٌ) (٤)؛ وسبب اعتباره خيانة "لأنه ائتمنك فيما تحدثه به، فإذا كذبته فقد خنت أمانته، وخنت أمانة الإيمان، فيما أوجب من نصيحة الإخوان" (٥). ومتى ما أمكن المستضعف التخلص من الظلم أو العذاب بالمعاريض فهو أولى من الكذب، فإن لم يقدر أو لم يعرف جاز له صريح الكذب (٦)، قال ابن حجر ﵀: "اتفقوا -أي العلماء- على جواز الكذب عند الاضطرار، كما لو قصد ظالم قتل رجل وهو مختف عنده فله أن ينفي كونه عنده ويحلف على ذلك ولا يأثم واللَّه أعلم" (٧).

стр. 368

قال النووي ﵀: "ومتى ما أمكن التخلص منهم بالمعاريض أو التورية فهو الأولى وإلا فالكذب جائز، إنما يجوز من الكذب في الحرب المعاريض دون حقيقة الكذب؛ فإنه لا يحل هذا كلامه، والظاهر إباحة حقيقة نفس الكذب لكن الاقتصار على التعريض أفضل واللَّه أعلم" (١). الفرع الثانى: الكيد: وهو في اللغة: معالجة لشيء بشدة، وفسر بالمكر، والكيد الاحتيال والاجتهاد وبه سميت الحرب كيدا، وأما المكر فهو الاحتيال في خفية (٢). والمعنى الاصطلاحي: لا يخرج عن معناه في اللغة. وحكمه يختلف بحسب المقصود منه، "فيكون من الكيد ما هو مشروع، لكن لا يجوز أن يُراد به الكيد الذي تستحل به المحرمات، أو تسقط به الواجبات" (٣)، "فإن المكر إيصال الشيء إلى الغير بطريق خفي، وكذلك الكيد والمخادعة، ولكنه نوعان: قبيح وهو: إيصال ذلك لمن لا يستحقه، وحسن وهو: إيصاله إلى مستحقه عقوبة له، فالأول مذموم والثاني ممدوح" (٤)، فـ"الكيد الذي شرعه اللَّه للمظلوم أن يكيد به ظالمه ويخدعه به، إما للتوصل إلى أخذ حقه منه، أو عقوبة له، أو لكف شره وعدوانه عنه" (٥)، وعده ابن القيم من المعاريض الفعلية.

стр. 369

ودليل المشروعية ما رواه أَبو هريرة ﵁: (أن رجلا أتى النبي ﷺ فشكا إليه جاره، فقال: يا رسول اللَّه إن جاري يؤذيني، فقال: (أخرج متاعك فضعه على الطريق)، فأخرج متاعه فوضعه على الطريق، فجعل كل من مر عليه قال ما شأنك؟ قال: إني شكوت جاري إلى رسول اللَّه ﷺ فأمرني أن أخرج متاعي فأضعه على الطريق، فجعلوا يقولون: اللهم العنه، اللهم اخزه، قال فبلغ ذلك الرجل، فأتاه فقال: ارجع فواللَّه لا أؤذيك أبدا) (١). الفرع الثالث: التورية: وهي في اللغة من الستر، أو الشيء الخفي، والمراد أن تطلق لفظا ظاهرا في معنى وتريد به معنى آخر يتناوله ذلك اللفظ لكنه خلاف ظاهره (٢)، ومعناها الاصطلاحي لا يخرج عن المعنى اللغوي (٣). والفرق بينها وبين التعريض: "أن فائدة التورية تُراد من اللفظ، فهي أخص من التعريض، الذي قد يفهم المراد منه من السياق والقرائن، أو اللفظ، فهو أعم" (٤). ودليل مشروعية التورية ما روي بأن (رسول اللَّه ﷺ قَلَّمَا يُرِيدُ غَزْوَةَ يَغْزُوهَا إِلَّا وَرَّى بِغَيْرِهَا) (٥).

стр. 370

وحكمها الجواز للمستضعف، ولذا نص الفقهاء على أنها لا تجوز إلا لمظلوم (١)، وأنها تجب إن كان المسلم يريد أن يخلص نفسه من القتل (٢)، أو أن يحفظ مالًا أو وديعة عنده، فإن لم يعرف التورية أو لم يتمكن منها حلف باللَّه (٣)، قال ابن قدامة ﵀: "وإذا حلف فتأول في يمينه فله تأويله إذا كان مظلوما، وإن كان ظالما لم ينفعه تأويله" (٤). الفرع الرابع: النطق بكلمة الكفر: وفيه ست مسائل: المسألة الأولى: شروط النطق بكلمة الكفر: إن النطق بكلمة الكفر نوع من أنواع الحيل التي تجوز للمستضعف وفق شروط محددة، قال الشاطبي ﵀: "واعتبر جواز النطق بكلمة الكفر عند الإكراه من الحيل التي لا خلاف في جوازها" (٥)، وقد ذكرها العز بن عبد السلام ﵀ من الأمثلة على الأفعال المشتملة على المصالح والمفاسد مع رجحان مصالحهما على مفاسدهما؛ وذلك "لأن حفظ المهج والأرواح أكمل مصلحة من مفسدة التلفظ بكلمة لا يعتقدها الجنان" (٦). وقد أجمع العلماء على أن من أكره على الكفر حتى خشي على نفسه القتل، فكفر، وقلبه مطمئن بالإيمان، أنه لا يحكم عليه بالكفر (٧)، ودل على هذا قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ

стр. 371

غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (١)، والآية تضمنت شرط الجواز وهو تحقق الإكراه، واطمئنان القلب بالإيمان. وسبب نزولها أن المشركين أخذوا عمار بن ياس فلم يتركوه حتى سب النبي ﷺ وذكر آلهتهم بخير، ثم تركوه، فلما أتى رسول اللَّه ﷺ قال: "ما وراءك؟ " قال: شر يا رسول اللَّه، ما تركت حتى نلت منك، وذكرت آلهتهم بخير، قال: "كيف تجد قلبك؟ " قال: مطمئنا بالإيمان، قال: (إن عادوا فعد) (٢). وورد أنها نزلت في "ناس من أهل مكة آمنوا، فكتب إليهم بعض أصحاب النبي ﷺ بالمدينة: أن هاجروا، فإنا لا نراكم منا حتى تهاجروا إلينا، فخرجوا يريدون المدينة، فأدركتهم قريش بالطريق، ففتنوهم وكفروا مكرهين) (٣). والحكمة في جواز إجراء كلمة الكفر على اللسان للمستضعف والمكره، هو حفظ النفس، ولكون حق اللَّه لا يفوت معنى؛ لاطمئنان القلب بالإيمان، والعزيمة أولى لما فيها من رعاية حق اللَّه صورة ومعنى، وإظهار الصلابة في الدين وإعزازه (٤). إلا أنه يشترط في حال إجراء كلمة الكفر باللسان استعمال المعاريض والتورية باللفظ إلى غير معنى الكفر، وإطمئنان القلب بالإيمان بأن ينوي بقلبه خلاف ما يظهر (٥)، "قال

стр. 372

المحققون من العلماء إذا تلفظ المكره بالكفر فلا يجوز له أن يجريه على لسانه إلا مجرى المعاريض، فإن في المعاريض لمندوحة عن الكذب، ومتى لم يكن كذلك كان كافرًا؛ لأن المعاريض لا سلطان للإكراه عليها" (١)، وهذا إنما يحمل على من كان لديه المعرفة والقدرة على ذلك، وإمكان التورية فقد يكون الأمر مما لا يحتمل التورية، فإن الواقع تحت الإكراه والتهديد والخوف قد يعجز عن التأمل والتروي ويبحث عن النجاة بأقصر طريق (٢). المسألة الثانية: هل الأفضل النطق بكلمة الكفر أم الصبر ؟ إن النطق بكلمة الكفر رخصة، وإن الامتناع عن ذلك عزيمة، والتمسك بالعزيمة أفضل؛ لما فيه من إعزاز الدين وغيظ المشركين (٣)، قال القرطبي: "أجمع العلماء على أن من أكره على الكفر فاختار القتل أنه أعظم أجرا عند اللَّه ممن اختار الرخصة" (٤). قال الشاطبي ﵀: "فالصواب الوقوف مع أصل العزيمة إلا في المشقة المخلة الفادحة، فإن الصبر أولى ما لم يؤد ذلك إلى دخل في عقل الإنسان أو دينه، وحقيقة ذلك أن لا يقدر على الصبر؛ لأنه لا يؤمر بالصبر إلا من يطيقه" (٥). واستدل الفقهاء على أن الأخذ بالعزيمة أفضل بالآيات والأحاديث الواردة في الحث على الصبر والثناء على الصابرين واقتداء بالسلف، ومن تلك الأدلة: قصة أصحاب الأخدود، وسحرة فرعون، وما رواه خَبَّابٌ بن الأرت ﵁ قال: شَكَوْنَا إلى رسول اللَّه ﷺ وهو مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً له في ظِلِّ الْكَعْبَةِ، قلنا له: ألا تَسْتَنْصِرُ لنا، ألا تَدْعُو اللَّه لنا! قال:

стр. 373

(كان الرجل فِيمَنْ قَبْلكُمْ يُحْفَرُ له في الأرض، فَيُجْعَلُ فِيهِ، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ، فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّه لَيُتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّه، والذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ) (١). المسألة الثالثة: هل الأفضل في كل الأحوال عدم النطق بكلمة الكفر ؟ ذهب بعض فقهاء الشافعية إلى أنه: "إن كان ممن يرجو النكاية في العدو، أو القيام بأحكام الشرع، فالأفضل له أن يدفع القتل عن نفسه، ويتلفظ بكلمة الكفر؛ لما في بقائه من صلاح المسلمين، وإن كان لا يرجو ذلك اختار القتل" (٢). ويشهد لهذا ما وقع في خلافة الفاروق: (عندما وجه عمر ﵁ جيشًا إلى الروم وفيهم عبد اللَّه بن حذافة (٣) فأسروه، فقال له ملك الروم: تنصر أشركك في ملكي، فأبى، فأمر به فصلب، وأمر برميه بالسهام، فلم يجزع، فأُنزل، وأمر بقدر فصب فيها الماء، وأغلى عليه، وأمر بإلقاء أسير فيها، فإذا عظامه تلوح، فأمر بإلقائه إن لم يتنصر، فلما ذهبوا به بكى، قال: ردوه، فقال: لم بكيت؟! قال: تمنيت أن لي مائة نفس تلقى هكذا في اللَّه، فعجب، فقال:

стр. 374

قبل رأسي، وأنا اخلي عنك، فقال: وعن جميع أسارى المسلمين، قال: نعم، فقبل رأسه فخلى بينهم، فقدم بهم على عمر، فقام عمر ﵁ فقبل رأسه) (١). وإن مثل هذا الموقف الشجاع من عبدالله بن حذافة ﵁ وإقرار الفاروق ﵁ له، بل وتقبيله لرأسه على حسن صنيعه، دليل على تقديم مصلحة الجماعة على مصلحة الفرد، وعلى أن الصبر على العذاب والإقدام على الموت ليس هو المطلوب من المستضعفين في كل الأحوال، بل إن الخلاص والاحتيال قد يكون هو القرار الأشجع والأنفع للمسلمين، ولهذا قال العز بن عبد السلام: "التَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ مَفْسَدَةٌ كَبِيرَةٌ لَكِنَّهُ وَاجِبٌ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ يُقْتَلُ مِنْ غَيْرِ نِكَايَةِ فِي الْكُفَّارِ، لِأَنَّ التَّغْرِيرَ بِالنُّفُوسِ إِنَّمَا جَازَ لِمَا فِيهِ مِنْ مَصْلَحَةِ إعْزَازِ الدِّينِ بِالنِّكَايَةِ فِي المُشْرِكِينَ، فَإِذَا لَمْ تَحْصُلْ النِّكَايَةُ وَجَبَ الِانْهِزَامُ لِمَا فِي الثُّبُوتِ مِنْ فَوَاتِ النُّفُوسِ مَعَ شِفَاءِ صُدُورِ الْكُفَّار وَإِرْغَامِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَقَدْ صَارَ الثُّبُوتُ هَهُنَا مَفْسَدَةً مَحْضَةً لَيْسَ فِي طَيِّهَا مَصْلَحَةٌ" (٢). المسألة الرابعة: النطق بكلمة الكفر لمجرد التهديد أو الخوف على المال: هل يباح للمستضعف النطق بكلمة الكفر إن تعلق التهديد بماله، مذهب الجمهور عدم اعتبار حفظ المال إكراهًا مبررًا للوقوع في الكفر (٣)، واستدلوا لهذا بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ

стр. 375

تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (١)، قال الجصاص ﵀: "الخوف على المال والولد لا يبيح التقية في إظهار الكفر، وأنه لا يكون بمنزلة الخوف على نفسه؛ لأن اللَّه نهى المؤمنبن عن مثل ما فعل حاطب مع خوفه على أهله وماله. . . ويدل على أن الخوف على المال والأهل لا يبيح التقية، أن اللَّه فرض الهجرة على المؤمنين، ولم يعذرهم في التخلف لأجل أموالهم وأهلهم" (٢). ويحسن الإشارة إلى أن النظر في مثل هذه المسائل يكون لأمرين، الأول: الأمر المطلوب من المستضعف، والثاني نتيجة الرفض أو الإذعان، فكلما كان الأمر المطلوب عظيمًا تشدد في إجازته، وإن كان إذعانه أو رفضه سيؤدي إلى نفس النتيجة فإن رفضه هو الأولى، قال ابن تيمية ﵀: "تأملت المذهب فوجدت الإكراه يختلف باختلاف المكره عليه، فليس الإكراه المعتبر في كلمة الكفر كالإكراه المعتبر في الهبة ونحوها، فإن أحمد قد نص في غير موضع على أن الإكراه على الكفر لا يكون إلا بتعذيب من ضرب أو قيد، ولا يكون الكلام إكراها" (٣). المسألة الخامسة: هل الرخصة في القول أم القول والفعل ؟ ذهبت طائفة من العلماء كالحسن البصري والأوزاعي وبعض المالكية إلى أن الرخصة إنما جاءت في القول وأما في الفعل فلا رخصة فيه، والصحيح أن الرخصة جاءت في القول والفعل إذا اطمئن القلب بالإيمان (٤).

стр. 376

وفرق بين الفعل المتعلق بالغير كالقتل أو الزنا، وبين كلمة الكفر أو الفعل كالسجود لغير اللَّه أو حرق المصحف -نسأل اللَّه العافية والسلامة- وذلك لأن التلفظ بالكفر أو فعله لا يوجب وقوع مفسدة الكفر مع اطمئنان القلب بالإيمان؛ إذ الكفر الذي يوجب المفسدة إنما هو الكفر بالقلب، بخلاف القتل والزنا فإنه يوجب المفسدة، كما أنه متعلق بحقوق الآدميين وأما الكفر فمتعلق بحق اللَّه (١). المسألة السادسة: هل يقاس على جواز النطق بكلمة الكفر ما دونها من الأفعال ؟ قال تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٢)، "لمَّا سَمَحَ اللَّه تَعَالَى فِي الْكُفْرِ بِهِ، وَهُوَ أَصْلُ الشَّرِيعَةِ، عِنْدَ الْإِكْرَاهِ، وَلَمْ يُؤَاخِذْ بِهِ، حَمَلَ الْعُلَمَاءُ عَلَيْهِ فُرُوعَ الشَّرِيعَةِ، فَإِذَا وَقَعَ الْإِكْرَاهُ عَلَيْهَا لَمْ يُؤَاخَذْ بِهِ، وَلَا يَتَرَتَّبُ حُكْمٌ عَلَيْهِ" (٣). ومتى ما أمكن المستضعف أن يحمي نفسه وأن يحفظ ماله بما دون النطق بكلمة الكفر كان لزامًا عليه أن يفعل ذلك، وألا ينطق بكلمة الكفر، فيشهد لهذا الأمر قصة الْحَجَّاجُ ابْنُ عِلَاطٍ ﵁ (٤)، فعن أنس بن مالك ﵁ قال: (لما افتتح رسول اللَّه ﷺ خيبر قال

стр. 377

الحجاج بن علاط: يا رسول اللَّه إن لي بمكة مالًا، وإن لي بها أهلًا، وإني أريد أن آتيهم، فأنا في حِلٍّ إن أنا نِلْتُ منك أو قُلْتُ شيئًا، فأذن له رسول اللَّه ﷺ أن يقول ما شاء، قال: فأتى امرأته حين قدم، فقال: اجمعي لي ما كان عِنْدَكِ فإني أريد أن اشْتَرِيَ من غَنَائِمِ محمد ﷺ وأصحابه فإنهم قد اسْتُبِيحُوا وَأُصِيبَتْ أموالهم، قال: فَفَشَا ذلك بمكة، فأوجع المسلمين، وأظهر المشركون فرحًا وسرورًا، وبلغ الخبر العباس بن المطلب فَعَقِرَ في مجلسه وجعل لا يستطيع أن يقوم، وبقية الخبر: فأخذ العباس ابنًا له يقال له قُثَمُ، وكان يشبه رسول اللَّه ﷺ فَاسْتَلْقَى فَوَضَعَهُ على صدره وهو يقول: حبي قُثَمْ حبي قُثَمْ شَبِيهَ ذِي الْأَنْفِ الْأَشَمْ ... نبي رب ذِي النَّعَمْ برغم أنف من رغم ثم أرسل غلامًا له إلى الْحَجَّاجِ بْنِ عِلَاطٍ، فقال: ويلك ما جئت به وماذا تقول؟ فما وعد اللَّه خيرًا مما جئت به، قال الحجاج لغلامه: أقرء أبا الفضل السلام وقل له: فَلْيَخْلُ لي بعض بيوته لِآتِيَهُ فإن الخبر على ما يَسُرُّهُ، فجاء غلامه فلما بلغ الباب قال: أبشر أبا الفضل، فَوَثَبَ العباس فرحًا حتى قَبَّلَ بين عَيْنَيْهِ، فأخبره ما قال الحجاج فَأَعْتَقَهُ ثم جاء الحجاج فأخبره أن رسول اللَّه ﷺ قد افتتح خيبر وغنم أموالهم وَجَرَتْ سِهَامُ اللَّه) (١)، وقد كان الحجاج ﵁ بحاجة لمبرر لإخراج ماله من مكة دون أن يثير الريبة، لا سيما وأن قريشًا

стр. 378

منعت غيره من الصحابة من أن يخرجوا بأنفسهم، ومن سُمح له بالخروج فإنه يخرج دون ماله، ويتم الاستيلاء على جميع أمواله وأملاكه (١)، وقد طلب من العباس أن يكتم الخبر ثلاثة أيام بعد خروجه من مكة؛ لكونه يخشى الطلب، فقبل ذلك العباس حتى إذا كان اليوم الثالث: (لبس العباس حلة له وخرج حتى أتى الكعبة فطاف بها، فقالت قريش: يا أبا الفضل هذا واللَّه التجلد لحر المصيبة، قال: كلا، واللَّه الذي حلفتم به، لقد افتتح محمد خيبر، وترك عروسا على بنت ملكهم، وأحرز أموالهم وما فيها فأصبحت له ولأصحابه، قالوا: من جاءك بهذا الخبر؟! قال: الذي جاءكم بما جاءكم به، ولقد دخل عليكم مسلمًا فأخذ ماله فانطلق ليلحق بمحمد وأصحابه فيكون معه، قالوا: يا لعباد اللَّه انفلت عدو اللَّه، أما واللَّه لو علمنا لكان لنا وله شأن، قال: ولم ينشبوا أن جاءهم الخبر بذلك) (٢). قال ابن القيم ﵀ معلقًا على هذه القصة: "وفيه دليل على أن الكلام إذا لم يرد به قائله معناه إما لعدم قصده له، أو لعدم علمه به، أو أنه أراد به غير معناه، لم يلزمه ما لم يرده بكلامه، وهذا هو دين اللَّه الذي أرسل به رسوله، ولهذا لم يلزم المكره على التكلم بالكفر الكفر، ولم يلزم زائل العقل بجنون أو نوم أو سكر ما تكلم به، ولم يلزم الحجاج بن علاط حكم ما تكلم به؛ لأنه أراد به غير معناه، ولم يعقد قلبه عليه، وقد قال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي

стр. 379

أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ (١)، وفي الآية الأخرى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (٢)، فالأحكام في الدنيا والآخرة مرتبة على ما كسبه القلب وعقد عليه وأراده من معنى كلامه" (٣). وإن كانت قصة النجاشي ونُعيم ﵄ تدلان على جواز كتمان الإيمان وشعائره من أجل مصلحة المسلمين، إلا أن قصة الحجاج بن علاط دلت على جواز كتمان الإيمان بل والنيل من الرسول ﷺ بالقول مع اطمئنان القلب بالإيمان، لمصلحة حفظ مال فرد من المسلمين، وقد بوب ابن حبان ﵀ (٤) لهذا الخبر بقوله: "ما يستحب للإمام بذل عرضه لرعيته، إذا كان في ذلك صلاح أحوالهم في الدين والدنيا"، وأما الإمام النسائي فقد بوب له بقوله: "الرجل يكون له المال عند المشركين فيقول شيئًا يخرج به ماله"، وقصة الحجاج ﵁ دلت على جواز كتمان الإيمان وشعائره سواءً من الحجاج أو من العباس ﵄، وعلى جواز الحيلة، والمدارة، وجواز دخول دار الحرب لمن كان له مصلحة في ذلك بل والإقامة فيها.

стр. 380

وخلاصة هذا الفرع جواز النطق بكلمة الكفر للمستضعف وذلك بالشروط التالية: ١ - تحقق الاستضعاف والإكراه. ٢ - اطمئنان القلب بالإيمان. ٣ - استعمال التورية والتأويل والمعاريض ما أمكنه ذلك. إن الأفضل الامتناع عن كلمة الكفر خاصة إن كان في هذا الامتناع إعزاز لدين اللَّه وإغاظة للكفار، إلا من كان يرجو النكاية في العدو، أو القيام بأحكام الشرع، فالأفضل له أن يدفع القتل عن نفسه، ويتلفظ بكلمة الكفر؛ لما في بقائه من صلاح المسلمين. إن حكم الحيل مرتبط بالوسيلة والمقصود منها، ولهذا فـ"إن تحصيل المقاصد بالطرق المشروعة إليها ليس من جنس الحيل، سواء سمي حيلة أو لم يسم، فليس النزاع في مجرد اللفظ، بل الفرق بينهما ثابت من جهة الوسيلة والمقصود الذين هما المحتال به والمحتال عليه" (١)، "وبالجملة يجوز للإنسان أن يظهر قولًا وفعلًا مقصوده به مقصود صالح، وإن ظن الناس أنه قصد به غير ما قصد به، إذا كانت فيه مصلحة دينية، مثل: دفع ظلم عن نفسه، أو عن مسلم، أو دفع الكفار عن المسلمين، أو الاحتيال على إبطال حيلة محرمة، أو نحو ذلك، فهذه حيلة جائزة، وإنما الحرم، مثل: أن يقصد بالعقود الشرعية ونحوها غير ما شرعت العقود له، فيصير مخادعا للَّه، كما أن الأول خادع الناس، ومقصوده حصول الشىء الذي حرمه اللَّه، لولا تلك الحيلة، وسقوط الشيء الذي يوجبه اللَّه تعالى، لولا تلك الحيلة، كما أن الأول مقصوده إظهار دين اللَّه ودفع معصية اللَّه" (٢).

стр. 381

يتضح مما تقدم أن الحيل المشروعة هي: ما يتوصل بها إلى الحلال أو إلى الحقوق أو إلى دفع الباطل، ولا تهدم أصلًا شرعيًا، ولا تناقض مصلحة شرعية، وهي مشروعة للمستضعفين، وقد تجب لدفع القتل أو العذاب الشديد والضرر. كما يحسن التنبيه على أن الآيات والأحاديث الواردة في النهي عن موالاة الكفار مطلقًا أو التشبه بهم لا تتعارض مع هذه الحيل المشروعة، وذلك لأن محل تلك الآيات في حال الاختيار والقدرة، أما عند الخوف فيرخص في موالاتهم العملية والقولية لا القلبية بقدر ما يدفع الشر ويحقق المصلحة، ويشترط في هذا كله سلامة الباطن من تلك الموالاة (١)، ودل على هذا قوله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ (٢)، قال ابن تيمية ﵀: "كل ما جاء من التشبه بهم إنما كان في صدر الهجرة، ثم نسخ ذلك؛ لأن اليهود إذ ذاك كانوا لا يميزون عن المسلمين لا في شعور ولا في لباس لا بعلامة ولا غيرها، ثم إنه ثبت بعد ذلك في الكتاب والسنة والإجماع الذي كمل ظهوره في زمن عمر بن الخطاب ﵁ ما شرعه اللَّه من مخالفة الكافرين ومفارقتهم في الشعار والهدى، وسبب ذلك أن المخالفة لهم لا تكون إلا بعد ظهور الدين وعلوه كالجهاد وإلزامهم بالجزية والصغار، فلما كان المسلمون في أول الأمر ضعفاء لم يشرع المخالفة لهم، فلما كمل الدين وظهر وعلا شُرع ذلك. ومثل ذلك اليوم لو أن المسلم بدار حرب أو دار كفر غير حرب لم يكن مأمورا بالمخالفة لهم في الهدي الظاهر؛ لما عليه فى ذلك من الضرر، بل قد يستحب للرجل، أو

стр. 382

يجب عليه أن يشاركهم أحيانا في هديهم الظاهر إذا كان في ذلك مصلحة دينية، من دعوتهم إلى الدين، والاطلاع على باطن أمرهم؛ لإخبار المسلمين بذلك، أو دفع ضررهم عن المسلمين، ونحو ذلك من المقاصد الصالحة، فأما في دار الإسلام والهجرة التي أعز اللَّه فيها دينه وجعل على الكافرين بها الصغار والجزية، ففيها شرعت المخالفة، وإذا ظهرت الموافقة والمخالفة لهم باختلاف الزمان ظهرت حقيقة الأحاديث في هذا" (١)، وكذلك الآيات الواردة في هذا الأمر. * * *

стр. 383

المبحث الثالث استخدام المستضعف للتَقِيَّة وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول تعريف التَقِيَّةُ (١) وفيه فرعان: الفرع الأول: تعريف التَقِيَّةُ فى اللغة: وقى اتَّقى يَتَّقي: اسم مصدر من الاتِّقَاءِ، والوقاية، والوقاء هو كل ما وقيت به شيئًا، وهي أن يقي نفسه من اللائمة أو من العقوبة بما يظهر وإن كان على خلاف ما يضمر (٢).

стр. 384

الفرع الثانى: تعريف التقية اصطلاحًا: فقد عرفها جمع من علماء المسلمين بتعريفات متقاربة منها: "أن يَقِيَ نفسه من العقوبة بما يُظْهِرُهُ، وإن كان يُضْمِرُ خِلَافَهُ، وقد كان بعض الناس يأبى ذلك ويقول: إنه من النفاق والصحيح أن ذلك جائز" (١). وعرفت بأنها: "الحذر من إظهار ما في النفس من معتقد وغيره للغير" (٢). كما عرفت بأنها: "محافظة النفس أو العرض أو المال من شر الأعداء، والعدو قسمان: الأول: من كانت عداوته مبنية على اختلاف الدين كالكافر والمسلم. والثاني: من كانت عداوته مبنية على أغراض دنيوية كالمال والمتاع والملك والإمارة" (٣). * * * المطلب الثانى أدلة مشروعية التقية عد بعض العلماء النطق بكلمة الكفر مع اطمئنان القلب من التَقِيَّة، واستدلوا بأدلة تلك المسألة على مشروعية التَّقِيَّةِ، ومن الأدلة الأخرى على مشروعية التَّقِيَّةِ للمستضعف عند الضَرُورَة ما يلي: قوله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ (٤)، قال الطبري ﵀: "لا تتخذوا أيها المؤمنون الكفار ظهرًا وأنصارًا توالونهم على دينهم

стр. 385

وتظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين وتدلونهم على عوراتهم؛ فإنه: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾، يعني بذلك فقد بريء من اللَّه وبرى اللَّه منه بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾، إلا أن تكونوا في سلطانهم فتخافوهم على أنفسكم، فتظهروا لهم الولاية بألسنتكم، وتضمروا لهم العداوة، ولا تشايعوهم على ما هم عليه من الكفر، ولا تعينوهم على مسلم بفعل" (١)، وقال ابن كثير ﵀: "أي إلا من خاف في بعض البلدان والأوقات من شرهم فله أن يتقيهم بظاهره لا بباطنه ونيته" (٢). كما دل على مشروعيتها ما ورد أن عيونا لمسيلمة أخذوا رجلين من المسلمين فأتوه بهما، فقال لأحدهما: أتشهد أن محمدًا رسول اللَّه، قال: نعم، فقال: أتشهد أن محمدًا رسول اللَّه، قال: نعم، قال: أتشهد أني رسول اللَّه، قال: فأهوى إلى أذنيه، فقال: إني أصم، قال: ما لك! إذا قلت لك: تشهد أني رسول اللَّه، قلت: إني أصم، فأمر به فقتل، وقال للآخر: أتشهد أن محمدًا رسول اللَّه؟ قال: نعم، فقال: أتشهد أني رسول اللَّه؟ قال: نعم، فأرسله، فأتى النبي ﷺ فقال: يا رسول اللَّه، هلكت، قال: "وما شأنك؟ " فأخبروه بقصته وقصة صاحبه، فقال: (أما صاحبك فمضى على إيمانه، وأما أنت فأخذت بالرخصة) (٣). * * *

стр. 386

المطلب الثالث متى تكون التَّقِيَّةِ وشروط جوازها إن الاستضعاف والإكراه يكون سببًا من أسباب حصول التَقِيَّة، وأما الفرق بينها وبين النفاق أن المنافق كافر في قلبه، يظهر بلسانه الإيمان ليأمن على نفسه ويحصل على المزايا، وذلك يكون في حال قوة المسلمين، أما التَّقِيَّة فهي اظهار الكفر أو المعصية، مع اطمئنان القلب بالإيمان، وهي تكون في حال ضعف المسلمين (١). إذًا التَقِيَّةُ تكون عند الخوف من الكفار حال غلبتهم وقوتهم، ولا تكون حال قوة المسلمين، وكذلك إذا كانت الحالة بين المسلمين مشابهة للحالة مع الكفار جازت التَقِيَّةُ حماية للنفس أو المال، وتكون بالمداراة والتورية والمعاريض بما يُوهم المحبة والموالاة، بشرط أن يضمر خلافه، كما أنه لو أفصح بالإيمان حيث يجوز له التقية كان ذلك أفضل، وهي إنما تجوز فيما لا يرجع ضرره إلى الغير كالقتل وغصب الأموال وشهادة الزور واطلاع الكفار على عورات المسلمين فذلك غير جائز أبدًا (٢). ويمكن من خلال ما مضى من كلام أهل العلم استنباط شروط جواز التَقِيَّة، وهي: ١. أن التَقِيَّة تكون بعد العجز عن الهجرة إلى محل يقدر فيه على إظهار دينه (٣).

стр. 387

٢. التَقِيَّةُ تكون بقدر الضرورة، والضرورة تقدر بقدرها (١)، ويجب على المستضعف أن يتقي الكفار بأدنى ما يمكن مما هو خروج عن حدود الشرع، وهذا لا يتعدى اللسان في كثير من الأحوال، وأن وسعه السكوت فلا حاجة للتقية (٢). ٣. يجب على المستضعف أن يسعى بكل الوسائل والحيل للخروج من المكان الذي يعجز فيه عن إظهار إيمانه والفرار بدينه. ٤. أن موافقة الكفار رخصة حال الاضطرار، وإظهار الدين وشعائره عزيمة، فلو تلفت نفسه لذلك كان مأجورًا. ٥. التَقِيَّةُ تكون باللسان لا بالعمل (٣). ٦. لا تكون التَقِيَّةُ بمعاونة الكافر بالعمل ضد المسلم، ولا بالقتل (٤). ٧. الأصل في التَقِيَّة أنها تكون مع الكفار، "ظاهر الآية يدل أن التقية إنما تحل مع الكفار الغالبين، إلا أن مذهب الشافعي ﵁ أن الحالة بين المسلمين إذا شاكلت الحالة بين المسلمين والمشركين حلت التقية محاماة على النفس" (٥).

стр. 388

ولا يلزم من استضعاف المسلم أن يستعمل التقية في كل شؤونه وأحواله بل قد يعيش مع الكفار دون حاجة إلى ذلك، قال ابن تيمية ﵀: "فالمؤمن إذا كان بين الكفار والفجار لم يكن عليه أن يجاهدهم بيده مع عجزه، ولكن إن أمكنه بلسانه وإلا فبقلبه، مع أنه لا يكذب ويقول بلسانه ما ليس في قلبه، إما أن يظهر دينه، وإما أن يكتمه، وهو مع هذا لا يوافقهم على دينهم كله، بل غايته أن يكون كمؤمن آل فرعون، وامرأة فرعون، وهو لم يكن موافقا لهم على جميع دينهم، ولا كان يكذب، ولا يقول بلسانه ما ليس في قلبه، بل كان يكتم إيمانه، وكتمان الدين شيء وإظهار الدين الباطل شيء آخر، فهذا لم يبحه اللَّه إلا لمن أكره بحيث أبيح له النطق بكلمة الكفر، واللَّه تعالى قد فرق بين المنافق والمكره. . . بل المسلم يكون أسيرا أو منفردا في بلاد الكفر، ولا أحد يكرهه على كلمه الكفر ولا يقولها، ولا يقول بلسانه ما ليس في قلبه، وقد يحتاج إلى أن يلين لناس من الكفار؛ ليظنوه منهم، وهو مع هذا لا يقول بلسانه ما ليس في قلبه، بل يكتم ما في قلبه، وفرق بين الكذب، وبين الكتمان، فكتمان ما في النفس يستعمله المؤمن حيث يعذره اللَّه في الإظهار، كمؤمن آل فرعون، وأما الذي يتكلم با لكفر فلا يعذره، إلا إذا أكره، والمنافق الكذاب لا يعذر بحال، ولكن في المعاريض مندوحة عن الكذب، ثم ذلك المؤمن الذي يكتم إيمانه يكون بين الكفار الذين لا يعلمون دينه، وهو مع هذا مؤمن عندهم يحبونه ويكرمونه؛ لأن الإيمان الذي في قلبه يوجب أن يعاملهم بالصدق والأمانة والنصح وإرادة الخير بهم، وإن لم يكن موافقالهم على دينهم، كما كان يوسف الصديق يسير في أهل مصر، وكانوا كفارا، وكما كان مؤمن آل فرعون يكتم إيمانه، ومع هذا كان يعظم موسى" (١).

стр. 389

أما الفرق بين الحيلة والتقية فيظهر لي من خلال تعريف الحيلة وأنواعها أنها تكون بطرق خفية، أما التقية فالأصل فيها أنها لا تكون بطرق خفية، والحيلة لا يتقنها أي شخص بخلاف التقية، كما أن الحيلة تقع بالقول أو العمل، أما التقية فقد لا تقع بالقول أو بالعمل بل يكفي فيها الإضمار وعدم الإظهار، أما المعاريض والكذب والتورية والكيد فهي من وسائل الحيلة وصورها، واللَّه أعلم. * * *

стр. 390

المبحث الرابع استخدام المستضعف للمدارة والمداهنة وفيه مطلبان: المطلب الأول تعريف المداراة وحكمها وفيه فرعان الفرع الأول: تعريف المدارة لغة واصطلاحًا: وهي في اللغة: الملاطفة والملاينة، يقال: داريته مداراة ودارأته مدارأة إذا اتقيته ولاينته (١). ومعنى المداراة الاصطلاحي: لا يخرج عن المعنى اللغوي، إلا أنهم خصوها ببذل وترك الأمور الدنيوية، قال ابن حجر ﵀: "الفرق بين المدارة والمداهنة، أن المداراة بذل الدنيا لصلاح الدنيا أو الدين أو هما معا، وهي مباحة، وربما استحبت، والمداهنة ترك الدين لصلاح الدنيا" (٢). الفرع الثانى: حكم المداراة للمستضعف: إن المداراة يجوز للمسلم أن يقوم بها حتى إن يكن في حالة الاستضعاف أو الإكراه، فهي "من أخلاق المؤمنين، وهي خفض الجناح للناس، ولين الكلمة، وترك الإغلاظ لهم في القول، وذلك من أقوى أسباب الألفة. . . هي: الرفق بالجاهل في التعليم، وبالفاسق في النهي عن فعله، وترك الإغلاظ عليه، حيث لا يظهر ما هو فيه، والإنكار عليه بلطف القول والفعل، ولاسيما إذا احتيج إلى تألفه ونحو ذلك" (٣).
следующие страницы →