وجهة دلالته على ما نحن فيه: هو من حيث تنزيله، على ما لم يزل معلومًا من دخول الناس الحمامات عراة لغسل الأبدان والشعور، بل ربما بالغوا في التعرِّي بإبداء العورات، فقال الشرع: "احذروا بيتاً يقال له: الحمام"، أي: لأن العادة فيه جارية بانكشاف العورات، فلما قالوا له: ينقي الوسخ، قال: "استتروا"، يعني: استروا عوراتكم، وبعيد لهذا أن يعني: استروا أبدانكم، فإن ذلك غير معهود، ثم لم يصر معهوداً.
وليس استدلالنا هذا -متى استدللنا به فيما يأتي، مما يحتاج إليه فيه- استدلالاً بعمل، إنما هو استدلال بمتواتر لا يمكن المنازعة إلا في صحة وجوده (بحسب العلم) (١)، أو الظن الغالب المحتسب في مسائل الفقه.
ولم يكن كلامنا الآن في نظر الناظرين، فإنه لو كان في ذلك أمكن أن يعترض بأن يقال: هب كأنه يبدي بدنه، فمن أين يجوز النظر إليه ممَّن يحضره؟.
وإنَّما كلامنا في هذا الباب في بيان ما تُعبدنا بستره، وما لم نتعبد (بستره) (٢).
وفي الحديث النهي عن كشف العورة، من حيث أمره بسترها، والأمر في جواز إبداء الرجل ما عدا العورة قطعي، ولا خلاف فيه.
стр. 107
ويستقرأ أيضًا: من إبدائه ﷺ خاتم النبوة (١) في ظهره لجماعة ..
ومن تمكينه أسيد بن حضير من كشحه (٢)، أو خاصرته يقتصُّ منه، فلما بدت له التزمها ..
ومن بدوّ صفحة عنقه، حين جذبه (٣) الأعرابي بردائه ..
ومن كشفه ساقيه حتى رآهما مَن بحضرته (٤)، من أبي بكر وعمر وعثمان وأبي موسى الأشعري ﵃.
стр. 108
ومن رؤية عمر جنبه ﷺ ، وقد أثَّر فيه رمال حصير (١).
وكذلك:
٢٧ - أبو موسى الأشعري في حديثه في قتل أخيه (٢) أبي عامر: فلمَّا رجعتُ إلى النبي ﷺ دخلتُ عليه، وهو في البيت على سرير مُرمَلٍ (٣)، وما (٤) عليه فراش، وقد أثَّر رمال السرير في ظهر رسول الله ﷺ وجنبيه. ذكرهما مسلم.
стр. 109
وكذلك قال ابن مسعود أيضًا:
٢٨ - إنَّه رآه وقد أثَّر رمال الحصير في جنبه، في حديث: [ما أنا في الدنيا] (١). ذكره الترمذي.
ومن رؤية قيس بن سعد بن عبادة، أثر الورس على عُكنه، حين اشتمل في بيتهم بالملحفة المورَّسة (٢). ذكر حديثه بهذه الزيادة البزار.
٢٩ - وروى زهير بن محمد، عن زيد بن أسلم، قال: رأيت ابن عمر (محلول الأزرار) (٣)، وقال: رأيت رسول الله ﷺ محلول الأزرار. ذكره البزار (٤).
وفي حديث أنس:
٣٠ - فلقد كنت أرى أثر [ذلك] المخيط في صدره ﷺ . ذكره مسلم (٥).
стр. 110
إلى غير ذلك مما يكثر أن تتبع.
ومعلوم أنَّ شعر المرأة كصدرها وبطنها، فشعر الرجل أحرى وأولى أن يكون كصدره، وشعور الرجال بادية، وهذا ما لا نزاع فيه؛ فلا نطيل به.
فإن قيل: فكيف بما ذكر أبو القاسم (البغوي) (١) قال:
٣١ - أنا وهب بن كعب، أنا خلف، عن بيان، عن قيس، عن جرير، قال: رآْني عمر متجرِّداً، فناداني: حذار ذلك، حذار ذلك .. فأخذتُ ردائي، ثم أقبلتُ إلى القوم فقلت: ما له ناداني: حذار ذلك؟ قالوا: لَمَّا رآك متجرِّداً. قال: ما (رأيت) (٢) أحدًا من الناس صور صورة هذا إلا ما ذُكر عن يوسف.
قلنا: ليس في هذا منع من إبداء، وإنما خاف أن يُلقَحَ (٣). والله أعلم.
(٢) - مسألة: ومنه ما لا يجوز له إبداؤه قطعًا، لغير زوج أو أمة، وذلك سوءتاه، وهذا أيضًا ما لا خلاف فيه:
والأصل قوله تعالى: ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: ٣٠].
فإنه يحتمل أن يكون معناه: يحفظونها من الزنى، وما لا يحلُّ، أي: يعفونها من الزنى، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥].
وكما قال رسول الله ﷺ :
стр. 111
٣٢ - "يا شبابَ قريشٍ! لا تزنوا، احفظوا فروجكم، ألا مَن حفظ فرجه فله الجنة" رواه عنه ابن عباس. ذكره البزار (١).
ويحتمل أن يريد: يحفظونها من الإنكشاف والبدوّ.
فإذا كان الأمرُ بالحفظ، يمكن توجُّهه إلى المعنيين، فوجه الأمر بالإتيان
برجل إلى زيد وبكر وعمرو، وجاز أن يكون مطلقًا بالنسبة إلى كلِّ حفظ،
فتتضمن الآية الأمر بكلِّ حفظ، إعفافاً كان أو صيانةً عن (الإنكشاف) (٢)، ولهذا غور، وليس هذا موضع ذكره، والإِطناب فيه.
ومن السُّنَّة:
٣٣ - ما رواه بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جدِّه قال: قلت: يا رسول الله! عوراتنا، ما نأتي منها وما (نذر) (٣)؟ قال: "احفظ عورتك إلا من زوجتك، أو ما ملكت يمينك" قلت: فإذا كان القوم بعضهم في بعضٍ؟ قال: "إن استطعت أن لا يرى أحدٌ عورتك فافعل" قلت: فإذا كان أحدنا خاليًا؟ قال: "فالله أحق أن يُستحيى منه من الناس" (٤).
стр. 112
وهذا الحديث صحيح ذكره أبو داود والنسائي وابن أبي شيبة. وبهز (١) وأبوه ثقتان، وللمحدثين فيه خوض.
وقوله فيه: "احفظ عورتك إلّا من زوجتك، أو ما ملكت يمينك"، هو وإن كان خطاباً بالمفرد مواجهة، فإنه خطاب للجميع، للحاضر منهم والغائب، بقرينة عموم السؤال ووجوب عموم الجواب حتى ينطبق عليه، وسؤاله كان: عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ فقال: "احفظ عورتك ... " الحديث.
اكتفى بتبيين الحكم له خاصة بمشاركة غيره له في ذلك، (ومساواته لهم فيما (٢) شرع)، وقد تقدم: "استتروا" وقوله: "لا تمشوا عراة" فأما:
стр. 113
٣٤ - حديث أبي سعيد: "لا ينطر الرجل إلى عورة الرجل" (١)؛ فليس هو من هذا الباب، إنما هو من باب تحريم النظر إلى العورة، اللهمَّ إلا أن يثبت أن كلَّ ما يحرم النظر إليه من الناظر، يحرم إبداؤه على المنظور إليه، فحينئذ كان يصلح الإستدلال به هاهنا.
ونحن بالإِجماع المنعقد على تحريم إبداء العورة التي هي السوءتان مستغنون عن هذه التعلقات، وإنما نذكر (لُبَابَه) (*) لطالب يطلب الاجتماع مستنداً متعينًا، ومستغنون عما في الباب من ضعيف الحديث، كحديث:
٣٥ - عبد الله بن الحارث (٢) بن جزء الزبيدي: أنه مرَّ وصاحبٌ له بناس وفتية من قريش (قد حلوا) (٣) أزرهم، وهم عراة يتجالدون بها، قال: فلمَّا مررنا بهم، قالوا: إن هؤلاء هكذا؟ (فدعوهم) (٤) .. ثم إنَّ رسول الله ﷺ خرج عليهم، فلما أبصروه تبادروا (٥)، فرجع رسول الله ﷺ مغضباً، وكنت وراء الحجرة أسمعه يقول: "سبحان الله! لا من الله استَحْيَوا، ولا من رسوله استتروا".
стр. 114
وهو حديث ذكره البزار (١) من طريق ابن لهيعة (٢)، وهو مَن قد عُلِم.
стр. 115
وقال الحربي (١):
٣٦ - أنا هارون بن معروف، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو: أن سليمان بن زياد حدثه: أن عبد الله بن الحارث حدثه: أن أيمن وفتية معه تعرّوا واجتلدوا (٢)، فجعل رسول الله ﷺ يقول: "لا من الله استَحْيَوْا، ولا من رسوله استَتَروا"، وأم أيمن تقول: يا رسول الله! استغفر لهم (فبلأيِ ما) (٣) استغفر لهم.
وهذا الإسناد حسن، وسليمان بن زياد ثقة.
وأحسن ما في هذا حديث ذكره البزار (٤)، قال:
٣٧ - أنا بشر بن آدم، قال: أنا إسرائيل، عن مسلم، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: "كان النبيُّ ﷺ يغتسل من وراء الحجرات، وما رؤي عورته قط".
قال: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبيِّ ﷺ من وجه متصل بأحسن من هذا الإسناد.
стр. 116
وليس يعترض على شيء من هذا، ما رواه:
٣٨ - أبو هريرة، عن النبي ﷺ من كون بني إسرائيل يغتسلون عراة، ينظر بعضهم إلى عورة بعض، وكان موسى يغتسل وحده، وإيذاؤهم له بقولهم: ما يغتسل وحده إلا أنه آدر (١)، فبرأه الله مما قالوا، بفرار الحجر بثوبه، واتباعه إياه، حتى قام بين أيديهم عرياناً ينظرون إليه (٢).
فإن هذا ليس بشرع لنا، فاعلم ذلك، والله الموفق.
(٣) - مسألة: هذا الذي (لا يجوز) (٣) إبداؤه، ويجب ستره، هل يجب ذلك فيه في حال الخلوة؟:
стр. 117
فيه عند بعض الفقهاء تردّد.
وعندي: أن ذلك لا يجوز (*)، لقوله في حديث بهز بن حكيم المذكور: أرأيت إذا كان أحدنا خاليًا؟ قال: "فالله أحق أن يُستحيى منه من الناس" (١).
(وإذا) (٢) كان ستره من الناس واجبًا، فهذا واجب كذلك، أو أوجب.
وحديث يعلى بن أميَّة في هذا الباب حسن.
٣٩ - قال أبو بكر بن الجهم: أنا الأزرق، أنا شاذان، أنا أبو (٣) بكر بن عياش، عن عبد الملك، عن عطاء، عن صفوان بن يعلى بن أمية، عن أبيه، عن النبيّ ﷺ ، أنَّه أبصر رجلًا يغتسل بالعراء (٤)، فقال: "أيها الناس! إن الله حيي كريم سِتِّير، يحب الحياء والسَّتْر، فأيكم اغتسل فليتوارَ بشيء" (٥).
стр. 118
فأما حديث ابن عباس في هذا فضعيف، (وهو ما) (١) رواه:
٤٠ - ابن لهيعة، عن عطاء، عن ابن عباس: أنَّ النبيَّ ﷺ رأى رجلًا يغتسل وليس يتوارى، فكره ذلك، وقال: "الله سِتِّير يحبُّ السَّتْر، فمن اغتسل منكم فليتوارَ بشيء، بحجر أو شجرة" (٢).
وكذلك ما رواه:
٤١ - حفص بن سليمان، عن علقمة بن مرثد (٣)، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله ينهاكم عن التعري، فاستحيوا من ملائكة الله الذين معكم؛ الكرام الكاتبين، الذين لا يفارقونكم إلا عند إحدى ثلاث حالات: الغائط والجنابة والغسل، فإذا اغتسل أحدكم بالعراء فليستتر بثوبه، أو بجِذمة حائط (٤)، أبو ببعيره".
стр. 119
وحفص بن سليمان أحد المتروكين.
٤٢ - وحديث أبي كاهل في هذا ضعيف أيضًا، قال فيه: قال لي رسول الله ﷺ : "يا أبا كاهل! إنه مَن ستر عورتَه مِن الله سرّاً وعلانية، كان حقّاً على الله أن يستر عورته يوم القيامة".
قال أبو علي بن السكن (١): أنا نصر بن عبد الرحمن الشيرازي، أنا أحمد بن يونس بن المسيب الضبي، أنا يونس بن محمد المؤدب، أنا الفضل بن عطاء، عن الفضل بن شعيب، عن ابن منظور، عن أبي معاذ، عن أبي كاهل، فذكره (٢)، قال أبو علي: إسناده مجهول، وليس يروى إلا به.
стр. 120
(٤) - مسألة: وأعلم أنَّ الأمور المطلوبة منا بالتكليف قسمان: أفعال، وتروك لأفعال:
فأمّا الأفعال؛ فيسقط التكليف بها عنَّا في الآخرة، وذلك كالصَّلاة والصَّوم وأشباههما.
وأمَّا التروك؛ فعلى قسمين: قسم يسقط عنا التكليف به، فلا نُنهى عنه، وقسم فلا يصدر (منا ما هي) (*) تروك.
فالذي يسقط: كشرب الخمر، ولبس الحرير مما لا يُنْهى عنه هناك، بل يباح لنا منه ما كان حرامًا علينا في الدنيا.
والذي لا يصدر منا: كالقتل، والزنى، والإضرار (والأذى) (١)، والتحاسد وأشباهها، وكل هذا لا يصدر منا، ولا تتوفر الدواعي على فعل شيء منه، وهذا أمر لا تصحُّ إباحته بحال، ولا في وقت.
ونريد الآن أن نبيّن أن إبداء العورات، والتكشُّف إلى الناظرين هو من هذا القبيل؛ (نجتنب) (٢) منه في الآخرة ما كنا نجتنب منه في الدنيا، وما يقع منه في وقت يقع ضروريّاً، لا [نلام] (٣) به من باب أحرى.
стр. 121
وذلك (١) بَيِّنٌ فيما روته:
٤٣ - عائشة ﵂ من قول رسول الله ﷺ : "يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غُرْلاً" (٢) قلت: يا رسول الله! النساء والرجال ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال: "يا عائشة، الأَمرُ أشدُّ من أن ينظر بعضهم إلى بعض". ذكره مسلم.
وعند البخاري: "الأمر أشد (٣) من أن يهمَّهم ذلك".
هذه رواية القاسم عنها، عندهما، أعني: مسلمًا والبخاري.
وعند النسائي: من رواية عروة عنها:
٤٤ - فقالت: كيف بالعورات؟! فقال: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧].
ففي هذا: أن وقوع ذلك اضطرار، وأن النظر حال دونه الهول، فاعلمه.
(٥) - مسألة: من هذا الذي قلنا: إنه يجوز إبداؤه قطعًا، ولا يأثم بكشفه، ما هو من (المروءة) (٤):
стр. 122
وذلك بحسب الأشخاص والعادات، فليس إبداء الرجل الكبير كالسلطان (والممثل) (١) والعالم وأهل التخصص، شيئًا من ذلك، كإبداء أهل الأعمال والصنائع إياه، وحفظ المروءة مشروع، وإسقاطها قد ينجرح به العدل.
وقد أمرنا الله تعالى بأخذ الزينة، وَمَن عادته أن يعتمَّ يخرج حاسر الرأس مثلًا لغير ضرورة، قد خالف ما أمر به، وهذا الفصل بيِّن (فيكفي) (٢) فيه هذا القدر.
(٦) - مسألة: أما ما بين السرة والركبة مما عدا السوءتين، فهذا موضع اختلف الناس فيه:
فمنهم من يقول: هو عورة كالسوءتين، ولا يجوز إبداؤه، وهو مذهب الشافعي، ومنهم من يقول: ليس كذلك، لا يأثم بإبدائه، ولكن ليس من المروءة إبداؤه.
وللفريقين متمسكات من السنّة؛ منها: (صحاح) (٣) تمسَّك بها المبيحون، إلا أنها لم تدل على المقصود دلالة بَيّنَة، ومنها: ضعاف تمسك بها المانعون، وهي (دالة) (٤) على المنع، إلا أنها لم تصح .. نذكر ما أمكن من ذلك إن شاء الله تعالى.
• ممّا تمسك به مَن لم يرَ ذلك عورة:
٤٥ - حديث عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ مضطجعاً في بيته، كاشفاً عن فخذيه أو ساقيه، فاستأذن أبو بكر، فأذن له وهو على تلك الحال، ثم استأذن
стр. 123
عمر، فأذن له وهو كذلك، فتحدَّث، ثم استأذن عثمان، فجلس رسول الله ﷺ ، وسوّى ثيابه (١) .. . الحديث.
وهو صحيح، ولكنَّه لا حجة لهم فيه، لأن مراده منه كشف الفخذين، وهو مشكوك فيه، والحديث المذكور ذكره مسلم.
والذي صحَّ من رواية أبي (*) موسى بغير شكل: كشفه ساقيه فقط، وذلك حين جلس في الحائط على بئر أريس، مدلّياً رجليه، كاشفاً عن ساقيه، حتى دخل ثلاثتهم. ذكره أيضًا مسلم (٢).
وإذا لم يكن فيه للفخذين ذكر، خرج عن أن يكون له مدخل في هذا الباب.
ومن ذلك:
٤٦ - حديث أنس: أن رسول الله ﷺ غزا خيبر، قال: فصلَّينا عندها صلاة الغداة (بغَلس) (٣)، فركب رسول الله ﷺ وركب أبو طلحة، وأنا رديف أبي طلحة، فأجرى رسول الله ﷺ في زقاق خيبر، وإن ركبتي لتمسّ فخذي رسول الله ﷺ ، وانحسر الإِزار عن فخذ نبيِّ الله ﷺ .
стр. 124
والحديثٌ صحيحٌ ذكره مسلم (١) ﵀.
وتقرير دلالته لما ذهبوا إليه -على أبلغ ما يريدون- هو أن يقال: هو ﷺ في باب التحفُّظ من الإنكشاف، أشدُّ من سائر الخلق، وأحرى به وأولى، وقد انكشفت فخذه فتركها، حتى وقعت عليها حاسة البصر من أنس، ومسَّتها ركبتُه.
ويؤكد هذا المعنى ما وقع في كتاب البخاري في:
٤٧ - حديث أنس هذا: "وحسر الإزار عن فخذيه" (٢) دلَّ هذا على (أنها) (٣)
стр. 125
ليست بعورة؛ فإنها لو كانت عورة؛ ما كشفها، ولو انكشفت منه (كلها) (١) لا دليل لهم فيه.
أما هذه الرواية التي في كتاب البخاري "حسر الإزارَ"، بالنصب، فإني أظنها "حسر الإِزارُ" برفع الإِزار، حتى تكون "حسر" بمعنى الحسر، وذلك هو الثابت في القصة، أعني أن الحسر بغير قصد منه، لكنه يغلبه أذى الفرس.
وإذا كان "الحسر" كما هو في كتاب مسلم، فلمُ يبدها إذًا هو ﵇ بقصدٍ منه، لأنها بدت بغير اختياره، فلم يثبت أنه ﵇ معصوم من انكشاف ذلك منه بغير قصد، تم المقصود.
ولكن لا يصحُّ للخصم أن يثبت العصمة عن الأمور التي تقع بغير قصد، وهي لا تُخلُّ بمنصب النبوة، ولا تنفر، فإنه ﵇ ليس عن الذنوب فقط هو معصوم، بل وعما ليس بذنب، إذا كان مما يخلُّ بمنصبه.
فإن قال المستدلون به: قد عُصم ﷺ من ذلك قبل أن يبعث، فكيف لا يكون معصوماً منه بعد البعثة؟! .. وذكروا حديث بناء قريش الكعبة، ونقله ﵇ معهم الحجارة، (وإشارة) (٢) عمه العباس عليه بأن يحمل إزاره على منكبه دون الحجارة، فلما فعل سقط مغشياً عليه .. وما رؤي بعد ذلك اليوم عُرياناً.
وقد روي عنه: أنه قد عصم من انكشاف ما لا ينبغي أن ينكشف منه قبل أن يبعث، فكيف لا يكون معصوماً من انكشاف ما لا ينبغي أن ينكشف منه فيما بعد البعثة؟! .. وهذا الحديث يرويه:
٤٨ - جابر بن عبد الله قال: لما بُنيت الكعبة، ذهب النبيُّ ﷺ وعباس
стр. 126
ينقلان الحجارة، فقال عباس: (اجعل) (١) إزارك (على) (٢) عاتقك من الحجارة، ففعل، فخَرَّ إلى الأرض، وطمَحَت عيناه إلى السماء، ثم (قام) (٣) فقال: "إزاري"، فشدّ عليه إزاره، وفي رواية: فما رؤي بعد ذلك عرياناً. ذكر رواية جابر هذه مسلم (٤) ﵀.
٤٩ - ورواه ابن عباس، عن أبيه العباس، فزاد فيه: فجئتُ أسعى، وألقيتُ الحجرين، وهو ينظر إلى شيء فوقه، قلت: ما شأنك؟ فقام فأخذ إزاره، وقال: "نُهيت أن أمشي عرياناً" (قال: كنتُ أكتمها) (٥) الناس، مخافةَ أن (يقولوا) (٦): مجنون.
يرويه عمرو بن أبي قيس، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس. ذكره البزار (٧).
стр. 127
وقال: عمرو بن أبي قيس مستقيم الحديث.
قلنا: لا يصحُّ هذا الحديث؛ لأنَّ جابراً لم يشاهد ذلك (١)، ولأنه إنما صحب بعد الهجرة، ولم يقل في الحديث: إنه سمعه من النبي ﷺ ، ولا أسرّ إليه.
ورواية ابن عباس، عن العباس، هي من رواية سماك بن (٢) حرب، وهو ممن
كان يتلقّن، وإنما الحديث من أجله حسن، وعلي أنه لو صح لأمكن الجواب
عنه من وجهين:
أحدهما: أن نقول: إنما كان الكلام في انكشاف الفخذ وشبهها مما (عدا ما) (٣) لا يجوز انكشافه قطعًا، وهذا الخبر فيه بدوّ ما نحن متفقون على أنه لا يجوز انكشافه منه بعد النبوة.
стр. 128
والوجه الآخر: أن نقول: لم يكن الإستتار قبل البعثة مكلَّفاً به (١)، فما وقع منه لم يصادف أمراً، ولا ما وقع من نقيضه (خلاف نهياً) (٢)، ولا تلزم العصمة مما ليس بذنب، إلا أن يخلَّ بالمنصب، ولا أيضًا عمَّا هو ذنب إلا أن (٣) يكون مؤثِّراً (٤) في المنصب، وكذلك ما قبل النبوة ليس كذلك، أما بعد النبوة، فنعم (هو) (٥) صلوات الله عليه، معصوم من الكبائر قطعًا، ومن الصغائر بأدلة دلت على ذلك، وعما ليس بذنب، إذا كان مخلّاً بمنصب النبوة، إلى غير هذا مما يمكن الجواب به، والمشاركة فيه.
فلا نرى شيئًا مما ذكر دليلاً على أن الفخذ -وما هو في (٦) معناها- ليس بعورة.
• وأما المانعون من إبدائها، القائلون: إنها عورة، فاستدلوا بأحاديث: أشهرها:
٥٠ - حديث جرهد، برواية زرعة بن عبد الرحمن بن جرهد، عن أبيه قال: كان جرهد من أصحاب الصفة، وأنه قال: جلس عندنا رسول الله ﷺ ، وفخذي منكشفة، فقال: "أما علمت أن (الفخذ) (٧) عورة؟ ".
ولهذا الحديث علتان:
إحداهما: الجهل بحال زرعة وأبيه، فإنهما غير مَعْروفَي الحال، ولا مشهوري الرواية.
والثانية: الإضطراب (المؤدي) (*) لسقوط الثقة به، وذلك أنهم مختلفون فيه؛ فمنهم مَن يقول: زرعة بن عبد الرحمن، ومنهم مَن يقول: زرعة بن عبد الله، ومنهم مَن يقول: زرعة بن مسلم، (ثم) (**) منهم مَن يقول: عن أبيه، عن النبي ﷺ ، ومنهم مَن يقول: عن أبيه، عن جرهد، عن النبي ﷺ ، ومنهم مَن يقول: زرعة (...) عن آل جرهد، عن جرهد، عن النبي ﷺ ... وكل
стр. 131
هذا وَهَنٌ فيه، فلا يصح أصلاً، وإن كنَّا لا نرى الإضطراب في الإِسناد علة، فإنَّما ذلك إذا كان الذي يدور عليه الحديث ثقة، فنجعل حينئذ اختلاف أصحابه عليه، إلى رافع، وواقف، ومرسل، وواصل غير ضارٍّ، بل ربما كان سبب ذلك انتشار طرق الحديث، وكثرة رواته، وإن كان المحدِّثون يرون ذلك علة تسقط الثقة بالحديث المروي بالإِسناد المضطرب فيه.
ومن ذلك:
٥١ - حديث علي ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تكشف فخذك، ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت".
وهو حديث ذكره أبو داود (١)، من رواية ابن جريج، قال: أُخبرت عن حبيب بن أبي ثابت، عن عاصم (٢) بن ضمرة، عن (*) علي ﵁، وهؤلاء كلهم
стр. 132
ثقات، والإنقطاع فيه بين ابن جريج وحبيب، في قوله: أُخبرت، وزعم ابن معين: أنه أيضًا منقطع في موضع آخر، وهو ما بين حبيب وعاصم بن ضمرة، وأن حبيباً لم يسمعه من عاصم، وأن بينهما رجلًا ليس بثقة، وقال البزار ذلك أيضًا، وفسَّر الرجل الذي بينهما، بأنه عمرو بن (١) خالد، وهو متروك.
فعلى هذا يكون إسناده مسوّى، ولا أدري من سوّاه، وابن جريج لا يعرف بالتسوية وإنما يعرف بالتدليس (٢).
وأحسن من هذا الإسناد، ومن هذا الحديث: ما ذكره الدارقطني (٣) قال:
٥٢ - أنا [أبو] (٤) بكر النيسابوري، أنا أحمد بن منصور بن راشد، أنا روح بن عبادة: أن ابن جريج (٥) قال: أخبرني حبيب بن أبي ثابت، عن عاصم بن ضمرة، عن علي بن أبي طالب ﵁، قال: قال لي رسول الله ﷺ : "لا تكشف فخذك، فإن الفخذ من العورة".
стр. 133
وهذا أيضًا رجاله ثقات .. والذي كان في إسناد الحديث الذي قبله (١) من الانقطاع بين ابن جريج وحبيب في قوله: أخبرت، عن حبيب، ارتفع هاهنا بقوله: أخبرني، وهو عنده [هكذا] (*) ولا بد.
وليس لقائل أن يقول: لعلَّ ذلك الحديث بعينه، فإن لفظيهما مختلفان، إلا أنه مع ذلك يبقى منه في النَّفس شيء، من أجل ما قد قيل في الأول، من أن حبيباً لم يسمعه من عاصم بن ضمرة، فإن ذلك يورث شكّاً في سماعه منه هذا الباب، وذلك يوجب أن لا يطلق القول فيه بالصحة، وأهل هذه الصناعة -أعني المحدثين- بَنَوْا على الاحتياط، حتى صدق ما قيل فيهم: لا (تخف) (٢) على المحدث أن يقبل الضعيف، وخف عليه أن يترك من الصحيح، وبذلك انحفظت الشريعة كما أراد الله حفظها مما كيدت به من كذب الكاذبين عليها والزائدين فيها وقد رواه عن ابن جريج بلفظه الأول، وقال فيه: أخبرني حبيب بن أبي ثابت، [عن] (**) رجل آخر يقال له: يزيد بن عبد الله (أبو خالد) (٣) القرشي البصري، يقال له: البيسري، يكنى أبا خالد، قال فيه:
٥٣ - أنا جريج، قال: أخبرني حبيب بن ثابت، عن عاصم بن ضمرة، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : "لا تبرز فخذك، [ولا تنظر إلى فخذ] (٤) حي ولا ميت".
стр. 134
رواه القواريري، ذكره ابن عدي، ويزيد بن عبد الله هذا لا يعرف أنه ثقة.
ومن ذلك:
٥٤ - حديث ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ :"الفخذ عورة" ذكره الترمذي (١).
وذكره أيضاً البزار، ولفظه عنده:
٥٥ - مرّ رسول الله ﷺ علي رجل، فرأى فخذه خارجة، فقال له: "غطِّ فخذك، فإنّ فخذ الرجل مِنْ عورته".
وهو أيضًا حديث لا يصح، لأنه من رواية أبي يحيى، عن مجاهد، عن ابن عباس ... وأبو يحيى هذا، اختلف في اسمه، فقيل: زاذان، وقيل: مسلم، وقيل:
стр. 135
عبد الرحمن بن دينار، وهو ضعيف عندهم، وأحسنهم فيه رأياً البزار، فإنه
قال: ما نعلم به بأساً، قد روى عنه جماعة من أهل العلم، واحتملوا حديثه،
وهو كوفي معروف.
ومن ذلك:
٥٦ - حديث عبد الله بن مسعود، قال: عاد رسول الله ﷺ رجلًا من جهينة، فألفاه قد جعل على عورته خِرقةً، وكشف عن فخذيه، فقال رسول الله ﷺ : "غط فخذيك فإنَّها عورة".
قال بقي بن مخلد: أنا أبو الطاهر، أنا ابن وهب، عن عمرو، عن سعيد بن أبي هلال، عن عثمان، عن رجل، عن ابن مسعود، فذكره (١).
وضعف هذا لا خفاء (فيه) (*)، إذ لا يعرف مَن هذا الرجل الذي لم يسم (٢).
стр. 136
ومن ذلك:
٥٧ - حديث محمد بن عبد الله بن جحش، قال: مرَّ النبيُّ ﷺ -وأنا معه- على معمر، وفخذه مكشوفة، فقال: "غط فخذك، فإن الفخذ عورة".
وهذا حديث أشار إليه البخاري في جامعه (١)، ساقه بإسناده في تاريخه، فقال: أنا إبراهيم بن موسى، أنا إسماعيل بن جعفر، أخبرني العلاء، عن أبي كثير، عن محمد بن جحش، فذكره.
وهو حديث ضعيف، لأنَّ أبا كثير (٢) لا يعرف حاله، وهو مولى محمد بن
стр. 137
عبد الله بن جحش، بيَّن ذلك سليمان بن هلال، وعبد العزيز بن محمد
الدراوردي، وعبد العزيز بن أبي حازم، في روايتهم هذا الحديث، عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب.
ذكر الطرق عنهم بذلك بقي بن مخلد، وبينهم في نفسه اختلاف، يعود عليه أيضًا بِوَهَن، وذلك أن سليمان بن هلال، وعبد العزيز الدراوردي قالا فيه:
٥٨ - كنت أمشي مع رسول الله ﷺ في السوق، فمرَّ بمعمر جالس على بابه مكشوفة فخذه.
وفي رواية ابن أبي حازم:
٥٩ - مرَّ على معمر بفناءِ المسجد، ومعمر محتبٍ كاشفاً عن طرف فخذه، فقال: "خمِّر (*) فخذك يا معمر، فإن الفخذ عورة".
٦٠ - وحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ ، في: (أن ما) (١) بين السرة والركبة من العورة (٢)؛ ضعيف أيضاً، وسيأتي ذكره في فصل الإِناث إن شاء الله تعالى.
ونرى الأحاديث في هذا الباب غير صحيحة، وقد تقدَّم فيه البخاري بقوله؛
وهو: حديث أنس أسند، وحديث جرهد أحوط، حتى يَخْرُجَ من اختلافهم، ورأى (في) (٣) ذلك نظر، يقضي بأنه موضع لا يحلُّ النظر إليه، وهو الذي أراه.
والنظر المذكور هو أن حديث بهز بن حكيم، وحديث أبي سعيد صحيحان (٤)، وفي حديث بهز تحريم إبداء العورة، وذلك قوله: "احفظ عورتك
стр. 138
إلا من زوجك أو ما ملكت يمينك"، وفي حديث أبي سعيد: "لا ينطر الرجل إلى عورة الرجل".
فوجب أن يُنْظَر ما العورة في اللسان العربي الذي هو (به خوطبنا) (١)؟ .. فوجدناها: كل ما يستحيى منه: السوءتان وغيرهما (*).
قال أبو منصور النيسابوري صاحب كتاب "صحاح اللغة" (٢): العورة سوءة الإِنسان، وكل ما يُستحيى منه.
стр. 139
وقال ابن سيده (١) صاحب كتاب "المحكم": العورة كل (مكمن للستر) (٢)، وعورة الرجل والمرأة: سوءتهما، وكل أمر يُستحيى منه عورة، والعورة: الساعة التي هي قمن (٣) من ظهور العورة [فيها] (٤)، وهي ثلاث: قبل الفجر، وعند نصف النهار، وبعد العشاء الآخرة؛ ثلاث عورات أُمِر الولدان (٥) والخدم بالإستئذان فيها.
وقال أبو علي البغدادي (٦) صاحب كتاب "البارع": والعورة سوءة الإِنسان،
وكل أمر يُستحيى منه فهو عورة، والنساء عورة، قال: ليس في جميع حافظي
عوراتهم لا (يهمون بإذغاف السلل، إلا إذا كان السرعة، والتسلل: الطرة) (٧).
وثلاث ساعات في الليل والنهار عورات في قول الله (٨) وكل ما يُستحيى
стр. 140
منه، فهذا المفروض فيه الكلام، ممَّا يُستحيى من بدوِّه وإبدائه، وممَّا يستحيي
الناظر من النظر إليه، فلا يجوز أن يُبدى ولا أن ينظر إليه.
وأيضًا، فإن من المقطوع به في الشريعة، مراعاة حفظ المروءة، وليس مع كشف ذلك والتهاون به مروءة.
- وأشد من كشفه تمكين دلّاك منه في حمام أو غيره.
- ومسألة: هل ينجرح بذلك فاعله، أو لا ينجرح؟ ليس هذا موضع ذكرها.
فإن قيل: وكيف يستقيم القول بأنها عورة، ومعلوم أن العورة -أعني السوءتين- لا يجوز مباشرتها، ولا الضرب عليها باليد، ولو حال دونها ثوب؛ وقد صح:
٦١ - حديث أبي العالية البرّاء، قال: ضرب عبد الله بن الصامت على
فخذي، وقال: إني سألت أبا ذر كما سألتني، فضرب فخذي كما ضربت فخذك، وقال: إني سألت رسول الله ﷺ كما سألتني، فضرب فخذي كما ضربت فخذك، وقال: "صلِّ الصلاة لوقتها، فإن أدركت الصلاة معهم، فصلِّ ... " الحديث ذكره مسلم (١).
٦٢ - وحديث ابن عباس قال: قدّمنا رسول الله ﷺ ليلة المزدلفة أُغيلمة
стр. 141
بني (١) عبد المطلب على حُمُرات، فجعل يلطح (أفخاذنا) (٢) ويقول: "أُبَيْنيّ لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس"؛ فلو كانت الفخذ عورة، ما جاز الضرب عليها باليد من فوق الثوب، كما لا يجوز ذلك في أحد السوءتين.
قال أبو عبيدة (*): اللطح: الضرب ببطن الكف ونحوه، ليس بالشديد.
стр. 142
فالجواب: ليس في شيء من هذا اطلاع عليها، ولا نظر إليها، ولا بُعد في تفاوت أمر العورة، فيكون منها ما حكمه أغلظ، وما حكمه أرقّ، وإن تساوى الجميع في وجوب الستر، ووجوب غضِّ النظر عنه؛ فيكون على هذا أمر الفخذ أخف من أمر السوءتين، يجوز هذا القدر فيها أخذًا من هذين الحديثين، ووجوب الستر وتحريمُ النظر مأخوذ مما تقدم، فاعلم ذلك، والله الموفق.
(٧) - مسألة: السرة والركبة: هل تدخل فيما ذكرناه إذا قلنا: إن الفخذ عورة؟ اختلف في ذلك:
والأظهر: أنها لا تدخل في ذلك، فإن الأمر في الإستحياء منهما في مستقر العادات أقل.
وأما إن قيل: إن الفخد ليست بعورة، فالأمر فيهما يكون بيِّنًا، والغزالي حكى الخلاف المذكور في السرة والركبة، كأنه للشافعي.
والمعروف للشافعي: أنهما ليستا من العورة، ذكر ذلك ابن المنذر عنه (١).
وروي عن مالك: أنه قال: لا بأس أن يأتزر الرجل تحت سرته، وييدي سرته، إن كان عظيم البطن (٢).
стр. 143
وروى عنه ابن وهب: أنه قال: ليست السرة (بعورة) (١)، ذكر ذلك في "موطئه"، وقال عطاء: الركبة من العورة (٢).
ولم يصحَّ في هذا:
٦٣ - حديث أبي هريرة: أنه قال للحسن بن علي ﵄: ارفع قميصك عن بطنك حتى أقبِّل حيث رأيت رسول الله ﷺ يقبِّل، فرفع قميصه فقبَّل سرته (٣).
فإنه من رواية ابن عون، عن أبي محمد عمير (٤) بن إسحاق، عن أبي هريرة .. وأبو محمد هذا مجهول الحال، لم يُعرف أحدٌ روى عنه إلا ابن عون، ولو صح أيضًا لم يكن فيه حجة، لأن الحسن كان - إذْ قبَّل منه ذلك الموضع النبيُّ ﷺ صغيرًا.
فأما فعل أبي هريرة، برأيه لا بروايته، والحديث المذكور ذكره أبو أحمد الجرجاني (٥).
стр. 144
(٨) - مسألة: روي عن مالك ﵀ في الخادم الخَصِيِّ للرجل يَرى فَخذَه مُنكشفة؛ فدلك خفيف. وذكر ذلك ابن المواز (١) عنه.
وهذا عندي لا معنى له؛ لأن الخصيَّ لا أثر له في باب نظر الرجل إلى الرجل، ولا أيضًا ينبغي أن يخفف النظر إلى الفخذ إن كانتا من العورة، كما لا يخفف النظر إلى السوءتين وإن لم تكن عورة، فيجوز للخصي من النظر إليها (أو يكره) (٢) ما يجوز من ذلك للفحل، أو يكره.
وروي عنه أيضًا في "العتبية" (٣) برواية ابن القاسم، قال: ولا يرى عبدُ الزوجة فخذَ الزوج منكشفة، كأنها تُفهم هده الرواية تخفيفَ الأمر في
стр. 145
عبد نفسه، وهو لا معنى له إن كانت الفخذ عورة، وإن لم تكن عورة فعبد نفسه وغيره بمثابة واحدة، إلا إن كان يعني أن عبد نفسه لا يُستحيى منه كما يُستحيى من الأجنبي، والعورة ما يُستحيى منه، فالله أعلم إن كان ذلك عُني.
(٩) - مسألة: روي عن مالك: أنه قال: لا ترى خادم الزوجة فخذ الزوج, ولا تدخل عليه المرحاض خادم زوجته، ولا خادم ابنه، أو أبيه (١)؛ لأنه ليس لهن بمالكٍ فلا يجوز له التكشف لهن، هن منه أجنبيات، فلا يجوز لهن أن يرينه، والله الوفق.
(١٠) - مسألة: لا يَحرُم على أحد الزوجين، إبداء شيء لصاحبه من نفسه: لحديث بهز بن حكيم في قوله: "احفظ عورتك إلا من زوجك أو ما ملكت يمينك ... " (٢).
ولا خلاف فيه، وإنما الخلاف (٣) في جواز النظر من الرجل إلى فرج امرأته أو أمته، وسيأتي ذكر ذلك في باب النظر إلى المرأة، ولكن مع ذلك فليس من المروءة، وحفظه أولى .. ولم يصح:
٦٤ - حديث عائشة ﵂: "ما رأيت قط فرج رسول الله ﷺ ".