بني (١) عبد المطلب على حُمُرات، فجعل يلطح (أفخاذنا) (٢) ويقول: "أُبَيْنيّ لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس"؛ فلو كانت الفخذ عورة، ما جاز الضرب عليها باليد من فوق الثوب، كما لا يجوز ذلك في أحد السوءتين.
قال أبو عبيدة (*): اللطح: الضرب ببطن الكف ونحوه، ليس بالشديد.
стр. 142
فالجواب: ليس في شيء من هذا اطلاع عليها، ولا نظر إليها، ولا بُعد في تفاوت أمر العورة، فيكون منها ما حكمه أغلظ، وما حكمه أرقّ، وإن تساوى الجميع في وجوب الستر، ووجوب غضِّ النظر عنه؛ فيكون على هذا أمر الفخذ أخف من أمر السوءتين، يجوز هذا القدر فيها أخذًا من هذين الحديثين، ووجوب الستر وتحريمُ النظر مأخوذ مما تقدم، فاعلم ذلك، والله الموفق.
(٧) - مسألة: السرة والركبة: هل تدخل فيما ذكرناه إذا قلنا: إن الفخذ عورة؟ اختلف في ذلك:
والأظهر: أنها لا تدخل في ذلك، فإن الأمر في الإستحياء منهما في مستقر العادات أقل.
وأما إن قيل: إن الفخد ليست بعورة، فالأمر فيهما يكون بيِّنًا، والغزالي حكى الخلاف المذكور في السرة والركبة، كأنه للشافعي.
والمعروف للشافعي: أنهما ليستا من العورة، ذكر ذلك ابن المنذر عنه (١).
وروي عن مالك: أنه قال: لا بأس أن يأتزر الرجل تحت سرته، وييدي سرته، إن كان عظيم البطن (٢).
стр. 143
وروى عنه ابن وهب: أنه قال: ليست السرة (بعورة) (١)، ذكر ذلك في "موطئه"، وقال عطاء: الركبة من العورة (٢).
ولم يصحَّ في هذا:
٦٣ - حديث أبي هريرة: أنه قال للحسن بن علي ﵄: ارفع قميصك عن بطنك حتى أقبِّل حيث رأيت رسول الله ﷺ يقبِّل، فرفع قميصه فقبَّل سرته (٣).
فإنه من رواية ابن عون، عن أبي محمد عمير (٤) بن إسحاق، عن أبي هريرة .. وأبو محمد هذا مجهول الحال، لم يُعرف أحدٌ روى عنه إلا ابن عون، ولو صح أيضًا لم يكن فيه حجة، لأن الحسن كان - إذْ قبَّل منه ذلك الموضع النبيُّ ﷺ صغيرًا.
فأما فعل أبي هريرة، برأيه لا بروايته، والحديث المذكور ذكره أبو أحمد الجرجاني (٥).
стр. 144
(٨) - مسألة: روي عن مالك ﵀ في الخادم الخَصِيِّ للرجل يَرى فَخذَه مُنكشفة؛ فدلك خفيف. وذكر ذلك ابن المواز (١) عنه.
وهذا عندي لا معنى له؛ لأن الخصيَّ لا أثر له في باب نظر الرجل إلى الرجل، ولا أيضًا ينبغي أن يخفف النظر إلى الفخذ إن كانتا من العورة، كما لا يخفف النظر إلى السوءتين وإن لم تكن عورة، فيجوز للخصي من النظر إليها (أو يكره) (٢) ما يجوز من ذلك للفحل، أو يكره.
وروي عنه أيضًا في "العتبية" (٣) برواية ابن القاسم، قال: ولا يرى عبدُ الزوجة فخذَ الزوج منكشفة، كأنها تُفهم هده الرواية تخفيفَ الأمر في
стр. 145
عبد نفسه، وهو لا معنى له إن كانت الفخذ عورة، وإن لم تكن عورة فعبد نفسه وغيره بمثابة واحدة، إلا إن كان يعني أن عبد نفسه لا يُستحيى منه كما يُستحيى من الأجنبي، والعورة ما يُستحيى منه، فالله أعلم إن كان ذلك عُني.
(٩) - مسألة: روي عن مالك: أنه قال: لا ترى خادم الزوجة فخذ الزوج, ولا تدخل عليه المرحاض خادم زوجته، ولا خادم ابنه، أو أبيه (١)؛ لأنه ليس لهن بمالكٍ فلا يجوز له التكشف لهن، هن منه أجنبيات، فلا يجوز لهن أن يرينه، والله الوفق.
(١٠) - مسألة: لا يَحرُم على أحد الزوجين، إبداء شيء لصاحبه من نفسه: لحديث بهز بن حكيم في قوله: "احفظ عورتك إلا من زوجك أو ما ملكت يمينك ... " (٢).
ولا خلاف فيه، وإنما الخلاف (٣) في جواز النظر من الرجل إلى فرج امرأته أو أمته، وسيأتي ذكر ذلك في باب النظر إلى المرأة، ولكن مع ذلك فليس من المروءة، وحفظه أولى .. ولم يصح:
٦٤ - حديث عائشة ﵂: "ما رأيت قط فرج رسول الله ﷺ ".
стр. 146
فإنه من رواية مولى لعائشة، عنها، ولا يعرف من هو هذا المولى، ذكر الحديث الترمذي (١).
وروي أيضًا:
٦٥ - عن قتادة، عن أنس: أن عائشة ﵂، قالت: "ما رأيت عورة رسول الله ﷺ قط".
ولا يصح أيضًا، فإنه من رواية بركه (٢) بن محمد الحلبي، وهو ضعيف، ذكره أبو أحمد بن عدي الجرجاني.
ولا يصح أيضًا الحديث الذي جاء في النهي عن التجرُّد عند المباضعة، ومع ذلك فليس فيه ذكر للنظر، ولا للإبداء، وهو ما ذكر النسائي (٣) قال:
стр. 147
٦٦ - أخبرني أحمد بن عبد الله بن عبد الرحمن البرقي، قال: أنا عمرو بن
أبي سلمة، عن صدقة بن عبد الله، عن زهير بن محمد، عن عاصم الأحول، عن عبد الله بن سرجس: أن رسول الله ﷺ قال: "إذا أتى أحدكم أهله, فلْيُلْقِ على عجُزه وعجزها شيئًا, ولا يتجرَّدان تجرُّد العيْريْن".
قال النسائي: هذا حديث منكر، وصدقة بن عبد الله ضعيف.
وروي أيضًا:
٦٧ - عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ قال: "إذا أتى أحدكم أهله فليستتر, ولا يتجرَّد تجرُّد العيرين".
ولا يصح، فإنه من رواية مندل بن علي، وهو ضعيف، وابن معين يقول: ليس به بأس، يرويه عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله.
قال الحسن بن أبي القاسم: ذكرناه لشريك، فقال: كذب، أنا أخبرت الأعمش، عن عاصم، عن أبي قلابة .. ذكره البزار (١) وأبو أحمد.
стр. 148
٦٨ - وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أتى أحدكم [أهله] (١) فليستتر، فإنه إذا لم يستتر استحيتِ الملائكة فخرجت، وبقي الشيطان، فإذا كان بينهما ولد كان للشيطان فيه نصيب" (٢).
يرويه عبيد الله بن زحر، عن أبي المنيب، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة عنه؛ وهو حديث ضعيف يرويه عبيد الله بن زحر.
وروي عن مالك في هذا: أنه قيل له: هل يجامع الرجل امرأته، ليس بينها وبينه ستر؟ قال: نعم، قيل: إنهم يرون كراهيته، قال: ألقِ ما يحدِّثون به، قد كان النبي ﷺ وعائشة (يغتسلان) (٣) عريانين؛ فالجماع أولى بالتجريد. قال: ولا بأس أن ينظر إلى الفرج في الجماع.
стр. 149
وسنذكر مسألة النظر إلى الفرج، وما روي فيها عن النبي ﷺ إن شاء الله، في باب نظر الرجل إلى المرأة.
(١١) - مسألة: غير المكلفين من الذكور, لا يكلفون بتحريم انكشاف ولا غيره: ولكن من الصبيان مَن يعقل، أو مَن هو مراهق للبلوغ، فينبغي أن يؤدبوا عن الإنكشاف ويؤمروا بالستر، حتى يتدرَّبوا عليه، ويجدوا أنفسهم آخذة به (أوان) (١) التكليف، فقد حُمِلوا على الصلاة لسبع، وضُربوا عليها لعشر، وَفُرّق بينهم في المضاجع (٢)، وصوّموا في يوم عاشوراء (٣)، وهم بحيث يلهيهم
стр. 150
اللعب عن الطعام، وسنذكر أيضًا ما يجب من تدريبهم على ترك النظر، ومجانبة المخالطة للنساء.
(١٢) - مسألة: (المكلف) (*): إن كل ما عدا ما مرَّ ذكره (في حق) (**) الرجل المكلف، لا يجب عليه ستره، وإن كان منه ما (سِتره) (١) من المروءة، كما تقدم، وقد يعرض شك في المكلف من المُرْدان، الذين لم تخرج لحاهم بعد, أَيؤْمرون بتنقُّب أو بتستر عن الناس، لِمَا قَدْ عُلِم من مَيْل بعض النفوس إليهم, كما تؤمر الشابَّة الحسناء به, من أجل المَيْل إلى نظرِ وجهها؟ ..
هذا ما لا سبيل إليه, ولا إلى وجود قائل به, فما أُمر منهم أحد قط بتنقُّب ولا غيره، بل هو في كل ما ذكرنا كالملتحي (٢) سواء, إلا أن حكم النظر إليه وإلى الرجل مختلِف, ومختلَف فيه, وسيأتي بيان ذلك -إن شاء الله تعالى- في باب نظر الرجال إلى الرجال.
وقد ينقدح معنى الفرق بينهما، بأن يقال:
إن الشابة إذا أُطلق لها البُدُوّ، وإبداء المحاسن؛ بَادَرَ الإِبصار إلى نفسها وصرفها نحوها، وربما يكون في نظر الناظرين إليها ما يثير شهوتها، وزيادة إلى ما يثيره نظرها، فإن النظر مما يثير هواها، كذلك نظر الناظرين إليها
стр. 151
قد يكون سببًا لثوران هواها، وسَنُبيّن هذا بَعدُ بأَبيَنَ من هذا، فوجب من أجل هذا أن لا يترك [لها] (١) البُدُوّ والإِبداء، (وتؤمر) (٢) بالستر.
أما الغلام الشاب الجميل، فليس في تركه إلى (٣) البدو والإِبداء كلا هذين المعنيين، وإنما يتحقق له أحدهما، وهو استحسان بعض الناظرين له، وقد حكم عليهم بحسب ذلك، مما نبينه إن شاء الله، إذا ذكرنا حكم نظر الرجال إلى المردان .. فأما المعنى الآخر فمفقود في حقهم (وحقه) (٤)، وهو ثوران الشهوة منه بالنظر إليه؛ فلأجل عدم ذلك منه تُرِك البُدُوُّ والإِبداء، والله أعلم.
(١٣) - مسألة: قال القاضي أبو بكر بن الطيب (٥): (ويُنهى) (٦) الغلمان عن الزينة بما يدعو [به] (*) إلى الفساد، من عمل (الأصْدَاغِ والطُّرَرِ) (**)؛ فإنه
стр. 152
ضرب من التشبُّه بالنساء، وتعمّد الفساد، إلا أن يكون ذلك عادة، (وزِيًّا) (١) لأهل البلد، (وعَامًّا فيهم أو في أكثرهم) (٢) أو عادة لقوم منهم.
وقال محمد بن الحسين الآجري (٣): وعلى الإِمام أن ينهى الغلمان أن يظهروا (زيَّ) (٤) الفسّاق، ولا يصحبوا أحدًا ممن يُشار إليه بأنه يتعرض للغلمان، وكذلك الآباء: عليهم أن ينهوا أبناءهم عن زي الفسّاق وصحبتهم؛ ذكر ذلك في كتاب: "تحريم الفواحش" له.
والقول بمنعهم من التشبُّه بالنساء مطلقًا هو الصواب، كما تُنهى المرأة مطلقًا عن التشبه بالرجال، والله أعلم.
* * *
فصل
الإناث على قسمين: مكلّفات، وغير مكلّفات
(١٤) - مسألة: غير المكلَّفات: الكلام فيهن كالكلام في غير المكلَّفين، كما لا يؤمر منهم أحد، لا تؤمر منهنّ واحدة، ولكن يؤدّبن ويُدَرَّبن وينشَّأن على التَّحفُّظ والإستتار، ويجب على الآباء فيهن مزيد: وهو أن يحفظوا عوراتهن.
стр. 153
وهل للصغير عورات (أم لا) (١) يحكم لما ليس في حق الناظرين بحكم العورات؟.
هذا موضع نظر؛ أما في حق الرجل فيظهر أن ذلك (منه) (٢) عورة ليس للرجال النظر إليه، وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
(١٥) - مسألة: أما المكلفات: فمنهن ما لا يجوز لهنَّ إبداؤه قطعًا، وذلك السوءتان ولا خلاف فيه.
وكل ما جعلناه أصلًا لذلك في حق الرجل، ما عدا الإجماع، هو خاص بالرجال، لا دلالة له في حق النساء، مثل قوله: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: ٣٠].
وقوله ﷺ : "استتروا"، وقوله: "لا تمشوا عراة" (٣).
كل هذا للرجال، ولا يلزم أن يقحم في خطاب الذكور الإِناث إلا بدليل يعم؛
إذا تقدم ذكر الذكور والإِنات ثم أعيد عليهم ضمير الذكر أو نعت بالذين؛ صلح الإكتفاء به في حق الصنفين وليس ذلك ضربة لازب.
وقوله ﷺ : "احفظ عورتك إلا من زوجتك، أو ما ملكت يمينك" (٤) هو كذلك خطاب المذكر المواجه، وإن لزم تعميمه بقرينة عموم السؤال في حق الرجال، وذلك في قوله: "إلا من زوجتك, أو ما ملكت يمينك"، فهذا لا مدخل فيه للمرأة، ولكن أصل هذا الباب في حق النساء مع الإِجماع (المنعقد) (٥) قوله تعالى: ﴿وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور: ٣١].
стр. 154
والقول فيه كالقول في: ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: ٣٠]، وقد تقدّم .. ولنكتفِ بهذا القدر في محلٍّ لا نزاع فيه.
(١٦) - مسألة: والذي قررناه في حق الرجل في حال الخلوة؛ من منع كشف ذلك منه, يتأكد في حق المرأة، فإنها في باب (التستر) (١) أحرى وأولى
من الرجل.
ولا يعترض على هذا مرسل مالك:
٦٩ - عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار: أن رسول الله ﷺ سأله رجل: يا رسول الله! أستأذن على أمي؟ قال: "نعم" قال الرجل: إني معها في البيت، فقال رسول الله ﷺ : "اسْتأْذِن عليها، أتحب أن تراها عُريانَة؟ " قال: لا، قال: "فاسْتأْذِن عليها" (٢).
لأنه لا خلاف في جواز تجرُّدها للاغتسال ونحوه، فوضع ذلك علة لوجوب الإستئذان، ولم يخرج منه ما نحن فيه من كشف المرأة نفسها في الخلوة من غير ضرورة.
(١٧) - مسألة: ما فوق الركبة ودون السرة منهن، إن كان فيه تردد إذا فرض الكلام فيه من الرجال، فإنه لا ينبغي أق يكوق فيه تردد في حق النساء؛ فإنهن بوجوب (الستر) (٣) أحرى وأولى.
стр. 155
وقد يدلُّ على ذلك:
٧٠ - حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبيِّ ﷺ قال: "إذا زوج أحدكم عبدَه: أَمَتَه، أو أجيره, فلا ينظر إلى عورتها" (١).
هذه رواية الأوزاعي، عن عمرو.
٧١ - ورواه وكيع، عن داود بن سوار - قُلب اسمه، وإنما هو: سوار بن داود (٢) , عن عمرو، وقال فيه: "فلا ينظر إلى ما فوق الركبة ودون السرة" ذكره أبو داود (٣).
٧٢ - ورواه الخليل بن مرة (٤)، عن ليث (٥) بن أبي سليم، عن عمرو بن
стр. 156
شعيب، عن أبيه، عن جده، عن رسول الله ﷺ : أنه قال: "علّموا صبيانكم الصلاة في سبع سنين، وأدّبوهم عليها في عشر، وفَرّقوا بينهم في المضاجع، واذا زوج أحدكم أمته: عبده، أو أجيره، فلا ينظر إلى عورتها، والعورة ما بين السرة والركبة".
والخليل وليث ضعيفان. ذكره أبو أحمد (١).
٧٣ - ورواه النضر (٢) بن شميل، قال: أنا أبو حمزة سوار بن داود الصيرفي، عن عمرو بن شُعيب، فقال فيه: "واذا زوَّج أحدُكم عبدَه، أو أمته، أو أجيره، فلد تنطر الأمةُ إلى شيء من عورته، فإن ما تحت سرته إلى ركبته من العورة".
وهذا ليس بمناقض لرواية ليث، فإنه إذا منع التزوُّج من نظرها إلى ما كان مباحًا لها من سيدها، فإن النظر إلى ما كان له أن ينظر إليه منها يكون أحرى وأولى.
стр. 157
وهذا الجمع بين الروايتين -لو صحتا- أصحُّ مِن قَدح مَن قَدَحَ فيه بذلك،
ورآه اختلافًا فيه موهنًا له.
وقد ذكره البيهقي (١) فقال فيه: أصحابنا يحملونه على عورة الأمة، وقد روي فيه:
٧٤ - "إذا زوّج أحدكم أمته، فلا تنطر الأمة إلى شيء من ركبته (فإن ما) (*) بين السرة إلى الركبة عورة". قال: فالخبر في تحريم نظر المرأة الأمة إلى عورة سيدها بعدما زوَّجها. انتهى كلامه.
وهو به قادح في الرواية الأولى بالثانية، وجمعهما كما ذكرنا -لو صحتا- أصحُّ، وقد يدلّ على ذلك أيضًا حديث أبي سعيد: "لا تنظر المرأة إلى عورة المرأة" (٢).
ولكن بتنزيل العورة على ما يُستحيى منه، كما قلناه قبل هذا.
ولو صحَّ حديث عمر في هذا، ثبت منه أن جميع بدنها عورة، وهو حديث يرويه:
стр. 158
٧٥ - زيد العمِّي، عن أبي الصديق الناجي، عن ابن عمر، عن عمر، قال: ذكر نساء النبي ﷺ ما يدلين من الثياب، قال: "شبرًا"، قلن: فإن شبرًا قليل، تخرج منه العورة، قال: "فذراع" قُلْنَ: تبدو أقدامهن، قال:، ذراعًا لا يزدن على ذلك".
زيد العمي ضعيف. ذكر الحديث أبو بكر البزار (١). والله أعلم.
(١٨) - مسألة: أما [ما] (٢) عدا السوءتين، وما فوق الركبة إلنى السرة، أو دونه، من بطن، وظهر، وصدر، وعُنُق، وشَعَر، وكتف، وعَضُدٍ، ومِعصَم، وساق، ووجه، وكفين، وقدمين، فإنّه على قسمين: قسم منه استقرت فيه العادة بأن يستر, إلا أن يُظهر بقصد، وقسم يظهر إلا أن يُستر بقصد.
وإنما نَعني بالعادة ههنا، عادة مَن نزل عليهم (القرآن) (٣) وبلِّغوا عن النبيِّ ﷺ الشرع، (وخوطبوا) (٤) به خطاب المواجهة, ومن لزم تلك العادة بعدهم إلى هلمَّ جرَّا, لا كعادة (السودان) (٥) وغيرهم المبدين أجسادهم وعوراتهم، أو أجسامهم دون عوراتهم.
стр. 159
فممَّا كان في هذه العادة المعتبرة مُظْهَرًا لا يستر إلا بقصد -أعني من النساء- الوجه والكفين والقدمين, وممّا كان فيها مستورًا لا يكشف إلا بقصد (كالبطن) (١) والصدر ونحوهما.
(فلنبدأ) (٢) بنظر القسم الواحد من القسمين؛ وهو ما كان مظهرًا في العادة المعتبرة، إلا أن يستر بقصد، فنقول:
إنَّ الوجه والكفين والقدمين، هل يجوز للمرأة إبداؤها أو لا يجوز؟ أعني للأجانب؛ وهو موضع خلاف, ولن نبلغ إلى الكلام في تعيين الصحيح من ذلك، إلا بعد الكلام في الآية التي هي مستند الباب, وبعد الفراغ منها نعرض لثلاث مسائل: مسألة في الوجه، ومسألة في الكفين، ومسألة في القدمين.
* أما الكلام في الآية، فهو أن نقول: قوله : ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] نهي مطلق للنساء كلِّهن، حرةً كانت أو أمة، عن إبداء كل زينة لكلِّ أحد، رجل أو امرأة، أجنبي أو قريب أو صهر، هي مطلقة بالنسبة إلى كلِّ زينة، ومطلقة بالنسبة إلى كل مبدية، ومطلقة بالنسبة إلى كل ناظر، ورد على إطلاقين، منها استثناءان:
أحدهما: على مطلق الزينة، ومخصص به منها ما ظهر منها فيجوز إبداؤه لكل واحد.
والآخر: على مطلق الناظرين الذين يُبدى لهم شيء من ذلك، فخصص منهم: البعولة ومَن بعدهم, جوّز لها إبداء ما كان زينة لهم على وجه يتفسَّر بعدُ إن شاء الله من أنه مشترك بين أقربهم وأبعدهم.
стр. 160
وباطل أن يكون الذي أبيح إبداؤه لهؤلاء، هو ما أبيح إبداؤه للأجانب، أعني الظاهرة فقط، بل الظاهرة وبعض الباطنة.
وباطل أن يقال: أبيح لها إبداءُ الظاهرة وكل الباطنة، فإن منها ما يجوز للبعل ولا يجوز للأب، ولا يجوز لأبي البعل، وهذا موضع سنفسره بعدُ إن شاء الله تعالى.
والإِجماع منعقد على أن ما تبديه للمذكورين، أكثر مما تبديه للأجانب، وعلى أن المذكورين متفاوتون فيما تبديه لهم، فإذا قد انقسمت الزينة إلى ظاهرة تُبدى لكل أحد: أجنبي أو قريب أو صهر؛ وإلى باطنة، منها ما يُبدى لجميع المذكورين، ومنها ما يُبدى لبعضهم، فلا بد أن ينظر: ما الزينة الظاهرة؟ وما الزينة الباطنة؟ (ومَن) (١) الذي تبدي لهم من الزينتين؟.
أما الزينة الباطنة؛ ما تبدي منها؟ ولمن تبديه؟ فسيأتي القول فيه إن شاء الله مستوفًى، وأما الزينة الظاهرة، فهذا مكان القول فيه، فنقول:
نُقل عن عبد الله بن مسعود: أنها الثياب (٢)، فعلى هذا يلزم المرأة ستر جميع جسدها، ولا تُبدي شيئًا منه. وجهًا ولا غيره.
وروي عنه مفسرًا أنه قال: الزينة زينتان: ظاهرة، وباطنة، فالظاهرة: الثياب، والباطنة: الكحل والسِّوار والخواتِم؛ ففي هذا أن الوجه الذي فيه الكحل لا تبديه إلا لمن أُجيز لها إبداء الزينة الباطنة له: البعل ومَن بعده .. وروى في ذلك هو بنفسه حديثًا، أراه هو بظاهره.
стр. 161
٧٦ - قال الترمذي: نا [محمد (١) بن] بشار، نا عمرو بن عاصم، نا (همام) (٢)، عن قتادة، عن مورق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: "المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان" (٣).
قال فيه: حسن غريب.
٧٧ - ورواه محمد بن (بشار) (*)، عن [ابن] (٤) عاصم المذكور بإسناده،
وزاد فيه: "وأقرب ما تكون من وجه ربها وهي في قعر بيتها".
стр. 162
ورواه سليمان التيمي، عن قتادة، كما رواه عنه همام. ذكر ذلك كله البزار وهو صحيح.
ولم يصح:
٧٨ - حديث علي ﵁: أنه كان عند رسول الله ﷺ فقال: "أيُّ شيء خير للمرأة؟ " فسكتوا، فلما رجعتُ قلتُ لفاطمة: أيُّ شيء خير للنساء؟ قالت: "أن لا يراهنّ الرجالَ" فذكرت ذلك للنبيّ ﷺ ، فقال: "إنما فاطمة بضْعةٌ منّي".
لأنَّه مِن رواية قيس بن الربيع، عن عبد الله بن عمر، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، عن علي ﵁ .. وعلي بن زيد هو: ابن جدعان، صدوق ولكن ضعيف، وقيس بن الربيع، وقد تقدم التنبيه على ما اعتراه من سوء الحفظ، كشريك، وابن أبي ليلى.
والحديث المذكور ذكره البزار (١).
стр. 163
• فهذا قول واحد في الزينة الظاهرة، ويشبه أن يكون مقولًا به لبعض الشافعية، وذلك (أن لهم قولين) (*) في جواز النظر إلى الأجنبية:
أحدهما: المنع: وهو المشهور.
والآخر: الإِجازة، ما لم يخف الفتنة.
فإذا قلنا: إن كلَّ ما يحرم النظر إليه لا يجوز إبداؤه؛ فقد يخرج لهم من هاهنا مثل قول عبد الله بن مسعود في أن المرأة لا يجوز لها إبداء وجهها.
وروي عن أبي بكر (١) بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: أنه قال: "كل شيء من المرأة عورة حتى ظفرها".
стр. 164
وقال أحمد بن حنبل: إذا صلَّت المرأة تغطي كلَّ شيء منها، ولا ظفرها (١).
• وقول ثانٍ في الزينة الظاهرة, وهو: أنها الثياب والوجه (٢)، هذا قول يروى عن سعيد بن جبير. والحسن البصري روي عنه: أنه قال: إلا ما ظهر منها: وجهها وما ظهر من ثيابها؛ فعلى هذا يجوز لها إبداء وجهها فقط.
• وقول ثالث (٣) فيها، وهو: أنها الوجه والكفّان, هذا قول يروى عن ابن عباس، وابن عمر، وأنس، وعائشة، وأبي هريرة.
روي عن عبد الله بن عمر: أنه قال: الزينة الظاهرة: الوجه والكفّان.
стр. 165
. . . . . . . .
стр. 166
وعن أنس: أنه قال: الكف والخاتم .. وبلا شك أنه يعني بذلك مع الوجه، إذ لا قائل يقول: يجوز لها أن تبدي كفيها، دون وجهها.
وعن عائشة: أنها سُئلت عن الزينة الظاهرة، فقالت: إنها القُلب والفَتَخَة، وعن أبي هريرة مثله.
والقُلب: السوار، والفتخة؟ الخاتم.
(قال) (*):
(تجول) خلاخيلُ النساءِ ولا أرى ... لرملةَ خلخالًا (يجول) ولا قُلْبا
وهذا القول، هو قول الأوزاعي, والشافعي, وأبي ثور، كلهم يقول: تغطي في الصلاة كل جسدها, إلا الوجه والكفين، وهو الذي يخرج الشافعية مما قلناه عنهم في النظر إلى وجه الأجنبية، أن لهم قولين: أحدهما: الإجازة بشرط الأمن، فإنهم إذا قالوا ذلك في الوجه، كان في الكفين أحرى .. وإن كان هذا القول قد استضعفه الغزالي (١)، لأنه يؤدي عنده إلى أن تكون المرأة في حق الرجل كالأمرد في جواز النظر ما لم يخف.
стр. 167
وأما مذهب مالك ﵀، فيشبه أن يقال: إنه هو هذا، وذلك أنه روي عن أبي القاسم: أن المظاهر لا بأس أن ينظر إلى وجه امرأته قبل أن يُكفّر، قال: وقد يراه غيره (١).
وهذا قد كان يمكن تأويله على أنه قد يراه غيره للضرورة من شهادة أو خطبة أو غير ذلك .. ولكن يأبى ذلك ما نصَّ عليه في "موطئه" من قبله:
سئل مالك على: [هل] (٢) تأكل المرأة مع غير [ذي] (٣) محرم أو مع غلامها؟ فقال: "ليس [في] (٤) ذلك بأس، إذا كان ذلك على وجه [ما] (٥) يُعرف للمرأة أن تأكل معه من الرجال، وقد تأكل المرأة مع زوجها ومع غيره ممن يؤاكله (٦) , ومع أخيها على مثل ذلك، ويكره للمرأة أن تخلو مع رجل ليس بينه وبينها حرمة.
هذا نص قوله وفيه إباحة إبدائها وجهها وكفيها ويديها للأجنبي، إذ لا يتصور الأكل إلا هكذا، وقد أبقاه الباجي (٧) على ظاهره، وقال: إنه يقتضي أن
стр. 168
نظر الرجال إلى وجه المرأة وكفيها مباح، لأن ذلك يبدو منها عند مؤاكلتها، وكذلك فهمه ابن عبد البر (١)، إلا أنه خالف مالكًا فيه، فلم يرَ ذلك جائزًا للمرأة، أعني البدوّ والمُؤاكلة.
وممن منع من ذلك، وتأول قول مالك هذا في أنه في العجوز المتجالّة: ابن الجهم (*)، وقد أبعد في ذلك، ويحتمل عندي أن يقال: إن مذهب مالك هو أن نظر الرجل إلى وجه المرأة الأجنبية لا يجوز إلا من ضرورة (٢)، وعلى هذا
стр. 169
شرح ابن رشد (١) مسألة المرأة الكبيرة يقوم بحوائجها الأجنبي. وسنذكرها في باب الضرورات.
ونص في كتاب "المقدمات" على أنه لا يجوز للرجل أن ينظر إلى الشابة إلا لعذر من شهادة [أو علاج] (٢) أو (إرادة) (٣) نكاح.
ويوجد لبعض أشياخ المالكية غيره ة (مما) (٤) يدل على أنهم اعتقدوا في مذهب مالك أنه كمذهب ابن مسعود، في أنه لا يجوز النظر إلى وجهها وإن كان ليس بعورة منها، بدليل جواز بدوِّه عند الحاجة إلى الشهادة أو الخطبة، فإن الشهادة لا تبيح النظر إلى السوءة، والخاطب لا ينظر منها إلى عورة.
وهذا الإستقراء في أنه ليس بعورة صحيح، ولكن قد يمكن أن يقال: إنه ليس بعورة فيجوز النظر إليه، وأن يقال: [إنه] (٥) ليس بعورة ولكن لا يجوز النظر إليه.
стр. 170
وكذلك أيضًا استدل [به] (*) إسماعيل القاضي (١) لمذهبه، وهو جواز بُدُوِّ الوجه والكفين, بما أُجمع عليه من جواز بدوّ وجهها في الصلاة، بل وجوبه. وما ذكره من الإِجماع على ذلك، حكاه أيضًا غيره.
قال ابن المنذر (٢): أجمعوا أن لها [أن] (**) تصلي مكشوفة الوجه, وعليها عند جميعهم أن يكون كذلك في حال الإِحرام (٣).
стр. 171
وبيان مراده، وهو (أنه) (١) يقول: يرى كلَّ ما هو منها لا يجوز لها إبداؤه في غيو الصلاة، ويتأكَّد ذلك فيه إذا كانت في الصلاة، فإذا ما جاز لها إبداؤه في الصلاة يجوز لها إبداؤه في غير الصلاة.
وهذا الذي استدلَّ به ليس بدليل على جواز إبدائه للأجانب ينظرون إليه.
وكذلك أيضًا: ما تقرَّر من أمر الإِحرام في الحجِّ، أنه في وجهها وكفيها، و (أنه) (٢) لايجوز لها سترهما .. كما جاء حديث عبد الله بن عمر في (نهيها) (٣) عن التنقُّب ولبس القفازين (٤)، فإنه لا (يبعد) (*) في أن يقال مع ذلك: إبداؤه في غير الإِحرام والصلاة حرام.
ولم ننظر بعد: هل يجوز لها إبداؤه، أم لا يجوز؟ .. وإنما أوردت هذا كله الآن تخليصًا لمذهب مالك فيه.
وجواز "البُدوِّ" وتحريمه مرتَّب عنده على جواز النظر، أو تحريمه، فكل
стр. 172
موضع له فيه جواز النظر، فيه إجازة البدو، (وسنتعرض) (١) بعدُ لبيان هذا، إن شاء الله تعالى.
• وقول رابع (٢) في الزينة الظاهرة: روي عن ابن عباس: أنه قال: الكحل، والسواك، والخضاب إلى نصف الذراع، جعل نصف المعصم، مما يجوز لها إبداؤه والخضاب عند مالك من الزينة [الباطنة] (٣)، وقد نبه على ذلك أبو بكر بن العربي (٤). وهو عندي كما ذكر.
وإذ قد فرغنا (٥) من حكاية أقوالهم في الزينة الظاهرة، فلنذكر ما يخصُّ الوجهَ أولًا، مما يمكن التعلُّق به لإجازة النظر، أو منعه، ثم بعده ما يخص الكفين، ثم ما يجمعهما، ثم نذكر القدمين، حتى يتخلص الصواب إن شاء الله تعالى، وبعد الفراغ من ذلك نذكر الزينة الخفية، ومن يجوز لها أن تبديها له، بحول الله .
(١٩) - مسألة: الوجه: مما يمكن أن يَستدِلَّ به مَن أجاز لها إبداؤه:
٧٩ - حديث جابر بن عبد الله، في حجة النبيِّ ﷺ ، قال فيه: "مرت به (٦) ظُعُن يَجرين، فجعل الفضل- وكان رديف رسول الله ﷺ ينظر إليهن، وكان رجلًا حسن الشعر، أبيض وسيمًا (٧) .. فوضع رسول الله ﷺ يده على وجهه،
стр. 173
فَحَوَّلَ الفضل وجهه إلى الشق الآخر فنظر، فحوّل رسول الله ﷺ يده من الشق الآخر على وجه الفضل" ذكره مسلم (١).
وفي حديث علي ﵁، لما قال له العباس في هذا الموطن: لويت (عنق) (٢) ابن عمك، يا رسول الله! قال: "رأيت شابًّا وشابة، فلم آمن الشيطان عليهما" (٣).
(وسنذكره) (٤) إن شاء الله في باب نظر الرجل إلى المرأة.
ووجه دلالته لمن يتمسك به أن يقول: لم (يأمرهن) (٥) النبيُّ ﷺ ، أو لم يأمرها بالتنقُّب، بل أقرَّها على ما كانت عليه، وهي بحيث يمكن افتتان الناظر إليها بها، فلم يعرض لها، ولكنه عرض للناظر، (المتمتع) (٦) بمحاسن وجهها.
ويمكن أن يَدفع دلالته هذه مَن يذهب مذهب ابن مسعود في منعها من إبداء وجهها، بأن يقول: لعلهن أو لعلها، كن أو كانت، محرمات أو محرمة، فللإحرام حكم آخر في جواز إبداء الوجه ووجوبه، وبعيد أن [يَكُنَّ] (٧) أو تكون منتقبات، فلا يعترض له هاهنا.
стр. 174
وقد روى:
٨٠ - ابن عمر، عن النبي ﷺ : نهي المحرمة أن تنتقب، أو تلبس القفازين. ذكره أبو داود (١)، وموضع ذكره كتاب الحج.
فإن قيل: وقد روى:
٨١ - يزيد بن زياد، عن مجاهد، عن عائشة، قالت: كنا مع رسول الله ﷺ ونحن محرمات وكان تمرُّ بنا الرفقة، فإذا أدنت منا أَسْبَلْنا على وجوهنا طائفةً من خُمُرنا (٢).
قلنا: هذا ضعيف، لضعف: يزيد بن أبي زياد. ذكر: حديثه هذا البزار (٣).
стр. 175
ونقول أيضًا: لو صحَّ لم يكن فيه: ما يحرم (١) على المحرمة إبداء وجهها، ولا ما يوجب عليها ستره، فإنه ليس فيه عن النبي ﷺ شيء.
ومما يمكن أن يُستدل به أيضًا عليه:
٨٢ - حديث (سهل بن سعد) (٢) في الواهبة، ولفظه: فصعَّد فيها رسول الله ﷺ النظر، وصوَّبه، ثم طأطأ [رأسه] (٣)، فقام رجل، فقال: زوجنيها، إن لم تكن لك بها حاجة" (٤).
ويمكن للمانعين (٥) الجواب عنه، ودفع دلالته، بأن يقولوا: إذا كان استدلالكم
стр. 176
بنظر النبي ﷺ ؛ فليس فيه إلى النظر إلى الوجه ذكر، ولو كان حملناه على أنه لما عرضت نفسها (وظهر) (١) مَن يريد النكاح (جاز) (٢)، وسيأتي بيانه في باب الضرورات، وإن كان من حيث بدت للرجل الذي أراد زواجها، فالجواب عنه:
إنَّ إبداء وجهها غير مذكور في الحديث، ولعلها مستترة .. وأيضًا [] (٣) إن وجهها بَادٍ لعل (لمن) (٤) يريد النكاح جائز لها إبداء وجهها (له) (٥)، ويجوز (٦) للمريدين النكاح النظر إليه .. وسنرسها في تشوف المرأة للخطاب مسألة. في باب الضرورات إن شاء الله تعالى، فانظرها هناك يتحقق لك إمكان الجواب به هاهنا عن الإستدلال بهذا الخبر.
ومما يمكن أن يستدل به أيضًا:
٨٣ - حديث عائشة، قالت: دخل رسول الله ﷺ وفي حجرتي جارية، فألقى لي حِقوه، فقال: "شُقِّيه شِقَّتين؛ فأعطي هذه نصفًا، والفتاة التي عند أم سلمة نصفًا, فإني لا أراها إلا قد حاضت، أو لا (أراهما) (٧) إلا حاضتا" (٨).
стр. 177
ووجه الدليل فيه: (أن ما) يعرف به أو يظن أن الفتاة قد حاضت، أغلب ما يكون أمارات في الوجه، أو في الصدر؛ والصدر لا يحل نظر الأجنبي إليه إجماعًا؛ فلم يبقَ إلا أنه رأى وجهها, أو وجوههما، وتندفع دلالته هذه اندفاعًا بيِّنًا، بأنه ليس للوجه فيه ذكر، ولعل إدراكه ذلك برؤية القرء أو الضرب، أو ما سمع من أزواجه عنهما، مما يعرف به أنهما قد حاضتا، أو غير ذلك، فلا حجة فيه.
وهو مع ذلك حديث (منقطع) (١) الإِسناد، فيما بين محمد بن سيرين، وعائشة؛ لم يسمعه منها.
وممَّا يمكن أن يستدل به أيضًا:
٨٤ - حديث أم سلمة: أن رسول الله ﷺ قال لجارية في بيتها رأى في وجهها سَفعَة (٢)، [فقال] (٣): "بها نَظْرة, فاسْتَرْقُوا لها" (٤).
وهذا فيه النظر إلى الوجه نصًّا، ولكنه تندفع دلالته باحتمال ألا يكون مدركه، فلذلك لم يأمرها .. وإذا استدل [به] (٥) في باب النظر على جواز النظر مطلقًا، يقول: لعلها نظرة فجأة، أو ممن لا يخاف الفتنة، ولا قائل بجواز النظر مطلقًا.
ومما يمكن أن يستدل به أيضًا:
стр. 178
٨٥ - حديث جويرية:
قال أبو داود: نا عبد العزيز بن يحيى الحراني أبو الأصبغ، قال: نا محمد يعني: ابن مسلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير، عن عائشة قالت: وقعت جويرية بنت الحارث بن (المصطلق) (١)، في سهم ثابت بن قيس بن الشماس (٢) أو ابن عمٍّ له، فكاتبت على نفسها، وكانت امرأة صالحة (٣)، تأخذها العين، فجاءت تسأل رسول الله ﷺ في كتابتها، فلمَّا قامت على الباب فرأيتُها فكرهتُ (٤) مكانها، وعرفت أن رسول الله ﷺ سيرى منها مثل الذي رأيت، فقالت: يا رسول الله! أنا جويرية بنت الحارث، وأنا كان من أموي ما لا يخفى عليك، وإني قد وقعتُ في سهم ثابت بن قيس بن الشماس، وإني كاتبت على نفسي، فجئتك (٥) أسألك في كتابتي، فقال رسول الله ﷺ : "فهل لك إلى ما هو خير منه؟ " قالت: وما هو يا رسول الله؟ قال: "أؤدي عنك كتابتك وأتزوجك" قالت: قد فعلت، قالت: فتسامع -يعني الناس- أن رسول الله ﷺ قد تزوَّجها، فأرسلوا ما في أيديهم من السبي (٦) فأعتقوهم، وقالوا: أصهار رسول الله ﷺ ، فما رأينا امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها، أعتق في سببها مئة أهل بيت من بني المصطلق (٧).
стр. 179
وهو حديث حسن، وابن إسحاق لم يُصَرّح بما قيل فيه، والخوض فيه طويل عريض .. وظاهر هذا الحديث: أنها كانت قد أسلمت من قولها في محاورتها: يا رسول الله!.
ولكن تندفع دلالته باحتمال ألا تكون أبدت وجهها بحضرته، كما أبدته حين رأتها عائشة، وليس في الخبر دليل على أنه رآها بادية الوجه فأقرَّها، وفيه دليل على أن زمان رؤية عائشة لوجهها غير زمان تكلُّمها مع رسول الله ﷺ ؛ فإنها قالت: فلما قامت على الباب فكرهت مكانها، وعرفت أن رسول الله ﷺ سيرى مثل الذي رأيت؛ دلَّ على أنه لم يرها بعد، ولعله كان في صلاة أو غيرها، فإن ذلك كان والله أعلم في موضع استقرار.
وممَّا يمكن أن يستدلَّ به أيضًا:
٨٦ - حديث جابر في العيدين، فيه: فقامت امرأة من سِطة (١) النساء، سفعَاء (٢) الخَدَّين، فقالت: لمَ يا رسول الله؟ ... الحديث؛ ففيه أنَّ جابرًا أدرك من حديثها ما وصفها به، دل على بُدُوِّ وجهها بحضرة رسول الله ﷺ وهي تخاطبه، وهو يخاطبها. ذكره مسلم (٣) ﵀.
стр. 180
وتندفع دلالته بأن يقال: لا يمتنع أن يقع في الوجود إبداء امرأة وجهها: إما بسقوط ساترها، وإما عاصية بذلك، فيفاجئها جابر (١) أو غيره بنظرة يدرك بها منها (ما عرفنا وصفها به) (*)، وتسأل النبي ﷺ ، وتخاطبه، ويخاطبها.
ولكن من أين أنه نظر إليها حتى عرف منها أنها بادية الوجه باقية على ما كانت عليه؟ إذ لَمحُها جائز (٢) حتى لو قدرنا ذلك؛ فلقد كان من صفة النبي ﷺ أن نظره إلى الأرض، وأنه أشد حياء من العذراء في خدرها (٣).