← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 17442

إحكام النظر في أحكام النظر بحاسة البصر

ابن القطان

Полный текст (513 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

بنظر النبي ﷺ ؛ فليس فيه إلى النظر إلى الوجه ذكر، ولو كان حملناه على أنه لما عرضت نفسها (وظهر) (١) مَن يريد النكاح (جاز) (٢)، وسيأتي بيانه في باب الضرورات، وإن كان من حيث بدت للرجل الذي أراد زواجها، فالجواب عنه: إنَّ إبداء وجهها غير مذكور في الحديث، ولعلها مستترة .. وأيضًا [] (٣) إن وجهها بَادٍ لعل (لمن) (٤) يريد النكاح جائز لها إبداء وجهها (له) (٥)، ويجوز (٦) للمريدين النكاح النظر إليه .. وسنرسها في تشوف المرأة للخطاب مسألة. في باب الضرورات إن شاء الله تعالى، فانظرها هناك يتحقق لك إمكان الجواب به هاهنا عن الإستدلال بهذا الخبر. ومما يمكن أن يستدل به أيضًا: ٨٣ - حديث عائشة، قالت: دخل رسول الله ﷺ وفي حجرتي جارية، فألقى لي حِقوه، فقال: "شُقِّيه شِقَّتين؛ فأعطي هذه نصفًا، والفتاة التي عند أم سلمة نصفًا, فإني لا أراها إلا قد حاضت، أو لا (أراهما) (٧) إلا حاضتا" (٨).

стр. 177

ووجه الدليل فيه: (أن ما) يعرف به أو يظن أن الفتاة قد حاضت، أغلب ما يكون أمارات في الوجه، أو في الصدر؛ والصدر لا يحل نظر الأجنبي إليه إجماعًا؛ فلم يبقَ إلا أنه رأى وجهها, أو وجوههما، وتندفع دلالته هذه اندفاعًا بيِّنًا، بأنه ليس للوجه فيه ذكر، ولعل إدراكه ذلك برؤية القرء أو الضرب، أو ما سمع من أزواجه عنهما، مما يعرف به أنهما قد حاضتا، أو غير ذلك، فلا حجة فيه. وهو مع ذلك حديث (منقطع) (١) الإِسناد، فيما بين محمد بن سيرين، وعائشة؛ لم يسمعه منها. وممَّا يمكن أن يستدل به أيضًا: ٨٤ - حديث أم سلمة: أن رسول الله ﷺ قال لجارية في بيتها رأى في وجهها سَفعَة (٢)، [فقال] (٣): "بها نَظْرة, فاسْتَرْقُوا لها" (٤). وهذا فيه النظر إلى الوجه نصًّا، ولكنه تندفع دلالته باحتمال ألا يكون مدركه، فلذلك لم يأمرها .. وإذا استدل [به] (٥) في باب النظر على جواز النظر مطلقًا، يقول: لعلها نظرة فجأة، أو ممن لا يخاف الفتنة، ولا قائل بجواز النظر مطلقًا. ومما يمكن أن يستدل به أيضًا:

стр. 178

٨٥ - حديث جويرية: قال أبو داود: نا عبد العزيز بن يحيى الحراني أبو الأصبغ، قال: نا محمد يعني: ابن مسلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير، عن عائشة قالت: وقعت جويرية بنت الحارث بن (المصطلق) (١)، في سهم ثابت بن قيس بن الشماس (٢) أو ابن عمٍّ له، فكاتبت على نفسها، وكانت امرأة صالحة (٣)، تأخذها العين، فجاءت تسأل رسول الله ﷺ في كتابتها، فلمَّا قامت على الباب فرأيتُها فكرهتُ (٤) مكانها، وعرفت أن رسول الله ﷺ سيرى منها مثل الذي رأيت، فقالت: يا رسول الله! أنا جويرية بنت الحارث، وأنا كان من أموي ما لا يخفى عليك، وإني قد وقعتُ في سهم ثابت بن قيس بن الشماس، وإني كاتبت على نفسي، فجئتك (٥) أسألك في كتابتي، فقال رسول الله ﷺ : "فهل لك إلى ما هو خير منه؟ " قالت: وما هو يا رسول الله؟ قال: "أؤدي عنك كتابتك وأتزوجك" قالت: قد فعلت، قالت: فتسامع -يعني الناس- أن رسول الله ﷺ قد تزوَّجها، فأرسلوا ما في أيديهم من السبي (٦) فأعتقوهم، وقالوا: أصهار رسول الله ﷺ ، فما رأينا امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها، أعتق في سببها مئة أهل بيت من بني المصطلق (٧).

стр. 179

وهو حديث حسن، وابن إسحاق لم يُصَرّح بما قيل فيه، والخوض فيه طويل عريض .. وظاهر هذا الحديث: أنها كانت قد أسلمت من قولها في محاورتها: يا رسول الله!. ولكن تندفع دلالته باحتمال ألا تكون أبدت وجهها بحضرته، كما أبدته حين رأتها عائشة، وليس في الخبر دليل على أنه رآها بادية الوجه فأقرَّها، وفيه دليل على أن زمان رؤية عائشة لوجهها غير زمان تكلُّمها مع رسول الله ﷺ ؛ فإنها قالت: فلما قامت على الباب فكرهت مكانها، وعرفت أن رسول الله ﷺ سيرى مثل الذي رأيت؛ دلَّ على أنه لم يرها بعد، ولعله كان في صلاة أو غيرها، فإن ذلك كان والله أعلم في موضع استقرار. وممَّا يمكن أن يستدلَّ به أيضًا: ٨٦ - حديث جابر في العيدين، فيه: فقامت امرأة من سِطة (١) النساء، سفعَاء (٢) الخَدَّين، فقالت: لمَ يا رسول الله؟ ... الحديث؛ ففيه أنَّ جابرًا أدرك من حديثها ما وصفها به، دل على بُدُوِّ وجهها بحضرة رسول الله ﷺ وهي تخاطبه، وهو يخاطبها. ذكره مسلم (٣) ﵀.

стр. 180

وتندفع دلالته بأن يقال: لا يمتنع أن يقع في الوجود إبداء امرأة وجهها: إما بسقوط ساترها، وإما عاصية بذلك، فيفاجئها جابر (١) أو غيره بنظرة يدرك بها منها (ما عرفنا وصفها به) (*)، وتسأل النبي ﷺ ، وتخاطبه، ويخاطبها. ولكن من أين أنه نظر إليها حتى عرف منها أنها بادية الوجه باقية على ما كانت عليه؟ إذ لَمحُها جائز (٢) حتى لو قدرنا ذلك؛ فلقد كان من صفة النبي ﷺ أن نظره إلى الأرض، وأنه أشد حياء من العذراء في خدرها (٣).

стр. 181

ومما يمكن أن يستدل به أيضًا: ٨٧ - حديث جرير المتقدم الذكر، قال: سألت رسول الله ﷺ عن نظرة الفجأة، فأمرني أن أصرفَ بصري (١). يدلُّ ظاهره على أنَّ النساء وجوههن بادية، بحيث يقع عليها الإبصار مفاجأة وبالقصد. وتندفع دلالته بأن يقال: ليس فيه إقرار النساء على إبداء وجوههن، وإنما سأل جرير عمَّا يقع من النظر إلى مَن أبدت وجهها غافلة، أو حيث لم يكن لوجود مطلع عليها، كما صنعت عائشة حين مرَّت مع أخيها إلى التنعيم لتعتمر، فإنها كانت تكشف عن وجهها، فيضربها أخوها فتقول: وهل ترى من أحد؟ (٢). أَو لضرورة، أو عاصية بذلك. ومما يمكن أت يستدل به أيضًا: ٨٨ - حديث جابر: أنَّ رسول الله ﷺ رأى امرأة، فدخل على زينب بنت جحش فقضى حاجته منها، ثم خرج إلى أصحابه فقال: "إنَّ المرأة تقبل في صورهّ شيطان، فمَن وجد من ذلك شيئًا فليأتِ أهله، فإنه يردُّ ما في نفسه" (٣)، وفي رواية: "يضمر ما في نفسه" (٤).

стр. 182

وهذا صحيح، [إلا أنه مندفع الدلالة] (١) من حيث [إنه] (٢) ليس فيه ذكر للإِبداء، وَلَعَل حركة النفس من رؤية الشخص مستترًا. وما ذكره البزار: ٨٩ - عن جابر في هذا من قوله ﷺ : "إذا أعجبتكم المرأة فليلم بأهله، فإن ذلك يرد نفسه". هو أيضًا كذلك يحتمل، [إلا] (٣) أنه من رواية (ابن أبي الزناد) (٤)، وهو ضعيف.

стр. 183

وكذلك أيضًا إن احتج (محتج) (١) به في باب النظر، اندفعت دلالته باحتمال أن يكون ذلك عن نظرة الفجأة، فاعلمه. وبعد الفراغ من مسألتي الكفين والقدمين، نذكر ما نراه في الوجه والكفين والقدمين من جواز إبدائها جميعًا، أو منعه، أو إجازة بعض (٢) ذلك ومنع بعض إن شاء الله. (٢٠) - مسألة الكفين: مما يمكن أن يستدلَّ به مَن أجاز لها إبداء كفيها: ٩٠ - حديث بريدة، قال: خرج رسول الله ﷺ في بعض مغازيه، فلمَّا انصرف جاءت جارية سوداء، فقالت: يا رسول الله! إني كنتُ نذرتُ إن رَدَّك الله صالحًا، أن أضرب بين يديك بالدفِّ، وأتغنَّى. فقال رسول الله ﷺ : "إن كنت نذرت، فاضربي، وإلا فلا". فجعلت تضرب، فدخل أبو بكر وهي تضرب، ثم دخل عليٌّ وهي تضرب، ثم دخل عثمان وهي تضرب، ثم دخل عمر فألقتِ الدفَّ تحت استها، ثم قعدت عليه. فقال رسول الله ﷺ : "إن الشيطان ليخاف منك يا عمر، إني كنت جالسًا وهي تضرب، فدخل أبو بكر وهي تضرب، ثم دخل عليٌّ وهي تضرب، ثم دخل عثمان وهي تضرب، فلما دخلتَ أنْتَ يَا عُمَرُ ألقتِ الدفَّ".

стр. 184

برواية الترمذي (١) عن الحسين (٢) بن حُرَيث، قال: نا علي بن الحسين بن واقد، قال: نا أبي، نا عبد الله، فذكره، قال فيه: حديث حسن صحيح. وقوله هذا عندي صواب، فإنَّ علي بن الحسين بن واقد (٣) المذكور لم

стр. 185

يصحَّ عنه الإِرجاء، ولا أيضًا الدعاء إليه، فهو كسائر مَن ينسب إليه رأي من هذه الآراء من المحدثين، الذين لم يجتنب شيء من حديثهم، والعقيلي [هو] (١) الذي زعم أنه كان مرجئًا. ووجه الإستدلال من هذا الحديث: هو ما علم بالعادة من بُدُوّ [يدي] مَن يضرب الدفَّ، وما أشد تعسُّف مَن يدفع هذا بأن يقول: لعلها بقفازين ومتنقبة، ولكن مع هذا يمكن الجواب عنه، ممَّن يمنع إبداء المرأة يديها. ودفع دلالته بأن يقال: ولعلها لمَّا أمرها أن تضرب رجعت إلى جهة، أو رجعت وجهها إلى جهة، بحيث يغيب عنهم! وهذا بعيد جدًّا، ولكنه يحتمله. ويقال أيضًا: لعلها كانت أمة، وهذا ظاهر قوله: جارية سوداء؛ وللأمة عند طائفة من العلماء أو عند جميعهم حكم آخر، سنذكره بعدُ في موضعه إن شاء الله تعالى .. وبالجملة إن لم يكن إلا هذا، فالمسألة ضعيفة. فأما: ٩١ - حديث أنس، قال: مرَّ رسول الله ﷺ على جوارٍ من بني النجار، وهن يضربن بالدف ويقلن: نحنُ جَوَارٍ من بني النَّجَّارِ ... يا حبَّذَا محمَّدٌ من جارِ فضعيف؛ لأنه من رواية: رُشَيْد أبي عبد الله الذريري (٢)، وهو (مصري) (٣) يحدث عن ثابت بأحاديث لا يتابع عليها.

стр. 186

قال ابن عدي (١): ٩٢ - وُيروى هذا عن عوف، عن ثمامة، عن أنس, رواه عن عوف: عيسى بن يونس (وابن أبي عدي) (٢) وعمرو بن النعمان (٣)، ومحمد بن إسحاق، صاحب المغازي. وذكره البزار قال: ٩٣ - نا محمد بن مرداس، نا محمد بن أبي عدي، عن عوف، عن ثُمامة، عن أنس، قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة: تلقَّاه جواري الأنصار، فجعلن يقلن: نحنُ جَوَارٍ من بني النجَّارِ ... يا حبَّذَا محمَّدٌ من جارِ قال البزار: ولا نعلم أحدًا قال: عن ابن أبي عدي، عن عوف، عن ثمامة، عن أنس؛ إلّا رجل يقال له: موسى بن حيان (٤)، لا يحتج بقوله، ومحمد بن مرداس (٥): ليس به بأس، صدوق. انتهى قوله. فإن صحَّ هذا الخبر بزيادة ضرب الدف، لم يكن فيه حجة، لاحتمال أن يكنَّ غير مدركات، فلذلك لم يلمن على البُدُوِّ، أو مملوكات، فلا يلزمهن ستر ما يبديه منهن ضرب الدف.

стр. 187

ومما يمكن أن يستدل به أيضًا: ٩٤ - حديث حذيفة، قال: كنَّا إذا حضرنا مع رسول الله ﷺ طعامًا، لم نضع أيدينا حتى يبدأ رسول الله ﷺ فيضع يده، وإنّا حضرنا معه مرة، فجاءت جارية كأنها تدفع، فذهبت لتضع يدها في الطعام، فأخذ رسول الله ﷺ يدها، ثم جاء أعرابي: كأنما يدفع، فأخذ بيده، فقال رسول الله ﷺ : "إن الشيطان ليستحلُّ الطعام, أن لا يذكر عليه اسم الله (١) .. وإنه جاء بهذه الجارية ليستحل بها فأخذت بيدها، فجاء (بهذا) (٢) الأعرابي ليستحل (به) (٣) فأخذت بيده؛ والذي نفسي بيده, إن يده في يدي مع يديهما". ذكره مسلم (٤) ﵀. وفيه بحكم الظاهر: أنه (رأى يدها) (٥)، ولكن يرد عليه سؤالان: أحدهما: يمكن الجواب عنه، وهو أن يقال: لعلها جارية لم تدرك، وهو أظهرها في جارية (كغلام) (٦). ويندفع هذا بأن يقال: لو كانت غير مكلَّفة ما صحَّ للشيطان الاستحلال بها، كما لا يصحُّ له ذلك بأن تأكل منه بهيمة، وإنما يستحل بأكل مكلَّف مخاطب بالتسمية على وجه الوجوب أو الندب، (فيتركها) (٧) عاصيًا كالأعرابي الذي في نفس الحديث. والسؤال الثاني: أن يقال: لعلها كانت كافرةً، فلا يلزم حينئذ من الإنكار

стр. 188

عليها في إبدائها يدها إلا ما يلزم من الإِنكار عليها في ترك الصلاة والصيام والتطهر وسائر فروع الشرع. وسواء قلنا: الكفار (مخاطبون) (١) بفروع الشريعة، أو لم نقل، الإِنكار عليها في تركها شيئًا من ذلك لا يتَّجه، إنما يؤمر بالإِسلام فقط على المذهب الواحد، أو بتقديمه على فعل الفروع على المذهب الآخر، فاندفعت دلالة الخبر لمذهب المبيحين. وفي الباب (حديثان) (٢) لعائشة، وهما في غاية الضعف. أحدهما: ٩٥ - إن هند بنت عتبة قالت: يا نبيَّ الله! بايعني، قال: "لا أبايعك حتى (تغيري) (٣) كفيك، فكأنهما كفا سبع". والآخر: ٩٦ - إنَّ امرأة ناولته كتابًا من وراء ستر، فقبض يده وقال: "ما أدري أيد وجل أو امرأة؟ " قالت: بل يد امرأة، قال: "لو (كنت) (٤) امرأة (لغيرت) (٥) أظفارك بالحنا". أما الأول: فيه ثلاث نسوة لا يعرفن: غبطة (٦) بنت عمرو، عن عمتها أم الحسن (٧)، عن جدتها.

стр. 189

والثاني: فيه صفية بنت عصمة (١)؛ وكل هؤلاء عدم. ذكر الحديثين أبو داود (٢). وروي في هذا المعنى من حديث عبد الله بن عباس، ولا يصحُّ: ٩٧ - قال البزار: نا إبراهيم، نا الحسين بن محمد، عن عبد الله بن عبد الملك الفهري، عن ليث، عن (مجاهد) (*)، عن ابن عباس: أنَّ امرأةً أتتِ النبيَّ ﷺ تبايعه، ولم تكن مختضبة، فلم يبايعها حتى اختضبت (٣). قال البزار: لا نعلمه عن ابن عباس إلا من هذا الوجه، وعبد الله بن عبد الملك الفهري (٤) ليس به بأس، وليس بالحافظ. انتهى قوله. وليث: هو ابن أبي سليم (٥)، ضعيف، وفيه نكارة، فإنَّ النبيَّ ﷺ لم يكن

стр. 190

تصافحه المبايعات، إلا أن يكون معناه أنه أنكر عليها أن لا تكون مختضبة، فأمسك عن إجابتها. وذكر البزار أيضًا: ٩٨ - حديث مسلم بن عبد الرحمن، قال: رأيت رسول الله ﷺ يبايع النساء على الصفا، فجاءته امرأة يدها كيد الرجل، فلم يبايعها، حتى ذهبت فغيرت يدها بصفرة أو حمرة، وجاءه رجل عليه خاتم حديد، فقال: "ما طهر الله يدًا فيها خاتم حديد". هذا يرويه: عباد بن كثير (١)، وهو ضعيف، عن شميسة (٢) بنت نبهان، عن مولاها مسلم بن عبد الرحمن، ولا يعرف مَنْ هذه شميسة أصلًا. والحديث في غاية الضعف.

стр. 191

ومما يمكن أن يستدل به أيضًا في ذلك: ٩٩ - حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن امرأة أتت رسول الله ﷺ ، ومعها بنت لها، وفي يد [ابنتها] (١) مَشْكَتَان (٢) غليظتان من ذهب، فقال لها: "أتعطين زكاة هذا؟ " قالت: لا، [قال] (٣): "أيسرك أن [يسورك] (٤) الله بهما سوارين من نار؟! " (قال) (*): فخلعتهما، فألقتهما إلى رسول الله ﷺ ، وقالت: (هما) (٥) لله ورسوله. يرويه الحسين المعلم، عن عمرو بن شعيب (٦)، وحسين ثقة. وتدفع دلالته باحتمال أن تكون البنت صغيرة، والأم هي المخاطبة بما خوطبت به، (فهوت) (٧) إليهما فخلعتهما من يد ابنتها، وأيضًا فإنه ليس في الخبر أنه رأى ذلك منها، فلعل الأم سألت عما تجمَّلت [به] (٨) البنت.

стр. 192

ومما يستدل به للوجه والكفين معًا: ١٠٠ - حديث ذكره القاضي إسماعيل، قال: نا علي بن عبد الله، قال: نا زيد بن الربيع اليحمدي، قال: نا صالح الدهان، عن جابر بن زيد: أن ابن عباس كان يقول في هذه الآية: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] رفعه: الوجه والكفان (١). زياد بن الربيع (أبو خداش) (٢) اليحمدي، قال فيه ابن حنبل: شيخ بصري، ليس به بأس، من الشيوخ الثقات. وصالح الدهان (٣)، هو صالح بن إبراهيم بن نوح، يروي عن جابر (٤) بن زيد، روى عنه أبان [بن] (٥) يزيد العطار، وسالم بن أبي الرمال، وزياد بن الربيع،

стр. 193

ونوح بن قيس، وهشام الدستوائي، قال ابن حنبل: ليس به بأس، وقال فيه ابن معين: ثقة، وذكر الساجي عن ابن معين: أنه قال فيه: (قدري) (١) يرى برأي الخوارج للزومه جابر بن زيد، وكان جابر (إباضيًّا) (٢)، وعكرمة صفريًّا، وعمرو بن دينار يقول ببعض قول جابر وببعض قول عكرمة (٣). وهذا الذي قال ابن معين، لا يناقض قوله فيه: ثقة؛ لأن رأيه -والله أعلم- كرأي مالك، وسفيان، ويحيى بن سعيد: أن مَن نسب إليه رأي ولم يدعُ إليه، لا تسقط الثقة بقوله، بل يحتج بروايته، وإنما تسقط الثقة بقوله؛ إذا خيف عليه التعصُّب لدعواه. وذكر (أبو أحمد) (٤) بن عدي الجرجاني صالحًا الدهان هذا، فقال: ليس بمعروف، وهذا لا يبالى به إذا عرفه غيره، ولم يصح عليه ما ذكره ابن معين، وكذلك عن جابر بن زيد، ومن يُسقط (رواية) (٥) صالح بهذا، ينبغي أن يُسقط رواية جابر بن زيد وعمرو بن دينار، وليس بفاعل، فإن حديثهما مخرج في الصحيحين، وهما عند الجميع ثقتان. والحديث المذكور نصٌّ في المقصود. ومن ذلك أيضًا: ١٠١ - حديث ذكره أبو داود، قال: نا يعقوب بن كعب الأنطاكي، ومؤمل بن الفضل، قالا: نا الوليد، عن سعيد بن بشير، عن قتادة، عن خالد، قال يعقوب:

стр. 194

ابن دريك، عن عائشة: أنَّ أسماء بنت أبي بكر دخلت على رسول الله ﷺ ، وعليها ثياب رقاق، فأعرض عنها، وقال: "يا أسماء! إن المرأة إذا بلغت المحيض، لم يصلح أن يرى منها إلا هذا" وأومأ إلى وجهه وكفيه (١). هذا حديث ضعيف؛ لأن سعيد بن بشير يضعف برواية المنكرات عن قتادة، وإن كان قد شهد له سبعة بالصدق، وابن عيينة بالحفظ، ولكنهم مع ذلك يضعفونه. وخالد بن دريك لم يدرك عائشة. قاله أبو داود (٢)، فالحديث منقطع (٣)، وهو رجل شامي عسقلاني مشهور، يروي عن ابن محيريز، قال أبو حاتم: لا بأس به.

стр. 195

١٠٢ - وروى هذا الحديث موسى بن أيوب، عن الوليد بإسناده، وقال فيه: "عليها ثياب شامية رقاق، فأعرض عنها". ذكره أبو أحمد بن عدي (١)، وقال: لا أعلم يرويه عن قتادة غير سعيد بن بشير، وقال فيه مرة: عن خالد بن دريك، عن أم سلمة، بدل عن عائشة. فهذه زيادة علة الإضطراب. وذكره أبو داود في المراسيل: ١٠٣ - نا محمد بن بشار، نا أبو داود، نا هشام، عن قتادة: أن رسول الله ﷺ قال: "إن الجارية إذا حاضت لم يصلح أن يرى منها إلا وجهها ويداها إلى المفصل" (٢). وهذا ينبغي أن يكون معضلًا (٣)، بحسب ما في رواية سعيد بن بشير، من ثبوت خالد بن دريك (بين عائشة وقتادة، وهي عن) (٤) النبيِّ ﷺ . وممَّا يستدل به أيضًا للوجه والكفين معًا:

стр. 196

١٠٤ - حديث ابن عمرو قال: كان الرجال والنساء يتوضؤون في زمن النبيِّ هو في الإِناء الواحد جميعًا (١). وفي رواية: ١٠٥ - (كنا) (٢) نتوضَّأ نحن والنساء على عهد رسول الله ﷺ من إناء واحد، ندلي فيه أيدينا (٣). وهذا صحيح، ولكنه أيضًا مندفع الدلالة، بأن ينزل تنزيلًا على أنهم كانوا يتوضؤون مع منكوحاتهم من أزواجٍ وإماء، أو مع ذوات محارمهم من أُمِّ وبنت وأخت وعمَّة وخالة، ونحوهن.

стр. 197

فأمَّا: ١٠٦ - حديث أم صُبَيَّة (١): خولة بنت قيس، قالت: "اختلفت يدي ويد رسول الله ﷺ في الوضوء، من إناء واحد"، فلم يصحَّ، لأن في إسناده ابن سرج (٢)؛ وهو مجهول الحال مختلف في اسمه، اختلافًا لا يُعرَف معه مَن هو. والآن قد فرغنا من ذكر ما يمكن أن يتعلَّق به مَن يجيز للمرأة إبداء وجهها وكفيها من صحيح الحديث وسقيمه، ولم يمرَّ فيه كله ما هو النص (على) (٣) المقصود، إلا حديثا عائشة، وابن عباس، فإنهما في غير المسألة.

стр. 198

أحدهما فيه: أن معنى ما ظهر من الزينة: الوجه والكفان. والآخر فيه: أن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يُرى منها إلا الوجه والكفان. ولكن في إسنادهما ما ذكرتُ لك. فأمَّا سائر الأحاديث المذكورة في الباب، فإنها إمَّا أن تدلَّ على إبدائها جميع ذلك، أو بعضه، دلالة يمكن الانصراف عنها، بتحميل اللفظ أو القصة غير ذلك، لكق الانصراف عمَّا يدلُّ عليه ظاهر اللفظ، أو سياق القصة، لا يكون جائزًا إلا بدليل عاضد، يصير الانصراف تأويلًا، وإذا لم يكن هناك دليل، كان الإنصراف تحكمًا؛ فعلى هذا ليجب القول بما تظاهرت به هذه الظواهر، (وتعاضدت) (١) عليه من جواز إبداء المرأة وجهها وكفيها. لكن يُستثنى من ذلك، ما لا بد من استثنائه قطعًا، وهو ما إذا قصدت بإبداء ذلك: التبرج واظهار المحاسن، فإن هذا يكون حرامًا، ويكون الذي يجوز لها إنما هو إبداء ما هو في حكم العادة ظاهر حين التصرف والتبذل، فلا يجب عليها معاهدته بالستر، بخلاف ما هو في العادة مستور، إلا أن يظهر بقصد، كالصدر والبطن، فإن هذا لا يجوز لها إبداؤه، ولا يُعفى لها عن بدوِّه، ويجب عليها من ستره في حين التصرُّف ما يجب من ستره في حين الطمأنينة، ويعضد هذه الظواهر وهذا المنزع قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١]. فمعنى الآية: لا يُبدين زينتهن في مواضعها لأحد من الخلق، إلا ما كان عادة، ظاهرًا حين التصرُّف، فما وقع من بدوِّه وإبدائه بغير قصد التبرج والتعرض للفتنة فلا حرج فيه، و (بهذا) (٢) يقع الفرق بين ما هو

стр. 199

من [الظاهرة] (١) ويظهر في العادة، إلا أن يستر بقصد، كالوجه والكفين، وما هو مستور إلا أن يظهر بقصد، يجوز لها إبداء الأول في أحوال التصرف [والتبذل] (٢)، ولا يجب عليها تعاهده بالستر، ويحرم عليها إبداء الآخر في الأحوال كلِّها، ويجب عليها تعاهده بالستر، حتى القدمين كذلك في حال المشي على ما سنبين بعدُ إن شاء الله. وقد يكون ما ذكرناه علةً للعفو عن بدوِّ الظاهر وإبدائه في حق المصونة، غير المتصوفة، بحكم عموم القضية، وانسحاب ذيل العفو على جميعهن لتحقق الصون في بعضهن. وكلُّ ما أباحت الآية إبداءَه، ممَّا هو مشترك بين جميع ما ذكر فيها، لمن ذكر فيها، إنما سبب إباحته أيضًا ضرورة المحرميهّ أو الحرمة أو المخالطة فيما ملكت أيمانهن أو نسائهن، وفي معناهن (من) (٣) لا أرب له من الأتباع، على ما سنبين بعد إن شاء الله تعالى. وإذا تقرَّر هذا هكذا، وجب بعده أن يحضر في الذهن تأكد ما وجب من الستر، وحرم من التبرج على الحسناء الجميلة، أكثر من تأكده على الشوهاء والعجوز. وسنفرد إن شاء الله تعالى العُجَّز بذكر بعضهن، لتخصيص الله تعالى بالذكر لهق في قوله : ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ .. .﴾ الآية [النور: ٦٠]. ويبقى عليفا بعد هذا المتقرر في حقِّ النساء؛ من جواز بدوِّ الوجه

стр. 200

والكفين على غير قصد التبرج بحكم ضرورة التصرف، ما (يحضرنا) (*) من أمر النظر إلى ذلك؛ أيمنع مطلقًا؟ أم يجوز إذا لم يخف الفتنة، ولم تقصد اللذة؟ يأتي ذكره بعدُ إن شاء الله تعالى. ويتأكَّد هذا المعنى الذي حملنا عليه الآية؛ من أن الظاهر هو الوجه والكفان، بقوله متصلاً به: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]. فإنه يفهم منه: أن القرطة والقلائد قد (يغفلن) (١) عند بدو وجوههن، عن تعاهد سترها، فتنكشف، فأُمرن أن يضربن بالخُمُر على الجيوب، حتى لا يطهر شيء من ذلك، إلا الوجه الذي من شأنه أن يظهر في حين التصرُّف، إلا أن يستر بقصد وتكلُّف مشقة، وكذلك الكفان. وذكر أهل التفسير أن سبب نزول الآية: هو أن النساء كُنَّ وقت نزولها إذا غطين رؤوسهن بالخُمُر سدلنها خلفهن كما تصنع النَّبَط، فتبقى النحور والأعناق بادية، فأمر الله سبحانه (بلَيِّ) (٢) الخُمُر على الجيوب (٣)، ليستر جميع ما ذكر. وبالغ في امتثال هذا الأمر نساء المهاجرين والأنصار، فزدن فيه تكثيف الخمر. قال أبو داود: ١٠٧ - حدثنا أحمد بن صالح، وسليمان بن داود، وابن السرح، وأحمد بن سعيد الهمداني، قالوا: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني قرة بن عبد الرحمن، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة قالت: يرحم الله نساء المهاجرات الأول،

стр. 201

لمَّا أنزل: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]؛ شققن أَكْثَفَ (١) -وقال ابن صالح: أكْنَف- مروطهن فاختمرن بها (٢). هذا إسناد حسن. وهذه مبالغة في الإمتثال، فقد كان بخمرهن ما هو في الكثافة دون المتناهي. ومَن رواه "أكنف" بالنون؛ فمعناه أيضًا كذلك: أستر وأصفق، ومنه سمي الوعاء الذي يحرز (فيه) (٣) الشيء: كنف، والبناء الساتر: كنيفًا. فهؤلاء نساء المهاجرين، وأما نساء الأنصار فقال أبو داود أيضًا: ١٠٨ - حدثنا أبو كامل، حدثنا أبو عوانة، عن إبراهيم بن مهاجر، عن صفية بنت شيبة، عن عائشة: أنها ذكرت نساء الأنصار، فأثنت عليهن، وقالت لهن معروفًا، وقالت: لما نزلت سورة النور عمدن إلى حجور أو حجوز -شك أبو كامل- فشققنه، فاتخذنه خُمُرًا (٤).

стр. 202

المحفوظ في هذا: حجوز مناطقهن، لكنه سقط من كتاب أبي داود، ولا معنى للراء في ذلك، كذلك رواه ابن مهدي، عن أبي عوانة، قال: عمدن إلى حُجَز أو حُجُوز (١) مَنَاطقهن، ذكره أبو عبيد في شرح غرب الحديث. وهو مأخوذ من قولهم: (احتجز) (٢) بالإِزار: إذا شدَّه على وسطه. فإن قيل: هذا الذي ذهبت إليه؛ من أن المرأة معفوٌّ لها عن بدوُّ وجهها وكفيها، وإن كانت مأمورة بالستر جهدها، يطهر خلافه من قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٩]. فالجواب أن نقول: يمكن أن نفسر هذا الإِدناء تفسيرًا لا يناقض ما قلناه، وكذلك بأن يكون معناه: يُدنين عليهن من جلابيبهن (ما لا) (٣) يظهر معه القلائد والقرطة، مثل: قوله: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]. فإن (الإِدناء) (*) المأمور به مطلق بالنسبة إلى كل ما يطلق عليه أنه إدناء؛ فإذا حملناه على واحد ما يُقال له عليه إدناء يفضي به عن عهدة الخطاب، (إذ) (٤) لم يطلب به كل إدناء، فإنه إيجاب بخلاف النهي والنفي. وعلى أن

стр. 203

الآية قد قيل: إنها إنما جاءت للفرق بين الحرائر والإِماء، وسنذكر ذلك في مسألة: هل الأمة كالحرة في هذا كله أم لا؟. والأظهر فيها ما قلناه في معنى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]؟. قال أبو داود: ١٠٩ - حدثنا [محمد] (١) بن عبيد، [ثنا] ابن ثور، عن معمر، عن ابن خثيم، عن صفية بنت شيبة، عن أم سلمة، قالت: لما نزل: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩]؛ خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من الأكسية (٢). فإن قيل: فما معنى حديث أم سلمة الذي ذكر أبو داود، قال: ١١٠ - حدثنا زهير (٣)، نا عبد الرحمن، نا مسدد، نا يحيى، عن سفيان، عن حبيب عن وهب مولى أبي أحمد، عن أم سلمة: أن رسول الله ﷺ ، دخل عليها وهي تختمر، فقال: "ليّة لا ليَّتين" (٤).

стр. 204

كأنه يظهر منه كراهة ما فعل من تقدم ذكره من النساء، من تكثيف الخُمُر والمبالغة في الستر. فالجواب: أن نقول: هذا الحديث لو صحَّ كان معناه نهي النبيِّ ﷺ المرأة أن تلبس لبسة الرجل وأن تتشبه به، كأنه يقول: لا تعتمِّي كالرجل (وذلك بأن تلوي لي الخمار) (١) على رأسك. (وأغنى) (٢) عن تصحيح هذا التأويل (ضعف) (٣) الخبر، للجهل بحال وهب المذكور، وأنه ليس مما نحن فيه، وإنما (عرض بحثًا) (٤). ومما يؤكِّد ما قلناه من وجوب الستر على النساء على أبلغ ما يمكن تحريم حظر بدوّهن فيما (يصف) (٥) أجسامهن من الثياب، وقد تقدَّم الآن حديث أسماء، واعراض النبيِّ ﷺ عنها لمّا رأى عليها ثيابًا رقاقًا.

стр. 205

١١١ - وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "صنفان لم أرَهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر، يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات، رؤوسهن كأسنمة البُخْت المائلة، لا يدخلن الجنهَ ولا يَرَحْن رائحتها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا" ذكره مسلم (١). فأمّا حديث أبي أذينة، فلا يصح، قال أبو القاسم البغوي (٢): (في سي حضى) (*) ١١٢ - حدثنا الحسن بن سوار، نا موسى بن عُلَيّ بن رباح، عن أبيه، عن أبي أذينة: أن رسول الله ﷺ قال: "خيرُ نسائكم الودود الولود، المواتية المواسية، إذا اتقين الله؛ وشر نسائكم المتبرجات (المختالات، هن) (٣) المنافقات، لا يدخل الجنة منهن إلا مثل الغراب الأعصم" (٤).

стр. 206

قال أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي: أبو أذينة من أهل مصر، ولا أدري أله صحبة أم لا؟. فإن قيل: وهل صحَّ: ١١٣ - حديث يروى عن ابن عباس، عن النبيِّ ﷺ قال: "لا تعلموا نساءكم الكتابة، ولا تسكنوهن العلالي" (١). ومعناه قلناه، أما صحته فلا سبيل إليها، لأنه من رواية جعفر بن نصر (٢)؛ أبي ميمون العنبري، وهو مجهول يحدث بالأباطيل. وفي بابه ذكر الحديث المذكور أبو أحمد بن عدي، وهو يرويه عن حفص بن غياث (٣)، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عباس.

стр. 207

وأما معناه فإنه لو صحَّ احتمل أن يكون نهيًا عن ذلك، لما يتطرقن إليه من التبرُّج بالزينة، والبدوّ بالمحاسن وإبدائها، فيكون من هذا الباب، ولما يتطرقن إليه من إرسال البصر لإشرافهن، فيكون من باب نظر النساء إلى الرجال، والله أعلم. ١١٤ - وحديث دحية بن خليفة الكلبي في هذا لا يصحُّ أيضًا، وهو أُتي رسول الله ﷺ بقباطي، فأعطاني منها قبطية، فقال: " (اصدعها صدعين) (١)، فاقطع أحدهما قميصين، وأعط الآخر امرأتك تختمر به" فلما أدبر قال: " (وأْمر امرأتك أن) (٢) تجعل تحته ثوبًا لا يصفها" (٣). في إسناده ابن لهيعة (٤)، وموسى بن جبير (٥).

стр. 208

وكذلك: ١١٥ - حديث أسامة بن زيد: أنَّ رسول الله ﷺ كساه قبطية، وكساها امرأته، فقال رسكول الله ﷺ : "ما فعلت بالقبطية؟ " فقال: (كسوتها امرأتي) (١)، قال: "مُرها، فلتتخذ تحتها غلالة (٢)، لا تصف حجم عظامها". هو أيضًا حديث يرويه عبد الله بن محمد بن عقيل (٣)، عن محمد بن أسامة (ابن) (٤) زيد، عن أبيه، ومحمد لا يعرف حاله، وعبد الله بن محمد بن عقيل: مختلف فيه، ذكر الحديث المذكور البزار (٥)، وسيأتي لهذه المسألة حديثٌ آخر فيها، في باب نظر الرجال إلى النساء، إن شاء الله تعالى.

стр. 209

وممَّا هو فيها غاية في الضعف [ما] (١) يرويه: عمرو (٢) بن زياد بن عبد الرحمن بن ثوبان مولى رسول الله ﷺ ، قال: ١١٦ - حدثنا حماد بن زيد، وعبد الوهاب الثقفي، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس: أنه سمع النبي ﷺ يقول: "إذا ركب النساء الخيل، ولبسن القباطي، واكتفى الرجال بالرجال، والنساء بالنساء، عمَّهم الله بعقوبة من عنده" (٣). وعمرو بن زياد هذا غاية في الضعف، في حد من اتُّهم بالكذب.

стр. 210

١١٧ - وروي عن مالك ﵀: أنه قال: نهى عمر عن لبس القباطي، وقال: (إنها) (١) تصف أو تلصق بالجسد (٢). والقباطي: جمع قِبطية، بكسر القاف، منسوبة إلى القبط، وهم أهل مصر، ومنها رجل قبطي، وثوب قبطي، وهي ثياب رقاق من كتان تتخذ بمصر، وقد يضم لأنهم يفرقوه في النسبة، كما قالوا: سملي ودهري. قال زهير: ليأتينَّك مني منطقٌ قَذِعٌ ... باقٍ كما دنَّس القبطية الورل (٣) والله أسأل التوفيق. (٢١) - مسألة: قد قدمنا القول في الوجه والكفين، وأنهما يُعفى عن بدوِّهما، ويظهر بالنظر الأول أن القدمين أحرى، لما يُظَنّ من كونهما (يظهران) (٤) في العادة، وليس كل امرأة تجد لهما ساترًا. والأظهر عندي: منع إبدائهما، على أشد ما في الوجه والكفين، لأن

стр. 211

الضرورة في إبدائهما ليست كالضرورة في إبداء اليدين، وقد كادت تنصُّ على ذلك أحاديث الذيل. ١١٨ - وروى ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: "مَن جرَّ ثوبه خيلاء؛ لها ينظر الله إليه يوم القيامة؛ فقالت أم سلمة: كيف تصنع النساءُ بذيولهن؟ قال: "يرخين (١) شبرًا" قالت: إذًا تنكشف إقدامهن، قال: "فيرخينه ذراعًا، لا يزدن على ذلك" (٢). فهذا أمر بهذا القدر من التستر، وهو مبالغة في المنع من إبدائهما. وقد تقدَّم حديث عمر (٣) وتعليله، وهو قوله: فقلن: إن شبرًا قليل تبدو منه العورة. قال: "فذراع". وقد جاء عن النبي ﷺ ما ذكر أبو داود (٤)، قال:

стр. 212

١١٩ - حدثنا مجاهد بن موسى، حدثنا عثمان بن عمر، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله؛ يعني: ابن دينار، عن محمد بن زيد، هو: ابن المهاجر، قال: عن أم سلمة: أنها قالت (*): سألتُ النبي ﷺ : أتُصلِّي المرأة في درع وخمار، وليس عليها إزار؟ قال: "إذا كان [الدرع] (١) سابغًا، يغطي ظهور قدميها". وهو حديث منقطع، فإن محمد بن زيد إنما رووه عنه، عن أمه، عن أم سلمة، موقوفًا. فالظن غالب بأنه لم يسمعة من أم سلمة، ولكنه موافق في معناه لما صحَّ من أن عليهن إرخاء ذيولهن حتى لا تبدو أقدامهن. اختلف (٢) الفقهاء في هذه المسألة: فأبو حنيفة يقول: جائز لها إبداؤهما في الصلاة، ولا يجب عليها ستر ظهورهما فيها؛ فدل على أنّهما ليستا عنده بعورة.

стр. 213

وأما مالك ﵀ فإنه لا يجيز لها إبداء ظهور قدميها في الصلاة ولا في غيرها، ولكنه يقول مع ذلك: إن انكشف قدماها (١) أو شعرها أو ظهرها أو صدرها أو صدور قدميها أعادت ما دامت في الوقت، فيشبه أن يكونا عنده عورة، ولكن لا تجب الإِعادة [إلا في الوقت] (٢) من انكشافها. وعلى مذهب الشافعي تعيد أبدًا. وقد جعل إسماعيل القاضي وغيره جواز إبدائها وجهها ويديها في الصلاة، دليلًا على جواز إبدائها ذلك في [غير] (٣) الصلاة. وليس ذلك بلازم؛ فإنه لا بُعْد في أنه يجوز لها في الصلاة إبداء وجهها، ويحرم عليها في غيرها، وكذلك في الإِحرام بالحج (والعمرة) (٤) في جواز إبدائها وجهها وكفيها غير متبرجة، ومنع إبدائها قدميها (كما) (٥) وصفناه قبل، فاعلم ذلك، والله الموفق. (٢٢) - مسألة: هذا الذي وصفنا أنه يجوز للمرأة إبداؤه، لا شك في جواز إبدائه أيضًا للأمَة، ولكن هل يجوز لها إبداء غير ذلك من نفسها؟. رأيت أبا عمر بن عبد البر حكى ما أنصُّه بلفظه (تبريًا) (٦) من عهدته، قال: "وأجمعوا أنَّ الأمَة ليس منها عورة إلا ما من الرجال، والعلماء مجمعون على أن الله لم يرد بما أمر به النساء من الإحتجاب، وأن ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ الإِماء، وإنما أراد بذلك الحرائر" هكذا قال (٧).

стр. 214

وفي هذا الإِجماع الذي حكاه نظر في الموضعين: أما قوله: "إن الأمة ليس منها عورة إلا ما من الرجل" فإن مالكًا ﵀ قد روي عنه في كتاب "الموازية" (١) قال: ولا يعجبني خروج الجواري للأسواق بالمشارب، ورآه من الباطل. وروى عنه أشهب: أنه كره خروج الأمة متجرِّدة؛ قال: وتضرب (عليه) (٢). وروى عنه: أنه أنكر ما تفعل الجواري بالمدينة؛ يخرجن فيكشفن ما فوق الإزار، قال: وقد كلمت فيه السلطان، فلم أجب إلى ذاك، وقال: أضرب الأمة على ذلك. وذكر أبو حامد الغزالي في مسألة النظر إلى الأمة قولين لهم: قولًا بجواز النظر إليها، وأنها من المستثنيات، وقولًا بأنها كالحرة لا ينظر إليها إلا لحاجة الشراء. قال: وهو القياس. فهذا قد حكى القول بأنها كالحرة في جواز النظر إليها، وهذا يناقض الإِجماع الذي حكى ابن عبد البر في أنها كالرجل فيما هو منها عورة، فإنه [على] (٣) ما حكاه من الإِجماع يجوز النظر إلى وجهها وصدرها وعنقها، وكل ما يجوز نظر الرجل إليه من الرجل.

стр. 215

وعلى القول بأنها كالحرة في جواز النظر إليها، لا يجوز النظر إلى بطنها ولا صدرها ولا عنقها، فمن جعلها كالحرَّة يحرم عليها إذًا أن تبدي (قرطها) (١) كما لا تبديه الحرة. ومَن جعلها كالرجل (أجاز) (٢) لها أن تُبدي ذلك كما يبديه، فتبين أن الإجماع ليس بصحيح. ومعلوم أنَّ أبا عبد البر إذا حكى الإِجماع، فما يحكيه بنقل متصل إلى المتعين به وإنما هو بتصفحه، والتصفح أكثر ما يحصل عنه فى هذا الباب عدم العلم بالخلاف فيه. ولننظر الآن في الدعوى الأخرى التي بيَّن أن الآية لم يرد بها الإِماء إجماعًا، فنقول: قوله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب: ٥٩]. الجلابيب: جمع جلباب، وهو ثوب أكبر من الخمار، وقيل: هو الرداء. (وللمفسرين) (٣) في هذه الآية ما نذكره، وذلك أنهم يزعمون أنَّها جاءت للفرق بين الحرائر والإِماء، قالوا (٤): كان سبب نزولها: أن النساء كن يخرجن فى حاجاتهن بالليل، فيظن المنافقون (أنهنَّ) (٥) إماء، فيؤذونهن، فنزلت الآية.
следующие страницы →