← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 17442

إحكام النظر في أحكام النظر بحاسة البصر

ابن القطان

Полный текст (513 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

الضرورة في إبدائهما ليست كالضرورة في إبداء اليدين، وقد كادت تنصُّ على ذلك أحاديث الذيل. ١١٨ - وروى ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: "مَن جرَّ ثوبه خيلاء؛ لها ينظر الله إليه يوم القيامة؛ فقالت أم سلمة: كيف تصنع النساءُ بذيولهن؟ قال: "يرخين (١) شبرًا" قالت: إذًا تنكشف إقدامهن، قال: "فيرخينه ذراعًا، لا يزدن على ذلك" (٢). فهذا أمر بهذا القدر من التستر، وهو مبالغة في المنع من إبدائهما. وقد تقدَّم حديث عمر (٣) وتعليله، وهو قوله: فقلن: إن شبرًا قليل تبدو منه العورة. قال: "فذراع". وقد جاء عن النبي ﷺ ما ذكر أبو داود (٤)، قال:

стр. 212

١١٩ - حدثنا مجاهد بن موسى، حدثنا عثمان بن عمر، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله؛ يعني: ابن دينار، عن محمد بن زيد، هو: ابن المهاجر، قال: عن أم سلمة: أنها قالت (*): سألتُ النبي ﷺ : أتُصلِّي المرأة في درع وخمار، وليس عليها إزار؟ قال: "إذا كان [الدرع] (١) سابغًا، يغطي ظهور قدميها". وهو حديث منقطع، فإن محمد بن زيد إنما رووه عنه، عن أمه، عن أم سلمة، موقوفًا. فالظن غالب بأنه لم يسمعة من أم سلمة، ولكنه موافق في معناه لما صحَّ من أن عليهن إرخاء ذيولهن حتى لا تبدو أقدامهن. اختلف (٢) الفقهاء في هذه المسألة: فأبو حنيفة يقول: جائز لها إبداؤهما في الصلاة، ولا يجب عليها ستر ظهورهما فيها؛ فدل على أنّهما ليستا عنده بعورة.

стр. 213

وأما مالك ﵀ فإنه لا يجيز لها إبداء ظهور قدميها في الصلاة ولا في غيرها، ولكنه يقول مع ذلك: إن انكشف قدماها (١) أو شعرها أو ظهرها أو صدرها أو صدور قدميها أعادت ما دامت في الوقت، فيشبه أن يكونا عنده عورة، ولكن لا تجب الإِعادة [إلا في الوقت] (٢) من انكشافها. وعلى مذهب الشافعي تعيد أبدًا. وقد جعل إسماعيل القاضي وغيره جواز إبدائها وجهها ويديها في الصلاة، دليلًا على جواز إبدائها ذلك في [غير] (٣) الصلاة. وليس ذلك بلازم؛ فإنه لا بُعْد في أنه يجوز لها في الصلاة إبداء وجهها، ويحرم عليها في غيرها، وكذلك في الإِحرام بالحج (والعمرة) (٤) في جواز إبدائها وجهها وكفيها غير متبرجة، ومنع إبدائها قدميها (كما) (٥) وصفناه قبل، فاعلم ذلك، والله الموفق. (٢٢) - مسألة: هذا الذي وصفنا أنه يجوز للمرأة إبداؤه، لا شك في جواز إبدائه أيضًا للأمَة، ولكن هل يجوز لها إبداء غير ذلك من نفسها؟. رأيت أبا عمر بن عبد البر حكى ما أنصُّه بلفظه (تبريًا) (٦) من عهدته، قال: "وأجمعوا أنَّ الأمَة ليس منها عورة إلا ما من الرجال، والعلماء مجمعون على أن الله لم يرد بما أمر به النساء من الإحتجاب، وأن ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ الإِماء، وإنما أراد بذلك الحرائر" هكذا قال (٧).

стр. 214

وفي هذا الإِجماع الذي حكاه نظر في الموضعين: أما قوله: "إن الأمة ليس منها عورة إلا ما من الرجل" فإن مالكًا ﵀ قد روي عنه في كتاب "الموازية" (١) قال: ولا يعجبني خروج الجواري للأسواق بالمشارب، ورآه من الباطل. وروى عنه أشهب: أنه كره خروج الأمة متجرِّدة؛ قال: وتضرب (عليه) (٢). وروى عنه: أنه أنكر ما تفعل الجواري بالمدينة؛ يخرجن فيكشفن ما فوق الإزار، قال: وقد كلمت فيه السلطان، فلم أجب إلى ذاك، وقال: أضرب الأمة على ذلك. وذكر أبو حامد الغزالي في مسألة النظر إلى الأمة قولين لهم: قولًا بجواز النظر إليها، وأنها من المستثنيات، وقولًا بأنها كالحرة لا ينظر إليها إلا لحاجة الشراء. قال: وهو القياس. فهذا قد حكى القول بأنها كالحرة في جواز النظر إليها، وهذا يناقض الإِجماع الذي حكى ابن عبد البر في أنها كالرجل فيما هو منها عورة، فإنه [على] (٣) ما حكاه من الإِجماع يجوز النظر إلى وجهها وصدرها وعنقها، وكل ما يجوز نظر الرجل إليه من الرجل.

стр. 215

وعلى القول بأنها كالحرة في جواز النظر إليها، لا يجوز النظر إلى بطنها ولا صدرها ولا عنقها، فمن جعلها كالحرَّة يحرم عليها إذًا أن تبدي (قرطها) (١) كما لا تبديه الحرة. ومَن جعلها كالرجل (أجاز) (٢) لها أن تُبدي ذلك كما يبديه، فتبين أن الإجماع ليس بصحيح. ومعلوم أنَّ أبا عبد البر إذا حكى الإِجماع، فما يحكيه بنقل متصل إلى المتعين به وإنما هو بتصفحه، والتصفح أكثر ما يحصل عنه فى هذا الباب عدم العلم بالخلاف فيه. ولننظر الآن في الدعوى الأخرى التي بيَّن أن الآية لم يرد بها الإِماء إجماعًا، فنقول: قوله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب: ٥٩]. الجلابيب: جمع جلباب، وهو ثوب أكبر من الخمار، وقيل: هو الرداء. (وللمفسرين) (٣) في هذه الآية ما نذكره، وذلك أنهم يزعمون أنَّها جاءت للفرق بين الحرائر والإِماء، قالوا (٤): كان سبب نزولها: أن النساء كن يخرجن فى حاجاتهن بالليل، فيظن المنافقون (أنهنَّ) (٥) إماء، فيؤذونهن، فنزلت الآية.

стр. 216

فيكون معناها على هذا التقرير في ألبسة من الإِماء حتى يُعرف أنهن إماء فلا يؤذين، وروي هذا المعنى عن الحسن البصري، قال: كان بالمدينة إماء يقال لهن: كذا وكذا، يخرجن فيعرض لهن السفهاء فيؤذونهن، وكانت المرأة الحرة تخرج فيحسبون أنها أمة، فيعرضون لها ويؤذونها، فأمر الله تعالى المؤمنات أن يُدنين عليهن من جلابيبهن، ذلك أدنى أن يُعرفن فلا يُؤذَين (١). وبهذا جاء حديث أم سلمة الذي تقدَّم الآن ذكره (٢): لما نزلت: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ .. .﴾: خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من الأكسية. ١٢٠ - وروى ابن وهب، قال: أخبرني ابن لهيعة، عن غير واحد: أن عمر بن الخطاب ﵁ بينما (هو) (٣) يسير في السوق، مرَّ على امرأة محترمة بين أعلاج قائمة تسوم بعض السلع، فجلدها، فانطلقت حتى أتت رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله! جلدني عمر بن الخطاب على غير شيء! فأرسل النبي ﷺ إلى عمر، فقال: "ما حملك على جلد بنت عمك؟ " فأخبره خبرها قال: وابنة عمي هي؟ فأنكرتها يا رسول الله! إذ لم أرَ عليها جلبابًا، وظننت أنها وليدة، فقال الناس: الآن ينزل على رسول الله ﷺ فيها، فقال: "يا عمر، وما نجد (لنسائنا) (٤) جلابيب؛، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ .. .﴾ الآية (٥).

стр. 217

هذا كل ما ذُكر في الآية، مما يؤول إلى الفرق بين الحرة والأمة، وليس في شيء منه معتمد [لعدم الصحة في جميعه] (١). والآية بلفظها دالة عليه (٢)، بل هي عامة في نساء المؤمنين، وبلا شك أنهن حرائر وإماء، أزواج العبيد وسراري، وأزواج الأحرار وسراري كذلك. والقول بأن الآية لم يعنَ بها الإِماء يحتاج إلى دليل مخصوص، ودعوى الإِجماع في أنها لم يعنَ بها الإِماء مبنية على دعوى الإِجماع في أن الأمة ليست كالحرة، وقد بينّا بطلان ذلك. وقد قال بعض الناس (٣): إنما كان بالمدينة قوم يجلسون على الطرق؛ لرؤية النساء ومعارضتهن، فنزلت الآية. فعلى هذا لا فرق بين الحرائر والإِماء (في) (٤) الآية، وإنما معناها [الأمر] (٥) بالتستر والتعفف، فلا يعرض لهن بأذى إذا عرفن قد قصدن التستر، بخلاف المتبرجات بالزينة، المتعرضات لأهل الفسوق. هذا هو الذي ليس في الآية مزيد عليه، أما ما يسترن من أنفسهن، أو يُبدين من زينتهن، فغير متعرض له، ونساء المؤمنين بلا ريب يعم الحرائر والإِماء، فإن المؤمنين منهم العبيد، ولهم الأزواج، ومن الأحرار مَن له الأمة

стр. 218

زوجة، وإن كان لم يتحقق وجود ذلك في ذلك الزمان، فإنه جائز بشرطه في مستقبله. وإذا لم يكن في الآية الفرقُ بين الحرائر والإِماء بيِّنًا، وجب النظر في غيرها، فوجدنا الذاهبين إلى الفرق بينهن، ذكروا ما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ من ضربه الإِماء على التشبه بالحرائر في (الزي) (١)، وهو إذا تحقق لم يُفهم ذلك منه فهمًا متعينًا، ولا أيضًا أعرفه صحيحًا عنه (*).

стр. 219

والمتمكن الذكر من ذلك هو ما ذكر (عن) (١) مالك في "موطئه": أنه بلغه: ١٢١ - "أن أمة كانت (لعبد الله) (٢) بن عمر بن الخطاب، رآها عمر وقد تهيَّأت بهيئة الحرائر، فدخل على ابنته حفصة، فقال: ألم أرَ جارية أخيك تجوس (٣) الناس، وقد تهيأت لهيئة الحرائر؟! وأنكر ذلك" (٤). هذا نصُّه، وليس بصحيح، ولا فيه أكثر من إنكاره عليها أن تتزيَّا بزي يظن يها من أجله أنها حرة، لم ينسب إليها- ما يرى من قلة استحيائها - التبرج على أنها حرة، فأدبهن ﵁ ليعرفن بين الرقيق. أما ما يبدين أو يسترن؛ فما نراه مذكورًا فيه. وقال أبو بكر بن المنذر: ثبت أن عمر بن الخطاب قال لأمة رآها مقنعة: "اكشفى عن رأسك لا تتشبهي بالحرائر" (٥) وهذا أيضًا كذلك. ولنقل بعد الإنتهاء إلى هاهنا: إنَّا قد فرغنا من بيان بطلان دعوى الإِجماع في أن لأمة مخالفة للحرة، وفي أن الآية لم يعنَ بها الإماء، ووجب أن ننظر ما الصحيح في أمر الإماء، فنقول:

стр. 220

إنَّ الذي لا ريبَ فيه من أمرهن، هو أنهن لم يزلنَ مبتذلات في التصرُّفات والأعمال في الأحوال [كلها] (١)، يبدو منهن أكثر مما يبدو من الحرائر، كلما مرَّ منهن خلف [جاء] (٢) بعده آخر، ولم نسمع قط بخبر فيه أن سيرهن تبدلت، ولا أنهن كن على خلاف ما يشاهدن عليه الآن، وهذا كافٍ في التفريق بين الحرائر والإِماء. وليس هذا النوع من الإستدلال -متى استدللنا به- استدلالًا بعمل، بل هو تمسُّك بنقل متواتر إذا صحَّ وجوده، وإنما لا يكفي هذا (في) (٣) هذه المسألة في شيئين: أحدهما: ما (القدر) (٤) الذي يزدن به على الحرائر حتى يجوز لهن من إبدائه ما لا يجوز للحرائر؟. والآخر: الإِماء الحسان الحاملات من (الجمال أكثر مما تحمل) (٥) الحرائر المصونات المقصورات المنشَّآت على الحجب، فإن هؤلاء لم يستمرَّ فيهن ما استمرَّ في المبتذلات، فلا يجري فيهن من الفرق بين الحرائر وبينهن ما جرى منه بين الحرائر والمتصرفات القليلات الحسن أو العديمات له، فإن من المتعين الفرق بين جارية مشرقة الوجه (٦)، مائسة القد، آمِلَة من حسنها ولباسها في أروق (مرأى) (٧)، وبين شوهاء سوداء ذفراء (٨)، قد (سئم) (٩) الحياة منها القدماء.

стр. 221

(ولعل) (١) المروي عن مالك من إنكاره خروجهن كاشفات ما فوق الإِزار: إنما هو فيمن لها عند العيون حظ منهن، وما للشافعية في أحد القولين من أنها كالحرة هو أيضًا فيمن هذه صفتها كذلك. وقد كان الحسن البصري من بين أهل العلم يوجب عليها الخمار إذا تزوَّجت، أو اتخذها لنفسه الرجل، حكى ذلك عنه هكذا ابن المنذر، ولا وجه لتخصيص الزوجة أو السرية، والمسألة عندي محتملة، والنظر في إيجابها متردد، والله الموفق المسدد. (٢٣) - مسألة: أم الولد فيما تبديه أو لا تبديه كالحرة لا كالأمة، والذي ظُن به أنه فارق بين الحرة والأمة، غير متحقق في أمهات الأولاد؛ وهو التبذُّل والتصرُّف، فإن الأمة إذا ولدت لسيدها (ولو لم) (٢) تكن حسناء جرت العادة فيها بأن (تُصان) (٣) عن (التبذل) (٤)، ويسقط عنهن أيضًا شرعًا أكثر ما كان للسادة عليهن من الخدمة والتصرُّف، فلا يكون لهم استخدامهن وتصريفهن كما كان قبل، لكن بعضه الأقل الأيسر. وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [النور: ٣١] يشملهن بعمومه كما يشمل الحرائر ولا فرق. وكذلك قوله: ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩]. فعليها بالآيتين من أن لا تبدي وأن تدني من جلبابها ما على الحرة، إذ لا دليل مخصّصًا لها من ذلك.

стр. 222

وقد اختلف أهل العلم في صلاتها بغير خمار، فجعلتها طائفة كالأمة (١)؛ هذا مذهب الشافعي وأبي ثور، (ومن) (٢) التابعين: النخعي. وقالت طائفة: بل تختمر؛ وهذا مذهب الحسن، وابن سيرين، ومالك، وأحمد بن حنبل، غير أنَّ مالكًا لم يرَ عليها الإِعادة من تركه إلا في الوقت. والأظهر وجوب إعادتها في الوقت وبعده كالحرة، إلا أنه لا يجب القضاء على تارك الصلاة عمدًا، وليس هذا (موضع بيان) (٣) ذلك، فانظره في مواضعه. (٢٤) - مسألة: الأمة المُدبَّرة (٤) حكمها حكم الأمة ولا فرق، إذ لا مفرِّق. (٢٥) - مسألة: المعتَقُ بعضُها، حكمها حكم الحرة، معاملة للجزء الحر منها بمقتضى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ وليست أمةً فيخرجها دليل مخصص (فننزل عنده لو صح) (٥) خروج الأمة.

стр. 223

(٢٦) - مسألة: المعتقة إلى أجل، أمة (بعد) (١). (٢٧) - مسألة: المكاتبة ينبني القول فيها على المكاتب، هل يعتق منه بقدر ما أدى أم لا؟ وسيأتي القول في ذلك في هذا الباب عند ذكر مَن يجوز للمرأة أن تبدو له بزينتها الخفية من عبيدها وغيرهم، والذي يتقرَّر هناك يوجد منه حكم هذه، وذلك أنها إن كانت قد أدت شيئًا من كتابتها أو كان (عندها) (٢) وفاء بما عليها [وإن] (٣) لم تؤدِّ بعد شيئًا، فحكمها حكم (الحرة) (٤) فيما تبديه أو لا تبديه، وإن كانت لم تؤدِّ شيئًا ولا أيضًا عندها وفاء بما عليها، فهي أمة في جميع أحكامها، والله أعلم. * * * فصل قد فرغنا من ذكر المستنثى الواحد الذي هو ما ظهر من الزينة، وقد آن أن نذكو الآخر، وهو: مَنْ يجورْ لها إبداء الخفية له، ولكن [لا] (٥) يصح ذلك إلا [بعد] (٦) أن نعرف الزينة الخفية ما هي؛ فلنقدِّم ذكرها، فنقول: (٢٨) - مسألة: اختُلف في الزينة الخفية، فقال ابن عباس: هي القرطة

стр. 224

والقلائد والشنوف (١) والأسورة .. وأما الخلخالان والمعضدان فلا تبديهما إلا لزوجها (٢). ففي هذا عنه: أن الآذان والمعاصم مما لا تُبدى للأجانب، وكذلك السوق لذكره الخلخال والمعضد، وجعل المذكورين في الآية، منهم مَن تُبدى له بعض الزينة ولا يبدى له بعض، وذلك حين ذكر الخلخالين والمعضدين كأنهما من الزينة الخفية؛ فالشنوف والقرطة والقلائد والأسورة تشترك في جواز (إبدائها لجميع) (٣) المذكورين في الآية، بخلاف الخلخال والمعضد .. هذا هو قوله الآن، ويجب أن يتفقد فيه ما مر له في الزينة الظاهرة، فإنه قد كان ذكر فيها القرطة، ثم هو ذا قد ذكرها هاهنا (فى) (٤) الخفية، وكذلك ذكر في الظاهرة الخضاب إلى نصف الذراع، وهو ذا ممن ذكر في الخفية الأسورة، والسِّوار لا يكاد يبلغ نصف الذراع إلا ممن ليست (أكبر) (٥) من سوارها. والذي يبقى أن ينظر به [في] (٦) هذا الموضع هو الجمع بين قوليه في المكانين، وحمله على الإتفاق بأن نقول: لما كان القرط والخضاب المعبَّر بهما عن الآذان والذراع -على ما سنبين بعد إن شاء الله تعالى- مما يجوز إبداؤه للناس كلهم، على غير وجه التبرج؛ كان أحرى وأولى أن يجوز لها إبداؤه لمن ذكر في الآية، فيحق أن يذكر في الموضعين. هذا قول ابن عباس في الزينة الخفية.

стр. 225

وقال إبراهيم النخعي: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ معناه: ما فوق النحر (١). وقال ابن شهاب الزهري: لا تبدو لهؤلاء -الذين سمَّى الله تعالى ممَّن لا تحلُّ (لهم) (٢) - الأسورة والأخمرة والقرطة من غير خُمُر، وهذا من النخعي والزهري [إعياء في] التستر (٣). (وعيَّن) (٤) الزهري ما يجوز لها إبداؤه لجميع المذكورين (باعتبار) (٥) بُعدهم منها، فالذي يجوز لها أن تبديه لأبعدهم يجوز لها بلا شك أن تبديه لأقربهم، والذي يجوز لها أن تبديه لأقربهم، منه بلا شك ما لا يجوز لها أن تبديه لأبعدهم، بل ولا لمن بعده في الزينة؛ وهذا أمر مقطوع به من معنى الآية. وتقريره أن نقول: بَيّن أن البعل يجوز لها، بل يجب عليها، بحسن التبعُّل أن تُبدي (له) (٦) كلَّ ما يدعوه إليها، ويزيدها في مودته وتصطاد به قلبه، وليس هذا موضع بيان هذا. وللأب أيضًا فيما يجوز لها أن تبديه له وتنبسط بإظهاره بين يديه ليس هو في ذلك كأحد ممن ذكر بعده، والابن أيضًا ليس في ذلك كأحد ممَّن بعده. ومقطوع به -لا شك فيه- أن الذي يجوز لها أن تبديه لأبعدهم- وليكن الأجنبي التابع الذي لا أرب له في النساء- يجوز لها أن تبديه لأقربهم، وليكن

стр. 226

البعل، والذي يجوز لها أن تبديه للبعل، لا يجوز لها أن تبديه جميعه لأبعدهم؛ هذا ما لا شك فيه، ولا في وجوب تنزيل الآية عليه. فإذًا الزينة الخفية المنصوص على جواز إبدائها لمن ذكر في الآية، هو أمر يشترك في إبدائه جميعهم، ولا تظن أنه ما ظهر من زينتهاة أعني (المذكور) (١)، ولا جواز بدوه في حين المهنة والتصرُّف لكل أحد، لا على التبرُّج، بل هو زائد عليه، فإنه بلا شك أن المذكورين في الآية يجوز للمرأة إبداء ما زاد على وجهها وكفيها لبعضهم في الجملة، وسيرد لهذا تفصيل إن شاء الله تعالى. ومعنى آخر متيقَّن أيضًا وجوب تنزيل الآية عليه، وهو: أن هذه الزينة التي أجازت الآية إبداءها لمن ذكر، لم يُرد بإبدائها لهها أن يروها ممكنة في اليد المستترة، أو موضوعة في الأرض، حتى كأنه إنما رفع (عنهم) (*) الحرج في رؤية المعادن والحجارة، لا يختص بجواز النظر إليها أحد عن أحد، لا في الأرض، ولا في معدنها، ولا في حوانيت بائعيها، ولا في يد امرأة غير متزيِّنة بها. ومعنى آخر متيقَّن من الآية، وهو مما نبَّه عليه النص، وهو أن مَن [لا يجوز لها إظهار الزينة له من الأجانب] (٢) لا يجوز لها أيضًا توصيل العلم إليه بتحمُّل الزينة وإن أخفتها عن حاسة البصر، مثل: أن تضرب برجلها أو تحرِّك رأسها، فَيُدرَك بذلك (حسنُ) (٣) الحلي، أو يُسمَع حبوسه، فإن الذي يُخاف من الفتنة عند النظر إلى الحلي في موضعه، يُخاف مثلُه أو قريب منه عند العلم بتحمُّله، بل ربَّما كانت النفس حينئذ أحرص، وإلى (الهوى) (٤) أسرع، فأحبُّ شيء إلى الإنسان ما مُنع.

стр. 227

وقد فرغنا الآن من ذكر الزينة الخفية بالممكن من الذكر، فلنرجع إلى القول في المستثنى الثاني الذين هم مَن يجوز لها إبداؤها [لهم] (*)، فنقول وبالله التوفيق: (٢٩) - مسألة: البعل (١) والأب يفترقان في إبداء العورة، فلا يحلُّ ذلك للأب، وهذا لا اختلاف ولا ريب فيه، وما عدا العورة- هذا بإطلاق- هل يجوز لها إبداؤه للأب، أو تتخصص منه مواضع المحاسن الباطنة؟ هذا موضع نظر. وليس في الآية دليل على جواز إبدائها، إنما هو الأمر الذي يشترك في رؤيته جميعهم، أقربهم وأبعدهم، كالوجه والكفين والقدمين، هذا هو الذي في الآية بلا شك إباحة إبدائه لهم كلهم، وهذا الذي يُنظر الآن فيه إنما هو مثل البطن، أو ما فوق السرة، وهذا ما لا يجوز إبداؤه لعبدها، ولا لابن بعلها، ولا لأبيه قطعًا، وهاهنا حديث تتقاصر دلالته عن كلِّ هذا المقصود، ويدلُّ على بعضه؛ وهو ما ذكره أبو داود (٢)، قال: ١٢٢ - حدثنا محمد بن عيسى، نا أبو جميع سالم بن دينار، عن ثابت، عن أنس: أن النبيَّ ﷺ أتى فاطمة بعبدٍ قد وهبه لها، قال: وعلى فاطمة ثوب إذا قَنَّعَت به رأسها لم يبلغ رجليها، وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها، فلما رأى النبيُّ ﷺ ما (تلقى) (٣)، قال: "إنه ليس عليك بأس؛ إنما هو أبوك وغلامك".

стр. 228

أبو جميع سالم بن دينار، وقيل: سالم بن راشد، وثقه ابن معين، وقال أبو زرعة: لين ولا يُبَالَى بقول أبي زرعة، فإن العدول متفاوتون في الحفظ بعد تحصيل رتبة العدالة، والحديت صحيح؛ وفيه: جواز إبداء الشعر والقدمين والكفين للأب والمملوك؛ أما المملوك فسيأتي باب الكلام فيه، وأما الأب فهذا موضعه؛ وليس لقائل أن (يعترض) (*) فيه بأن يقول: لعل ذلك لمكان الضرورة، إذْ لم يكن بحضرتها ساتر آخر، ولو قامت إليه وقعت من الإنكشاف في أشد. والجواب عنه إن اعترض به معترض: أن نقول: النبيُّ ﷺ [علل] (١) بالأبوة والملك، ولو كان كما قال المعترض علل بالضرورة وعدم السترة، لكان يقول: لا بأس عليك إنكِ غير واجدة. والمُتقَرر الآن من هذا: هو [أن] (٢) الذي تبديه بمقتضى الآية للأب [هو الذي تبديه لأب] (٣) البعل، وابنه، والأجنبي غير ذي الإربة، أعني المشترك بينهم، وبالخبر: الشعر والوجه والكفان والقدمان، أما (الزيادة) (٤) على ذلك فلا أرى لها دليلًا؛ وهو موضع يجب إرجاء الأمر فيه إلى أن يوجد فيه دليل؛ من نصٍّ أو إجماع، أعني: جواز أن تبدي للأب من المحاسن الباطنة غير ما ذكروا، (أو منعه) (**)، وستأتي فيه زيادة على [ما ذكر] (٥) في باب نظر الرجال إلى النساء إن شاء الله تعالى.

стр. 229

(٣٠) - مسألة: مَن بَعُد من الأب، كالجد وأبيه ما علوا، ومَن (بَعُد) (*) من الأبناء كالحفيد وابنه ما سفلوا، بمثابة الآباء والأبناء المباشرين في جواز إبداء الزينة المشتركة، (والثابت) (١) من الخبر المذكور لهذا، وقد (يتخالج) (٢) الشك فيما وراء ذلك؛ فإنا لو أجزنا لها مثلًا إبداء بطنها للأب (والابن) (٣) لم نكن على يقين، ولا ظن غالب عن جواز إبدائها ذلك لأب أب الأب، أو لابن ابن الابن، وهذه أمور محتملة. وإنما نبهتُ عليها ليُنتَبه فيها لِمَا لا بد للإِقرار به، وهو أن مضمّن الآية إنما هو إبداء المشترك، وأن مَن أجازت الآية التبسُّط بحضرتهم والتكشُّف لهم ليسوا سواء، فإنا لا نشك في أن ابن بعلها من غيرها ليس كابنها، وأن أبا بعلها ليس كأبيها، وأن إخوتها وبنيهم ليسوا كأبيها وابنها، ولا كابن بعلها وأبيه. هذا مما لا يختلف فيه كل مَن رأيته عرض للآية بتفسير، أو أجال فيها نظرًا. وكذلك أيضًا الأعضاء؛ فليس ما (تحت) (٤) السرة إلى الركبة كالقدمين، وهذا أيضًا بَيِّنٌ. (٣١) - مسألة: أبو البعل منصوص على جواز إبداء المشترك له، ولكن جده وجد جده ما علوا، هل يجوز لها أيضًا ابداء ذلك لهذا؟. هذا موضع محتمل: والأظهر فيه عندي المنع، بما ثبت من أمرها بإدناء الجلباب، ونهيها عن الإِبداء إلا لمن ذكر في الآية، وليس جد البعل فيها، فإن الأب (يطلق) (٥) حقيقة على أبيه المباشر، (ومجازًا) (٦) على مَن فوقه، وليس يصلح أن يحمل

стр. 230

اللفظ على معناه الحقيقي ومعناه المجازي بإطلاقه عليهما مرة واحدة، فيجب لذلك قصر اللفظ على أبي البعل المباشر. فإن قيل: قد تضمَّنت الآية بكل حال جواز التبسُّط والإنكشاف بحضرة الحمو: أبو (البعل) (١)، أو عفي لهما عمَّا يقع من ذلك بحكم ضرورة التصرف؛ فكيف يقول النبيُّ ﷺ في حديث عقبة بن عامر: ١٢٣ - "إياكم والدخول على النساء"، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله! أرأيت الحمو (٢)؟ قال: "الحمو الموت" (٣). قال: أليس الحمو يصدق على أبي البعل صدقه على أخيه في اللغة، فنرى إذن أبا البعل (قد رمَى) (*) النبيُّ ﷺ في التحذير منه بقوله: "الحمو الموت؟ ".

стр. 231

فالجواب: أن نقول: ليس في الحديث لمنع إبداء الزينة ذكر، وإنما فيه منع الخلو بها، ولا أيضًا في الآية للخلو بها ذكر، وإنما (فيها) (١) إباحة الإبداء، فلا (نرى لهما تواردًا) (*) على شيء يتعارصْان بالنسبة إليه أصلًا، والله أعلم. (٣٢) - مسألة: كلّ مَن جرى في الآية ذكرهم منقسمون أقسامًا: فمتهم مَن هو ذو رحم وذو محرم؛ كالأب (والابن) (٢) والأخ وابنه وابن الأخت، ومنهم مَنْ هو ذو محرم، وليس ذا رحم؛ كأبي البعل وابنه، ومنهم مق هو غير ذلك رحم وغير ذي محرم؛ كالزوج ومَن لا أرب له في النساء، وإن اختلفا فى الحكم بسبب عُلْقة الزواج، وليس في الآية القسم الرابع، وهو (من) (٣) يكون منها ذا رحم، وليس بمحرم. كمَن يزوج لها مَن تتزوج به من قرابتها، كابن عمها وابن عمتها، وابن خالها وابن خالتها، ومَن في معناهما، أو في معناهم؛ ما حكمهم بالنسبة إلى ما نحن فيه؟. الأمر [في] (٤) ذلك بَيّن: أنهم كالأجانب؛ وهذا لا أعرف فيه خلافًا، ولهم منها ولها منهم بحكم الرحم والقرابة أحكام ليست بينها وبين الأجانب في مواضع كثيرة. وكذلك أيضًا: ليس في الآية ذكر لمَن ليس بينها وبينه رحم، وهو محرَّم عليها، وهو القسم الثاني ممن تضمنت الآية بعضه؛ فإنها تضمنت من هذه صفته، وأبا البعل، وابنَه، وبقي زوج ابنتها، وزوج أمها؛ وزوج أختها، وولد مستولدها، وأبوه وأخوه، ومَن في معناهم، هل يجوز لها البُدُوّ أو يمتنع؟ هو

стр. 232

موضع نظر، والأظهر فيه: المنع من مطلق ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ معناه: لأحد من الخلق، إلا من ذكر، وما ذكر. وروي عن مالك: أنه سُئل: أتضع أم امرأة الرجل عنده -وهي قاعدة (١) - جلبابها؟ قال: لا بأس بذلك. قال ابن رشد بعده كلامًا ما معناه: أنه ذو (محرم) (٢) ممَّن ذكر في الآية. والأظهر عندي: المنع، ويمكن في بعضهم تعلق ضعيف، وهو أبو السيد وابنه، وذلك بأن نقول: البعل قد يقاس على السيد من قولهم: مَن بعل هذه الناقة؟ أي: ربها، وقد قال: ﴿أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]؛ فهذا (للسيد) (*) كما هو للزوج. وضعف هذا التعلق من جهة أن اللفظ كاد يكون حينئذ مشتركًا، فلا يكون استعماله إلا على البدل، وقد أجمع على أن الزوج مراد بالآية؛ فلا يصح إرادة السيد بها، إلا لو صلح تعميمه، فاعلمه.

стр. 233

(٣٣) - مسألة: روي عن مالك ﵀: أنه قال: لا بأس أن يسافر الرجل بأخته من الرضاع. (فوجب) (١) النظر في جواز بدوَ المرأة لمن بينها وبينه رضاع، فنقول: كل مَن له بالرضاع من القعود مثل ما لمن ذكر في الآية من ذوي المحارم، فيكون لها من جواز البُدوّ والإِبْداء لهم، مثل ما لها بالنسبة إلى ذوي محارمها المذكورين، لقوله ﷺ : ١٢٤ - "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" (٢). مفهومه من حيث دلالة الخطاب: أنه يحلّ بالرضاع ما يحلّ بالنسب، ولكن إن أبى ذلك من (يمنعون) (٣) القول بالمفهوم، أمكن عضده بقوله ﷺ لعائشة: ١٢٥ - "إنه عمُّك (فليلج) (٤) عليك". وكان هذا عمًّا من الرضاع. ويجب هاهنا أن يعرف أن العمَّ من الرضاعة، يُتَصَوَّر على تسعة أوجه: الأول منها: أن يكون لأبي بكر ﵁ أخ قد رضع معه من أمه: أم الخير،

стр. 234

لبنَ أبيه: أبي قحافة، فهدا أخ شقيق من الرضاعة لأبي بكر، فيكون لعائشة عمًّا؛ شقيق أبيها. والثاني: أن يكون هذا الراضع إنما رضع امرأة أخرى لأبي قحافة من لبنه، ليست أمًّا للصديق ﵁ فهدا يكون أخًا لأبي بكر لأبيه، فيكون لعائشة عمًّا؛ أخا أمها للأب. الثالث: أن يكون الصديق وهذا الذي رضع معه إنما رضعا جميعًا امرأة دَرَّ لها لبَنٌ ولا زوج لها ولا سيد، فيكونا بذلك أخوين لأم، فهدا يكون لعائشة عمًّا أخا أبيها للأم. والرابع: هذه الصورة بعينها؛ أعني: أن يرضع الصبيان امرأة دَرَّ لَها لبَنٌ، ثم يرضع صبي من امرأة أحدهما، فيكون زوجها له أبًا، وأخوه الراضع معه له عمًّا: أخا أبيه من الرضاعة، والفرق بين هذه وبين التي قبلها: أن في التي قبلها: الأب بالنسب، وأخوه أخ بالرضاع لأم، وهاهنا: الأب أب بالرضاع، وأخوه أخ بالرضاع لأهم. والخامس: أن تكون عائشة ﵂ رضعت امرأة لها زوج، فصار لها أبًا، وكذلك الأب أخ شقيق بالنسب. والسادس: أن يكون له أخ لأب بالنسب. والسابع: أن يكون له أخ لأم والده. والثامن: أن يكون له أخ شقيق بالرضاع. والتاسع: أن يكون له أخ بالرضاع، وقد تقدَّم ذكر أخ لأم بالرضاع، وهو الذي جعلناه الرابع. وبقي ثلاثة إخوة تتمة اثني عشر لا يصحُّ ذكرهم في هذا الباب، لأنهم لا يكونون أعمامًا بالرضاع.

стр. 235

وتلخيص هذا: أن الأب قسمان: أبٌ والد، وأبٌ بالرضاع، فيتصوَّر لكلِّ واحد منهما ستة إخوة ة ثلاثة بالنسب، ومثلهم بالرضاع، فذلك اثنا عشر، فيسقط في هذا الباب ذكر ثلاثة: الإخوة بالنسب للأب الوالد، وهم إخوة شقيقه من والده ووالدته، يبقى تسعة كما ذكرناة فإذا قلنا برضاع لبن الفحل وأنه يحرم؛ حرمت هذه الصور وجاز دخول كل (عم) (*) لإِطلاق قوله: "إنه (عمُّك) "، ولم يفصِّل، وقد تمكَّن العمومة بكلِّ واحد واحد من هذه الوجوه. فإن قلت: وما الذي كان الواقع في الوجود في قصة عائشة من هذه الصور؟ إذ لا يمكن أن يقع في الوجود منها إلا صورة واحدة. قلنا: عائشة ﵂ رضعت لبن امرأة أبي القُعَيْس (١)، يمكن أن يكون له ستة إخوة: شقيق من وَالِدَيْه، أو لأب من والده، أو لأم من والدته، وشقيق من مرضعته، أو لأب من مرضعته، أو لأم كذلك، فالواقع في الوجود إحدى هذه الصور الست، والله أعلم بها. ١٢٦ - قال مسلم بن الحجاج: ني حرملة بن يحيى، قال: حدثنا ابن وهب، قال: ني يونس، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة أخبرته: أنه [لما]، (٢) جاء أفلح أخو أبي القُعَيْس (يستأذن) (٣) عليها بعدما نزل الحجاب - وكان أبو القعيس أبا عائشة من الرضاعة- قالت عائشة: فقلت: والله لا آذن لأفلح حتى أستأذن رسول الله ﷺ ، فإن أبا القعيس ليس هو (أرضعني) (٤)، ولكن أرضعتني

стр. 236

امرأته، قالت: فلمَّا دخل رسول الله ﷺ (قلت) (١): يا رسول الله! إن أفلح أخا أبي القعيس جاءني يستأذن علي، فكرهت أن آذن له حتى أستأذنك، قالت: فقال النبي ﷺ : "ائذني له" (٢). قال عروة: فبذلك عائشة كانت تقول: "حرِّموا من الرضاعة ما تحرِّمون من النسب". وقد يدلُّ أيضًا على مقصود هذا الباب: ١٢٧ - قوله ﷺ : "انظرن مَن إخوانكن؛ فإنما الرضاعة من المجاعة" (٣). فإنه نبّه على أن الرضاع إذا كان في وقته ينزل منزلة النسب في كل شيء. والمتقرر من هذا هو أن المرضعين مع المرأة أو مع ابنها، ممَّن يجوز لها إبداء زينتها لهم بلا شك. وهذا لا خلاف فيه، وإنما الخلاف عند التفصيل. قال أبو الوليد بن رشد لما ذكر (الرواية) (٤) عن مالك بما تقدم من جواز سفر الرجل مع أخته من الرضاع: "لا اختلاف أعلمه في أن ذوي المحارم من الرضاع، كذوي المحارم (من) (٥) النسب في جميع الأحكام، إذا كان التحريم من قبل الأم المرضعة، ولم يكن من قبل الفحل [الذي اللبن منه؛ للاختلاف الذي جاء] (٦) في لبن الفحل" هذا نص قوله، فاعلمه، والله الموفق.

стр. 237

(٣٤) - مسألة: هل يجوز إبداء زينتها لعبدها ملكِ يمينها أم لا؟. هذا موضع خلاف، ونعني بذلك ما زاد على القدر الذي يجوز لها إبداؤه لكلِّ أحد؛ فروي عن عبد الله بن عباس: "لا بأس أن ينظر المملوك إلى شعر مولاته" (١). وروي عنه إجازة بدوّها له، وهو الظّاهر من مذهب أُم سلمة وعائشة. ونصَّ أبو حامد الإسفراييني (٢) فيه على قولين (٣): أحدهما: أنه لها ذو محرم، فيخلو بها ويسافر معها، وينظر إلى شعرها وغيره من بدنها (٤) ة قال: وهو ظاهر قول الشافعي، وسواء كان وَغْدًا (٥) على ظاهر مذهبهم، أو غير وَغدٍ. وذهب بعض المحدثين إلى اشتراط أن يكون وغدًا وهو مذهب مالك (٦). ومغزاه: ألاّ يكون مَنظرانيًّا، بحيث يكون عِلقُ نفسها به قريب الإِمكان.

стр. 238

وذهب آخرون: إلى أنها لا يجوز لها ذلك (١) "قال أبو حامد الإسفراييني: وهو الصحيح عند أصحابنا: أنه ليس بمحرم لها، ورجح ابن القصار (٢) هذا القول، وأن المراد بقوله : ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾: الأطفال من العبيد؛ وهو عندي ضعيف غير راجح ولا معادل، لأن الأطفال قد ذكروا ذِكرًا يخصهم، وهو يشمل الأحرار والعبيد منهم. وذهب آخرون: إلى أنه أيضًا لا يجوز، وأن الآية إنما أُريد بها الإِماء. كان سعيد بن المسيب يقول: لا تغرنكم هذه الآية، إنما يُعنى بها الإِماء، ولم يُعْنَ بها العبيد (٣)، يعني قوله : ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾، وهذا قول الشافعي وعطاء ومجاهد، والى مثله ذهب ابن عبد الحكم، وذلك أن المكاتب عنده عبد، كما هو عند أصحابه المالكيين؛ فقال: إن المكاتب لا يجوز له أن يرى شعر سيدته وإن كان وَغدًا. وظاهر هذا من مذهبه: أنه لا يجوز لها البدوّ له، لأنه متى كان النظر حرامًا، كان البُدُوّ حرامًا، على ما سنبين بعد إن شاء الله تعالى. وقول هؤلاء [لا] (٤) يستضعف بما استضعف به الذي قبله؛ لأن النساء قد ذكرت ذكرًا مخصوصًا، وذكرهن يشمل الحرائر والإِماء، فلا معنى للآية على تعسُّف التكرار.

стр. 239

والحق في هذا عندي: هو أنَّ العبد معنيٌ [في] (١) الآية؛ يجوز لها إبداء المرأة له ما تبديه لجميع (من) (٢) ذكر فيها، وهو اختيار إسماعيل القاضي، واستدل بأمرين: أحدهما: أنه منها محرم، أي: لا يحل له زواجها، وهذا ضعيف، فإنه قد يعتق فتحلُّ له، وأيضًا فلا دليل على جواز النظر والبدوّ لكل مَن لا يحل له النكاح. والثاني: قوله تعالى: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ...﴾ [النور: ٥٨]، فأجرى ما ملكت أيمانهم مجرى الذين لم يبلغوا الحلم منهم، وأُمروا بالاستئذان؛ لأن الناس في تلك الأوقات الثلاثة (ينبسطون) (٣) ولا يكونون من التّستّر فيها كما يكونون في غيرها، وهذا أيضًا ضعيف؛ فإنه إن ساوى المملوك [على] (٤) الأقل في أن لا يرى العورة، فما يلزم مساواته (له) (٥) في جواز البدوِّ، ولكن مع ضعف استدلاله، فالذي أختاره مختار، والمعتمد فيه: ظاهر قوله : ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [النور: ٣١]، أو يقيد كما قلنا: أن يريد بها الأطفال؛ فإنهم قد ذكروا، والإِماءة فإنهن (٦) قد ذكرن في جملة النساء. ويعضده من السنّة: حديثه أم سلمة، ذكره الترمذي (٧) بغير نصِّه،

стр. 240

فأخرنا ذكره إلى موضع آخر، وذكره إسماعيل القاضي بنصِّه، يتبين (منه) (١) هذا المقصود الذي نحن بصدده. ١٢٨ - قال إسماعيل: حدثنا إسماعيل بن أبي [كثير] (٢)، نا أبي، عن ابن شهاب، عن نبهان مولى أم سلمة: أنه قال: بَيْنَا هو يسير معها بطريق مكة، وقد بقي عليه من كتابته ألفا درهم، قالت: هما عندك؟ قلت: نعم، قالت. فادفع ما بقي مِنْ كتابتك إلى محمد بن عبد الله بن أبي أمية -يعني: ابنَ أخيها عبد الله بن أبي أمية- فإني قد أعنتُه بها في نكاحه، وعليك السلام، ثم ألقتْ دوني الحجاب، قال: فبكيت، ثم قلت: والله لا أعطيها إياه أبدًا، قالت: إنك والله يا بني لن تراني أبدًا، إن رسول الله ﷺ عهد إلينا أنه "إذا كان عند مكاتب إحداكن وفاءٌ بما بقي من كتابته (٣)، فاضربْن دونه الحجاب".

стр. 241

ففي هذا الحديث بيان أن العبد لا يراها (إذا كان عليه وفاء) (١)، إنما ذلك فيه من حيث دليل خطابه، قال: "إذا كان عند مكاتب إحداكن وفاء"، دلَّ على أنَّه إذا لم يكن كذلك لا يحجب. قلنا: ذلك ليس من دليل خطابه، بل من المنطوق به، وذلك أن قوله ﵇: "اضرب دونه الحجاب" لا يصح أن يقال إلا في مَن كان غير محجوب، فلو كان مَن لا وفاء عنده محجوبًا، كما يقدر مَن يبطل دليل الخطاب ما صح أن يقال: "إذا كان عنده وفاء فاحجبوه"، وإنما يقال ذلك فيمن كان غير محجوب. ويضاف إلى هذا فهم أم سلمة ﵂، فإنها كانت مبدية له إلى أن علمت بأن عنده وفاء بما عليه، فهي ببدوّها له حاملة لقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَاتْ أَيْمَنُهُنَّ﴾ [النور: ٣١] على العبيد، إلا أنها أخبرت بمخصص عندها ورد على ذلك المطلق فقيَّده، وهو قوله: "إذا كان عند مكاتب إحداكن وفاء فلتحتجب منه" (٢)، أقام وجدان الوفاء بما عليه مقام الأداء، فرتّب عليه وجوب الإحتجاب عنه. ويتأكَّد هذا بما علمناه من أن أم سلمة ﵂ مستندة في هذا المعنى متحرجة فيه، حتى لقد أنكرت على عائشة دخول الغلام الأيفع عليها، مع أنها تتلو قوله : ﴿أَوِ الْطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ الْنِّسَاءِ﴾ [النور: ٣١]، وسنبين معنى إنكارها ذلك وما دار بينها وبين عائشة فيه إن شاء الله تعالى، إذا ذكرنا بدوّ المرأة للأطفال. وقد كانت ﵂ قيل لها ولميمونة: "أفعمياوان أنتما؟! " (٣)،

стр. 242

في حق ابن [أم] (١) مكتوم الأعمى، فلا نظنها إلا أنها فهمت فهمًا صحيحًا عن النبي ﷺ ما نقلت إلينا بفعلها وقولها، من جواز البدو للعبد، والله الموفق. فإن قيل: فلِمَ لَمْ تستدلَّ بهذا المعنى بحديث فاطمة المتقدم الذكر، حين قال لها النبي ﷺ : "لا بأس عليك إنما هو أبوك وغلامك" (٢)، وكان رآها

стр. 243

تَجَشَّم مشقة التستُّر من العبد الذي وهبه لها، [دلَّ] (*) ذلك على جواز بدُوّها لعبدها بما تبديه لأبيها. قلنا: لم يصحَّ من لفظ الخبر أدن هذا العبد مدرك، فلعله طفل، وعلى ذلك لفظ الغلام، إلا أن يتجوز به. فإن قيل: لو كان طفلًا، لم يعلل الإِباحة بالملك والأبوة، ولعلل بالأبوة والطفولة، فكان يقول: لا بأس عليك، إنما هو أبوك وطفل صغير. قلنا: بل ما علل إلا بالأبوة والطفولة: وذلك أنَّه قال: أبوك وغلامك: فالغلام حقيقة: هو الطفل، ولكنه أضافه إليها إضافة الملك، كأنه قال: لا بأس عليك إنما هو أبوك والطفل المملوك لك. فإن قيل: فلمَ لَمْ تستدلَّ له بحديثا: ١٢٩ - بزيع أبي عبد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "سفر المرأة مع عبدها ضيعة" (١).

стр. 244

قال البزار: نا الحسن بن عرفة، نا إسماعيل بن عباس، قال: حدثنا بزيع أبو عبد الله ... فذكره. وقد رواه أيضًا عبد الرحمن [بن أبي] (١) حاتم عن الحسن بن عرفة بإسناده مثله. قال أبو ذر الهروي (٢): حدثنا محمد بن حنبل البسري (٣) أبو جعفر الخطيب، نا عبد الوحمن بن أبي حاتها، فذكره، وذلك أنه يفهم منه جواز بدوِّها له في غير السفر، نعم، وفي السفر، ولكنه قد لا يقوم بما ينبغي من حقِّها، فتضيع. قلنا في الجواب: هذا حديث لم يصحَّ، لأن بزيعًا أبا عبد إلفه، هو بزيع بن عبد الرحمن (٤)، ولا يُعرف هذا الحديث إلا من طريقه، ولا يُعرف رواه عنه إلا إسماعيل بن عياش، قاله البزار .. وقال أبو حاتها: إن حديثه ضعيف، وهو كما قال، وحتى لو صحَّ ما كانتا فيه حجة، لاحتمال أن يكون معناه: أن السفر لِمَسْغَبَة تُحوجها إلى ترك ما عليها من التستر منه، أو إلى التقصير في ذلك، فتضيِّع الواجب عليها، واذا احتمل لم تقم به حجة.

стр. 245

وأما اعتبار مالك ﵀ في هذه المسألة: أن يكون العبد وَغدًا، فإنه (مستقرأ) (١) من متقرر العادات، فإن ميل النفوس إلى ذي المنظر أكثر، فإن منظره محرك، فلذلك رأى أن لا تبدو له إذا كان له المنظر، لئلا يتفق لنفسها عُلُوق، (ولا يخاف) (٢) عليها ذلك في الذي لا (يُؤْبهُ له) (*) ممَّن لا أرب لها فيه في أغلب الأحوال، كأنه ﵀ خصص الآية بما فهم من مقاصد الشرع، في مصادره وموارده. والأظهر: الإستمساك بظاهر الآية (٣) عمومًا، وعليها أن تعبد الله كأنها تراه: فإن لم تكن تراه فإنه يراها. فإن قيل: فما معنى أمره تعالى بالاستئذان في قوله ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ﴾ [النور: ٥٨]، أليس هذا دليلًا على أن العبد يحذر منه أن يراها؟ فإذًا لا تبدو له (ولذلك أمر) (**) بالإستئذان. قلنا: أما أنه ينبغي له أن يحذر رؤية العورات، ويحذر منه أن يراها، فنعم، فلقد حذر ذلك من الصبي الَّذي لم يبلغ الحلم، واستوى في هذه سيده وسيدته؛ فالآية في الحقيقة أدل على ما قررناه على نقيضه، والله أعلم. (٣٥) - مسألة: إذا ثبت جواز يدو المرأة لعبدها، إنما تبدو له ولمن ذكر في الآية، وجب النظر فيما إذا كانت لا زوج لها، والعبد وَغد، كما تقدم، أما إذا كان مَنْظَرَانِيًّا، فالأمر أشد عند مالك منه فيما إذا كانت ذا زوج، وأولى

стр. 246

بالإمتناع. لكن إذا جاز لها البدو للوغد حين يكون لها زوج، فهل يجوز لها البدو له حين تكون أيّمًا؟. رأى (١) أبو الحسن اللخمي (٢): أن لا تبدو له. وهذا الذي قاله خارج خروجًا صحيحًا على مذهب مالك، فإنه إذا كان المراعى والمعتبر في جواز البدو وامتناعه قوة انبعاث شهوتها عند النظر وضعفه، فبلا شك أن انبعاث شهوتها، إذا رأت عبدها الوغد -وهي قد طال عهدها واشتدت غِلْمتُها- أقوى وأشد من انبعاث شهوتها إذا رأت المنظراني وهي ذات زوج، مستغنية به عن مخالطة الريبة. ولقد يُعتبر نظرها إلى (الوغد) (٣) إذا كانت لا زوج لها، وهي بعيدة العهد من الجماع، مشتدة الغُلْمة، فكيف إلى عبدها الذي لها عليه سلطان الملك، فلئن جاز لها البدو لعبدها الوغد حين تكون ذات زوج، فلا ينبغي أن يجوز لها ذلك حين تكون أيّمًا، واذا امتنع عليها النظر إذا كانت لا زوج لها إلى عبدها الوغد (٤)، فما ظنك به إذا كان مائس (٥) الأعطاف، فتان المنظر؟! فقد تقرَّر بما ذكلرناه صحة تخريج قول اللخمي على مذهب مالك.

стр. 247

والنظر في قوله : ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ مع هذا المتقرر يجب تكريره واعادته، فإنها عندي في غاية الإحتمال لولا حديث أم سلمة المتقدم (١) الذكر، والله الموفق. (٣٦) - مسألة: أما عبد غيرها (ما عدا) (٢) زوجها، فلا شك في امتناع بدوها له إلا على ما تبدو للأجانب الأحرار، فإن الحرَّ والعبد في المبتغى من النساء ومبتغاهن منهما واحد. فإن قمل: فما معنى ما ذكر النسائي: ١٣٠ - من طريق (جعيد) (٣) بن عبد الرحمن: أن عبد الملك بن مروان (٤) بن أبي الحارث بن أبي ذباب، قال: نا أبو عبد الله سالم، يعني: سبلان، قال: وكانت عائشة تستعجب بأمانته وتستأجره، فأرتني كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ، قال: فتمضمضت واستنثرتْ ثلاثًا، وغسلتْ وجهها ثلاثًا، ثم غسلتْ يدها اليمنى ثلاثًا، واليسرى ثلاثًا، ثم وضعت يدها في مقدم رأسها، ثم مسحت رأسها مسحة واحدة إلى مؤخرهِ، ثم مرت بيدها إلى أذنيها، ثم مرت على الخدين. قال سالم: كنت آتيها مكاتبًا [ما تختفي مني] (٥) فتجلس بين يدي وتتحدث معي، [حتى] (٦) جئتها ذات يوم، فقلت: ادعي [لي] (٧) بالبركة، يا أم المؤمنين! قالت: وما ذاك؟ قلت:

стр. 248

أعتقني الله، قالت: بارك الله لك، وأرختِ الحجاب دوني؛ فلم أرها بعد ذلك اليوم (١). قلنا في الجواب: هذا لم يصحَّ، فإن عبد الملك بن مروان بن الحارث بن أبي ذباب مجهول الحال، ولا يعرف روى عنه غير جعيد، وجعيد ثقة، وكلاهما مدني، فإذا لم يصحَّ كفينا مؤونته، ولو صحَّ احتمل أن يكون لها مذهب، في قوله- : ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [النور: ٣١]، أنهن المماليك (٢) لهن ولغيرهن، ولو ذهب إلى ذلك ذاهب أبعد، ولم يكن ما ذهب إليه صحيحًا، والله أعلم.

стр. 249

(٣٧) - مسألة: أما عبد زوجها؛ فقد أباح بعض المالكية دخوله عليها؛ ففي ضمن ذلك بدوُّها له فيما رأى. لأنه علَّل بأنها مضطرة إلى ذلك، وهو مضطر إلى خدمته والتصرُّف في حوائج سيده. وروي عن مالك ﵀: أنَّه كره ذلك وان كان وغدًا (١)، وقد كان بعض العلماء (مملوكه) (*) على أهله. والأظهر عندي: المنع تحريمًا، فإنه لا دليل على الإِباحة، وهو أجنبي، فلا تبدو له إلا بما تبديه للأجانب، والله أعلم. (٣٨) - مسألة: مدبرها (٢) في هذا كلِّه كعبدها. (٣٩) - مسألة: عبد لها بعضه، وبعضه لغيرها: لا يجوز لها أن تبدو له، كما لا تبدو لعبد غيرها، إذ لا دليل لإباحة البدوِّ، والأصل وجوب الإستتار، بقوله ﵇: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [النور: ٣١]. (٤٠) - مسألة: رجل لها نصفه، ونصفه حر: لا يجوز البدوُّ له، لأن نصفه أجنيي، وليس ملكًا، وقد روي عن مالك: المنع من أن يرى شعرها، ففي ضمن ذلك منع البدوِّ له. (٤١) - مسألة: معتقها إلى أجل عبدٌ بعدُ: ويمكن أن يقال فيه غير هذا؛ لأنه يصير إلى المعتق قطعًا، خلاف المكاتب.

стр. 250

(٤٢) - مسألة: مكاتبها (١): اختلف فيه، وقد قلنا: عن ابن عبد الحكم: أنه منع أن يرى سيدته، فأظن أن في ضمن ذلك منع أن تبدو له، ولكن لم يكن ذلك منه من أجل أنَّه مكاتب، إنما هو [عبد] (٢)، لأن المكاتب عبد، والعبد عنده لا يجوز لسيدته أن تبدو له بدوَّها لمن ذُكر في الآية، لأن الآيةَ محمولةٌ عنده على الإِماء، فلذلك امتنع في المكاتب، فليس ينبغي أن يعد ابن عبد الحكم مانعًا من البدو للمكاتب، إنما هو مانع من البدو للعبد، والمكاتب عبد. أما إذا قلنا: إن البدو للعبد جائز (٣)، وان العبيد في جواز بُدُوّ مولاتهم إليهم كسائر من ذكر في الآية: فهل يجوز للمكاتب أم لا؟. نقول: أما مالك ﵀: إذا حمل الآية على أنها في العبيد، فيجيء على قوله بَيّنًا جواز بدوها لمكاتبها، لأنه بعد عبدها، ما لم يؤدِّ جميع ما عليه فيعتق. وكذا ينبغي أن يكون وأي الشافعي، وكل مَن يقول: المكاتب عبد ما بقي عليه من كتابته شيء (٤). والآية تضمنت العبيد لا الإِماء، ويؤكِّد ذلك لهم من جهة المعنى تحقق حاجتهم في البدولمكاتبهن، لتحققها في البدو لمن ليس بمكاتب من العبيد والمدبرين.
следующие страницы →