← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 17442

إحكام النظر في أحكام النظر بحاسة البصر

ابن القطان

Полный текст (513 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

بالإمتناع. لكن إذا جاز لها البدو للوغد حين يكون لها زوج، فهل يجوز لها البدو له حين تكون أيّمًا؟. رأى (١) أبو الحسن اللخمي (٢): أن لا تبدو له. وهذا الذي قاله خارج خروجًا صحيحًا على مذهب مالك، فإنه إذا كان المراعى والمعتبر في جواز البدو وامتناعه قوة انبعاث شهوتها عند النظر وضعفه، فبلا شك أن انبعاث شهوتها، إذا رأت عبدها الوغد -وهي قد طال عهدها واشتدت غِلْمتُها- أقوى وأشد من انبعاث شهوتها إذا رأت المنظراني وهي ذات زوج، مستغنية به عن مخالطة الريبة. ولقد يُعتبر نظرها إلى (الوغد) (٣) إذا كانت لا زوج لها، وهي بعيدة العهد من الجماع، مشتدة الغُلْمة، فكيف إلى عبدها الذي لها عليه سلطان الملك، فلئن جاز لها البدو لعبدها الوغد حين تكون ذات زوج، فلا ينبغي أن يجوز لها ذلك حين تكون أيّمًا، واذا امتنع عليها النظر إذا كانت لا زوج لها إلى عبدها الوغد (٤)، فما ظنك به إذا كان مائس (٥) الأعطاف، فتان المنظر؟! فقد تقرَّر بما ذكلرناه صحة تخريج قول اللخمي على مذهب مالك.

стр. 247

والنظر في قوله : ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ مع هذا المتقرر يجب تكريره واعادته، فإنها عندي في غاية الإحتمال لولا حديث أم سلمة المتقدم (١) الذكر، والله الموفق. (٣٦) - مسألة: أما عبد غيرها (ما عدا) (٢) زوجها، فلا شك في امتناع بدوها له إلا على ما تبدو للأجانب الأحرار، فإن الحرَّ والعبد في المبتغى من النساء ومبتغاهن منهما واحد. فإن قمل: فما معنى ما ذكر النسائي: ١٣٠ - من طريق (جعيد) (٣) بن عبد الرحمن: أن عبد الملك بن مروان (٤) بن أبي الحارث بن أبي ذباب، قال: نا أبو عبد الله سالم، يعني: سبلان، قال: وكانت عائشة تستعجب بأمانته وتستأجره، فأرتني كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ، قال: فتمضمضت واستنثرتْ ثلاثًا، وغسلتْ وجهها ثلاثًا، ثم غسلتْ يدها اليمنى ثلاثًا، واليسرى ثلاثًا، ثم وضعت يدها في مقدم رأسها، ثم مسحت رأسها مسحة واحدة إلى مؤخرهِ، ثم مرت بيدها إلى أذنيها، ثم مرت على الخدين. قال سالم: كنت آتيها مكاتبًا [ما تختفي مني] (٥) فتجلس بين يدي وتتحدث معي، [حتى] (٦) جئتها ذات يوم، فقلت: ادعي [لي] (٧) بالبركة، يا أم المؤمنين! قالت: وما ذاك؟ قلت:

стр. 248

أعتقني الله، قالت: بارك الله لك، وأرختِ الحجاب دوني؛ فلم أرها بعد ذلك اليوم (١). قلنا في الجواب: هذا لم يصحَّ، فإن عبد الملك بن مروان بن الحارث بن أبي ذباب مجهول الحال، ولا يعرف روى عنه غير جعيد، وجعيد ثقة، وكلاهما مدني، فإذا لم يصحَّ كفينا مؤونته، ولو صحَّ احتمل أن يكون لها مذهب، في قوله- : ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [النور: ٣١]، أنهن المماليك (٢) لهن ولغيرهن، ولو ذهب إلى ذلك ذاهب أبعد، ولم يكن ما ذهب إليه صحيحًا، والله أعلم.

стр. 249

(٣٧) - مسألة: أما عبد زوجها؛ فقد أباح بعض المالكية دخوله عليها؛ ففي ضمن ذلك بدوُّها له فيما رأى. لأنه علَّل بأنها مضطرة إلى ذلك، وهو مضطر إلى خدمته والتصرُّف في حوائج سيده. وروي عن مالك ﵀: أنَّه كره ذلك وان كان وغدًا (١)، وقد كان بعض العلماء (مملوكه) (*) على أهله. والأظهر عندي: المنع تحريمًا، فإنه لا دليل على الإِباحة، وهو أجنبي، فلا تبدو له إلا بما تبديه للأجانب، والله أعلم. (٣٨) - مسألة: مدبرها (٢) في هذا كلِّه كعبدها. (٣٩) - مسألة: عبد لها بعضه، وبعضه لغيرها: لا يجوز لها أن تبدو له، كما لا تبدو لعبد غيرها، إذ لا دليل لإباحة البدوِّ، والأصل وجوب الإستتار، بقوله ﵇: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [النور: ٣١]. (٤٠) - مسألة: رجل لها نصفه، ونصفه حر: لا يجوز البدوُّ له، لأن نصفه أجنيي، وليس ملكًا، وقد روي عن مالك: المنع من أن يرى شعرها، ففي ضمن ذلك منع البدوِّ له. (٤١) - مسألة: معتقها إلى أجل عبدٌ بعدُ: ويمكن أن يقال فيه غير هذا؛ لأنه يصير إلى المعتق قطعًا، خلاف المكاتب.

стр. 250

(٤٢) - مسألة: مكاتبها (١): اختلف فيه، وقد قلنا: عن ابن عبد الحكم: أنه منع أن يرى سيدته، فأظن أن في ضمن ذلك منع أن تبدو له، ولكن لم يكن ذلك منه من أجل أنَّه مكاتب، إنما هو [عبد] (٢)، لأن المكاتب عبد، والعبد عنده لا يجوز لسيدته أن تبدو له بدوَّها لمن ذُكر في الآية، لأن الآيةَ محمولةٌ عنده على الإِماء، فلذلك امتنع في المكاتب، فليس ينبغي أن يعد ابن عبد الحكم مانعًا من البدو للمكاتب، إنما هو مانع من البدو للعبد، والمكاتب عبد. أما إذا قلنا: إن البدو للعبد جائز (٣)، وان العبيد في جواز بُدُوّ مولاتهم إليهم كسائر من ذكر في الآية: فهل يجوز للمكاتب أم لا؟. نقول: أما مالك ﵀: إذا حمل الآية على أنها في العبيد، فيجيء على قوله بَيّنًا جواز بدوها لمكاتبها، لأنه بعد عبدها، ما لم يؤدِّ جميع ما عليه فيعتق. وكذا ينبغي أن يكون وأي الشافعي، وكل مَن يقول: المكاتب عبد ما بقي عليه من كتابته شيء (٤). والآية تضمنت العبيد لا الإِماء، ويؤكِّد ذلك لهم من جهة المعنى تحقق حاجتهم في البدولمكاتبهن، لتحققها في البدو لمن ليس بمكاتب من العبيد والمدبرين.

стр. 251

فأما من يقول: إن المكاتب إذا أدَّى من كتابته شيئًا عتق منه بقدره (١)، فينبغي بلا شك أتى يمنع بدو مولاتهم لهم، لأنهم حينئذ قد عتق من كل واحد منهم بقدر ما آدى، وبحكم بعضه حر، وبعضه محبد، في هذا حكم للحر. وهذا هو عنديَ الذي لا يثبغي أتى يقال سواه لصحة: ١٣١ - حديث علي وابن عباس ﵃ من قوله ﷺ : "المكاتب يعتق منه بقدر ما أدَّى، ويُقام عليه الحدُّ بقدر ما عتق منه، ويرث بقدر ما عتق منه" (٢). وطُرُقُه في كتاب النسائي وأبي داود والترمذي وغيرهم معروفة، وموضع ذكره كتاب المكاتب. فإن قيل: ١٣٢ - فحديث عبد الله (٣) بن عمرو بن العاص، عن النبي ﷺ فيه: "أيما

стр. 252

عبد مكاتب على مئة أوقية فأداها إلا عشر أواق، فهو عبد، أو على مئة درهم فأداها إلا عشرة دراهم: فهو عبد"، يعارضه. قلنا: لم يصحَّ: فإنه منقطع (١) الإِسناد، ولو صحَّ أمكن القضاء عليه بالحديث المتقدِّم الذكر، لأنّه الناقل لحكم العبودية المتأصل، موضع الخوض في هذا كتاب المكاتب من كتب الفقه. ويلتحق بمن أَدَّى شيئًا من كتابته من عبده لمن عليه منها وفاءً، وان لم يؤدِّه بعد، في وجوب التستر منه، وقد ذكرنا ذهاب أم سلمة ﵂ إلى ذلك، واعتمادها فيه ما روت، ونعيد هنا ذكره دون قصته: ١٣٣ - قال الترمذي: حدثنا سعيد بن عبد الرحمن، نا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن نبهان مولى أم سلمة، عن أم سملمة قالت: قال رسول الله ﷺ : "إذا كان عند مكاتب إحداكن ما يؤدِّي، فلتحتجب منه" (٢). قال فيه: حسن صحيح. وهو نصٌّ في ذلك.

стр. 253

(٤٣) - مسألة: إذا كان عبدها، أو مدبرها، أو مكاتبها الذي لم يؤدِّ شيئًا، ولا وفاء عنده ممسوحًا: فالأمر في جواز بدوها لهم أبين، فإنه إذا جاز له اليدو لأحدهم وهو فحل، فهو لهم - وهم خصيان (١) - أجوز، وأولى بالجواز. ويعتبر فيه مع ذلك على مذهب مالك، أن لا يكون له منظر. والرواية عن مالك بذلك في كتاب [ابن] (٢) المواز، مشترط فيها أن يكون وغدًا، والمختار عندي: التسوية. وقد تقدم ذكر ذلك. (٤٤) - مسألة: إذا قلنا: قد تقدم أن بدوها لعبد زوجها لا يجوز لها؛ لأنه أجنبي، والآية رخصت فيما هو ملك لها؛ فهل يجوز لها أن تبدو له إذا كان ممسوحًا أم لا؟. وروي عن مالك: أنه قال: أرجو أن يكون خصيُّ زوجها خفيفًا، وكره خصيان غيره. وروي عنه أيضًا في خصي غيره: لا بأس به أن يرى شعرها إذا كان لا منظر له (٣)، دلَّ على جواز بدوها له. والأولى أن يقال في ذلك: إن الآية نصٌّ في منع البدوِّ، لا لمن ذكر فيها، وليس هؤلاء منهم، فإنهم أجانبا، غير مملوكين، فلم يبقَ إلا أن يكون لهم أرب. وهذا أمر في الوجود خلافه، من صكحة الأرب، وتفاوت الشبق (*)، وبحسب

стр. 254

ذلك ينبغي أن لا تبدو لهم المرأة، ولو قدرنا أن منهم من قطع الخصاء منهم معنى الفحولة، ولم يبقَ لهم أرب (١) في النساء، كان ذلك نافعًا له في باب نظره إليهن، إذا (استلت) (٢) إحليله على ما يعلم من نفسه، فإن علم لها أرب امتنع عليه النظر، فإن لم يعلم لها أرب جاز، ولكن حتى جواز بدو المرأة له، لم ينتصب الخصاء لأمة ظاهرة على عدم الأرب بنصب شرعي، ولا هو أيضًا دليل وجوده، فامتنع بدوها لهم. وينجر بهذا ما ذكر قاسم بن ثابت، قال: حدثنا محمد بن عبد الله، عن سهل بن محمد، عن العتبي (٣)، قال: كان هشام -يعني: ابن عبد الملك- أول مَن اتخذ الخصيان من بني أمية، فأقبل مسلمة بن عبد الملك ليدخل على هشام، فقام إليه فتى لهشام فدفع في صدره، وقال: لا تدخل على أمير المؤمنين بغير إذن، فلما توصَّل مسلمة إلى هشام، قال: يا أمير المؤمنين! علامَ (٤) يجول هذا في قصرك؟! فوالله لقبلة من هذا أحبُّ إليهن من عضد منا، قال: فأخرجه هشام. والعضد: الجماع، وهو: (العود) أيضًا والعبيد. أما الخُنث (٥) والبَرَم (٦) والعنَّة وأشباه ذلك، فيمكن فيها ذلك.

стр. 255

وكذلك اختلف في المُخَنَّث (١) اختلافًا بيّنًا، مستندًا إلى نظر يمكن اعتباره على ما سنبينه بعد إن شاء الله تعالى. وليس لكونه عبدًا أثر في الجواز، فإنه ليس لها. وقد قلنا: إن عبد زوجها أجنبي منها لا يجوز لها البدو له، فإذا زاد: أن يكون خصيًّا، ولم يكن الخصاء دليلَ عدمِ الأرب، بقي بحاله في الإمتناع، ويكون على هذا إبداؤها للخصي الحر أولى من الإمتناع، على ما نذكره الآن إن شاء الله تعالى. (٤٥) - مسألة: الخصي الحر: روي عن مالك فيه المنع من دخوله على النساء (٢)، قال عنه ابن المواز: وغدًا كان أو غيره، وهو صحيح، ولا أعرف الإِباحة لغيره، ولا سيما إذا كان له منظر، فلا يجوز البدو له إلا كما يجوز للأجنبي، إلا أن الخلاف فيه يمكن استقراؤه، وذلك أنه إذا قلنا: إن كل مَن يحرم عليه النظر يحرم على المرأة البدو له، ومَن يجوز له النظر يجوز للمرأة البدو له، فإنه يتخرج في (بدوها) (٣) للخصي الحر قولان، من قولين لهم في نظره هو إلى النساء: أحدهما: الإِجازة: وهو مذهب الأكثرين من الشافعية، لأن الخصاء (*) صيره عندهم من غير أولي الإِربة، كأنهم رأوه سببًا ظاهرًا في قطع غاية الفحولة.

стр. 256

ومنهم مَن منعه، لاحتمال [أن] (١) بها الشبق، وسيأتي في بابه إن شاء الله تعالى، وممن نص على هذا الخلاف والتعليل: الغزالي. وإن صحَّ استقراء الخلاف فيه هكذا للشافعيين، لم تعتبر الإِباحة إلا أن يكون منظرانيًّا، وان وجد فيه الإِباحة لمالكي لم يكن (بد) (٢) عند مَن يبيح لها البدو له من اعتبار كونه غير ذي منظر، فإنهم يعتبرون ذلك (في عبدها) (٣) الخصي؛ فكيف لا يشترطونه في الحر، هذا هو الأظهر. ولقد يمكن ألا يعتبر ذلك في الخصي كله، حرًّا كان أو عبدًا، وذلك بأن يقال: إنما يعتبر ذلك في العبد الفحل، لقوة الرجاء فيه، من أجل بقائه على خلقته، وصحة فحولته، فاحتيج في إجازة البدو له إلى اعتبار أن يكون لا (يؤبه) (٤) له، حتى تكون النفس عن العلوق به أبعد. أما في الخصي فالسبب الذي يتوهمه مَن يبيح لها البدو له: أن وجه ذلك هو توهُّم أو تحقُّق عدم الفحولة، فما فائدة اعتبار كونه غير منظرانيٍّ أو منظرانيًّا، فاعلم ذلك، والله الموفق. وينبغي أن نذكر الآن ما قد جرت هذه المسائل إليه من عدم الأرب، فما كان ينبغي تقديم القول فيه، لولا تتابع القول فيما ملكت أيمانهن إلى هذا المنتهى، فنقول: عدم الأرب في النساء يمكن توهمه بالخنث والخصاء، فقد ذكرناه، فلنذكر الآن خمس مسائل، ثم نتبعها القول في أنه [هل] (٥) يشترط الإتباع في قوله: ﴿أَوِ الْتَّابِعِينَ﴾ [النور: ٣١] أو لا يشترط؟.

стр. 257

(٤٦) - مسألة: المخنث: هل يجوز للمرأة أن تبدو له، لما يتوهم من كونه ممن لا أرب له في النساء، حتى يفتضح بقول أو فعل، فيمتنع، أو لا يجوز لها ذلك ابتداء؟. هذا مكان نظر واختلاف، فمن الناس مَن أجاز لما ذكرنا، ومنهم مَن منع، وروي عن مالك كراهة ذلك إذا كان حرًّا ولم تدع ضرورة إليه. وهذا الاشتراط عندي لا معنى له، فإن العبد والحر إذا كانا أجنبيين حكمهما واحد؛ لتساويهما فيما يريدان وُيراد منهما، وانما وقعت الرخصة في عبدها لمكان ضرورة طرقه وتصرفه وقوله، (وان لم) (١) تدع إليه ضرورة (فيبقى) (*) على المنع، وإلا فَمن يجيز لا يحتاج إلى اشتراط ضرورة؛ فإن الضرورة إنما يعتبر تحققها لتبيح (المحظور) (٢)، وانظر كيف خرجت الفتوى من مالك ﵀ في الخصي الحر والمخنث الحر مخرجًا واحدًا بالمنع، وفي الخصي العبد والمخنث العبد له قولان: هما منصوصان في العبد الخصي، ومخرجان في العبد المخنث، ومتى قال بالإِباحة فإنه يشترط عدم النظر. وأشياخ المذهب المالكيين مختلفون في هذه المسألة، فمنهم مَن يقول: يجوز دخول المخنث والبدوُّ له، ما لم يعرف منه أنه يفطن لمحاسن النساء؛ ومن هؤلاء: أبو الوليد الباجي (٣)، ومنهم مَن يقول: لا يجوز دخول المخنث على النساء والبدو له، ومن هؤلاء: أبو عمر بن عبد البر (٤).

стр. 258

والمذهب الأول هو الذي كان ذهب إليه أزواج النبي ﷺ وعمر، ومَن كان يدخل عنده مخنث إلى أن (فضح) (١) هيت بما بدا من نعته للحسن فامتنع دخوله. وبقي النظر في أنه هل يحسن بتخنثه [منع] (٢) الصنف كله فامتنع دخولهم على الإطلاق؛ [أو] (٣) إنما يحسن [أن يمنع] (٤) منهم مَن يُعرف أنه فطن لمحاسن النساء، فأما غيره ممن خنثه وانكساره قاتل، يجوز له أن يدخل، وللنساء أن يبدين له؟ هذا موضع نظر وفيه البحث. فممَّا يعتمده المبيحون أن يقال: ١٣٤ - روت أم سلمة: أن مخنثًا كان عند رسول الله ﷺ في البيت، فقال (لأخي) (٥) أم سلمة: يا عبد الله بن أبي أمية [إن فتح الله عليكم الطائف غدًا، فإني أدلك علي بنت غيلان] (٦)؛ فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمانٍ (٧)! قال: فسمعه رسول الله ﷺ فقال: "لا يدخل هؤلاء عليكم".

стр. 259

وفي رواية: "أخرجوهم من بيوتكم". ذ كر الأول مسلم (١) وهذه رواية أبي داود. ١٣٥ - وروت عائشة، قالت: كان يدخل على أزواج النبي ﷺ مخنث وكانوا يعدّونه من غير أولي الإِربة، قالت: فدخل [علينا] (*) النبيُّ ﷺ يومًا وهو عند بعض نسائه، وهو ينعت امرأة، قال: إذا أقبلت أقبلت بأربع، واذا أدبرت أدبرت بثمانٍ، فقال النبيُّ ﷺ : "ألا لا أرى هذا يعرف ما هاهنا، لا يدخل عليكم"، قالت: فحجبوه (٢). * وتقرير ما يؤيد هؤلاء المبيحين من هذه القصة هو أن يقال: قد كان أزواج النبي ﷺ (يعدونه) (٣) من غير أولي الإِربة الذين تضمنتهم الآية، فاستجزن البدو له، وعلم النبي ﷺ ذلك من مَنزَعِهنَّ وتركه يدخل اعتمادًا على ما بدا من تخنثه

стр. 260

وتكسره (الموهم) (١) أنه بالنسبة إلى النساء (كالمرأة) (٢) التي لا أرب لها فيهن، فلم يزل على ذلك، إلى أن فضحه لسانه بوصف (معلل) (٣)، فتُوهمت منه الخديعة والدّلسة، فمُنع، وان كان محتملًا (أنه لم يرَ) (٤) منعوتته بادية (٥) بنت غيلان بن سلمة، بل تقرر ذلك عنده بوصف واصفة، أو واصفات، فكان هذا حكم يتوهم فيه أنه يفطن لمحاسن النساء، ويُخاف منه الفتنة. والأول حكم مَن لم يفتضح بقول ولا فعل، بل بقي على ما دلَّ عليه ظاهر تخنثه، فيكون على هذا قوله: "ألَا لَا أرى هذا يعرف ما هاهنا، لا يدخلن هؤلاء عليكم" أي: هؤلاء الذين هم بهذه الصفة. وممَّا يعتمده المانعون: أن يقال: "ألا لا أرى هذا يعرف ما هاهنا، لا يدخلن هؤلاء عليكلم " إشارة إلى الصنف كلِّه، فهو وقع للحكم الأول الذي هو إباحة البدو والدخول، ولذلك أعرض عن النساء فلم يخاطبهن، ولم يعتبر بعد ما عندهن، بل قال للرجال: "ألا لا يدخل هؤلاء عليكم"، ولم يقل: عليكنَّ. ومن رواه: "عليكن" (٦)، لم يفهم هذا المعنى، فرده مصلحًا بزعمه، وليس بشيء، بل الصواب: "عليكم" كلما كان، يدل عليه قولها في الخبر قالت: فحجبوه، ولم تقل: فحجبنه.

стр. 261

وممَّا يؤيد هذا: أن غير المخنث قد أخرج (وأسبل فيه) (*) هذا الأمر، وهم لم يبدُ منهم ما بدا من هذا. ١٣٦ - قال أبو داود: "حدثنا مسلم بن إبراهيم، نا هشام، عن يحيى، عن عكرمة، عن ابن عباس: أنَّ النبي ﷺ لعن المخنثين من الرجال، والمترجلات (١) من النساء، وقال: "أخرجوهم من بيوتكم، وأخرجوا فلانًا وفلانًا؛ يعني: المخنثين" (٢). فهذا أدلُّ دليل على أنه إنما عنى بذلك الصنف كله، فإنه لعنه بإطلاق، ثم حكم فيهم بالإِخراج، دلَّ على إعراضه عن الحكم الأول الذي هو إباحة الدخول. ويمكن أن يكون قوله: "أخرجوه من بيوتكم" عائدًا إلى الصنفين: المخنثين والمترجلات، أمر الرجال بإخراج الجميع. ١٣٧ - قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ قال: "أخرجوا المخنثين" دون "المترجلات" (٣). وكأن معمر اختصره، وهشام جاء به على الكمال.

стр. 262

١٣٨ - وروى أيضًا عبد الرزاق: عن معمر، عن أيوب، عن عكرمة قال: "أمر النبي ﷺ برجل من المخنثين، فأخرج من المدينة، وأمر أبو بكر برجل منهم، فأخرج أيضًا" (١)، فهذا مرسل (٢)، وفيه: أن أبا بكر أيضًا أخرج كما أخرج عمر، فهذان المخرجان هما المشار إليهما -والله أعلم - في رواية هشام (٣)، عن يحيى (٤)؛ حيث قال: "وأخرجوا فلانًا وفلانًا". قال معمر: عن أبي الزناد: لما أمر النبيُّ ﷺ النساء أن يحتجبن من المخنثين (هذا متدارحان) (*) وهذا كله دليل على أنه قد نسخ الحكم الأول.

стр. 263

وللمحجيزين أن يقولوا: قد تقرر من الأحاديث جواز دخول المخنثين، واحتمل ما جاء بعده من الحكم أن يختص بمن يفطن لمحاسن النساء، أو يظن به ذلك، واحتمل ما قلتم: من رفع الحكم الأول؛ إذ لا يصح المصير إلى النسخ مع الإحتمال. ويجمع بين الموضعين: بإبقاء الحكم الأول، وتخصيص الثاني، بمن يظن به أو يتحقق منه أنه فطِنٌ مُدلِّس، حتى يتبين خلاف ذلك. وليس في إخراج الآخرين ما يدل على عموم الحكم في حق الصنف لاحتمال أن يكون حالهما كحال هذا الذي أخرج النبي ﷺ ، ولا أيضًا قوله: "لعن الله المخنثين" مما يصح تعميمه، فمَن خُلِق مخنثًا، لا حيلة له في دفع ذلك، ولا هو مدلس به، ولا خادع، وإنما تتوجه اللعنة على المتصنِّعين، فليلس ذلك إذًا بقرينة دالة على تعميم الحكم في جميع الصنف، ولهم أن يعتمدوا فرقًا (قائمًا) (١) قاد إليه مذهبهم؛ من منع الخصيان من الدخول والبدو، وإباحة ذلك للمخنثين، أن يقولوا: إذا نصب الشرع الخِنْث في حقِّ من لم لفضحه قول أو فعل (دليلًا) (٢) على عدم الإرب وعلامة له، وجب امحتباره والإعتماد عليه، ولم يجز منه مثل ذلك في الخصاء، فبقي على: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ ...﴾، وليس مِمَّن ذكر في الآية الخصي، وعديم الإرب مذكور (فيها) (٣). والمخنث قد جعله الشرع عديم الإِرب بحكم الظاهو، ويشهد للفرق بينهما الوجود، فإن مما لا شك فيه أن من المخنثين عديمي الإرب في النساء، مخلوقين كأنهم نساء، ولا نعلم خصيًّا عديم الإرب غير ثابت الشبق، وإن علم

стр. 264

أحدهم ذلك من نفسه نفعه فيما بينه وبين الله تعالى حين ينظر، ولم يجز للمرأة معاملته بحسب ما يدَّعي من ذلك. وإن كان في المخنثين متصنِّعون مدلِّسون؛ فإن حكمهم إذا عثر عليهم حكم الرجال الفحول، مع التنكيل على الدّلْسة بالنفي والكف. والمسألة عندي محتملة جدًّا، ونظر هؤلاء أقرب إلى الترجيح، ولم يصحَّ: ١٣٩ - أنَّ النبيَّ ﷺ كان لا يدخل بيتًا فيه مخنث؛ فإنه مرسل ذكره ابن أبي شيبة (١)، عن وكيع، عن إسرائيل، عن الوليد بن العيزار، عن عكرمة، عنه، فاعلم ذلك، وبالله التوفيق. (٤٧) - مسألة: الشيخ الفاني: هل يجوز لها أن تبدو له وتبدي؟. فيبنى هذا -والله أعلم- على تحقق عدم الإِرب منه، والهرم المقيد كافٍ في ذلك، بل هو أدل على عدم الإرب من المخنث، الذي تمكن الخديعة به، ولهم في نظره قولان (٢): أحدهما: المنع: نظرًا إلى ظاهر الفحولة، وحسمًا للباب. والآخر: الإجازة: اعتمادًا على العادة في قطع الكبر المقيد الشهوات. فيتخرج الخلاف في جواز البدو والإبداء بالأحرى والأولى، فإنه إذا كان الخلاف في جواز النظر، كان في هذا أبَين، لأن النظر يمكن أن يحمله من الفتوى على نفسه، وما يعلم منها، وستأتي في موضعها إن شاء الله تعالى. (٤٨) - مسألة: العنين: مثله سواء، والأظهر أنه ممَّن لا إرب له.

стр. 265

(٤٩) - مسألة: الأحمق والمعتوه: روي عن الحسن، وطاوس، والأوزاعي: أنهم فسروا به غير أولي الإِربة (١). وزعم ابن رشد (٢) أنه مذهب مالك ﵀. وعندي: أن تفسير: ﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾ بذلك ليس بصحيح، فإنه إن كان الأحمق والمعتوه لا يعقلان: فهما في عدم التكليف كالطفل، وفي متحوك شلهواتهما عندما تتحرك طباعهما كالبالغ الصحيح، إلا أنهما بلا وازع، فلا ينبغي أن تبدو لهم المرأة. فإنها موضع شهوتهما، كالفرس الأنثى مع الفحل. وأما سعيد بن جبير والشعبي ومجاهد وغيرهم، فرأوهم [من لا يفسروا] (٣) أعني: غير أولي الإِربة. وقد قدمنا الآن صحة القول بذلك فيمن له سبب دل على نفسه: كالتخنث والهرم، أما مَن لا سبب فيه ظاهر فها نحن نذكره. (٥٠) - مسألة: إن فرض من الرجال من لا إرب له وليس به آفة ظاهرة تدل على ذلك إلا أنه يتحقق من نفسه: وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى. وأما في هذا الباب الذي هو: هل يجوز للمرأة أن تبدو له؟ فيضعف

стр. 266

القول بإباحة ذلك لها، (إذ لا) (١) سبب عندنا نعتمده فيه، إذ ليس بهرم ولا مجبوب (٢)؛ أي منكسر القول والحركات، فاعلم ذلك، والله الموفق. (٥١) - مسألة: كلّ منَ تحقق فيه أنه ممَّن لا إرب له: هل يعتبر فيما ذكرناه من جواز البدو له (شرط) (٣) الإتباع، أم لا يشترط؟. اختلف الناس في ذلك: فمنهم مَن يقول: لا بد أن يكون تابعًا. كالخديم والوكيل ومَن لا يبتغي إلا ما يؤكل (أو أي شيء) (٤) يُعطاه، فجواز بدو المرأة عند هؤلاء مشروط بشرطين: أحدهما: أن لا يكون له إرب. والآخر: أن يكون تابعًا، اعتمادًا على ظاهر قوله تعالى: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾ [النور: ٣١]. ومنهم مَن قال: بل هذا الوصف الواحد ملغى، ولا يدخل له في الإعتبار، وانما الاعتبار غير ذي إرب في النساء لا غير، وكأن هؤلاء اعتقدوا: أن المخنث الذي ذكرت عائشة شأنه لم يكن خديمًا ولا وكيلًا ولا متصرفًا، (وإنما) (٥) كان يدخل [على] (٦) النساء، وأن قوله تعالى: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ﴾ لم يراع فيه. وزعم بعض من ألّف في أحكام القرآن: [أن] (٧) من الناس مَن قال: يكفي شرط الاتباع وحده؛ وهو قول غريب، ولا بَيَّن حاكيه، فإن صح أنه

стр. 267

مقول، فإن قائله يمكن أن يكون اعتقد في غير أولي الإِربة، أن معناه: لا غرض له إلا تتبعٌ لما يصيب من طعام ومرفق، ولم يعتقد في غير أولي الإِربة: أنه عدم الإرب في النساء، إنما اعتقد: أنه غير ذي إرب، من: الآراب في شيء من الأشَياء لا الاتباع للمرافق، أمَّا أنَّه صحيح الشهوة، أو غير صحيحها؛ فلم يعرض له، وسببه: أن يتوهم أنه معنى قول مجاهد في رواية ابن أبي نجيح عنه، حيث قال: "هو الذي يريد الطعام ولا يريد النساء" (١)، وقول قتادة: "هو الذي يتبعك (يصيب) (٢) من طعامك"، ليس له في النساء حاجة. وهذا القول باطل؛ فإن المخنث المذكور الذي عدوُّوه من غير أولي الإِربة؛ إنما يحسن حين يخيل فيه أنه يشعر بما يشعر به الرجال؛ فالقول الصحيح هو الأول على ظاهر الآية، والله أعلم. (٥٢) - مسألة: أما الطفل الذي لا يعرف المبتغى من النساء مما يجوز لها إظهار الزينة له، ولا يجب عليها التستر مما عدا العورة مثه، أما العورة فقد أمرنا بسكتوها عن الأبصار، وقيل لنا: إذا كان أحدكم خاليًا، فالله أحق أن يُستحيى منه من الناس (٣)، والمرأة في ذلك كالرجل أو أشد، فإذا كانت بهذا منهية عن إبداء عورتها في الخلوة بغير ضرورة، فبحضرة صبي من باب أولى وأحرى. (٥٣) - مسألة: من الأطفال مراهقون للبلوغ، قد فهموا محاسن النساء، وقاربوا بلوغ الشهوة، هل يجوز للمرأة من إبداء خفي زينتها لهم ما جاز لها من ذلك إلى مَن ليس مراهقًا؟ اختلف في هذا:

стр. 268

فقال القفال (١) من الشافعية: ثبت الحِلُّ فلا يرتفع إلا بسبب ظاهرة وهو البلوغ، وذهب الأكثرون منهم: أنها لا يجوز لها ذلك، وهذا هو اختيار الغزالي منهم. وأراهم ينزعون بقوله تعالى: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ [النور: ٣١]، يقولون: فهؤلاء قد ظهروا عليها ظهورًا. أما قول القفال عندي: أظهر، لأنهم لم يروا من النساء عورات، ولا تحققوا معنى اللذة بهن (هي) (٢) في حقه بمثابة وجهها ويديها، وكل ما يتخيله من اللذة بهن هو بمثابة ما يتخيله من رائحة المسك مَن لم يشمه قط. ومما يجب نظره في هذا الموضع: ١٤٠ - حديث أم سلمة الذي ذكره مسلم (٣) ﵀: وهو قولها لعائشة: إنه يدخل عليك الغلام الأيفع، ووالله ما تطيب نفسي أن يراني الغلام قد استغنى عن الرضاع، فقالت لها عائشة: لِمَ؟ [قد] (٤) جاءت سهلة بنت سهيل (إلى) (٥) رسول الله ﷺ ، فذكرت حديثها مع سالم في رضاعة الكبير.

стр. 269

فيقال: كيف منعت أم سلمة أن يدخل عليها الغلام الذي لم يبلغ والفطيم؛ وهي تتلو: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ [النور: ٣١]؛ وكيف لم تحتج عليها عائشة فيما منعتها من القول به، من جواز دخول الغلام الأيفع بقوله : ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾؛ الجواب عن هذا: أن نقول: إن أم سلمة ﵂ لم تذهب إلى تحريم ذلك، ولا إلى كراهته من جهة الشرع، وإنَّما أخبرت عن استثقالها إياه بطبعها، فقالت لها عائشة: قد أجاز الشرع ذلك .. على حدِّ ما يقول الإِنسان: والله ما يخفى علي، ولا تطيب نفسي أن (أجيزه) (*) في حقِّي، فيقال له: لقد أجاز الشرع ما هو أشد من ذلك، مما يدلُّ على جوازه: وهو أن يقتصر في الوضوء على مسح [الخفين] (١) بدلًا من غسل الرجلين، لئلا يتكلَّف أن ينزعهما، فكيف لا يكون جائزًا أن لا ينزعهما في الصلاة، هكذا ذكرت لها عائشة الغاية في الإستدلال على جواز ذلك بقصة سالم في رضاعته من سهلة، وهو كان ذا لحية إذ ذاك: كأنها تقول: فإذا كان هذا جائزًا بالشرع، فما معنى الحزاز في القلب بعد إجازة الشرع إياه، ألا ترين أن الشرع لما أجاز لسهلة من أمر سالم ما أجاز، لم ينبغِ لها أن تستثقل ذلك، وهو بلا شك: أثقل وأشنع مما له استشنعت من دخول الغلام (الأيفع) (٢) الذي لم يظهر بعد من النساء على عورة، والقول في رضاع الكبير ليس هذا موضعه، والله الموفق. (٥٤) - مسألة: هل يجوز للمؤمنة أن تبدي زينتها للكافرة؟. هذا موضع نظر واختلاف بين العلماء، مبني على الإختلاف في معنى قوله : ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ [النور: ٣١].

стр. 270

فروي عن عمر بن الخطاب ﵁ المنع من ذلك، وكتب إلى أبي عبيدة بن الجراح: بلغني أن نساء أهل الذمة يدخلن الحمام مع نساء المؤمنين، فامنع من ذلك وحُلّ دونه، فإنه لا يجوز أن ترى الذمية عُريَّة المسلم. قال: فعند ذلك قام أبو عبيدة فابتهل وقال: أيما امرأة تدخل الحمام من غير عذر لا تريد إلا أن تبيض وجهها، سوَّد الله وجهها يوم تبيضُّ الوجوه (١). وارتضى أبو حامد الغزالي التسوية بين المؤمنة والذمية الكافرة في جواز ظهور المرأة لهما. والأظهر عندي: المنع لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [النور: ٣١] وهذا نهي مطلق عن الإبداء، لم يخصص أحدًا من أحد، استثني من ذلك [أمران] (٢): أحدهما: الظاهر من الزينة. والآخر: البعولة وآباؤهن، والأبناء وأبناء البعولة، والإِخوة وأبناؤهم، وبنو الأخوات، ونساء المؤمنات المخاطبات بهذا النهي، وما ملكت أيمانهن، والتابعين غير أولي الإِربة، والأطفال.

стр. 271

فالنساء المستثنيات إن تبين فيهن أنهن عموم: المؤمنات والكافرات؛ فالجواز، (وإلا فلا) (*)، وان لم يتبين فيهن ذلك، يعني النهي عن الإِبداء لكل أحد مطلقًا كما كان، فنظرنا في قوله تعالى: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾، فوجدناه يحتمل أن يكون المراد به: المسلمات، أي: نسائهن اللاتي على دينهن، ويحتمل أن يريد أعم من هذا: وهو النساء كلهن، وهو أبعدها، واللفظ نابٍ عنه. فإن كان المراد الأول، فالقول بالمنع ظاهر، وان كانت مجملة لا يتبين المراد منها فكذلك على واحد من هذه الإحتمالات، وهو الذي تشمل الآية به الكافرة بغير دليل لا يجوز (١)، والله أعلم.

стр. 272

(٥٥) - مسألة: المرأة المؤمنة هل يجوز لها أن تبدي للمرأة المؤمنة الأجنبية من جسدها ما ليس بعورة، كالصدر والعنق والبطن والظهر ومراق البطن، أم لا؟. هذا موضع خلاف أيضًا، فمن العلماء مَن يقول: يجوز أن ترى منها ما يراه الرجل من الرجل، ومنهم مَن يقول: لا يجوز، وهي عورة كلها في حق المرأة كما هي في حق الرجل، فلا يجوز لها أن تظهر لرجل ولا لامرأة، هذا مذهب القاضي أبي محمد عبد الوهاب (١) بن نصر المالكي في "شرح الرسالة"، وعلى هذه المسألة انبنى الخلاف في دخولهن الحمام (مستورات) (٢) العورات، إذ لا يجوز إبداء العورة أصلًا، ومنهم مَن يقول: إنما يجوز لها أن تبدي لها، ما تبدي لذوي محارمها من الزينة ومواضعها، وذلك الوجه والكفّان والقدمان سواء كانت المنظور إليها: المبدية لذلك من نفسها حسناء مشتهاة، أو غير حسناء. فأما مَن أجاز لها من ذلك ما يجوز للرجل من الرجل، فيشبه أن يتعلق بقوله تعالى: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾، فيعتقد فيه أن معناه: النساء المؤملات، على ما تقدم في المسألة التي قبلها (٣)، فيقول: يجوز لها أن تبدي من نفسها للمرأة المؤمنة ما شاءت، ويمنع هذا عليه بأن يقال: ليس في الآية [ما يشير

стр. 273

إلى هذا] (١) من قريب أو بعيد، والذي يجوز لها إبداؤه لجميعهم: الوجه والكفان والقدمان، هذا هو مذهب من قال: لا تبدي للمرأة إلا ما تبديه لذوي محارمها. ومما تعلق به أيضًا هؤلاء -أعني المجيزين- إجماع العلماء على أتى المرأة تغسل المرأة كما يغسل الرجل [الرجل] (٢) من غير ضرورة، بخلاف غسل الرجل المرأة، وغسل المرأة الرجل وان كان الرجل ذا رحم للمغسولة، والمرأة ذات محرم (للمغسول) (٣)، فإن هذا يشترط في (جوازه) (*) عدم غاسل للرجل، وغاسلة للمرأة. وهذا أيضًا لا حجة لهم فيه، لأن إطلاق الغسل ليس فيه إطلاق النظر، فقد يكون الغسل فوق ثوب، وأيضًا فإن غسل الميت ضرورة، بخلاف مسألة النظر والبدُوّ من غير حاجة. والأظهو عندي: هو مذهب مَن يقول: تبدي المرأة للمرأة ما تبديه لذوي محارمها، وهي ممنوعة مما زاد عليه. أما امتناع الإِبداء ما زاد (فيما) (٤) تقور عادة من ولوع بعضهن ببعض، على ما سنبين إن شاء الله في باب النظر إليها فهي إذن بتعرضها لم (يكن) (٥) ولوعها بها بمثابة المرأة المبدية للرجل، (فما) (٦) يمكن أن يجرَّ إليه هوى يمتنع، لأنه كالأمرد الذي يمكن أن يجرَّه إليه

стр. 274

أيضًا ببدوِّه، ومع ذلك لا يمنع للإِجماع على أنه لا يجب عليه ذلك، وهو معلوم مستقر، والمرأة عورة، وشياعُ الحسن في النساء أغلب، وهي بنظرها تستثير هوى، وببدوِّها للناظرين تستثير أيضًا كذلك هواها، فهي إذ انظرت نظرت فانفعلت، وليس الأمر في الغلام هكذا، فافترقا، وقد بيَّنَّا هذا فيما قبل. وأما جواز إبداء الوجه والكفين والقدمين، فمن الآية: إذ الذي هو مشترك لجميع مَن ذكر فيها يجوز لها إبداؤه، وذلك: الشعر والعنق، لمن أمرهن معلوم استقراره في كل زمان ومكان، على تزيين بعضهن بعضًا، ومشط بعضهن بعضًا. وهذا لا يرتاب فيه. وقد أسلمت عائشةَ ﵁ أُمُّها إلى النساء فمشطنها وصنعنها (١) حين تزوجها النبي ﷺ ، وقال جابر: إني أردت [امراة تقوم] (٢) بمشطهن؛ يعني: أخواته، وقالت أم عطية: مشطن رأسها ثلاثة قرون (٣)، تعني بنت النبي ﷺ حين ماتت، وأشباه هذا كثيرة.

стр. 275

ولفظ الآية مطلق في النهي عن إبداء الزينة لأحد من الخلق، استثنى منها ما ظهر، وما يشترك فيه المذكورون، وزيادة الشعر والعنق، مما علم عادة من أحوالهق في كل زمان، ومعلوم أن نهيهن عن إبداء الزينة إنما هو لئلا يجوز إبداؤهن إياها، للاستحسان الجالب للهوى، المُوقِع في الفتنة، وذلك موجود فيما بينهق، فاعلمه، والله الموفق. (٥٦) مسألة: دخولهن الحمام مستترات العورات مبنية على هذه، نذكرها هاهنا، فنقول: لا خلاف بين الأمة في منع بعضهن من النظر إلى عورة بعض، ولا في منعهن من تجريد العورات للنساء أمثالهن (كتجريدهن) (١) إياها للرجال، هذا ما لا نزاع فيه، فإذًا إن قدرناهن يدخلن الحمام متجرِّدات العورات، فلا يتخالج أحدًا شك في تحريم ذلك، وتحريم ترك الأزواج لهن يفعلنه، فإنه إقرار على منكر لا خلاف فيه، فإن قدرنا (٢) منهم من تدخل متسترة العورة، ومن تدخل منكشفتها، فكذلك؛ لأنه لا فائدة في استتارها وهي ترى غيرها، أما إذا دخلق مستترات العورات باديات الأجسام: فهل هي في جواز ذلك كالرجل في جواز ذلك لهم؟ هذا موضع للعلماء فيه أربعة أقوال: - بالمنع بإطلاق (*) ويمكن أن يقبل هذا القول لما تحقق من قلة تحفظهن وابداء عوراتهن، فلو قدرنا مستترة لم نعدم، ولعله أيضًا ممن لا يجيز للمرأة النظر إلى جسم المرأة، ما عدا ما قدمنا جواز النظر إليه وإبدائه.

стр. 276

- وقول: بالمنع، إلا لضرورة مرض أو نفاس (١)، أو اغتسال ممتنع في غيره لشدة برد أو غيره، فهذا مع الأول، إلا أنه استثنى حالة الضرورة. - وقول: بالكراهة فقط، وهذا يقول بجواز رؤية المرأة جسم المرأة، وبجواز إبدائها (لها) (٢) أيضًا، ولكنه يكره مخافة ما يتوقع من الإنكشاف. - وقول: بالإِجازة، وهذا ولا بد هنا من قائلة على جواز إبداء المرأة جسمها، وجواز نظر المرأة إلى جسم المرأة مما ليسس بعورة، وكان أسد بن الفرات قد ولي القضاء بعد سنين كثيرة من ولاية أبي محرز محمد بن عبد الله بن قيس بن بيسار بن مسلم الكمات، وكان أسد أوسع منه علمًا، وأغزر فقهًا، وأبو محرز أقل (علمًا) (٣) وأكبر إصلابة إذا حاضره، وكان يوصف من الفضل بما لا يوصف (به غيره) (٤)، فذكر محمد بن (زرزر) (*): أن الأمير زيادة الله بن إبواهيم بن الأغلب، قال لهما يومًا: [ما] (٥) تقولان في دخول الحمام مع (الجواري) (٦)؟ فقال أسد: ما به بأس، هن إماؤك، ونظرك إليهن وإلى فروجهن حلال، فقال أبو محرز: أخطأ، أصلح الله الأمير، إن كان لك أن تنظر إلى عوراتهن فلا يجوز لبعضهن أن ينظرن إلى عورة بعض. والأظهر عندي في هذه المسألة: الجواز إذا قدرنا الإستتار في جميع البدن في جميعهن، والكراهة: أو المنع إذا كان الإستتار لعوراتهن فقط.

стр. 277

وقد رُوِيت في هذا أحاديث لا تصح، نجري على عادتنا في ذكرها ونبين عللها، وقد ككْا ذكرنا الصحيح في دخول الرجال للحمام، وهو حديث (١) ابن عباس في أول الكتاب، فمن الأحاديث المروية في هذا: ١٤١ - حديث عائشة: أن رسول الله ﷺ نهر الرجال والنساء عن الحمامات، ثم رخص للرجال في المئزر (٢). ذكره الترمذي، وأبو داود، وهو حديث لا يصح: لأن في إسناده رجلًا مجهولًا، وهو: عبد الله بن شداد، لم يروِ عنه غير حماد بن سلمة، وهو شيخ من تجار واسط، ذكر ذلك البخاري في تاريخه، عن حماد بن سلمة، وقال عباس الدوري (٣): سمعنا ابن معين يقول: عبد الله بن شداد هو من أهل واسط

стр. 278

من التجار، وكنّاه ابن أبي حاتم (١): أبا الحسن، وحاله مجهولة، ولا يعرف في شيء من الروايات غير هذا الحديث، فما مثله قبل منه مثل هذا الحكم. وأما أبو عذرة الذي (يروي) (٢) [عنه] (٣) عبد الله بن شداد، وهذا عنه عن عائشة، فقالوا: إنه أدرك النبي ﷺ ، كذا قال ابن أبي حاتم الرازي، ومسلم بن الحجاج وغيرهما، ولا يعرف اسمه كذلك. وكذلك حديثها (٤) أيضًا: ١٤٢ - أن نسوة من أهل الشام دخلن عليها، فقالت: لعلكن من الكورة (٥) التي تدخل نساؤها الحمامات؟ قلن: نعم، قالت: أما إنني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من امرأة تضع ثيابها في غير بيتها؛ إلا هتكت ما بينها وبين الله تعالى" (٦).

стр. 279

هذا يرويه أبو المليح، عن عائشة، ولم يسمعه منها، قاله أبو داود، وقال البزار: رأيته في موضعين، عن أبي المليح، عن عائشة، وأحسبه عن أبي المليح، عن مسروق، عنها. ورواه أيضًا: ١٤٣ - معاذ بن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : "أيما امرأة وضعت ثيابها في غير بيت زوجها، فقد هتكت سترها فيما بينها وبين الله تعالى". [رواه] (١) (رشدين بن سعد) (٢)، عن زبّان بن فائد (٣)، عن سهل بن معاذ، عن أبيه، وهؤلاء ضعفاء، ذكر الحديث المذكور: أبو أحمد بن عدي (٤). ومن ذلك: ١٤٤ - حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: أن رسول الله ﷺ قال: "إنما تفتح لكم أرض العجم، وستجدون فيها بيوتًا يقال لها: الحمامات، فلا يدخلنها الرجال إلا بالأزر، وامنعوها [النساء] (٥) إلا مريضة أو نفساء".

стр. 280

هذا لا يصح، لأنه من رواية عبد الرحمن (١) بن زياد بن أنعم، عن عبد الرحمن بن رافع، عن عبد الله بن عمرو، (وعبد الرحمن) بن زياد هو قاضي إفريقية، ضعيف، وأخباره عند المحدثين مشهورة، وصلاحه معروف، ومنهم من يوثقه، وليس ذلك بصواب، فإن (النكارة) (٢) فيما يرويه بيِّنة. (وعبد الرحمن) (٣) بن رافع مجهول الحال، وكل هذه الأحاديث ذكرها أبو داود. ومن ذلك: ١٤٥ - حديث أبي هريرة: من رواية الزهري، عن سعيد بن المسيب، عنه،

стр. 281

قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يدخلن الحمام إلا بمنديل، ولا تدخل المرأة بمنديل ولا بغير منديل" (١). يرويه معلى بن عبد الرحمن الواسطي، عن عبد الحميد بن (٢) جعفر، عن الزهري، ومعلى لا بأس به، إلا أنه انفرد بأحاديث. قال أبو أحمد بن عدي: نا ابن منير، قال: في كردوس، قال: نا معلى، فذكره في بابه. ومن ذلك: ١٤٦ - حديث جابر: أن رسول الله ﷺ قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يُدخل حليلته الحمام، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يُدار عليها الخمر". وهذا أيضًا ضعيفا، لأنه من رواية ليث بن أبي سليم (٣)، وهو وإن كان غير

стр. 282

متهم في صدقه؛ سيىء الحفظ، مضطرب الروايات، وقد حدّث عنه الناس، ذكر الحديث المذكور الترمذي (١).

стр. 283

من ذلك. ١٤٧ - حديث عمر بن الخطاب، قال: أيها الناس! إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقعد على مائدة يُدار عليها الخمر، ومَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام إلا بإزار، ومَن كانت تؤمن بالله واليوم الآخر فلا تدخل الحمام" (١). ذكره ابن سنجر بإسناد فيه ثلاثة مجاهيل. ومن ذلك: ١٤٨ - حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب، قال: قال رسول الله ﷺ "مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام إلا بمئزر! ولا يحل لامرأة أن تدخل الحمام" (٢). وهذا أَيضًا، فإنه من رواية سالم بن عبد الأعلى (٣)، عن نافع، عن ابن عمر، وسالم هو أبو الفيض: كوفي ضعيف، أنكروا عليه ما جاء به:

стр. 284

١٤٩ - عن نافع، عن ابن عمر: أن النبي ﷺ كان إذا أشفق من الحاجة ربط في يده خيطًا (١)، قال البخاري: تركوه. وقد روي أيضًا: ١٥٠ - عن ابن عمر. من رواية محمد بن عبد الملك الأنصاري، عن سالم، عن أبيه، قال: ذكرت الحمامات عند رسول الله ﷺ ، فقال:، هي حرام على أمتي"، قيل: إن فيها كذا وفيها كذا وفيها، فقال: "لا يحل لامرئ منكم (أن يدخلها) (٢) إلا بمئزر، وعلى إثاث أمتي إلا من سقم أو مرض" (٣). ذكره أبو أحمد بن عدي، وهو نهاية في الضعف، فإن محمد بن عبد الملك (٤) هو في عداد المتهمين بالكذب. ومن ذلك: ١٥١ - حديث أبي أيوب الأنصاري: أن رسول الله ﷺ قال: "مَن كان يؤمن

стр. 285

بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام إلا بمئزر، ومَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر من نسائكم فلا (يدخلن) (١) الحمام". ذكره ابن سنجر أيضًا بإسنادين فيهما مجاهيل وضعفاء، وقال فيه: إن عمر بن عبد العزيز بلغه ذلك، فكتب إلى أبي بكر بن محمد بن حزم: أن يسأل عن ذلك محمد بن ثابت بن شرحبيل راويه، فكتب إليه بما قال، فكتب عمر أن يمنع النساء الحمامات، ولا يصح ذلك أصلًا. ومن ذلك: ١٥٢ - حديث أبي سعيد الخدري، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يُدخلنّ حليلته الحمام، ومَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يشرب عليها الخمر".
следующие страницы →