قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يدخلن الحمام إلا بمنديل، ولا تدخل المرأة بمنديل ولا بغير منديل" (١).
يرويه معلى بن عبد الرحمن الواسطي، عن عبد الحميد بن (٢) جعفر، عن الزهري، ومعلى لا بأس به، إلا أنه انفرد بأحاديث.
قال أبو أحمد بن عدي: نا ابن منير، قال: في كردوس، قال: نا معلى، فذكره في بابه.
ومن ذلك:
١٤٦ - حديث جابر: أن رسول الله ﷺ قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يُدخل حليلته الحمام، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يُدار عليها الخمر".
وهذا أيضًا ضعيفا، لأنه من رواية ليث بن أبي سليم (٣)، وهو وإن كان غير
стр. 282
متهم في صدقه؛ سيىء الحفظ، مضطرب الروايات، وقد حدّث عنه الناس، ذكر الحديث المذكور الترمذي (١).
стр. 283
من ذلك.
١٤٧ - حديث عمر بن الخطاب، قال: أيها الناس! إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقعد على مائدة يُدار عليها الخمر، ومَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام إلا بإزار، ومَن كانت تؤمن بالله واليوم الآخر فلا تدخل الحمام" (١).
ذكره ابن سنجر بإسناد فيه ثلاثة مجاهيل.
ومن ذلك:
١٤٨ - حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب، قال: قال رسول الله ﷺ "مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام إلا بمئزر! ولا يحل لامرأة أن تدخل الحمام" (٢).
وهذا أَيضًا، فإنه من رواية سالم بن عبد الأعلى (٣)، عن نافع، عن ابن عمر، وسالم هو أبو الفيض: كوفي ضعيف، أنكروا عليه ما جاء به:
стр. 284
١٤٩ - عن نافع، عن ابن عمر: أن النبي ﷺ كان إذا أشفق من الحاجة ربط في يده خيطًا (١)، قال البخاري: تركوه.
وقد روي أيضًا:
١٥٠ - عن ابن عمر. من رواية محمد بن عبد الملك الأنصاري، عن سالم، عن أبيه، قال: ذكرت الحمامات عند رسول الله ﷺ ، فقال:، هي حرام على أمتي"، قيل: إن فيها كذا وفيها كذا وفيها، فقال: "لا يحل لامرئ منكم (أن يدخلها) (٢) إلا بمئزر، وعلى إثاث أمتي إلا من سقم أو مرض" (٣).
ذكره أبو أحمد بن عدي، وهو نهاية في الضعف، فإن محمد بن عبد الملك (٤) هو في عداد المتهمين بالكذب.
ومن ذلك:
١٥١ - حديث أبي أيوب الأنصاري: أن رسول الله ﷺ قال: "مَن كان يؤمن
стр. 285
بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام إلا بمئزر، ومَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر من نسائكم فلا (يدخلن) (١) الحمام".
ذكره ابن سنجر أيضًا بإسنادين فيهما مجاهيل وضعفاء، وقال فيه: إن عمر بن عبد العزيز بلغه ذلك، فكتب إلى أبي بكر بن محمد بن حزم: أن يسأل عن ذلك محمد بن ثابت بن شرحبيل راويه، فكتب إليه بما قال، فكتب عمر أن يمنع النساء الحمامات، ولا يصح ذلك أصلًا.
ومن ذلك:
١٥٢ - حديث أبي سعيد الخدري، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يُدخلنّ حليلته الحمام، ومَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يشرب عليها الخمر".
стр. 286
وفي إسناده عمر بن صهبان (١)، وخالد بن يزيد المكي (٢)، وهما ضعيفان، ذكره البزار (٣) ﵀.
وأحاديث هذا الباب. على كثرتها لا تصلح، وهي أكثر من أن نجمعها هنا.
ومن أضعفها وأنكرها:
١٥٣ - حديث يرويه محمد بن (عبيد) (٤) الله بن أبي رافع، عن أبيه،
стр. 287
عن جده أبي رافع قال: مرَّ رسول الله ﷺ [على موضع] (١) فقال: "نعم موضع الحمام هذا" (فبني فيه حمام) (٢).
ومحمد بن عبيد الله هذا ضعيف، [ومن] (٣) دونه في الإِسناد ضعيف أيضًا، ولكننا اقتصرنا على التنبيه عليه؛ لأن أبا أحمد في بابه ذكره (٤)، وذكره الترمذي في كتاب العلل، وقال: نا مرة، عن شيخه الذي حدثه وهو عباد بن يعقوب (٥): أنه رآه ودخله. وقال الترمذي: إنه سأل البخاري عنه، فقال: محمد بن عبيد الله بن [أبي] (٦) رافع ذاهب الحديث.
(٥٧) - مسألة: إبداء المرأة ذلك لمن هي منها ذات محرم جائز: لقوله تعالى: ﴿أَو نِسَائِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]؛ فإنه بحكم الظاهر، لا بد من تناوله قريبات المؤمنات، ولا تكون مع أمها أو أختها أسوأ حالًا منها مع أبيها أو ابنها، وإن كان إنما جاز لها بالآية إبداء المشترك، فما زاد عليه لا أعلم فيه خلافًا في حق ذوات محارمها.
أما نظر ذوات محارمها إليه فسيأتي القول فيه في باب نظر النساء إلى النساء، إن شاء الله تعالى.
стр. 288
(٥٨) -[مسألة] (١): العُجَّز القواعد اللاتي لا يرجون نكاحًا، ما حكمهن
في هذا؟:
أبدأ (فأقول) (٢) وبالله التوفيق: بَيّن أن هؤلاء لا زينة عندهن، ولو حملن حليًّا (يكون) عليهن وبالًا، فإن الحلي إنما (حُسْنُه) (*) على حسن العضو الحامل له:
ففي عنق الحسناء يستحسن العقد ...
وبالعكس إذا جمّل عضو عضوًا، كان الأولى به أن يستر (ما قد) (٣) كشف. وكذلك الخضاب، ولكن مع هذا فلا بد من تعلق الشرع، والأصل فيه قول الله : ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ [النور: ٦٠].
فيظهر ما الثياب التي رفع عنهن في وضعها الجناح؟ وأين رفع الجناح عنهن في وضعها؟.
قال قوم: عُني بالثياب: الجلباب والرداء (٤)، هذا قول ابن عباس وابن مسعود، وفي قراءة: "من ثيابهن" (٥) بزيادة "من": وهو قول جماعة من التابعين, قالوا: والإستعفاف بأن لا (يزلنه) (٦) أفضل.
стр. 289
ثم اختلف هؤلاء، أين ذلك؟:
فقال بعضهم: يعني بذلك في الدار والحجرة، لا إذا خرجن (١)، وهذه مبالغة في حقهن، وفي حق النساء الشواب، فإنه إذا كان محل الرخصة في وضع الجلباب والرداء للقواعد [في] (*) الدار والحجرة فالشواب لا يضعن ذلك في الدار والحجرة، وهذا بعيد عن الصحة، بل المرأة في دارها وحجرتها يجوز لها من وضع ذلك ما لا يجوز إذا خرجت، وقد قال رسول الله ﷺ لفاطمة ابنته، ووجدها غير متجلببة ولا (متخمرة) (٢): "لا بأس عليك، إنما هو أبوك وغلامك" (٣).
وقال لفاطمة بنت قيس: "تضعين ثيابك عنده" (٤).
ومنهم مَن قال: إنما تضع ذلك عند أبيها وأخيها وابنها، وهذا أيضًا بعيد: فإنه قد جاز وضع ذلك بحضرة هؤلاء للشواب بنص آية النور، وهي قوله : ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ ...﴾ الآية [النور: ٣١].
هذا قول واحد في الثياب المذكورة.
وقولهم: (بأنه) (٥) الحقو، يعني: الإزار، روي ذلك عن الحسن، وهذا قول
стр. 290
غير صحيح، فإن الآية إنما أباحت وضع ثوب يمكن مع وضعه التبرجُ بالزينة، ممن عندها زينة، لقوله: ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ [النور: ٦٠]، وليس الحكم هكذا، فإن الحقو إذا وضع لم يجز (إبداء) (١) ما كان الحقو ساترًا له (لغير) (٢) بعل أو سيد.
وقول ثالث: الثياب المذكورة هي الخمار والجلباب (٣)، رخص لها أن تخرج دونهما وتبدو للرجال، ولكن إذا كانت من الكبر بحيث (تنبو) (٤) عنها الأبصار وتستقذرة هذا قول ربيعة بن [أبي] (٥) عبد الرحمن، وهذا هو الأظهر، فإن الآية إنما رخصت في وضع ثوب إن وضعته ذات زينة أمكن أن تتبرج بعد وضعه بزينتها، ولا يعدُّ تبرجًا إلا ما كان على الأجانب، فهذا أبيح للعجَّز القواعد وضعه، ولكن بأن لا يقصدن تبرُّجًا، وان كنّ غير محسّنات (٦) نيتهن وقصدهنّ فإنه أيضًا لا يصح منهن التبرج بالزينة، لما هن به من الكبر، فقوله: ﴿أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ [النور: ٦٠] إنما
стр. 291
معناه: أن يضعن ثيابهن التي كان يجب عليهن إدناؤها، إذ كن شواب، من الجلباب والرداء وغيرهما، في هذه الحال التي لا يتصور منهن غيرها، وهي كونهن متبرجات بزينة، لعدم الزينة عندهن بالكبر.
قال بعضهم: لما كان (القواعد؛ أي) (١) ذوات الكبر المفرط لا مذهب للرجال فيهن، أُرحن من [عناء] التستر، (وخُفِّفَ) عنهن (قلة) التحفظ، إذ (علة) وجوبه (منعدمة) (٢).
وأما معنى القواعد، فقيل: هن اللاتي قعدن عن التصرُّف (٣)، وقيل: اللاتي قعدن عن الولد (٤)، وقيل: اللاتي لا يؤبه لهن، بل يستقذرن (٥)، وهذا هو الصحيح الذي خرجت به الآية في قوله: ﴿اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ [النور: ٦٠] أي: قد بلغن من الكبر إلى حدٍّ قُطع رجاؤهن في رضا أحد من الخلق بهن، فاعلم ذلك، والله الموفق.
(٥٩) - مسألة: المجنونة، وإن كان الخطاب ساقطًا عنها، فإنا مطالبون بسترها ما أمكن: وكلما (تَعَرَّت) (٦) (سُترت) (٧) وتُفقدت، ولا تترك بادية العورة، فإن علينا إذا أمرنا بأمر أن نفعل منه مستطاعنا، وها هنا:
١٥٤ - حديث ابن مسعود، قال: "كنت جالسًا مع النبي ﷺ ومعه أصحابه، إذ أقبلت امرأة عريانة، فقام إليها رجل من القوم، فألقى عليها ثوبًا وضمّها،
стр. 292
فتغير وجه رسول الله ﷺ ، فقال بعض أصحابه: أحسبها امرأته، قال النبي ﷺ : "أحسبها غيرة، إن الله ﵎ كتب الغيرة على النساء، والجهاد على الرجال، فمَن صبر (منهن) (١) كان لها أجر شهيد".
وهو حديث يرويه (البزار) (٢)، قال: نا يوسف بن موسى ومحمد بن عمارة بن صبيح، قالا: حدثنا عبيد (بن الصباح) (٣) الكوفي، قال: نا كامل بن العلاء، عن الحكم بن عتيبة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، فذكره.
وقال: وعبيد بن الصباح ليس به بأس، وكامل بن العلاء (٤) مشهور من أهل الكوفة، روى عنه جماعة من الكوفيين، واحتملوا حديثه، على أنه لم يشاركه في هذا الحديث غيره. انتهى كلام البزار.
стр. 293
كامل هذا وثقه ابن معين، وعبيد بن الصباح قال فيه أبو حاتم: ضعيف، ولم يبين علة ضعفه. وقد قال البزار ما تقدم من أنه: ليس به بأس، إلا أن الحديث المذكور غير محتاج إليه في المسألة، ولا أيضًا فيه منها شيء، إلا من حيث مبادرة زوجها إلى سترها، وهذا ما لا شك في أنه لا بد منه.
وكذلك أيضًا:
١٥٥ - حديث ابن عباس: أن امرأة سوداء أتت النبي ﷺ ، قالت: إني أصرع، واني أتكشف، فادعُ الله لي، قال: "إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك" قالت: أصبر، قالت: فإني أنكشف، فادعُ الله أن لا أنكشف، فدعا لها.
وهو حديث صحيح ذكره مسلم (١)، وليس فيه تكليف، ولكنا ذكرناه لئلا يمرَّ خاطر إليه فيظن أنا أغفلنا فيه النظر.
وكذلك أيضًا:
١٥٦ - حديث أبي هريرة: جاءت امرأة بها طيف، فقالت: يا رسول الله! ادعُ
الله أن يشفيني، قال:، إن شئت دعوت [الله أن يشفيك] (٢)، وإن شئت فاصبري ولا حساب عليك" قالت: بل أصبر ولا حساب علي.
ذكره ابن أبي شيبة (٣) وهو صحيح، وليس فيه أيضًا شيء مما نحن فيه، فاعلم ذلك.
وقد فرغنا من الفصل الثاني من فصول هذا الباب، وهو فصل الإِناث، بقي الفصل الثالث.
* * *
стр. 294
فصل
[في] (١) الخنثى
(٦٠) - مسألة: الخنثى: إما أن يكون الغالب عليه طباع الرجال، أو طباع النساء، أو مشكلًا يتحرك حركتين ويميل إلى الجهتين، ونعني به مَن له فرجان: فرج رجل، وفرج امرأة: فإن كان الغالب عليه طابع الرجال، فهو رجل يعامل النساء في البدو لهن كما يعاملهن الرجال. وإن كان الغالب عليه طباع النساء، فهو امرأة يعامل الرجال في البدو لهم كما تعاملهم المرأة. وإن كان مشكلًا، لم يبعد أن يتعين (وجوب) (٢) التحفظ من الصنفين، ولأنني لا أعرفه منصوصًا ولا أيضًا هو عندي بالبين حكمه.
وسيأتي في مسألة النظر -إن شاء الله- ذكر معاملته في نظره للصنفين، إن شاء الله بالاحتياط، وقد وجب تفقد هذا الموضع بمزيد مشاهدة بعضهم على ما أصفه، وذلك أنه يوجد منهم مَن لا يشك من يراه في أنه رجل في جميع حركاته وخلقة أعضلائه، ونبات لحيته، فما ينبغي أن يعامل النساء هذا في باب البدو له إلا كما يعامل الرجال، ولو كان في شهوته وحركته مشكلًا، فذلك ما لا يتعين به؛ لأنه عيب في حق مَن تبدو له، وإنما يعتبر ذلك في جهة حقه إذا أراد أن ينظر. وعلى هذا القياس إن كان منهم مَن لا يشكل مَن يراه في أنه امرأة، كذلك فما ينبغي أن يعامله الرجال إلا كما يعاملون النساء في النظر إليهن.
وإن كانت في شهوتها وحركتها وميلها مشكلة، فإن ذلك أيضًا عيب
стр. 295
كذلك، وهل (يُعَدُّ) (١) الثديان دليلًا على الأنوثة كما دلَّ نبات اللحية على الذكورة؟ فيه خلاف، ليس هذا موضع ذكره، وأما مسألة ذكره هو، فيحال فيها على ما يعلم من نفسه، وسيأتي ذكر ذلك في بابه إن شاء الله تعالى، فاعلمه، والله الموفق، وقد فرغنا الآن من الباب الثاني.
* * *
стр. 296
الباب الثالث
في نظر الرجال إلى الرجال
стр. 297
هذا جائز بلد خلاف، ما لم يكن المنظور إليه من جسد الرجال عورة، وما لم يكن المنظور إليه من جنس الرجال أمرد، ونعني به مَن لم يلتحِ بعدُ، أو غلام لم يدرك، ممّن تميل الأبصار إليهم، وتتحرَّك الطباع من بعض الناس إلى الهوى باستحسانهم، فلنرسم في الفصلين (ما) (١) يتعلق بهما من مسائل بعد الفراغ من مقدمة نقدمهاة وهي: (أن) (٢) نقول:
كل ما قررنا (٥) (*) في الباب الذي فرغنا منه، جواز الإِبداء من النساء للرجال الأجانب وللأقارب على ما تفسر، فهل يكون النظر إليه ممّن أُبدي له جائزًا أم لا؟ وكل ما قررنا فيه أنه لا يجوز إبداؤه، وَمَن قررنا أنها لا يجوز لها البدُوّ هل يكون النظر إليه جائزًا أم لا؟.
هذا موضع نظر قد يتخالج فيه الشك، من حيث نقول في بعض المواضع: النظر حرام والبدّو جائز. (فنظر) (٣) الرجل إلى الأمرد -إذا خاف الافتتان به- نقول: حرام عليه النظر، ولم يجب قط على الأمرد التنقيب، ولا حَرُم عليه البدوّ .. ومن حيث نقول أيضًا في بعض المواضع: إنّ النظر غير حرام؛ أي: معفوّ عنه، والبدوّ حرام غير جائزة (كنظرة) (٤) الفجأة فإنها غير حرام؛ أي: لا إثم فيها، والمنظور إليها مأمورة بالتستر.
стр. 298
ولكن الأظهر -وهو الذي أرى عليه نظر الأكثر من الفقهاء- وهو أن كلَّ مكان جاز فيه البدو جاز النظر إليه، وكل مكان حرم [فيه] (١) البدو حرم [فيه] (٢) النظر إليه، لأنا إن قلنا: إن النظر فيه حرام والبدو للناظر جائز، كان إعانةً على الإِثم، وتمكينًا من المعصية، بمنزلة مَن تناول الحرير للباس ممّن لا يجوز له لباسه، والميتة للأكل ممن لا يجوز له أكلها، قال الله : ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].
ولأن المفهوم من الشريعة: أن كل ما جاز إبداؤه إنما جاز إذا كان الأمن،
وما حرم إبداؤه إنما حرم لئلا يقع النظر إليه فيستحق ما (خيف) (٣) [عليه] (٤) من الفتنة.
فمتى أُجيز إبداء شيء فقد أُجيز النظر إليه، ومتى حرم إبداء شيء فالذي لأجله حرم هو خوف النظر إليه.
فالقول بجواز النظر إليه يناقض المنع من إبدائه، ويكون إذا قلنا: إن النظر جائز إلى ما حرم إبداؤه، كأن قد اطلعنا [على] (٥) الحرام وأبحنا الإطلاع على ما لا يحل وإن لم يجز إبداؤه، صار بمثابة العورة التي لا يجوز النظر إليها، لوجب سترها، وهل حرم إبداؤها (إلا) (٦) لكيلا ينظر إليها؟ فتحريم إبدائها يناقض جواز النظر إليها، هذا هو الصحيح عندي، فاعلمه، وبالله التوفيق.
ولنبدأ الآن بالمسائل في هذا الباب، والله الموفق.
стр. 299
(٦١) - مسألة: لا يحل (للرجل) (١) النظر إلى السوءتين من جنس الرجال، هذا ما لا شك ولا خلاف فيه:
وحديث أبي سعيد (٢): نصّ في ذلك، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا تنظر المرأة إلى عورة المرأة" (٣).
وقد قدمنا (٤) أن العورة هي السوءتان، وكل ما يُستحيى منه.
ولم يصح في هذا:
١٥٧ - مرسل عمرو (٥) مولى المطلب: أن رسول الله ﷺ "لعن الناظر والمنظور إليه" (*).
стр. 300
يرويه أبو داود (١): عن أبي السرح، عن ابن وهب، أنا عبد الرحمن بن سلمان، عن عمرو، فذكره .. وعبد الرحمن (٢) هذا أدخله البخاري في الضعفاء، قال أبو حاتم فيه: مضطرب الحديث، وعمرو أيضًا يضعف، وهو مع ذلك لا حاجة إليه.
ولا أيضًا:
١٥٨ - حديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "الناظر إلى عورة أخيه متعمدًا لا يتلاقيان في الجنة" (٣).
قال أبو أحمد بن عدي: نا أبو عروبة، قال: نا مطر بن محمد (السكري) (*)، قال: حدثنا عبد الله بن داود الواسطي، قال: حدثنا الليث بن سعد المصري، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره. قال: ولا أعلم يرويه عن ليث غير عبد الله بن داود (٤)، قال أبو موسى محمد بن المثنى: كان صاحب
стр. 301
سنة، قال أبو أحمد: وهو لا بأس به، كذا قال، وفيه نظر، ولم تثبت عدالته، ولا أعرف حال مطر.
(٦٢) - مسألة: استثني من هذا قطعًا نظر الأبوين، أو (الرابة) (١) وإن كانت أجنبية إلى عورة الرضيع:
وهذا أيضًا لا خلاف فيه، ويمكن أن يقال: إنّ ذينك الموضعين ليسا من الصغير بعورة، وهذا لا يحتاج إلى [تحقيق] (٢) منا، للإكتفاء بالإِجماع، وموضع تحقيقه والإحتياج إليه في باب النظر من الرجال إلى النساء.
(٦٣) - مسألة: أما الأجنبي في النظر إلى ذلك من الصغير، فموضع نظر:
روي عن مالك ما يوهم: أنه للأجنبي أن [ينظر إلى عورة] (٣) ابن سبع سنين ونحو ذلك، قال ابن الجلاب (٤): ابن خمس سنين ونحو ذلك، (وغسل) (*) الرجال الأجانب له يكون بالجواز أحرى، إلا أنه إنما يعني -والله أعلم-، حيث لا يوجد: ذو محرم، أو ذات محرم، وما يتوهَّم من ذلك لا يلزم؛ فإن إطلاق الغسل ليس فيه إطلاق النظر كما في غسل الكبير.
стр. 302
وذهب بعض الفقهاء من الشافعيين إلى أنه ممنوع أن ينظر الأجنبي إلى عورة الصغير وإن كان ابن يومه، (وتأَوَّل) (١) ما لوي من تقبيل النبي ﷺ زُبَيْبَ الحسن والحسين (٢)، على أنه كان وراء ثوب، ومَن يذهب إلى هذا يلتزم في غسله إذا مات ما يلتزم في غسل الكبير من ستره، والخبر الذي تكلف تأويله لا يصح، فلا حاجة إلى النظر فيه.
والذي صحَّ في هذا الباب ليس بنص في المقصود، وهو:
١٥٩ - حديث (أم) (٣) قيس بنت محصن: إذ أتت بابن لها صغير لم يأكل
الطعام إلى النبي ﷺ ، فأجلسه في حجره، فبال على ثوبه.
هذا صحيح، ولكن ليس لانكشاف ذلك منه فيه ذكر، ولا للنظر إليه.
стр. 303
ونرى أنه لا دليل على تحريم النظر إلى ذلك من الصغير الذي لا تميل الطباع إليه، ولا تتحرَّك شهوة للاطلاع عليه، وهو جائز بحكم الأصل، ولا يتناوله قوله: "لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل" (١).
فإن هذا لا يقال له: رجل، ولا ذلك منه عورة، فإنه لا يستحيي من (بدوها) (٢)، والله أعلم.
(٦٤) - مسألة: الغلام الذي قد تميل بعض الطباع إلى استحسانه، يحرم من النظر إلى عورته [ما يحرم من النظر إلى عورة] (٣) البالغ بالأحرى والأولى:
فإنّ النظر إلى وجهه قد يفارق في بعض الأحوال النظر إلى وجه الرجل، ويلتحق بباب النظر إلى وجه المرأة، على ما سيأتي بيانه في هذا الباب إن شاء الله تعالى، فكيف بالنظر إلى العورة منه؟!.
(٦٥) - مسألة: النظر إلى مؤتزر (٤) الغلمان المسبيين، ليعرف منهم من أنبت فيجعل في المقاتلة، ومن لم ينبت فيجعل في الذرية، جائز بحديث عطية القرظي قال:
١٦٠ - كنت من سبي قريظة، فكانوا ينظرون، فمَن أنبت الشعر قتل، ومن لم ينبت لم يقتل، فكنتُ فيمن لم ينبت.
هكذا رواه سفيان، عن عبد الملك بن عمير، عنه.
стр. 304
ورواه أبو عوانة، عن عبد الملك بن عمير، قال فيه:
١٦١ - "فكشفوا عانتي فوجدوها لم تنبت، فجعلوني في السبي".
ذكرهما أبو داود (١).
ورواه حماد بن سلمة بن عبد الملك بن عمير، عن عطية القرظي، قال:
١٦٢ - "لما كان يوم قريظة جَعَل رسول الله ﷺ مَن أنبت [فيمن] (٢) ضُربت عنُقُه، فكنتُ فيمن لم يُنبت، فعُرضتُ على رسول الله ﷺ فخلّى عني" (٣).
قال ابن أيمن: حدثنا عبد الله بن روح، نا (يزيد) (٤) بن هارون، نا (حماد) (*) بن سلمة، فذكره.
стр. 305
ففي رواية حماد كما ترى أن ذلك عن النبي ﷺ ، فارتفع النزاع ووجب المصير إليه.
وينجرُّ القول من هذا إلى مسألة ليست من هذا الغرض، نفردها بالقول، وهي ما إذا ادعى رجل على صبي أنه بالغ ليلزمه غرامة مُتلَفٍ، مما يلزم ذمته، أو أرش (١) جناية وما أشبه ذلك، (فأنكر) (٢) الصبى، (فعلى) (٣) المدعي البيِّنة، فإن قامت البينة عليه من ذلك من جهة إقراره بالبلوغ قبل (تلك) (٤) الدعوى، أو على استكماله (سنًّا) (٥) يكون صاحبها في مستقر العادة بالغًا (بذلك) (٦)، فإن لم تشهد بذلك بينة، فلا يحلفُ الصبي المنكِرُ؛ لأن إحلافنا إياه أنه ليس ببالغ حكم بصحة يمين صغير (لأنا إذا أحلفناه نفينا صغره) (٧)، والصغير لا يصح يمينه .. هكذا نصَّ عليها أَهل العلم، والجارّ لذكرها ها هنا هو أن يقال: فلمَ لا يكشف عن مؤتزره ويستعلم بذلك مغيبه؟.
والجواب أن نقول: هذا ما لا سبيل إليه، ولم ترد شريعة به في غير ما ذكرناه، بخلاف مسائل البيوع في دعوى العيوب، على ما نذكره بعد في باب الضرورة إن شاء الله تعالى.
(٦٦) - مسألة: هل يجوز للرجل النظر إلى فرج نفسه، من غير حاجة إلى ذلك؟:
стр. 306
كرهه بعض الفقهاء، ولا معنى له، ولعله لم يود بالكراهة [المنع] (١) إلا أنه ليس من المروءة، وإلا فلا مانع من جهة الشرع، ويكاد يكون مقطوعًا به، أن ما يجوز (لمسه) (٢) يجوز النظر إليه، فإق قيل: ولعله داخل في قوله ﷺ : " (لا) (٣) ينظر الرجل إلى عورة الرجل".
فالجواب أن نقول: هذا إبعاد وتعسُّف على اللفظ.
والذي لا شك فيه من معناه، إنما هو نظر الرجل إلى عورة غيره من جنسه.
وقوله: " .. ولا المرأة إلى عورة المرأة" (٤) كذلك.
فلو صح حديث بريدة، كَان ذلك منهيًّا عنه، وهو:
١٦٣ - حديث يرويه أبو المنيب عبيد الله بن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال نهى رسول الله ﷺ عن: "مجلسين وملبسين، فأما المجلسان: فالجلوس بين الشمس والظل، والمجلس الآخر: أن تختبئ (٥) في ثوب يفضي بصرك إلى عورتك، (٦) وأما الملبسان: فأحدهما: المصلي في ثوب واحد لا يتوشح به، وأما الآخر: أن يصلي [في] (٧) سراويل ليس عليه رداؤه".
стр. 307
ذكر هذا الحديث أبو أحمد (١)، من رواية أبي ثميلة (*)، وعلي بن الحسن بن شقيق، عن أبي المنيب (٢)، وهو مما (أنكروه) (٣) على أبي المنيب، وقد اختلف أهل العلم فيه فوثقه قوم، وضعفه آخرون، واعتلوا عليه بأحاديث منكرة يرويها.
وأيضًا فإن زيد [بن] (٤) الحباب رواه عن أبي المنيب بإسناده، وقال فيه: ١٦٤ - "أن يحتبي في الثوب فتظهر عورته".
هذا اللفظ ذكره عن زيد بن الحباب: أبو بكر بن أبي شيبة (٥)، وهو يفرج،
стр. 308
وهو وجه التأويل في اللفظ المتقدم، أن يكون معناه: النهي عن أن يحتبي في ثوب بحيث يفضي بصره إلى عورته، فيكون (قصده) (١) أن يطلع عليها مطلع، بدليل قوله في حديث زيد بن (الحباب) (٢): "فتظهر عورته" أي: لغيره.
فَأَمَّا حديث (جبار) (٣) بن صخر، وكان بدريًّا قال:
١٦٥ - سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنا نهينا أن ترى عوراتنا". فإنه من رواية أبي المنذر زهير بن محمد (٤)، عن شرحبيل بن سعد، عنه، وزهير ضعيف يحدث بمناكير، وابن معين يوثقه، ودونه مَن لا يعرف.
ورواه أيضًا:
١٦٦ - شرحبيل بن سعد، [عن] (٥) ابن أبي الزناد (٦)، وهو ضعيف، ولفظه: "نهانا رسول الله ﷺ أن نرى عوراتنا".
стр. 309
ذكر الحديثين أيضًا: أبو أحمد بن عدي (١)، في باب زهير بن محمد.
وعلى أنه لو صح حملناه على: نهينا أن يرى بعضنا عورة بعض.
١٦٧ - وروي عن عكرمة: أنه قال: "اختتن إبراهيم ﵇، ختن نفسه بالفأس، فصرف بصره عن عورته" (٢).
وهذا -كما ترى-[ضعيف] (٣) لا نقلاً ولا صحة معنى، وإنما ذكرتُه لذكرهم إياه. قال أبو الوليد بن رشد: إنما فعل ذلك تكرُّمًا؛ إذ لا حرج على الرجل في النظر إلى عورته (٤). والله أعلم.
стр. 310
(٦٧) - مسألة: كما لا يجوز النظر إلى عورة المؤمن كذلك لا يجوز النظر إلى عورة الكافر، إلا أن يكون مشكوكًا في بلوغه، فينظر إلى مؤتزره: كما تقدم (١)، وهذا ما أعلم فيه خلافًا، وقد اشتهرت هذه القضية، حتى لربما وقع وقاء بعضهم نفسه في الحرب بالإنكشاف.
والمعتمد فيه قوله ﷺ : "لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل" وقد تقدم (٢).
فإن قيل: فما معنى حديث سعد بن أبي وقاص الذي ذكره مسلم، قال:
١٦٨ - كان رجل من المشركين [قد] (٣) أحرق المسلمين، فقال النبي ﷺ لسعد: "ارم فداك أبي وأمي" قال: فنزعت له (٤) بسهم ليس فيه نصل، فأصبت جنبه فسقط فانكشفت عورته، فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت (٥) نواجذه (٦)؟.
قلنا: ضحكه ﵇ لم يكن مما (انكشف) (٧) منه، إنما كان سرورًا بإصابته (وإراحة) (٨) المسلمين منه، ولا فيه أيضًا أن أحدًا منهم أتبعها نظره بعد مفاجأتها لهم، فاعلم ذلك.
(٦٨) - مسألة: كل ما قلنا: إنه لا يجوز أن ينظر إليه الرجل، أو غيره من عورة أو شخص، فإنه لا يجوز أن ينظر إلى المنطبع منه في مرآة أو ماء أو جسم صقيل:
стр. 311
ومن ها هنا لها يجز أن يقال في الزوجين، إذا اختلفا في الإِصابة عند (العيب) (١) والإعتراض: ينظر (إليهما) (٢) في المرآة، وإنما لها يجز ذلك؛ لأن [المرآة] (٣) قد أدّت إلى الناظر من صفة المنطبع فيها، أكثر مما أدَّته المرأة الواصفة لزوجها امرأة أخرى، فقد حرّم الشرع ذلك، وهو دون هذا.
١٦٩ - روى عبد الله بن مسعود، عن رسول الله ﷺ : أنه قال: "لا تباشر المرأة المرأة فتصفها لزوجها كأنه ينظر إليها" (٤).
ولأنه في الحقيقة قد نظر إلى ذلك الشيء بعينه، لكن إما (بانعكاس الأشعة) (٥) أو على وجه آخر مما قيل في سبب الإِدراك، مما ليس على الفقيه اعتباره، فاعلم ذلك.
(٦٩) - مسألة: (ما انكشف) (*) مما لا يجوز كشفه، على قسمين:
стр. 312
أحدهما: ما انكشف لعذر أو بغير قصد ممن انكشف ذلك منه.
والآخر: ما انكشف بكشف مَن وَجَب عليه ستره عاصيًا بذلك، قاصدًا للمعصية.
فالقسم الأول: في تأثيم من نظر إلى ما انكشف لذلك بَيّن.
فأما القسم الثاني: فهل تسقط حرمته بما هتك منه كاشفه بمعصيته، فلا يأثم الناظر إليه، أم لا تسقط، بل تبقى حرمته، وحرمة النظر إليه؟.
نقول: الناظر إليه الواقع بصره عليه لا يخلو من أن يكون ذلك بقصد منه أو بغير قصد، فإن كان بغير قصد فلا إثم، وحكها نظرة الفجأة قد تقدم (١)، وإن كان بقصد منه أثم، وسواء في القسم الأول والثاني، لا يحل له النظر لا إلى ما كشف ولا إلى ما انكشف، والمستند: ما تقدم ذكره من وجوب غض البصر (٢)، ولم يفرق بين حالي المكشوف والمنكشف.
وحديث أبي ذر الذي ذكره الترمذي في هذا لا يصح، قال الترمذي:
١٧٠ - حدثنا قتيبة، نا ابن لهيعة، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن (أبي) (٣) عبد الرحمن الحُبُلي، عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : "من كشف سترًا فأدخل بصره في البيت قبل أن يؤذن له، فرأى عورة أهله، فقد أتى حدًّا لا يحل له أن يأتيه، لو أنه حين أدخل بصره استقبله
стр. 313
رجل ففقأ عينيه ما (غيرت) (١) عليه، وإن مر الرجل على باب (لا ستر له) (٢) غير مغلق، فنظر فلا خطيئة عليه إنما الخطيئة على أهل البيت" (٣).
وعلته بادية، وهي ضعف ابن لهيعة (٤)، ولو صح احتمل أن يكون فيمن نظر فيه بغير قصد، والله أعلم.
(٧٠) - مسألة: ما عدا السوءتين قسمان، منه ما يجوز للرجل أن ينظر إليه من الرجل غير الأمرد قطعًا:
وذلك مَا فوق السرة من الصدر والبطن والعنق والوجه (٥) واليدين، وما دون الركبتين كالقدم والساق، وهذا ما لا خلاف فيه، ومما يمكن أن يكون مستند الإِجماع فيه ما [هو] (٦) لم يزل معلوم الجواز من الإقتصار على الأُزُر في الأعمال كما تقدم من نقله للحجارة في بناء المسجد، حسبما تضمنه حديث مسور (٧) بن
стр. 314
مخرمة، وبجواز دخول الرجال الحمامات بالأزُر، حسبما دلَّ عليه أيضًا حديث ابن عباس (١)، وقد تقدم.
وقد قلنا: إذا كان جائزًا الإِبداء كان جائزًا النظر إليه، لو كان النظر حرامًا والإِبداء جائزًا كان معاونة على المعصية.
(٧١) - مسألة: ما بين الركبة والسرة مما عدا السوءتين، كالفخذ ونحوها:
إن قلنا: لا يجوز إبداؤه، لم يجز النظر إليه، وإن قلنا: جائز إبداؤه، أو مكروه، فالنظر إليه كذلك، وقد تقدم ذكر حكم إبدائه في الباب الذي قبل هذا.
(٧٢) - مسألة: قد قلنا في نظر الرجل إلى عورة الرجل، وفيما إذا لم يكن المنظور إليه عورة، فلنقل الآن فيما إذا كان المنظور إليه أمرد، أي: مدركًا لم يلتحِ، أو غلامًا، أي غير مدرك، هل يجوز النظر إليه أم لا يجوز؟.
هذا فيه عند الفقهاء تفصيل، وذلك:
أنه يحرم في موطنٍ بالإِجماع، ويجوز في موطنٍ بالإِجماع، ويختلف فيه في موطن.
فالأول: هو أن يقصد بالنظر إليه التلذذ وإمتاع حاسة البصر بمحاسنه، بحيث يكون متعرِّضًا لجلب الهوى، وولوع النفس الموقع له في الإفتتان، هذا (مما) (٢) لا خلاف في تحريم النظر إليه [بل يحرم بالإِجماع أن يقصد إلى ذلك] (٣).
стр. 315
والثاني: هو أن ينظر إليه غير قاصد اللذة، وهو مع ذلك آمن من الفتنة، فهذان شرطان: عدم قصد الإلتذاذ، وعدم خوف الإفتتان، فهذا لا خلاف فيه أنه لا إثم عليه في هذا النظر الواقع منه في هذا الموطن، ويكون حينئذ بنظره إليه بمثابة من ليس له أرب في النساء من الرجال، يجوز له من النظر إليهم ما يجوز لذلك من النظر إليهن، على ما سنبين إن شاء الله تعالى في باب نظر الرجال إلى النساء.
الثالث: هو أن يتوفَّر له أحد هذين الشرطين دون الآخر، وذلك أن يفوته قصد الالتذاذ فينظر لا بقصد الإلتذاذ، فهذا أحد شرطي الجواز، وتأخر الشرط الآخر الذي هو عدم الخوف، بل خاف الافتتان واختلاف الهوى بالنظر بما يعلم من نفسه من أنها ربَّما تحركت، فهذا موضع الخلاف.
فمن الفقهاء مَن يقول: النظر إليهم في حق هذا حرام؛ لأنه حينئذ كالمرأة في حقه يحرم عليه من النظر إليه ما يحرم عليه من النظر إليها، فإن خاف الافتتان بها كان المتقرر شرعًا -من وجوب غض البصر- معلوم التعليل، بصيانة النفس عن الهوى الموقع في المعاصي (والفواحش) (١)، وهذا مقطوع به على حدِّ ما يقطع، فإن القصاص مشروع للزجر عن سفك الدماء، وبأن الزنى منهي عنه، مرجوم فاعِلُه، حفظًا للأنساب، فإن شرع الرجم فيه للزجر عنه، كذلك الأمر بغضِّ البصر لم يقع تعبُّدًا، أعني: غير معقول المعنى، بل معروف المغزى، متقرر المعنى، وهو أن البصر رائد القلب، جالب الأحوال إلى النفس، (فحينئذٍ) (٢) شرع ذلك، وحماه بتحريم النظر إلى ما يوقع في الفتن نعوذ بالله منها. وتلقى من هذا ما لم يزل موجودًا من الإفتتان بهم على حد الإفتتان بالنساء.
стр. 316
١٧١ - وقد روي: عن جابر، عن النبي ﷺ : أنه قال: "إن أكثر، وإن أخوف ما أخاف على أمتي عمل قوم لوط" (١).
وهذا الحديث وإن لم يصح إسناده، فإن في الوجود ما يصدق بعض ما فيه، وهو حديث ذكره البزار، قال: نا عمرو بن يحيى بن عفرة البجلي، قال: نا عبد الوارث بن سعيد، قال: نا القاسم بن عبد الواحد، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر ... فذكره.
قال: ولا نعلم رواه عن ابن عقيك إلا القاسم، والقاسم روى عنه: عبد الوارث
وهمام. انتهى قوله.
القاسم هذا سئل أبو حاتم عنه، فقال: يكتب حديثه، قيل: يحتج به؟ قال: يحتج بشعبة وسفيان.
стр. 317
وقد روى هذا الحديث عن القاسم المذكور: همام بن يحيى، كما رواه عبد الوارث بن سعيد.
وكذلك:
١٧٢ - حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "والذي بعثني بالحق لا تنقضي هذه الدنيا حتى يقع الخسف (والقذف) (١) والمسخ"، قالوا: ومتى ذلك يا نبي الله [بأبي أنت وأمي] (٢)؟ قال: "إذا رأيت النساء ركبن السروج، وكثرت القينات، وفشت (٣) شهادة الزور، [وشرب المصلون بآنية أهل الشرك: الذهب والفضة] (٤)، واستغنى الرجال بالرجال والنساء بالنساء" (٥).
هذا هو أيضًا حديث ضعيف كذلك؛ لأنه من رواية سليمان بن داود اليمامي (٦)، عن ابن أبي كثير، عن أبي سلمة، عنه، وهو ضعيف.
стр. 318
(قلت) (١): وقد صحَّتِ الأخبار بالنهي عن مباشرة الرجل الرجل، والمرأة المرأة (٢)، وعن أن يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب، والمرأة إلى المرأة (٣) كذلك، وعمل المكامعة (٤).
ومن ذلك:
١٧٣ - حديث سمرة بن جندب في النهي عن أن يضطجع الرجل إلى جنب
الرجل إلا وبينهما ثوب (٥).
وحديث عبد الله بن عمرو في الأمر بالتفريق بين الغلمان في المضاجع إذا بلغوا عشر سنين (٦).
стр. 319
وغير هذا مما تعضده الوجوه (المترتب [عليها] القول) (١) بالمنع من النظر عند الخوف من الفتنة.
ومن الأحاديث الواردة في هذا الباب -مما يمكن أن يتعلق بها هؤلاء المانعون- حديث يرويه:
١٧٤ - عبد الرحمن بن واقد، عن عمرو بن أزهر، عن أبان، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تجالسوا أبناء الملوك، فإن الأنفس تشتاق إليهم (ما لا) (٢) تشتاق إلى الجواري (العواتق) " (٣).
هذا إسناده في غاية الضعف، وأبان المذكور فيه هو ابن أبي (عياش) (٤)، وهو أشهرهم برواية المنكرات، وكان مع هذا رجلًا صالحًا. ذكر هذا الحديث أبو بكر بن ثابت الخطيب (٥) في باب أحمد بن (هاشم) (٦) الحربي.
стр. 320
ومن ذلك:
١٧٥ - حديث يرويه عمر بن عمرو الطحان، عن سفيان الثوري، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "لا تملؤوا أعينكم من أبناء الأغنياء، (فإن) (١) لهم فتنة أشد من فتنة العذارى".
وفي رواية: "لا تجالسوا أبناء الأغنياء، فإن لهم شهوة كشهوة النساء" (*).
وليس دون الثوري في إسناد هذا الحديث من يلتفت [إليه] (٢)، وعمر بن عمرو أبو حفص الطحان العسقلاني، هو في عداد مَن يضلع الحديث، قال أبو أحمد بن عدي الجرجاني: وهو ذكر هذا الحديث فيما ذكر له، فهو لا يصح أصلًا.
ومن ذلك:
١٧٦ - [حديث] (٣) يرويه خَطَّاب بن يسار الحراني، قال: نا بقية، عن