١٧١ - وقد روي: عن جابر، عن النبي ﷺ : أنه قال: "إن أكثر، وإن أخوف ما أخاف على أمتي عمل قوم لوط" (١).
وهذا الحديث وإن لم يصح إسناده، فإن في الوجود ما يصدق بعض ما فيه، وهو حديث ذكره البزار، قال: نا عمرو بن يحيى بن عفرة البجلي، قال: نا عبد الوارث بن سعيد، قال: نا القاسم بن عبد الواحد، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر ... فذكره.
قال: ولا نعلم رواه عن ابن عقيك إلا القاسم، والقاسم روى عنه: عبد الوارث
وهمام. انتهى قوله.
القاسم هذا سئل أبو حاتم عنه، فقال: يكتب حديثه، قيل: يحتج به؟ قال: يحتج بشعبة وسفيان.
стр. 317
وقد روى هذا الحديث عن القاسم المذكور: همام بن يحيى، كما رواه عبد الوارث بن سعيد.
وكذلك:
١٧٢ - حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "والذي بعثني بالحق لا تنقضي هذه الدنيا حتى يقع الخسف (والقذف) (١) والمسخ"، قالوا: ومتى ذلك يا نبي الله [بأبي أنت وأمي] (٢)؟ قال: "إذا رأيت النساء ركبن السروج، وكثرت القينات، وفشت (٣) شهادة الزور، [وشرب المصلون بآنية أهل الشرك: الذهب والفضة] (٤)، واستغنى الرجال بالرجال والنساء بالنساء" (٥).
هذا هو أيضًا حديث ضعيف كذلك؛ لأنه من رواية سليمان بن داود اليمامي (٦)، عن ابن أبي كثير، عن أبي سلمة، عنه، وهو ضعيف.
стр. 318
(قلت) (١): وقد صحَّتِ الأخبار بالنهي عن مباشرة الرجل الرجل، والمرأة المرأة (٢)، وعن أن يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب، والمرأة إلى المرأة (٣) كذلك، وعمل المكامعة (٤).
ومن ذلك:
١٧٣ - حديث سمرة بن جندب في النهي عن أن يضطجع الرجل إلى جنب
الرجل إلا وبينهما ثوب (٥).
وحديث عبد الله بن عمرو في الأمر بالتفريق بين الغلمان في المضاجع إذا بلغوا عشر سنين (٦).
стр. 319
وغير هذا مما تعضده الوجوه (المترتب [عليها] القول) (١) بالمنع من النظر عند الخوف من الفتنة.
ومن الأحاديث الواردة في هذا الباب -مما يمكن أن يتعلق بها هؤلاء المانعون- حديث يرويه:
١٧٤ - عبد الرحمن بن واقد، عن عمرو بن أزهر، عن أبان، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تجالسوا أبناء الملوك، فإن الأنفس تشتاق إليهم (ما لا) (٢) تشتاق إلى الجواري (العواتق) " (٣).
هذا إسناده في غاية الضعف، وأبان المذكور فيه هو ابن أبي (عياش) (٤)، وهو أشهرهم برواية المنكرات، وكان مع هذا رجلًا صالحًا. ذكر هذا الحديث أبو بكر بن ثابت الخطيب (٥) في باب أحمد بن (هاشم) (٦) الحربي.
стр. 320
ومن ذلك:
١٧٥ - حديث يرويه عمر بن عمرو الطحان، عن سفيان الثوري، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "لا تملؤوا أعينكم من أبناء الأغنياء، (فإن) (١) لهم فتنة أشد من فتنة العذارى".
وفي رواية: "لا تجالسوا أبناء الأغنياء، فإن لهم شهوة كشهوة النساء" (*).
وليس دون الثوري في إسناد هذا الحديث من يلتفت [إليه] (٢)، وعمر بن عمرو أبو حفص الطحان العسقلاني، هو في عداد مَن يضلع الحديث، قال أبو أحمد بن عدي الجرجاني: وهو ذكر هذا الحديث فيما ذكر له، فهو لا يصح أصلًا.
ومن ذلك:
١٧٦ - [حديث] (٣) يرويه خَطَّاب بن يسار الحراني، قال: نا بقية، عن
стр. 321
(الوازع) (١)، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: "نهى رسول الله ﷺ أن يحدَّ الرجل النظر إلى الغلام الأمرد" (٢).
وهذا أيضًا غاية في الضعف، وليس في إسناده أحسن حالًا من بقية (٣)، على ضعفه وكثرة النكارة في حديثه، لا سيما إذا روى عمن لا يعرف.
والوازع بن نافع ليس بثقة، وفي بابه ذكر أبو أحمد هذا الحديث.
ومنه مَن يقول بالإِباحة مطلقًا لعموم القضية المتقررة من عدم أمرهم بالتنقب والإستتار، لئلا يلحق (الرجال) (٤) بالمنع، مع كره المخالطة، ولكن مع الإِباحة إذا أحس بها حسًّا، أو حركة نفس، حرم التمادي؛ لأن الإِلحاح فيه دال على العمل بمقتضى (ثوران) (٥) الهوى.
стр. 322
ومن الأحاديث التي يمكن (أن) (١) يتعلق بها هؤلاء المبيحون:
١٧٧ - حديث مرسل: رواه أبو حفص بن شاهين بإسناد مجهول، إلى أبي أسامة حماد بن أسامة، عن مجالد، عن الشعبي، قال: قدم وفد عبد القيس على رسول الله ﷺ وفيهم غلام أمرد، ظاهر الوضاءة، فأجلسه النبي ﷺ وراء ظهره، وقال: "كان خطيئة داود النظر" (٢).
قالوا: فلم يأمره بالإحتجاب، (فدل) (٣) على إباحة النظر.
وهكذا ذكره الغزالي حجة لهم، وهو لا حجة لهم فيه على الأمر، لضعفه،
стр. 323
فإن من دون أبي أسامة لا يعرف، ومجالد (١) ضعيف. وهو مع ذلك مرسل، ولأنه ليس فيه الإِباحة التي ذهبوا إليها في محل النزاع، وهو ما إذا كان لا يأمن الفتنة، وإن توفَّر الشرط الآخر الذي هو عدم قصد الإلتذاذ ها هنا كان النزاع، وإنما لم يلزم أن يأمره بالتنقب؛ لأن الناس مغيبو السرائر، والأكثر لا يقصد الإلتذاذ بالنظر إليهم، ولكنهم يخافون الإفتتان بهم، فهؤلاء حكمهم جواز النظر بإجماع، والذين لا يقصدون الإلتذاذ بالنظر إليهم، ولكنهم يخافون الإفتتان بهم أَقل، وهذا محلُّ النزاع، والذين يقصدون الإلتذاذ بالنظر إليهم، ويخافون الإفتتان بهم أقل من الجميع، وحكمهم تحريم النظر بإجماع.
فلما كان الناس في الأزمان: المقبلة، والماضية، والحاضرة، منقسمين (هذا) (٢) الانقسام في الناظرين، والحرج لاحِقٌ بالمنع من النظر، أو بالأمر (بالتنقب) (٣)، مع كره الملابسة والمخالطة، والناس كلهم غلمان قبل أن يكونوا رجالًا، نزلت القضية (مبيحة) (٤)، فلم يَأمر بتنقب، ولا منع من نظر، لا سيما في زمانه.
والذين بحضرته أفضل الصنف وخيره ﵃، فوجب العمل بالمتقرر من وجوب غضِّ البصر عمَّا يجوز النظر إليه.
(نقول) (٥) هذا كله مما للقائلين بالتحريم أن يقولوه لو صح الخبر.
стр. 324
ومن ذلك:
١٧٨ - حديث رواه أحمد بن [عمر بن] (١) عبيد الريحاني، وهو أحد المجهولين، قال: سمعت أبا البختري القاضي، واسمه وهب بن وهب (يقول) (٢): كنت أدخل على الرشيد وابنه القاسم بين يديه، فكنت أُدمن النظر إليه، فقال: أراك تُدمن النظر إلى القاسم، أتريد (٣) أن تجعل انقطاعه إليك؟ قلت: أعيذك بالله يا أمير المؤمنين أن ترميني بما ليس فيَّ، وأما إدماني في النظر، فإن جعفر الصادق حدثني عن أبيه، عن جده علي بن الحسين، عن أبيه، عن جده علي بن أبي طالب ﵃، قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاث يزدن في قوة النظر (٤): النظر إلى الخضرة، وإلى الماء الجاري، وإلى الوجه الحسن".
وهذا حديث لا يختلف العلماء في ضعفه؛ لأن أبا البختري متهم عندهم بوضع الحديث، ولو صح هذا الحديث لما كان فيه من (...) (٥) شيء، فإن الوجه الحسن من الزوجة والأمة ينزّل الخبر عليهما نزولًا صحيحًا.
والحديث المذكور ذكره الخطيب (٦)، في باب أحمد بن عبيد المذكور.
стр. 325
فأما حديث جابر في هذا فلا يصح، قال أبو نعيم (١) الحافظ في كتابه في رياضة المتعلمين:
١٧٩ - حدثنا ابن محمد بن حيان قال: نا محمد بن يعقوب، نا ابن أبي فديك (٢)، نا جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : "النظرة إلى الخضرة، والوجه الحسن، يزيدان في [البصر] (٣) ".
هذا موقوف، وهو:
١٨٠ - "ثلاث تجلو (٤) البصر: النظرة إلى الخضرة، والإثمد عند النوم، والوجه الحسن" (٥).
стр. 326
والذي روي عنه مرفوعًا إلى النبي ﷺ نصُّه:
١٨١ - "أن رسول الله ﷺ كان يحبُّ أن ينظر إلى الخضرة، والماء الجاري" (١).
فليس له مدخل في هذا الباب، وما منها شيء صحيح.
والقول الأول أظهر في حق الخائف، العديم من نفسه بالتحرُّك؛ لأنه الجاري على نظام الشرع في تحريم النظر. قال الله : ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠].
وقد قلنا: إن من المتيقَّن: أن النظر إنما حرم في محل الإِجماع حذرًا من الفتنة، كما حرم الزنى حذرًا من اختلاط الأنساب، وشرب الخمر توقيرًا للعقل، فإذا كان كذلك وجب غض البصر على كل خائف وحرم عليه أن يرسل طرفه في مواقع الفتن، فإنه إذا فعل ذلك رأى الذي لا كُلّه هو قادر عليه، ولا عن بعضه هو صابر، وصار الغلمان في حقه حينئذ بمثابة النساء في حق الغَزل المُولع بهن -فيجب أن يحرم عليه من النظر إليهم ما يحرم على الآخر من النظر إليهن بلا فرق، وعلى توقير ذلك والحذر منه درج العلماء وأهل الفضل منهم.
стр. 327
وأعلى مَن روى عنه في ذلك شيء: عمر بن الخطاب ﵁، ولا يصح ما روي عنه من ذلك، وهو:
١٨٢ - [ما] (١) رواه سهل بن أسلم، قال: قال عمر بن الخطاب: "ما أنا على عالم من سَبُع ضارٍ بأخوف عليه من غلام أمرد" (٢).
وإنما لا يصح هذا للجهل برواته.
وروي أيضًا عن سعيد بن المسيب: أنه قال: "إذا رأيتم الرجل يلحُّ بالنظر إلى الغلام فاتهموه" (٣).
وروي: عن أبي علي الروذباري (٤) قال: سمعت (الجنيد) (٥) يقول: جاء رجل إلى أحمد بن حنبل ومعه غلام حسن الوجه، فقال له: من هذا؟ فقال: ابني، فقال أحمد: (لا يجيء) (٦) معك مرة أخرى، فلما قام قال له محمد بن
стр. 328
عبد الرحمن (١) الحافظ: أيد الله الشيخ، إنه رجل مستور، وابنه أفضل منه، فقال أحمد بن حنبل: الذي قصدنا إليه ليس يمنع منه سترهما، على هذا رأينا أشياخنا، وبه خبرونا عن أسلافنا.
وفي رواية عنه: أنه قال: لا يأثم الناس فيك.
وكان ابن معين لا يحضر مجلسه غلام، وكذلك الحارث بن مسكين، وكذلك يقول النسائي ﵀ في كتابه، في روايته عن الحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع قال: أنا فلان، ولا يقول: نا ولا أخبرنا، وذلك أنه لم يحضر
مجلسه حين القراءة عليه إلا محجوبًا؛ لأنه كان صغيرًا (٢)، فسمع من وراء حجاب: جِدَارٍ أَوْ بابٍ، فتحرّى وتحرج من أن يقول كمن (٣) حضر.
وروى يعقوب بن سماك، قال: كنا عند أبي نصر بشر بن الحارث الحافي (٤)، فوقفت عليه جارية ما رأينا أحسن منها، فقالت: يا شيخ! أين مكان باب حرب؟ فقال لها: هذا الباب. قم جاء غلام ما رأينا أحسن منه، فسأله عن مثل ذلك فأطرق، فأعاد السؤال، الشيخ عينيه، فدللنا الغلام على
стр. 329
الباب، فلما غاب قلنا: يا أبا نصر! سألتك الجارية فأجبتها، (واستعففت) (١) للغلام؟! فقال: يروى عن سفيان الثوري: أنه قال: مع الجارية شيطان، ومع الغلام شيطانان، فخشيت على نفسي من شيطانيه.
فإن قيل: فكيف بما روى سعيد بن سليمان سعدويه (٢)، قال: نا عباد بن العوام، عن الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري: أنه كان إذا رأى الشباب، قال: مرحبًا بوصية رسول الله ﷺ ، أُمِرنَا أن نحفّظكم الحديث، ونوسِّع لكم في المجالس. وهو حديث صحيح، رواه أبو جعفر محمد بن عبد الله بن سليمان المعروف (بمطين) (٣)، عن سعدويه بالإِسناد المذكور، وكلهم ثقات؟.
قلنا: كل ما قررناه في هذا الباب من ترجيح منع النظر، ووجوب غضِّ البصمر، إنما هو في حق الخائف من الفتنة، وليس في الحديث المذكور ما يناقض ذلك، وفي هذا الباب كثير من هذا المعنى اخترتُ منه يسيرًا دالًا على المقصود، ليكون متضمّنًا من الحديث وكلام العلماء بعض ما فيه، كسائر ما تقدم، والله الموفق.
* * *
стр. 330
الباب الرابع
في نظر النساء إلى النساء
стр. 331
(٧٣) - مسألة: نظر المرأة إلى عورة المرأة التي هي السوءتان [حرام] (١):
وهذا (مما) (٢) لا خلاف فيه. وأما ما بين السرة والركبة، فمبني على ما تقدم، من كونهما عورة، أو أنهما ليسا بعورة، وقد تقدم (٣) حديث أبي سعيد الخدري، فيه: "لا يَنْظُر الرجل إلى عورةِ الرجُل، ولا تنظر المرأة إلى [عورة] (٤) المرأة".
(٧٤) - مسألة: نظر المرأة إلى ما عدا العورة من المرأة:
إن قلنا: إن المرأة ليست كلها عورة، أو فرقنا بين (حالها) (٥) مع الرجل، وحالها مع المرأة- (فيه) (٦) الخلاف، [وهو] (*) مبني على ما تقدم ذكره مما يجوز للمرأة أن تبديه للمرأة مما عدا العورة.
فمَن قال هناك: يجوز بإطلاق، يقول هنا: يجوز النظر إليه بإطلاق.
ومَن قال هناك: لا يجوز لها أن تبدي شيئًا سوى ما تبديه للرجال الأجانب -وهي عورة كلها- لم يجز ها هنا للناظرة أن تنظر إلى شيء مما عدا العورة
стр. 332
(إلا إلى) (١) ما يجوز للرجال الأجانب أن ينظروا إليه، وبيان ما يجوز للرجال
أن ينظروا إليه من النساء يأتي في باب: نظر الرجال إلى النساء.
ومَنْ قال هناك -أعني فيما تقدم-: يجوز لها أن تبدي للمرأة ما يجوز أن تبديه لذوي المحارم، أخذًا من قوله تعالى: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]، يقول ها هنا: يجوز إلى المرأة أن تنظر مشتهاة كانت أو غير مشتهاة، ما لم تكن (رضيعًا) (٢) ونحوها.
أما الصغيرة، فلا شك في جواز النظر إلى ما عدا عورتها مطلقًا، أما إلى عورتها فالأبَوَان (والرَّابة) (٣) في ذلك بخلاف الأجنبيات، وهو موضع نظر، وسنذكرها مسألة برأسها إذا فرغنا من هذه إن شاء الله تعالى، وإنما الغرض الآن: نظر المرأة إلى ما عدا السوءتين من المرأة، وقد حكينا الآن فيه اختلافهم، وعندي فيه استدراك (فلنبحثه) (٤) حتى يظهر مكان الإستدراك، وهي ثلاثة أقوال:
- قول بجواز النظر إلى ما عدا السوءتين: من البطن والصدر والعنق والظهر والوجه والشعر والكفين والمعصمين والقدمين والساقين مطلقًا، ويشبه أن يكون المحكي عن الحنفية موافقًا لهذا باعتبار ما بين السرة والركبتين عورة، وذلك أن القدوري (٥) قال: وتنظر المرأة من المرأة إلى ما يجوز للرجل أن ينظر إليه من الرجل.
стр. 333
وقد كان قدم: أن الرجل ينظر من الرجل إلى جميع بدنه، إلا ما بين سرته وركبته.
- وقول بالمنع مطلقًا: هكذا حكي عن عبد الوهاب (١) بن نصر المالكي، ومعناه: أنها لا تنظر منها إلا إلى ما ينظر منها الأجنبي.
- وقول: بجواز النظر من ذلك إلى ما ينظر إليه منها ذو محرمها.
وعندي: أنه يجب أن يُدرأ في هذا الباب من التقسيم، ما أوثر في مسألة نظر الرجل إلى الغلام، وذلك لأن العادة استقرت -متقررة- بانقسام النساء إلى مَن لها ولوع بالشواب الحسان يجرُّ إلى الهوى الموقع في الفاحشة المحرّمة، على حد ولوع بعض الرجال بالغلمان الجارِّ إلى الهوى المُوقع أيضًا في (فاحشة) (٢) اللياطة والسحاق، [وروي] (٣) عن النبي ﷺ [فيهما أحاديث] (*)، ولا أعلم منها صحيحًا، وليس هذا بموضع ذكرها، فإنها ليست من غرضنا .. [وإلى مَن لا ولوع لها بالشواب الحسان] (**).
وإذا تقرر هذا، وَجَبَ أن يُراعى في نظر المرأة إلى المرأة، من قصد الإلتذاذ وعدمه، وخوف الإفتتان وعدمه، ما روعي في نظر الرجل إلى الغلام، فنقول: إن قصدت الإلتذاذ بالنظر إليها حَرُم النظر كذلك سواء، وقصد
стр. 334
الإلتذاذ كافٍ في جلب التحريم، فإن خافت مع ذلك الإفتتان اشتد الأمر (وها هنا الإِجماع) (١) معلوم، وإن هي لم تقصد الإلتذاذ فلا يخلو من أَحد أمرين: إما أن تكون تعلم من نفسها أنها إن نظرت ربما استحسنت، وربما علقت النفس بهوى، وعلمت طاعة نفسها لهواها، وتحقق خوفها، أو لا تكون هكذا، فإن لم تكن كذلك بل هي بالنظر إلى المرأة آمنة من الإفتتان غير خائفة، هذه يجوز لها النظر إلى الوجه والكفين والقدمين والشعر (والعنق) (٢) إجماعًا، ونظرها حينئذ إلى ذلك كنظرها إلى الشاة والبقرة والظبية المستحسنة، بل كنظرها إلى ابنتها، أعني: حيث (خمدت) (٣) طبيعتها عن ثوران شهوتها بالنسبة إلى البنت.
أما إن خافت بنظرها ما ذكرناه، وعلمت من نفسها ما وصفناه ها هنا، كان فيما بين الرجل والغلام قولان: قول بالجواز، فإن نظر وخاف أمسك، وقول بالمنع بإطلاق، وتكون الأقوال ها هنا ثلاثة:
- قول بجواز النظر بإطلاق: فإن خافت بعد (إمعان) (*) النظر أمسكت، كأحد القولين في نظر الرجل إلى الغلام كَأَنَّها لم تقصد اللذة، ولعل ما تخافه لا يقع، ولكنها إن خافت بعد النظر كفت.
- والقول الثاني: أنها لا يجوز لها من النظر إلا ما جاز إلى المحرم من ذات محومه، فإن نظرت إلى ذلك وتحرك منها ما يخيفها من الفتنة امتنع.
- والقول الثالث: منعها من النظر إلى ما ينظر إليه الرجل الأجنبي، فإذا نظرت إلى ما ينظر إليه الأجنبي فتحرك [منها داعية] (٤) أمسكت.
стр. 335
والمعتمد في هذا الباب هو ما قُطع به، من أن مقصود الشرع بتحريم النظر وإيجاب غضِّ البصر، هو صيانة النفس عما تثيره دواعي الهوى، الموقع في الفواحش، فيراعى ذلك في الفتوى، فإذا (تزينت) (١) المرأة في الاستفتاء عمَّا يجوز لها من النظر، أحيلت على ما تعلم من نفسها، فإن كانت تخاف الفتنة امتنع عليها النظر، كما أخبرنا في مسألة نظر الرجل إلى الغلام سواء، ولا فوق، قال الله : ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور: ٣١].
وهذا مطلق في نظرهن إلى الرجال والى النساء، والله الموفق، وقد تقدَّم في باب ما تُبديه المرأة للمرأة مسألة دخولهن الحمام بما يغني عن الإِعادة، فاعلمه.
(٧٥) - مسألة: أما نظر المرأة إلى عورة الصغيرة:
يجب التفصيل فيه، فإن كانت الناظرة أُمًّا أو (رابّة) (٢) عن أم، فجواز النظر إلى ذلك لمكان الضرورة في زمان التربية بيِّن، أما ما فوق زمان التربية، فهل يجوز نظر الأم إلى ذلك من ابنتها، لغير حاجة أم لا؟ موضع نظر.
والأظهر: الإِباحة ما دامت صغيرة غير مشتهاة لغيرها، والمنع إذا كانت مراهقة ونحوها، ولا أعرف لهم فيه نصًّا بالإِباحة.
وقد نص الغزالي على أن النظر إلى فرج الصغيرة ممنوع، ولم يفرق بين أم ولا غيرها، ولا بين (المراهقة) (٣) ولا غيرها. وليس بصحيح استقراء ذلك، أعني الإِباحة من قول أشهب وابن دينار: أن الرجل الأجنبي يغسل الصغيرة بنت أربعة أعوام وخمسة ما لم تكن تُشتهى، بأن يقال: إذا جاز للرجل، فما أجوزه للمرأة لا سيما للأم، وإنما لم يكن هذا الإستقراء صحيحًا؛ لأن غسل الرجل صغيرة
стр. 336
إنما هو محل الضرورة حيث لا توجد امرأة، ولا أيضًا (جاز) (١) له بقولهما: إنه يغسلها، إنه ينظر إلى عورة، كما إذا غسل الرجل الرجل، لا ينظر منه إلى عورة.
(٧٦) - مسألة: فإن كانت المرأة أجنبية، ولم تكن (رابَّة) (٢)، فهل يجوز لها أن تنطر من الصغيرة إلى السوءتين أو إحداهما؟:
هذا موضع نظر أيضًا، وقد قلنا كيف نص الغزالي على ذلك مطلقًا.
ويمكن عندي أن يقال في التي هي من الصكغر حيث لا تُشتهى: ليس ذلك منها بعورة؛ لأنه لا يُستحيى من بدوِّه، بل بمثابة وجهها، ولا هي امرأة فيتناولها قوله: "لا تنظر المرأة إلى عورة المرأة" (٣)، وهذا هو المنصوص عليه [من] (٤) الفقهاء إلا ما حكيناه عن الغزالي، فأمّا إن كانت مراهقةً فامتناع نظر الأجنبية إلى ذلك منها، أحرى من امتناع الأم إليه.
(٧٧) - مسألة: (كل ما) (٥) قلناه في هذا الباب، من نظر المرأة إلى المرأة فيما عدا العورة فإنما نعني به نظر الأجنبية إلى الأجنبية -أما ذات محرم مع ذات محرمها، كالأم والجدة والخالة والعمة والبنت وبنتها والأخت وبنتها وبنت الأخ، وبالجملة كل امرأتين لو قدرت إحداهما ذكرًا والأخرى أنثى حرم التناكح بينهما، (فإنه) (٦) لا يجوز أن تنظر الواحدة منهن إلا ما يجوز لذي المحرم أن ينظر إليه منها، أمّا ما عدا ذلك كالبطن والصدر ونحوهما مما لا يجوز لذي المحرم النظر إليه، فهل يجوز نظرهن إليه أم لا؟.
стр. 337
هذا [لا] (*) أعرف للفقهاء فيه نصًّا، والظاهر عندي: جوازه، لعدم المانع وأسبابه بينهما، كما هو بين الرجل وذوات محارمه، أعني: أن الشهوات لا تثور بينهن، لأجل القرابة، ولكن قول الله : ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] مشير لمن هو للمرأة بمثابة من ذُكر في الآية من الرجال الذين يجوز للمرأة أن تبدي (لهم) (**) زينتها الخفية التي يتضمَّن إبداؤها إبداء ما هي فيه من ساق ومعصم، على ما قد ذكرناه في باب مَا يجوز لها إبداؤه، فإذا جاز لها إبداء صدرها وبطنها لمن هي منها ذات محرم، (جاز) (١) للتي (أبدي) (٢) لها ذلك النظر إليه، إذ لا مانع، فإن فرض خوف امتنع، والله أعلها.
(٧٨) - مسألة: تنعطف على البابين، أعني باب نظر الرجال إلى الرجال، أو باب نظر النساء إلى النساء، وهي: أن كل ما منعه الرجل من النظر إلى الغلام، أو منعته المرأة من النظر إلى الجارية، لا مدخل للأهل في ذلك، لعدم الخوف بينهم غالبًا، ولم يكن لذكر هذا معنى لولا ذكر العلماء لها، بل قد جاز ما هو أشد من ذلك، وهو تقبيل الأب ابنته، قال مالك في الذي يقدم من سفره، فتتلقاه ابنته فتقبله، أو أخته وأهل بيته: لا بأس بذلك.
قال القاضي أبو الوليد بن رشد: إنما خفف ذلك؛ لأن القصد فيه الحنان والرحمة، لا ابتغاء اللذة، إذ ليستا ممّن يُبتغى ذلك فيهما، والأحسن ألاّ يقبِّل مخافة أن يتلذذ بذلك، وإن لم يقصد الإلتذاذ به (٣).
والأظهر عندي: الجواز، وهو في الابن أحرى منه في البنت، وقد كان
стр. 338
النبيُّ ﷺ يقبِّل فاطمة (١) ﵁، وكان أبو بكر يقبِّل عائشة (٢)، وفعل ذلك أكابر أصحاب النبي ﷺ .
قال إسماعيل القاضي: هذا إذا كان الوالد مأموناً, ويجوز مثل ذلك (للولد، أي: يجوز كذلك) (٣) للولد أن يقبل أمه إذا كان أيضاً مأموناً، ولا يجوز ذلك للأخ ومَن دونه، ممَّن ذكر في الآية (٤) من ذوي المحارم، وهذا الذي شرط إسماعيل لا معنى له، فإن الكلام إنما هو في أنه يجوز له ذلك فيما بينه وبين الله تعالى، وسواء في هذا كان مأموناً، أو غير مأمون، فإن المأمون إذا صح قصده جاز له، واذا فسد لم يجز له، وغير المأمون أيضاً كذلك.
وهذا الباب إنما الغرض منه جواز النظر، ولما كان التقبيل أشد وأبلغ ذكرناه ليدل على ما يزيد بطريق الأحرى والأولى، فهذا اعتبار بذكر الأحاديث في ذلك الآن.
стр. 339
فمنها:
١٨٣ - حديث أبي هريرة: أن الأقرع بن حابس أبصر النبيَّ ﷺ يقبِّل الحسن فقال: إن لي عشرة من الولد، ما قبّلتُ واحداً منهم، فقال رسول الله ﷺ : "إنّه مَن لا يرحم لا يُرحم".
١٨٤ - وعن عائشة ﵂ قالت: قدم ناسٌ من الأعراب على رسول الله ﷺ ، فقالوا: (أتقبِّلون) (١) صبيانكم؟ قالوا: نعم، فقالوا: لكنا والله ما نقبّل، فقال رسول الله ﷺ : "وَأمْلك إن كان الله نزع منكلم الرحمة"، وفي رواية: "من قلبك الرحمة".
ذكرهما مسلم (٢).
وقال البزار:
١٨٥ - نا زيد بن (أخزم) (٣) أبو طالب الطائي، نا سليمان بن حرب، نا حَمَّاد بن زيد، عن هشام، عن محمد (*)، عن أنس، قال: لما أُتي ابن زياد برأس الحسين، جعل ينظر إليه ويقلّبه بقضيب، فقال: إن كان جميلاً، قال أنس: فقلت: لقد رأيت رسول الله ﷺ يقبّله، أو يلثمه (٤).
стр. 340
ورواه (جرير) (١) بن حازم عن محمد مثله، وقال: إن كان لجميلاً، أو كلمة
نحوها.
(وهو) (*) حديث صحيح.
وقال بقي بن مخلد:
١٨٦ - نا وهب، نا خالد، عن محمد، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: كان رسول الله ﷺ يدلع (٢) لسانه للحسين، فيرى الصبي حُمْرة لسانه فَيَهشّ (٣) إليه.
[قال] (٤) عيينة بن حِصن: لا أراك تصنع هذا بهذا، فوالله إنّه ليكون
стр. 341
لي الابن قد خرج وجهه ما قبّلته قط! فقال رسول الله ﷺ : "مَن لا يرحم لا يُرحم" (١).
وقال النسائي (٢):
١٨٧ - أنا زكريا بن يحيى، نا إسحاق، أنا النضر بن شميل، نا إسرائيل، عن (ميسرة) (٣) بن حبيب النهدي، (أخبرني) (٤) المنهال بن عمرو، قال: حدثتني عائشة بنت طلحة، عن عائشة أم المؤمنين، قالت: ما رأيت أحداً أشبه كلاماً
стр. 342
برسول الله ﷺ ، ولا حديثاً ولا جلسة من فاطمة: كان رسول الله ﷺ إذا رآها أقبلت رحّب بها ثم قام إليها فقبّلها، ثم أخذ بيدها وجاء بها حتى يُجلسها في مكانه.
١٨٨ - ورواه عثمان بن عمر، عن إسرائيل بإسناده، وزاد فيه: وكان إذا دخل عليها، قامت إليه فأخذت بيده فقبّلته وأجلسته في مجلسها.
ذكر ذلك أبو داود (١)، ورجال هذا الحديث ثقات، ولم ينقل عن المنهال بن عمرو (شيء يجرحه) (٢).
وذلك معووف في مواضعه.
١٨٩ - وروي: عن البراء: أن أبا بكر أول ما قدم المدينة أتى عائشة ابنته فوجدها مضطجعة قد أَصابتها حمى، فقال: كيف أنت يا بنية؟ ... فقبّل خدها (٣).
стр. 343
فأما:
١٩٠ - حديث عبد الله بن جعفر، قال: لما قدم جعفر من الحبشة أتاه النبيُّ ﷺ ، فقبّل بين عينيه، وقال: "ما أَنا بفتح خيبر أَشَدُّ فرحاً مني بقدوم جعفر" (*).
فحديث يرويه ابن أبي مليكة، عن إسماعيل (١) بن عبد الله بن جعفر، عن أبيه، وقال، إسماعيل لا يعرف.
١٩١ - وروته أيضاً عائشة: "أنه لما قدم هو وأصحابه، استقبله وقبّل بين عينيه" فيه محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير، وهو ضعيف (٢).
стр. 344
ذكرهما أبو أحمد (١).
١٩٢ - وحديث الشعبي: "أن النبيَّ ﷺ تلقَّى جعفر بن أبي طالب ﵁ فَالتَزَمَهُ وقبّل بين عينيه" مرسل ذكره أبو داود (٢).
١٩٣ - وحديث ابن عباس: أن رسول الله ﷺ قال: "مَن قبّل بين عيني أمه (كان) (٣) له ستراً من النار" (٤)، حديث منكر جدّاً؛ يرويه حفص بن سَلم أبو
стр. 345
مقاتل السمرقندي، عن عبد العزيز بن أبي داود، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، وأبو مقاتل هذا: منكر الحديث جدّاً، والحديث المذكور ذكره أبو أحمد بن عدي.
ولم يصحَّ في هذا الباب:
١٩٤ - حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يباشر الرجل الرجل، ولا المرأة المرأة، إلّا الوالد ولده، أو الولد والده" (١) للجهل بحال (الطُّفَاوي) (٢).
стр. 346
وفي رواية عن أبي هريرة: قال أبو بكر بن الجهم: نا مروان، عن الجريري، عن أبي نضرة، محن (الطُّفَاوي) (١)، عن أبي هريرة - فذكره أيضاً، فإن لفظه في غاية النَّكارة.
* * *
стр. 347
الباب الخامس
في نظر الرجال إلى النساء
стр. 348
اعلم أن جلّ ما يُحذر من النظر إنما هو في هذا الباب والذي بعده، أعني: نظر الرجال إلى النساء، ونظر النساء إلى الرجال: لأن الدواعي متوفرة فيهما على شيئين:
أحدهما: قضاء (الوطر) (١)، وقيل: الشهوة.
والآخر: التناسل الذي هو في الجِبِلَّة ..
وكل ذلك موجود في الجانبين، أعني: جانب الناظر والمنظور إليه، بخلاف ما تقدم من نظر الرجال إلى الرجال، ونظر النساء إلى النساء، فإنه ربما لا يكون الهوى إلا بأحد الجانبين، وهو جانب الرجال، ولهذا المعنى جاء قوله ﷺ :
١٩٥ - "ما تركتُ في الناس بعدي فتنةً أضرَّ على الرجال من النساء".
رواه أسامة وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، ذكره مسلم (٢) ﵀. وقوله:
١٩٦ - "اتقوا النساء، فإنّ أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء".
رواه أبو سعيد الخدري، ذكره أيضاً مسلم (٣).
стр. 349
١٩٧ - وروى أبو سعيد الخدري أيضاً، قال: "ما مِنْ صباحٍ، إلّا وملَكَان يناديان: سبحان الملك القدوس، وملكان يناديان: اللهم أعطِ منفقًا خَلَفاً، وأعطِ مُمْسكاً تَلَفاً، ومَلَكَانِ موكلان بالصور، متى يؤمران فينفخان، ومَلَكان يناديان: ويلٌ للرجال من النساء، وويلٌ للنساء من الرجال" (١).
قال البزار: نا عمرو بن عبد الله الأودي، وصالح بق معاذ العقدي، قالا: نا وكيع بن الجراح، عن خارجة بن مصعب، وهو صالح.
ولم يصحَّ في هذا:
١٩٨ - حديث عمر: عن النبي ﷺ قال: "لولا النساء لعبدالله حقّاً حقّاً" (٢).
стр. 350
فإن في إسناده: عبد الرحيم بن زيد العمي، وهو منكر الحديث.
وكل ما يحذر فيما بين الرجال والنساء، أوله النظر، والقائد إليه البصر (فبحسب) (١) ذلك، اشتد الأمر في هذين البابين، فاعلم ذلك.
(٧٩) - مسألة: إذا كانت المرأة مِمَّن يحلُّ للرجل وَطْؤُها، فلا كلام في جواز النظر إلى ما عدا الفرج: أما النظر إلى الفرج، فموضع خلاف:
أجازته المالكية، وقيل لأصبغ (٢): إن قوماً يذكرون كراهيته، قال: مَن كرهه إنما كرهه بالطب، (لا) (٣) بالعلم، لا بأس (٤) به، وليس بمكروه، وروى
стр. 351
عن مالك: أنه قال: لا بأس أن ينظر إلى الفرج في [حال] (١) الجماع، وزاد في رواية، ويلحسه بلسانه! وهذه (٢) مبالغة في الإِباحة، وليس ذلك (٣) على ظاهره، قال القاضي أبو الوليد بن رشد: أكثر العوام يعتقدون: أنه لا يجوز للرجل أن ينظر إلى فرج امرأته في حال من الأحوال، "وقد (٤) سألني عن ذلك بعضهم، واستغرب أن يكون جائزاً".
وعلى هذا أيضاً مذهب الحنفية: قال القدوري (٥): وينظر الرجل من أمته التي يحل له وطؤها وزوجته إلى فرجها.
وأما الشافعية: فلهم فيه قولان:
أحدهما: الإِباحة كما تقدم.
والآخر: المنع. والنظر عندهم إلى داخله أشد، ذكر ذلك: الغزالي.
ولهم (نجد) (٦) قولاً ثالثاً، وأعرفه لأبي إسحاق منهم، قال (٧): يكره النظر
إليه، لأنه سخف ودناءة، ولا يحرم.
وروي [في] (٨) ذلك عن النبي ﷺ حديث بالإِباحة، لم يصحّ.
стр. 352
قال أبو بكر بن الجهم:
١٩٩ - نا إبراهيم، قال: نا محمد بن (نلهي) (١)، قال: نا إسماعيل بن عباس، عن عبد الرحمن بن زياد، عن سعد بن مسعود الكندي: أن عثمان بن مَظْعُون أتى النبي ﷺ فقال: إني لا أحب أن أنظر إلى عورة امرأتي، ولا تَرَيَنَّ ذلك مني، فقال رسول الله ﷺ : "ولمَ؟! إن الله جعلك لها لباسًا، وجعلها لباساً لك، فإني أرى ذلك منهن، ويرينه مني" فقال: فمَن بعدك يا رسول الله أولى؟ فقال: "إن عثمان حيي ستير" (٢).
وهذا ضعيف بالضعفاء والمجاهيل، وعبد الرحمن بن زياد (٣) كافٍ في ضعفه، وروي فيه أيضاً حديث بالمنع، لم يصح.
قال بقي بن مخلد:
٢٠٠ - نا هشام بن خالد، قال: نا بقية (٤)، قال: نا (ابن جريج) (٥)، عن
стр. 353
عطاء، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ قال: "لا ينظر أحدكم إلى فرج زوجته، ولا فرج أمته، فإن ذلك يورث العمى".
وقال أبو أحمد بن عدي: نا ابن قتيبة، [ثنا هشام بن خالد، ثنا بقية، حدثني ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس] (١)، قال: قال رسول الله ﷺ :
٢٠١ - ، إذا جامع أحدكم زوجته أو جاريته، فلا ينظر إلى فرجها، فإن ذلك يورث العمى" (٢).
стр. 354
قال فيه: إنه منكر، ويشبه أن يكون بين بقية وابن جريج بعض المجهولين، أو بعض [الضعفاء] (١)؛ لأن بقية كثيراً ما يدخل بين نفسه وبين ابن جريج بعضى الضعفاء أو بعض المجهولين، إلا [أن] (٢) هشام بن خالد، قال: عن بقية: حدثني ابن جريج. انتهى كلام ابن عدي (٣).
وكل مَن في هذا الإسناد ثقة، إلا بقية بن الوليد، فإن حاله عند المحدثين في رواية المنكرات عن قوم لا يعرفون أو ضعفاء معروفة، وأحسن أحواله إذا روى عن ثقة، وهو ههنا روى عن إمام، وهو ابن جريج، وفيه قالوا: أحاديث [بقية] (٤) ليست بنقية، فكن منها على تقية. فإن صح هذا الخبر (٥) لزم (٦) الانتهاء، وإلا فكل شيء من المرأة لزوجها أو لسيدها حلال، وبالله التوفيق.
(٨٠) - مسألة: أما بعد الموت، فهل يرى أحد الزوجين ذلك من صاحبه؟:
أعني إذا قلنا: إنّ كل واحدٍ منهما يغسل صاحبه، وليس هذا موضع ذكر هده، (فهذا) (٧) موضع نظر، فقال مالك: لا بأس أن يغسل أحد الزوجين صاحبه من غير ضرورة، ولا يطلع أحدهما على عورة صاحبه، رواه عنه ابن
стр. 355
عبد الحكم (١)، وابن وهب، وكذا هو في "المجموعة" (٢)، وكذا قال سحنون: وروي عن أشهب: يغسل أحد الزوجين صاحبه مجرداً.
وهذا قد يمكن أن يكون معناه: من غير نظر إلى العورة، فلا يكون خلافاً لمذهب مالك، وكذلك ما روى موسى (٣) عن ابن القاسم من قوله: ولا بأس أن يغسل الرجل مَن يحلّ له، مثل: أمته وأم ولده ومدبّرته كالزوجة من غير ضرورة. يمكن أن يجعل قول مالك في أنه لا يرى العورة، ووجه ذلك: أن الإستمتاع قد بطل بالموت، فلا يحل الإطلاع من الرجل على عورة المرأة، ولا