عن مالك: أنه قال: لا بأس أن ينظر إلى الفرج في [حال] (١) الجماع، وزاد في رواية، ويلحسه بلسانه! وهذه (٢) مبالغة في الإِباحة، وليس ذلك (٣) على ظاهره، قال القاضي أبو الوليد بن رشد: أكثر العوام يعتقدون: أنه لا يجوز للرجل أن ينظر إلى فرج امرأته في حال من الأحوال، "وقد (٤) سألني عن ذلك بعضهم، واستغرب أن يكون جائزاً".
وعلى هذا أيضاً مذهب الحنفية: قال القدوري (٥): وينظر الرجل من أمته التي يحل له وطؤها وزوجته إلى فرجها.
وأما الشافعية: فلهم فيه قولان:
أحدهما: الإِباحة كما تقدم.
والآخر: المنع. والنظر عندهم إلى داخله أشد، ذكر ذلك: الغزالي.
ولهم (نجد) (٦) قولاً ثالثاً، وأعرفه لأبي إسحاق منهم، قال (٧): يكره النظر
إليه، لأنه سخف ودناءة، ولا يحرم.
وروي [في] (٨) ذلك عن النبي ﷺ حديث بالإِباحة، لم يصحّ.
стр. 352
قال أبو بكر بن الجهم:
١٩٩ - نا إبراهيم، قال: نا محمد بن (نلهي) (١)، قال: نا إسماعيل بن عباس، عن عبد الرحمن بن زياد، عن سعد بن مسعود الكندي: أن عثمان بن مَظْعُون أتى النبي ﷺ فقال: إني لا أحب أن أنظر إلى عورة امرأتي، ولا تَرَيَنَّ ذلك مني، فقال رسول الله ﷺ : "ولمَ؟! إن الله جعلك لها لباسًا، وجعلها لباساً لك، فإني أرى ذلك منهن، ويرينه مني" فقال: فمَن بعدك يا رسول الله أولى؟ فقال: "إن عثمان حيي ستير" (٢).
وهذا ضعيف بالضعفاء والمجاهيل، وعبد الرحمن بن زياد (٣) كافٍ في ضعفه، وروي فيه أيضاً حديث بالمنع، لم يصح.
قال بقي بن مخلد:
٢٠٠ - نا هشام بن خالد، قال: نا بقية (٤)، قال: نا (ابن جريج) (٥)، عن
стр. 353
عطاء، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ قال: "لا ينظر أحدكم إلى فرج زوجته، ولا فرج أمته، فإن ذلك يورث العمى".
وقال أبو أحمد بن عدي: نا ابن قتيبة، [ثنا هشام بن خالد، ثنا بقية، حدثني ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس] (١)، قال: قال رسول الله ﷺ :
٢٠١ - ، إذا جامع أحدكم زوجته أو جاريته، فلا ينظر إلى فرجها، فإن ذلك يورث العمى" (٢).
стр. 354
قال فيه: إنه منكر، ويشبه أن يكون بين بقية وابن جريج بعض المجهولين، أو بعض [الضعفاء] (١)؛ لأن بقية كثيراً ما يدخل بين نفسه وبين ابن جريج بعضى الضعفاء أو بعض المجهولين، إلا [أن] (٢) هشام بن خالد، قال: عن بقية: حدثني ابن جريج. انتهى كلام ابن عدي (٣).
وكل مَن في هذا الإسناد ثقة، إلا بقية بن الوليد، فإن حاله عند المحدثين في رواية المنكرات عن قوم لا يعرفون أو ضعفاء معروفة، وأحسن أحواله إذا روى عن ثقة، وهو ههنا روى عن إمام، وهو ابن جريج، وفيه قالوا: أحاديث [بقية] (٤) ليست بنقية، فكن منها على تقية. فإن صح هذا الخبر (٥) لزم (٦) الانتهاء، وإلا فكل شيء من المرأة لزوجها أو لسيدها حلال، وبالله التوفيق.
(٨٠) - مسألة: أما بعد الموت، فهل يرى أحد الزوجين ذلك من صاحبه؟:
أعني إذا قلنا: إنّ كل واحدٍ منهما يغسل صاحبه، وليس هذا موضع ذكر هده، (فهذا) (٧) موضع نظر، فقال مالك: لا بأس أن يغسل أحد الزوجين صاحبه من غير ضرورة، ولا يطلع أحدهما على عورة صاحبه، رواه عنه ابن
стр. 355
عبد الحكم (١)، وابن وهب، وكذا هو في "المجموعة" (٢)، وكذا قال سحنون: وروي عن أشهب: يغسل أحد الزوجين صاحبه مجرداً.
وهذا قد يمكن أن يكون معناه: من غير نظر إلى العورة، فلا يكون خلافاً لمذهب مالك، وكذلك ما روى موسى (٣) عن ابن القاسم من قوله: ولا بأس أن يغسل الرجل مَن يحلّ له، مثل: أمته وأم ولده ومدبّرته كالزوجة من غير ضرورة. يمكن أن يجعل قول مالك في أنه لا يرى العورة، ووجه ذلك: أن الإستمتاع قد بطل بالموت، فلا يحل الإطلاع من الرجل على عورة المرأة، ولا
стр. 356
من المرأة على عورة الرجل. وإن كنا نقول: إن حكها الزوجية باقٍ على جواز الغسل من غير ضرورة، ومع وجود مَن يغسل؛ فإن الإطلاع مع ذلك (على) (١) العورة وهتك الحرمة عبث لا يحل، والله أعلم.
وأما مكاتبته ولو لم تؤدِّ من كتابتها شيئاً، وكذلك معتقته إلى أجل، فلا يغسلهما.
وهذا أيضاً مرويّ عن ابن القاسم (٢)، وهو كله صحيح مع الاختيار، فأما مع الضرورة فلا، بل يجوز حينئذ أن يغسل الأجنبيُّ الأجنبيَّة. وموضع ذكر هذا: كتاب الجنائز.
وإنما الغرض ههنا: أحكام النظر، وليس من ضرورة الغسل النظر.
وسنذكر بعد هذا -إذا ذكرنا نظر الرجل إلى الأجنبيات- تحريم نظره إلى فرج الأجنبية بعد موتها، كما كان حراماً في حياتها، ونبين أن ذلك (يمنع بالأحرى) (٣) من حيث قد حرم النظر إلى فرج امرأته، أو أمته بعد الموت، إن شاء الله تعالى.
ونذكر الآن -إن شاء الله تعالى- نظر الرجل إلى المرأة الأجنبية بما زاد على نظر الفجأة، فنقول:
(٨١) - مسألة: نظر الفجأة قد قدمنا في الباب الأول حكمها، وحديث جرير بنهي النبي ﷺ إيَّاه عن الزيادة عليها بقوله: "اصرف بصرك" يعني عمَّا قد زاد عليها، وذكرنا حديث علي (٤) ﵁ في ذلك، وعلله من طرقه.
стр. 357
وكل ما عدا نظر الفجأة, فهو الذي يعتمد ههنا بيان حكمه:
وقد جاء حديث ثواب الكف عمَّا زاد من النظر على نظر الفجأة [وإن] لم يصح ننص [عليه] (١)؛ لئلا يظن من يقف عليه غفلتنا عنه، فلذلك نذكره على علّاته، وهو:
٢٠٢ - حديث يرويه ابن المبارك: عن يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، قال رسول الله ﷺ : "مَن نظر إلى محاسن امرأة، فغضَ طرفه في أول نظرة، رزقه الله عبادة يجد حلاوتها في قلبه" (٢).
стр. 358
[وفي] (١) كلِّ مَن بين أبي أمامة وابن المبارك في هذا الإِسناد مقال، ومنهم مَن لا يُقبل ما يرويه أصلاً، وأمرهم عند المحدثين بَيِّنٌ.
ولو صح كان معناه فيما زاد على نظرة الفجأة، ولقوله: "مَن نظر إلى محاسن امرأة".
وكذلك:
٢٠٣ - حديث عصمة بن محمد، عن موسى بن عقبة، عن القاسم بن محمد، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "ما من (عبد) (٢) يكف بصره عن محاسن امرأة، ولو شاء أن ينطر إليها نظر، إلا أدخل الله قلبه عبادة يجد حلاوتها" (٣).
وهو أيضاً ضعيف؛ لأن عصمة هذا منكر الحديث، ذكر الحديثين أبو أحمد بن عدي.
وكذلك:
٢٠٤ - حديث أبي ريحانة، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة فسمعته يقول: "حُرِّمتِ النّار على عينٍ دَمَعَتْ من خشية الله، وحُرّمت [النار] (٤) على
стр. 359
عين سهرت في سبيل الله"، ونسيت الثالثة. وسمعت بعد أنه قال: "حرمت النار عين غَضَّتْ عن محارم الله" (١).
стр. 360
فإن هذه القطعة المقصودة منه مرسلة كما ترى، لا يدري ممّن سمعها، وأيضاً فإنه من رواية عبد الرحمن بن شريح، عن محمد بن شمير، وهو الرعيني، عن أبي علي الحبلي، عن أبي ريحانة، ومحمد بن شمير لا يعرف حاله، وشمير بالشين المعجمة وهو أشهر، وقال عبد الغني (١): بالسين، يعني المهملة، وكنيته: أبو الصباح.
ذكر هذا الحديث: النسائي ﵀، فاعلم ذلك.
(٨٢) - مسألة: إذا كانت المرأة ممّن لا يحل للرجل وطؤها، لم تخلُ لأن
تكلون ذاتَ محرم, أو غيرَ ذات محرم، فلنجعلهما مسألتين, وتتعلق كل واحدة منهما بمسائل:
(٨٣) - مسألة: نطر الرجل إلى ذات محرمه:
إما أن يكون إلى العورة، أو إلى غير العورة، فإن كان إلى العورة فهذا لا يتخالج أحداً الشكّ في تحريمه، اللهم [إلا] (٢) أن تكون صغيرة، فههنا يختلف حكم ذوي المحارم، (فأما) (٣): الأب والجدُّ في حال التربية فلا كلام في جوازه، وأمَّا مَن عداهم: كالأخ والعم وابن الأخ والخال، فهل يجوز لهم أن ينظروا إلى عورة الصغيرة أم لا؟.
الظاهر: أنه ممتنع، (لأنه) (٤) لا حاجة إلى ذلك، والتحرز ممكن، وباب
стр. 361
الإطلاع على العورة ضيّق، والقول بأَنّ ذلك ليس بعورة من الصغيرة إن كانت غير مشتهاة مبنيٌّ على ما قدمناه من أنه لا يُستحيى من بدوِّه؛ والعورة: ما يُستحيى من بدوِّه، وقد يمكن أن يقال غير هذا من حيث يتحقق فيه معنى العورة، فإن العين إذا نظرت إليه، فيتعين المعنى الذي له ينظر إلى الوجه والكف والقدم.
وليس عندنا دليل يبيح النظر إلى الصغار بإطلاق، حتى يقيد به مطلق قوله ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا﴾ [النور: ٣٠]، فامتنع النظر، ووجب غض البصر، إلا أن يصدّ عن هذا صاد يعثر عليه بعدُ إن شاء الله تعالى.
والمسألة محتملة، والمنع أظهر، (لأن) (١) المسألة هل ذلك عورة من الصغيرة أم لا؟ فإن ذلك من الصغير لا شك (فيه) (٢)، ولا تنظره العين إلا كما تنظر صدره أو بطنه، اللهم إلا في حق النساء فإنه يمكن أن يجعل ذلك منه مثل ما جعلناه من الصغير في حق الرجال. هذا كله مع الاختيار، وأما لو قدَّرنا أحد هؤلاء اضطر إلى (تربية) (٣) صغيرة لا كافل لها (فيَخرُج) (٤) ما يقع هنا من نظره إليها عن هذا الباب، [ويُلحق] (٥) بباب الضرورات، فاعلم ذلك.
(٨٤) - مسألة: فإن كان زمان التربية قد انقضى، فما حكم الأب في جواز نظره إلى فرج ابنته، أو منعه؟:
أما إذا كانت بحيث تشتهى، وتتميز (عن) (٦) الغلام، فلا كلام في تحريم
стр. 362
ذلك، وأما قبل ذلك كالفطيم (ونحوها) (١) فموضع نظر، وينبغي أن يستصحب حال الإِباحة التي كانت في زمان التربية حتى يرتفع ذلك بدليل، وهي مع هذا موضع نظر.
(٨٥) - مسألة: فإن كان إنما ينظر منها - أعني ذلك من ذات محرمه - إلى الوجه والكفين والقدمين؛ صغيرة كانت أو كبيرة، فهذا جائز بلا خلاف، لأنه شيء يبدو في حال المهنة، ولأنه قد نصت [الآية] (٢) على جواز إبداء المرأة خَفِيَّ زينتها لمَن ذكر فيها، فلا بد أن يكون فيها الوجه والكفان والقدمان، فهذه يراها الأقرب ممن ذكر في الآية، وإلا تقرر إذا كان إبداؤها ذلك (جائزاً) (٣) , كان النظر إليه جائزاً. كما قدمناه فلا نعيده.
(٨٦) - مسألة: اللهم إلا أن ينطر إلى ذلك من ذات محرمه بقصد اللذة، فهذا لا شك في تحريمه، وأظن أنه لا خلاف فيه، وابن عبد البر قد نص على تحريمه، ولم يحك فيه عن أحد شيْئاً, إلا أنه قال عن الشعبي: إنه كره أن يديم النظر إلى ابنته أو أمه أو أخته.
قال أبو عمر: وزمانه خير من زماننا، وهذا عندي من الشعبي إنما هو كراهة إدامة النظر، الذي يمكن (عنده) (٤) التذاذ وافتتان، وإن لم (يقصد) (٥) الإلتذاذ، فأما إذا قصد بالنظر اللذة فلا خلاف فيما أَرى [في] (٦) تحريمه،
والله أعلم.
стр. 363
(٨٧) - مسألة: فإن كان نظره من ذات مَحْرَمِهِ, إنما هو ما بين ذلك وبين (العورة) (١) مما لا (يظهر) (٢) إلا بقصد الإِظهار, كالصدر والبطن ومراقه (٣) والشعر ونحو ذلك:
هذا فيه خلاف؛ قيل: يجوز بإطلاق، وقيل: لا يجوز بإطلاق، ويشبه أن يكون مذهب الحنفية هكذا، قال القدوري [منهم] (٤): وينظر الرجل من ذات [محرمه] (٥) إلى الوجه والرأس والساقين والعضدين، ولا ينظر بطنها وظهرها، ولا بأس أن يمسَّ ما جاز أن ينظر إليه منها.
وما روي عن مالك من ذلك فهو مجمل، ذكره عنه ابن المواز من رواية ابن القاسها، قال: وليستأذن على أمه وأخته، ولا يجوز أن يرى أمه عريانة، فيحتمل أن يريد به: أَلَّا يَراهُما باديتي العورة، ويحتمل أن يريد جِسمَهُمَا.
وينبغي أن (يجرى) (*) هذا الإختلاف باعتبار قربهم وبعدهم، فليس الأب (كأب) (٦) البعل، الأبُ أحرى بالجواز، وأبو (البعل) (٧) أحرى بالمنع.
والذي دلَّت الآية (٨) على جواز إبدائه هو ما يشتركون فيه، وليس ذلك إلا مواضع
стр. 364
الحلي الخفي؛ كالسوارين والقلادة والقرطة والخواتم، وفي الخلخالين نظر، ولو قلنا: إن القدمين كاليدين - ومثله مواضع الزينة الأخرى التي هي الكحل والسواك هذا الذي يشترك جميع مَن في الآية في جواز إبداء ذلك (إليهم) (١)، فإذا جاز لها بنصِّ الآية إبداء (ذلك) (٢) لجميعهم؛ فما معنى منع المانع بإطلاق لجميعهم أو لبعضهم؟ وإذا جاز أيضاً بدليلٍ للأب أن ينظر إلى البطن والصدر والظهر، فما معنى إجازة المُجِيزِ بإطلاق؟ وأبو البعل وابنه ليسا في ذلك كالأب، فالذي ينبغي أن يقال به هاهنا: هو أن هذه المواضع التي فرض فيها الكلام - أعني: ما هو مستور إلا أن يظهر بقصد، كالبطن والصلدر والعنق والظهر وما فوق السرة ونحو ذلك - لا يجوز لأحد ممن ذكر في الآية النظر إليه، إلا البعل، هذا الذي لا شك فيه.
أما الأب والابن فموضع نظر، إذ الآية إنما أباحت ما يشترك فيه قريبهم وبعيدهم، وأما مَن عد اهم كالإِخوة أو (بنيهم) (٣)، أو بني الأخوات، أو عبدها، أو مَن لا أَرَبَ له، فلا سبيل لهم إلى النظر؛ إذ لا سبيل لها إلى الإِبداء.
أما هؤلاء (فبمطلق) (٤) قوله تعالى: ﴿يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠]، وأما هي، فبقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [النور: ٣١] استثنى من هذا النهي الظاهر من الزينة لكل أحدٍ، والمشترك من الباطنة (للذين) (٥) ذُكروا في الآية، يعني ما ليس بمشترك منهيٌّ عن إبدائه، فينهى عن النظر إليه لكل أحد من الرجال، (محرماً) (٦) كان أو أجنبيّاً، ويمكن استقراء هذا الذي شككنا فيه من أمر الأب والابن من حديث أم سلمة وعائشة زوجتي النبي ﷺ :
стр. 365
٢٠٥ - أن سهلة بنت سهيل (١) قالت: يا رسول الله! إنا كنا نرى سالماً ولداً، وكان يأوي معي (ومع) (٢) أبي حذيفة في بيت واحد، ويراني فُضُلاً (٣)، وقد أنزل الله فيهم ما قد علمت - تعني: قوله: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥]- فكيف ترى فيه؟ فقال: "أرضعيه".
الحديث ذكره بهذا اللفظ أبو داود (٤)، وهو صحيح.
وفي كتاب مسلم: إنه ذو لحية.
ووجه دلالته لهذا الباب، من وجهين:
أحدهما: أنها أخبرت النبي ﷺ عن معتقدها، وعمَّا كانت تعامله به إبان كانت تعتقده (أنه) (٥) من (أُولي الإِربة) (٦)، [تجلس] (٧) معه في بيت واحد متفضلة في ثوب واحد، وغير متفضلة، وتبذُّل المرأة في بيتها معلوم، فأقرها النبيُّ ﷺ ولم ينكر عليها.
والوجه الثاني: أنه علّمها كيف تصير محرماً منه، حتى تبقى على ما كانت عليه من رؤيته لها، كما يراها [في] (٨) سكناها، ومعلوم أنها في
стр. 366
(حال) (١) مناولتها إياه الثدي غير أم؛ فقد دلّ هذا على جواز رؤية ما يتناول من الثدي؛ فإنه بيّن من هذا الخبر أن الابن يرى من أمه ما هو - غير الوجه والكفين والقَدَمين - مستور عادة, لا يكشف إلا بقصد - وإن كنا لا نقول برضاعة الكبير، لدليل (٢) منع من القول بها، فلا مانع من هذا المعنى الذي تضمنه الخبر. وهذا إذا تقرر في الابن فهو أيضاً حكم الأب، بل هو أحرى بذلك.
فالصواب إذاً هو قول مَن يقول: يجوز، ولكن لا بإطلاق (٣)، لكن في حق هؤدلاء، ولا أعرف هذا القول لهم (٤)، لكن مَن قال. يجوز بإطلاق نظر ذي المحرم إلى كل هذه المواضع، الحقيقة (أنه) (٥) أجاز ذلك للأب وللابن، ومن قال: لا يجوز لواحد منهم النظر إليها؛ فقد منع [كذلك] (٦) الأب والابن، فلم يخرج بهذا القول على أقوالهم، وعلى أن القولين المحكيين عنهم، قد قال بعض الناس: لا يجريان في الثديين، بل يلتحق الثديان بالوجه في جواز النظر إليهما، لكثرة (البدوّ) (٧)، فلا يجريان على الثديين القولين. وسيأتي لهذا المعنى ذكر في مسألة نظر المخنث، فيما بعد إن شاء الله تعالى، فاعلم ذلك، وبالله التوفيق.
стр. 367
(٨٨) - مسألة: من ذوات المحارم من في (١) نظر ذي محرمها إليها خلاف، كأم الزوجة:
جوّز مالك النظر إلى شعرها، ذكر ذلك ابن المواز عنه، ومنع [من] (٢) ذلك سعيد بن جبير، وَتَلاَ حين (سُئل) (٣) عنها [الآية] (٤)، ثم قال: لا أراها فيها؛ وهو موضع نظر، فإن الشهوات لا تنضبط، وعلة الحرمة فيها، وهو كونها أمّاً للزوجة، لا يقتضي الطبع انكماشاً، كما فيما بينه وبين أخته مثلاً، وقد كان جائزاً له نكاحها قبل تزوجه بابنتها، وحدوث (الصهر) (*) بينهما (سببهما) (٥) واحد، وهي مطيعة لطبعها، ولا زاجر لها عن ثوران الشهوة عند النظر. وزاجر الشرع ليس هو عن ثوران الشهوة، فإنه ليس داخلاً تحت الاكتساب، إنما هو عن التسبب لذلك، وعن العمل لحسمها، فعلى هذا لا يجوز له من النظر إليها ما يحرك شهوته، وهي في هذا بخلاف الأم والبنت والأخت، فإن الطباع نافرة عن قصد الإلتذاذ بهن، فاكتفى بذلك زاجراً، ولم يحتج معه إلى تحريم النظر. ولكن مع هذا فإن قول سعيد بن جبير في المنع من النظر إليها لا ينبغي الإِقدام على المصير إليه بإطلاق. والذي لا شك في جوازه: النظر منها إلى وجهها وكفيها، فإن ذلك قد جاز النظر إليه من الأجنبية (**)، والزيادة على ذلك عندي موضع توقف.
стр. 368
(٨٩) - مسألة: ربيبته أيضاً:
نعني بدلك بنت امرأته هي أيضاً كذلك، ولأن كونها في حجره قَد انتهى إلى أن كان له أثر في الحرمة عند قوم. نبّه على ذلك قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣].
٢٠٦ - وقوله ﷺ : "أَمَا إنّها لو لم تكن رَبيبتي في حجري ما حلت لي" (١).
ومثل هذا الوصف الذي قد أغني بدكره قرآناً وسنّة، اعتبر في الحكم بالتحريم، لا ينبغي إلغاؤه، فبحسب هذا يكون النظر (إليها) (٢) جائزاً جوازه إلى ذوات محارمه القريبات، وباعتبار ما في الجبلات من أن النظر يحرك
стр. 369
الشهوة حيث لا زاجر (للنفس (١) عن طبعها (٢)) - يجب المنع، ولا أعرف فيها من القول بالمنع ما أعرفه في (التي) (٣) قبلها من قول سعيد بن جبير.
(٩٠) - مسألة: جوّز مالك: أن يرى شعر امرأة ابنه:
والقول فيها عندي، كالقول لي في أم امرأته.
(٩١) - مسألة: أخت امرأته:
هي عندي بالمنع أحرى، وذلك بيِّن فيها، فإن الحرمة التي بينه وبينها ليست كالحرمة التي بينه وبين أمّ زوجه وابنتها، فإن هده حرمة تزول بموت الزوج، أو طلاقها، وتلك لا ترتفع، فظهر الفرق، وغض البصر [واجب] (٤) بإطلاق، وهذه أحرى [لأنه] (٥) يقع بينهما [زواج] (٦) لولا (٧) أختها. وتعذرها تعذر أَخيه من أختها (٨) زوجته، وقد قال النبي ﷺ : "الحمُ المو" فينبغي أن تكون هي موتاً آخر أحمر. وقد قال مالك ﵀: يبتعد عنها ما استطاع فاعلم ذلك.
(٩٢) - مسألة: زوجة الأب:
جائز النظر إلى إلمشترك مما تبديه بلا نزاع، لقوله تعالى: ﴿أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١].
стр. 370
وما روي عن الحسن والحسين ﵄: أنهما كانا لا يريان أمهات المؤمنين (١)، ذهاباً منهما إلى [أن] (٢) أبناء البعولة لم يُذكروا في الآية التي في أزواج النبي ﷺ وهي قوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ﴾ الآية [الأحزاب: ٥٥].
كان ابن عباس ﵄ يخالفهما، ويقول: إن رؤيتهما لهن حلال، (ويحتج) (٣) بآية النور.
فإذا الذي يقع الآن من هذا لا ريب في جوازه، فاعلمه.
(٩٣) - مسألة: أُم ولد ابنه، هل يجوز أن ينطر منها إلى ما ينظر من زوج أبيه؟:
الظاهر المنع بقاءً على الأصل، والسيد ليس بعلاً، وروى ابن القاسم عن مالك: قيل: أيسافر الرجل (٤) بأمّ ولد ابنه ويحملها على الدابة، ويضمها إليه ولو صارت في عصمة غير أبيه؟ قال: لا أحب أن يسافر بها، ولا يعجبني، فارقها أبوه أو كانت تحته، وهذا ظاهر؛ لأنها منه أجنبية.
قد قلنا فيما إذا كانت المرأة التي ينظر إليها الرجل ذات محرم، فلنقل الآن فيما إذا كانت أجنبية:
стр. 371
(٩٤) - مسألة: إذا كانت المرأة المنظور إليها غير ذات محرم - أعني أجنبية:
فهي لا تخلو من أن تكون صغيرة، أو كبيرة، وإذا كانت كبيرة لا تخلو من أن تكون مسلمةً أو كافرة، إذا كانت مسلمة فلا تخلو من أن تكون حرَّة أو أمَة، شابَّة أو عجوزاً.
(٩٥) - مسألة: إن كانت هذه الأجنبية صغيرة, هل يجوز له النظر إلى وجهها أم لا؟:
في ذلك قولان كما في الكبيرة على ما سنذكر الآن، إن شاء الله تعالى.
والأظهر -إذا كانت لا تُشتهى لصغرها- الجواز، فإن كانت تشتهى جاز ما لم يخف الفتنة أو يقصد اللذة، كما نقوله بعدُ في الكبيرة، وهذه مبنية عليها، والتقسيم اقتضى تقديمها، وإلا فالأولى كان تأخيرها.
ومن الفقهاء مَن قال: الأظهر المنع، نظراً إلى جنس الأنوثة.
وقد صحَّ حديث أبي قتادة:
٢٠٧ - "رأيت النبي ﷺ يؤم الناس وأُمَامة بنت أبي العاص على عاتقه، فإذا ركع وضعها، وإذا رفع من السجود أعادها" (١).
стр. 372
ومستبعد جدّاً أن تكون على صغرها بنقاب، وقد رأوها وعرفوها.
وحديث أم سلمة المتقدِّم الذكر (١) في الجارية التي رآها رسول الله ﷺ في وجهها سفعة لا يدلُّ على المقصود ههنا، لاحتمال أن يكون أدرك ذلك منها بنظرة الفجأة.
وسنقرر النظر إلى وجه الكبيرة بما لا يبقي إشكالاً في هذه، حتى يتبين بها جواز النظر إلى وجهها إذا لها يخف الفتنة، ولها يقصد اللذة، وامتناعه إذا قصد اللذة، وقد قلنا: إنه يحرم نظره بقصد اللذة لذات محرم؛ فكيف هذه التي فرضناها أجنبية، وجواز النظر إيضاً إذا لها يخف الفتنة، يتبين فيما بعد
إن شاء الله تعالى.
(٩٦) - مسألة: أما نظره إلى فرج الأجنبية الصغيرة:
فإنه لا يجوز، ولا أعلم في [ذلك] (٢) خلافاً، وذكره الغزالي ولها يحكِ خلافاً.
والذي تقدّم من إجازة مالك غسل النساء الصبي الصغير ابن سبع سنين ونحوه، إذ لزم عليه بالأحرى، والأولى غسل الرجال إياه، وغسل الرجال الصبية الصغيرة (٣) لم يكن في ذلك إجازة نظر إلى العورة، كما في غسل الكبير والكبيرة.
وأيضاً فإن الفتوى بذلك إنما هي حين لا يوجد مَن يغسل، فهي محل ضرورة.
стр. 373
(٩٧) - مسألة: فإن كانت هذه الأجنبية كبيرة, وهي مسلمة:
فلا خفاء (في تحريم) (*) النظر من الأجنبي إلى ما عدا وجهها وكفيها وقدميها؛ كالصدر والبطن والعنق والشعر وما فوق السرة والظهر، هذه مواضع لا يجوز له النظر إلى شيء منها أصلاً، وهذا ما لا خلاف فيه، أما نظره إلى وجيها وكفيها وقدميها فموضع نظر، فلنبدأ بالوجه:
(٩٨) - مسألة: [أما] (١) نظره إلى وجهها:
فمنهم: مَن جوزه [بإطلاق, ومنهم: مَن جوَّزه] (**) لا بإطلاق، ولكن مقيداً بأن لا يخاف (بالنظر) (٢) إليه الفتنة، ومنهم: مَن حرمهُ بإطلاق، ومنهم: مَن جَعَلَه مكروهاً.
وما روأه عاصم الأحول, عن الشعبي قال: قلت له: الرجل ينظر إلى المرأة لا يرى منها محرّماً، قال: ليس لك أن تتبعها ببصرك، يحتمل أن يكون به مانعاً من النظر، فيكون مع المحرّمين، ويحتمل أن يكون به مانعاً من الإِدامة والتحقق، فيكون مع المبيحين، وهذا أظهر في تأويله، فقد روي عنه: أنه كره أن يسِفَّ الرجل النظر إلى أُمه وابنته وأخته.
قال أبو عبيد: الإسفاف: شدة النظر وحدته، وهذا منه بلا شك لا يكون به مانعاً، فإنه لا يمتنع عند أحد النظر هكذا إلى مَن ذكر، فهو إذاً مع المبيحين، فمَن حرَّم النظر إليه بإطلاق من الفقهاء، يَجيءُ قَولُهُ موافقاً لقول عبد الله بن مسعود: إن الزينة الظاهرة هي الثياب، فلا تبدي وجهها. [ومَن قال] (٣): وما
стр. 374
تبديه ينظر إليه، إلا أن يخاف الفتنة، يجيء قوله موافقاً لقول مَن قال في الزينة الظاهرة: إنها الثياب والوجه، إذ ما (يُبدى) (١) يجوز النظر إليه.
وهذان القولان موجودان منصوص عليهما عند الشافعية, وأحدهما: وهو جواز النظر إليه إلا أن يخاف، هو مذهب الحنفية، نص على ذلك القدوري، ومن الشافعية مَن قال: إنه يكره النظر إلى ما ليس بعورة من الأجنبية، ولا يحرم، ويمكن أن يُقال: إن مذهب مالك منها هو أنه لا يجوز للرجل النظر [إلى وجه الأجنبية] (٢) إلا من ضرورة، وإلى هذا ذهب ابن رشد، ونصَّ عليه في "المقدمات"، وسنورد (٣) كلامه في باب تصرف الأجنبي للمرأة في حوائجها في باب الضرورات إن شاء الله تعالى، فإنه شرح الرواية في ذلك.
وعلى هذا -وقد تقدم التنبيه على مواضع- تفهم أن مذهب مالك خلاف هذا، من جواز النظر إلى وجهها في باب ما تُبديه أو لا تبديه، عند الكلام على الزينة.
ومذهب القاضي أبي بكر بن الطيب: تحريم النظر إلى وجه المرأة، إلا من ضرورة خطبة، وقد قدّمنا في مواضع أن إجازة الإِظهار دليل على إجازة النظر، فإذا نحن قلنا: ليجوز للمرأة أن تُبدي وجهها وكفيها لكل أحد, على غير وجه التبرج من غير ضرورة، لكون ذلك مما ظهر من زينتها، ومما يشق تعاهده بالستر في حال المهنة، فقد جاز للناس النظر إلى ذلك منها، لأنه لو كان النظر إليها ممنوعاً، مع أنها يجوز لها الإبداء، كان ذلك معاونة على الإِثم, وتعريضاً للمعصية، وإيقاعاً في الفتنة؛ بمثابة تناول الميتة للأكل لغير مضطر، فمن قال من الفقهاء بجواز البدوّ فهو غير محتاج إلى إقامة دليل على جواز النظر، وكذلك أيضاً ينبغي أن يكون مَن لم يجز للمرأة البدوّ
стр. 375
والإِظهار، غير محتاج إلى إقامة الدليل على تحريم النظر، بل يكون النظر إليها من غير ضرورة حراماً، لأنه إذا كان إبداؤه حراماً، كان النظر إليه بمثابة النظر إلى العورة أو البطن أو غيرهما.
وقد قدمنا أنه جائز للمرأة إبداء وجهها وكفيها، فإذاً النظر إلى ذلك جائز, لكن بشرط ألا يخاف الفتنة وأن لا يقصد اللذة، أما إذا قصد اللذة [وخاف الفتنة] (١) فلا نزاع في التحريم, بل لو كان نظره على هذا الوجه إلى ذات مَحرمه، بنته أو أخته، كان حراماً، واذا لم يقصد اللذة لكنه يخاف الفتنة بنظره، فينبغي أن يكون ممنوعاً، بقوله: "اصرف بصرك" (٢)، وبليِّه عُنُق ابن عمه وقوله: "خشيت عليهما" (٣)، وبما عُلم من قاعدة الشرع في الأمر بغضِّ البصر، أنّه لأجل الخوف على النفس وقصد صيانتها عما يجلب إليها هوًى،
[وإن] كان لم يخف.
[وما قلناه] (٤) هاهنا، هو الخلاف الذي قدمنا حكايته، فمن مانع، ومن مجيز، وقد كان تقدم النظر في مسألة النظر إلى الغلام، وأنه إذا نظر إليه الناظر غير قاصد ولا خائف: أنه جائز بلد خلاف، والأمر هاهنا بخلاف ذلك، يعني أنه إذا نظر إلى وجه المرأة غير قاصد ولا خائف، فالخلاف قائم، استمداداً من غلبة الفتنة [بهن] (٥)، أكثر من الفتنة بهم، وذلك أنهن محل
стр. 376
قضاء (الوطر) (١) الذي ينبني عليه التناسل المقدر، فميل النفوس إليهن كميلها إلى الطعام والشراب، اللذين ينبني عليهما بقاء الجنس إلى أجله المقدر، فيلتحق هذا المعنى (بمَن حرم النظر من أجله) (٢)، وإن كان الناظر غير قاصد ولا خائف، صيانة للنفس عن الهوى، حتى يكون ما ينال من اللذة، ويقضي من (الوطر) (٣) على الوجه الشرعي، و (مَن) (٤) غلب عليه الالتفات إلى المعنى الذي من أجله وجب غضُّ البصر في أصل الشريعة وهو الخوف على النفس مما يحد إليها الناظر، قال ههنا: هو غير خائفٍ ولا قاصدٍ؛ فالنظر جائز.
أما نظر النساء إلى النساء، فينبغي أن يكون الأمر فيه كنظر الرجال إلى الغلمان، يعني أنه لا يكون الخلاف في ذلك، إن كان غير قاصدٍ ولا خائف كما لم يكن الخلاف في نظر الرجال إلى الغلمان.
فهي إذاً أربع مسائل: نظر الرجال إلى الغلمان، ونظر النساء إلى النساء، هاتان متساويتان؛ إذا لم يكن خوف ولا قصد، جاز بلا خلاف, وإذا كان الأمران امتنعا بلد خلاف، فإن كان القصد دون الخوف، حرم ولو كان ابنه، أو من المرأة ابنتها، وعلى أن هذا القسم ممتنع التصور، فإن قصد اللذة هو عين الفتنة، وإن كان الخوف من غير قصد لذة وهو يعلم من نفسه الإنقياد إلى البصر، والنزع إلى الهوى افترقتا.
أما (النظر) (٥) إلى الغلام، فقيل: يحرم بإطلاق، وقيل: يجوز، فإن أَحَسَّ بشيء أمسك.
стр. 377
وأما في نظر المرأة إلى المرأة، فقيل: يجوز, فإن خافت أمسكت، وقيل. يجوفي لها ما يجوز لذي المحرم من ذات محرمه، ويمتنع عليها ما يمتنع عليه، وقيل: يمتنع بإطلاق لأجل الخوف، كما في نظر الرجل إلى الغلام، وقد تقدم ذكر ذلك، وتوجيهه في بابه.
أما نظر الرجال إلى النساء، أو نظر النساء إلى الرجال (فالقول) (١) فيهما على خلاف ذلك، وهو أنه إذا تحقق الأمران: الخوف والقصد، أو كان القصد وتُصور دون الخوف، حرم النظر في الحالين، ولو كان من الرجل إلى ابنته، ومن المرأة إلى ابنها، وإن عدم الأمران، فأما في [مسألة] (*) نظر الرجل إلى المرأة, فقيل: يجوز النظر إليها، التفاتاً إلى عدم سبب المنع، وقيل: لا يجوز تغليباً لمستقر العادة في ميل النفوس إليهن, وأما في مسألة نظر المرأة إلى الرجل، فأحرى بالجواز، إذ لا قصد ولا خوف، وإن كان الخوف دون القصد امتنع النظر ولا بد في مسألة نظر الرجل إلى المرأة، وهذا هو موضع غض البصر المشروع، خيفة الفتنة.
وأما في مسألة نظر المرأة إلى الرجل، فمختلف فيه على ثلاثة أقوال (٢)، سنبينها في الباب الذي بعد هذا إن شاء الله تعالى.
ولنعد تلخيصها على وجه آخر، فنقول: قصد الإلتذاذ محرِّمٌ النظرَ لذوي المحارم وذوات المحارم، فكيف للأجنبيات والأجانب، سواء كان الناظر رجلاً أو امرأة, لرجل أو امرأة، وينتظم قصد الإلتذاذ قسمين: إذ يكون مع الخوف ودونه، وعدم الأمرين يجوز معه ثلاث مسائل، ويختلف في الرابعة، وهو نظر
стр. 378
الرجل إلى المرأة، فقيل فيها: يمتنع، لأنها محل الشهوة الجِبِلِّيَة (١)، وقيل: يجوز لعدم سبب المنع، فلم يبقَ إلا قسم واحد، وهو الخوف دون القصد.
ففي مسألة نظر الرجل إلى الغلام قولان (٢): قيل: يجوز، فإن تحرك أمسك. وقيل: يحرم بإطلاق.
وفي مسألة نظر المرأة إلى المرأة ثلاثة أقوال: قيل: يجوز، فإنها لم تقصكد، ولعلَّ ما خفت لا يقع، ولكنها إن تحركت أمسكت. وقيل: يجوز لها ما يجوز لذي المحرم من ذات محرمه، وقيل: يمتنع بإطلاق، حذراً مما يخاف من الفتنة.
وفي مسألة نظر الرجل إلى المرأة، يحرم قولاً واحداً، لأن المحكي فيه: قولان: أحدهما: يحرم بإطلاق، والآخر: يجوز ما لم يخف. فعلى القولين: إذا خاف حرم، وفي مسألة نظر الرجل إلى المرأة إذا خاف ولم يقصد، فيها ثلاثة أقوال، سنبينها في باب نظر النساء إلى الرجال إن شاء الله.
(والمسألة) (٣) التي نحن فيها قد نسيتُها بما خرجنا إليه، فلنعد لها؛ وهي نظر الرجل إلى المرأة الأجنبية الحرة (البالغة) (٤)؛ فإذا قصد اللذة وخاف الفتنة حرم النظر، وإذا قصد اللذة ولم يخف كذلك، بل وكذلك لابنته، وإذا لم يخف ولم يقصد قولان: أحدهما: المنع، والآخر: الجواز فإن تحرك أمسك، وفيما إذا خاف ولم يقصد، المنع ولا بد. وعلى هذا تخرج الأحاديث.
أما قوله ﵇ لجرير بن عبد الله: "اصرف بصرك"، فإنه يعني به ما بعد نظر الفجأة، إذ لا يدخل نظر الفجأة تحت التكليف، فإنها بغير قصد
стр. 379
إلى إيقاعها، وإنما قال له: "اصرف بصرك" عما وراءها، وذلك والله أعلم أنه خاف عليه الهوى، لما (رآه) (١) (معتنياً) (٢) بالسؤال عنه، ولأنه معلوم من حاله ﵁ أنه كان في الجمال (كيوسف) (٣)، وكذلك كان يقال: جرير يوسف هذه الأمة (*).
والنظر كما يجرُّ الناظر إلى الهوى، يجرُّه إلى المنظور إليه، كما قال (٤):
ويرفعُ الطرفَ نحوي إنْ مررتُ به ... ليُخجلني من شدَّة النَّظَرِ
وما زالَ يفعلُ بي هذا ويدمنُه ... حتى لقد صارَ من همِّي ومن نَظَرِي
فلعله ﵇ خاف أن يكون نظره جالباً إليه هوى، ومسبباً لمَن ينظر إليه هوى، فمنعه، وعلى هذا المعنى يخرج ما رُوي عن مالك ﵀ من اشتراطه في نظر العبد إلى سيدته أن لا يكون له منظر، لأنه إذا كان له المنظر والجمال والشباب فنظر، (استمالها لا) (٥) بد؛ إذ [المرأة] (٦) تكون تارة ضعيفة سريعة الإنكسار، ولا سيما إن كانت لا زوج لها، بخلاف الوغد القبيح المنظر، هذا يمكن أن يكون نظره ترويعاً، فكيف أن يعد جالباً للهوى، والله أعلم.
стр. 380
٢٠٨ - وروى الترمذي:
عن محمد بن (بشار) (١)، عن أبي أحمد الزبيري، عن سفيان، عن عبد الرحمن بن الحارث بن عياش بن أبي ربيعة (٢)، عن زيد بن (علي) (٣)، عن أبيه، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب، عن النبيِّ ﷺ في حديث الفضل بن عباس، قال: ولوى عنق الفضل، فقال العباس: يا رسول الله! [لمَ] (٤) لويت عنق ابن عمِّك؟ قال: "رأيت شابّاً وشابة، فلم آمن الشيطان عليهما".
قال الترمذي (٥): حديث حسن صحيح. وذكره البزّار أيضاً.
وهو ظاهر قوي بما قلناه من إباحة النظر إذا لم يخف الفتنة، وذلك من حيث تركها لم يأمرها بالتنقب، ولم ينهَ الناس عن النظر إليها، وإنما نهى مَن خاف عليه الفتنة.
فإن قيل: لعلها كانت محرمة، فلذلك لم تؤمر بستر وجهها.
فالجواب أن (نقول) (٦): لا يضرُّ ذلك ما نحن فيه، من إباحته
стр. 381
(للفضل) (١) وغيره النظر، لولا ما خاف من الفتنة، هذا ما لا يقدر أحد أن يفهم من الخبر خلافه؛ أعني: أنه لولا خوفه عليه الإفتتان (لتركه) (٢) كما ترك الناس. وقد فهم العباس أن النظر جائز, (ولذلك) (٣) أنكر ليَّ عُنُق ابنه، حتى عرَّفه النبيُّ ﷺ بالذي أوجب ذلك، فأقره النبي ﷺ على (فهمه) (٤)، ولو كان النظر حراماً لقال له: يا عم! إني رأيته ينظر، والنظر حرام. وهو لم يقل هكذا، وإما قال له: "رأيت شابّاً وشابة فخشيت ... "، فمنعه لما خاف عليه.
أما المرأة، فإنه -والله أعلم- رآها مقبلة على شأنها سائلة عمَّا عنَّ (٥) لها، فلذلك لم يعرض لها بنهي، فإق (تتبعها) (٦) لم تدلَّ عليه قرينة، كما دلت قرينة التفات الفضل وإلحَاحِه بالنظر على مُغِيبَةٍ (٧)، فلعل المرأة لم تقصد بالنظر التذاذاً ولا خافت فتنة، وسنزيد هذا بياناً في باب نظر المرأة إلى الرجل إن شاء الله تعالى.
فإن قيل: فقد ذكر البزار ما هذا سياقه:
٢٠٩ - نا يوسف بن موسى، نا عبيد الله بن موسى، نا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن الفضل بن عباس: أنه قال: "كنت رديف رسول الله ﷺ من المزدلفة وأعرابي يسايره، ومعه ابنة له حسناء
стр. 382
قد أردفها خلفه، فجعلت أنظر إليها، فجعل النبي ﷺ يلوي وجهي ويصرفه عنها، فلم يقطع التلبية حتى رمى جمرة العقبة" (١).
ففي هذا الحديث أنها مردفة خلف أبيها.
وفي حديث: "فمرت [به] (*) ظُعُن يجرين" (٢) فإن هذا تعارض.
قلنا: لا تعارض فيه، بل يمكن وقوع ذلك كله، فمرت الظعن، وساير الأعرابي، وسألت الخثعمية (٣)، وتكرر الفعل من الفضل، والمنع من النبي ﷺ . وهذا يؤيد ما قلناه: من أنه عرض له لما رأى من إلحاحه، ولم يعرض للنساء
стр. 383
لإقبالهن على شؤونهن أو لأنهن محرمات (١)، ولا أيضاً لغير الفضل من الرجال، ممّن لم يرَ (منهم) (٢) ما رأى من الفضل من الإِلحاح.
ويتبين من حديث رواه ابن جريج عن:
٢١٠ - [أبي] (٣) الزبير، عن أبي معبد، عن ابن عباس، عن أخيه الفضل بن عباص: أنه كان مردفاً للنبيِّ ﷺ في دفعته من عرفة إلى المزدلفة يوم عرفة، ومن المزدلفة إلى منى يوم النحر.
ذكر ذلك البزار (٤) فاعلمه.
فإن قيل: فقد ذكر البزار حديث أبي سهم، قال:
٢١١ - مرَّت بي امرأة فنظرت إليها، فجبذتُها (٥) جبذة ثم أتيت رسول الله ﷺ من الغد وهو يبايع الناس، فنظر إليَّ فقال: "ألستَ صاحب الجبذة بالأمس؟ " قلت: بلى يا رسول الله! لا أعود، قال: "فبايعني" (٦). وإسناده صحيح.
قال: نا محمد بن عبد المخرمي، قال: نا أسود بن عامر، قال: نا هريم، يعني: ابن سفيان، عن بيان بن بشر، عن قيس بن أبي حازم، عن أبي شهم (٧).
стр. 384
ففي هذا أنه أنكر عليه الجبذة، ولم ينكر النظرة، وبلا ريب أنها قد كانت بقصد يمنع من النظر بدليل ما تبعها من الجبذة.
قلنا: بل ظاهر القصة: أنه أنكر عليه النظر، فأما الجبذ فما فيه مس ولا لمس، فلعله كان بطرف من ثوبها. وإنما المنكر الذي أتاه النظر، وهو الذي أفهمه النبيُّ ﷺ في أنه يمنعه من مبايعته، وليس في قوله: "ألستَ صاحب الجبذة بالأمس؟ " ما يدل على أنه لا (يعني) (١) إلا الجبذة، بل ما ذكر ذلك إلا كالصفة له المفهمة أنه قد عرف ما كان منه من غير تصريح به؛ فما في هذا ما يناقض شيئاً مما قلناه، لأنه لا خلاف في تحريم ما أشبه هذا من النظر، فاعلمه، والله الموفق.
(٩٩) - مسألة: نظره إلى القدمين والكفين، من الحرة الأجنبية المدركة المشتهاة:
(ينبني) (٢) القول فيه على ما تقدم مما تبديه للأجانب من زينتها الظاهرة، وقد كان منهم مَن قال: الثياب والوجه فقط، فهؤلاء لا يجيزون النظر إلى الكفين والقدمين، وكان منهم مَن قال: الوجه والكفان، فهؤلاء يجيزون النظر إلى ذلك، وكان منهم مَن قال: ظهور القدمين ليسا بعورة ولا يلزم سترهما في الصلاة، فهؤلاء يجيزون النظر إلى الوجه والكفين وظهور القدمين.
فممَّن (٣) يقول بأنها تبدي الوجه والكفين: سعيد بن جبير، والأوزاعي، وزاد ابن عباس: إلى نصف الذراع، وهذا هو الصواب عندي (أخذاً) (٤) مما قد مرَّ في باب ما يجوز إبداؤه، وبما مرَّ الآن في مسألة النظر إلى الوجه، فإذاً يجوز
стр. 385
للأجنبي النظر إلى الكفين، كما يجوز له النظر إلى الوجه، ما لها يخف. أما القدمان، فقد قلنا: إن الأظهر المنع من إبدائهما، فيمتنع على ذلك النظر إليهما.
وهذا كله مبنيٌّ على ما قد تقدّم، وقد تمسّك بجواز النظر إلى اليدين بحديث حذيفة المتقدم (١) في الجارية التي أخذ بيدها، كَافّاً لها عن الطعام، بل القبض على يدها أشد من النظر إليها، ولكن يجوز النظر ولا يجوز القبض على يد الأجنبية، وإنما كان هذا من النبيِّ ﷺ إنكاراً لمنكرها وتغييراً عليها، والممكن من تغييره باليد، لأنها لها تكن (منتهية) (٢) باللسان، والذي أتت منكراً؛ وهو تناولها طعاماً لها تُدع إليه، [ومَن أتى طعاماً] (٣) بغير إذن مالكه منتهباً أو شبه المنتهب، والله أعلم.
(١٠٠) - مسألة: فإن كانت هذه الأجنبية المسلمة الحرة عجوزاً, قد بلغت من السن إلى حد لا تتحرك شهوةٌ بالنظر إليها:
فالأظهر عند أبي حامد الغزالي المنع، بناه على أصل القائلين بالمنع من النظر إلى وجه الأجنبية مطلقاً، وسوّى بينها وبين الفتاة من حيث هي بالجملة محل الوطء، والشهوات لا تنضبط، ولكل ساقطة لاقطة، وإذ قد كان مختارها (جواز) (٤) النظر إلى (وجهها) (٥) كالفتاة، ما لم تخف الفتنة، أو تقصد اللذة، فإق النظر إلى هذه بالجواز أَحرى، فإنه أَمن من الفتنة بسبب قائم محقق.
стр. 386
هذا هو المعتمد، ويعتضد بظواهرها: دخوله ﷺ على أم سليم (١) وأم حرام، وائتمامهما به، وبعيد أن تكونا مستترتي الوجه، وإن جاز ذلك فإنه ليس بالظاهر، ولم تكن أم سليم من الكبر في هذا الحد الذي فرضناه، بل كانت في سن مَن يلد، وابنها عبد الله لمّا ولدته سماه النبيُّ ﷺ .
كذلك:
٢١٢ - قوله ﷺ لفاطمة بنت قيس: "اعتدِّي عند أم شريك" (٢).
стр. 387
على معتادها من زيارة الرجال إياها، والفارق الموجب للإفتراق: أنها عجوز، وفاطمة شابة، هذا هو الأظهر فيه، ويحتمل أن يكون قد علم من أم شريك التحفظ، ومن فاطمة التساهل في التفضل، ولم يبح لواحدة منهن التبرج بالزينة.
وكذلك أيضاً: غَزوُ أُمّ عطية (١) مع النبيِّ ﷺ سبع غزوات، تداوي الجرحى وتقوم على المرضى.
وكذلك غزو أم سليم (٢)، وحضورها القتال بخنجرها لمزيد قوامتها.
стр. 388
والغالب على مثل هذه الأحوال، البُدوُّ على الناس والنظر؛ فالظاهر من هذا كله جواز ما وراء نظر المفاجآت، إلا لمَن خاف أو قصد اللذة، وقد تقدّم القول في ذلك، وفي ما يجوز للقواعد من النساء إبداؤه، في باب ما يجوز إبداؤه وما لا يجوز.
(١٠١) - مسألة: فإن كانت هذه الأجنبية مسلمة أمة, هل هي في جواز النظر إليها وامتناعه مثل الحرة أم لا؟:
اختُلف في ذلك؛ فمنهم مَن قال: إنها كالحرة سواء، ومنهم مَن قال: هي بالنسبة إلى الرجل كنسبة الرجل إلى الرجل، فيما يجوز أن ينظر منها، ومنهم مَن قال: ينظر منها إلى ما يجوز أن ينظر إليه من ذوات محارمه، وذلك مثل: الوجه والرأس والصدر والساقين والعضدين، ولا ينظر إلى بطن ولا ظهر، هذا ما حكاه القدوري على أنه مذهب الحنفية، وزعم أبو عمر بن عبد البر: أن (كون ما) (١) هو منها عورة كالرجل متمع عليه، وزعم الغزالي: أن القياس هو أن لا يجوز النظر منها إلا ما يجوز النظر إليه من الحرة، وحكاه قولاً قد قيل. وروي عن مالك من كراهة خروجهن متجردات ما قد ذكرنا جميعه، وبينَّا كيف لا يصح الإِجماع الذي حكاه أبو عمر معه مستوعباً، في باب ما يجوز للأمة إبداؤه، فعُد إليه بالنظر (٢).
والأظهر عندي في تلك المسألة: جواز إبدائهن من أنفسهن أكثر مما تبديه الحرة من نفسها، أخذاً مما قدَّمنا ذكره من مستقر الأمر فيهن جيلاً فجيلاً.
وأما في هذه المسألة التي هي ما يجوز النظر إليه منهن؛ فموضع حذر
стр. 389
وتوقف، فإن من الإِماء من هي أحسن من كل حرة تراها عين، والإِطلاق للرجال على النظو إلى محاسنهن (معناه) (١) مخالفة المتقرر شرعاً من وجوب مراعاة صيانة النفس بغضِّ البصر عمَّا يجلب إليه الهوى.
فإن قلت: هذا [يعارض] (٢) لما لم يزل معتصداً إياه في كل مَا مَرَّ مِن أنه: متى جاز الإِبداء جاز النظر، وما جاز إبداؤه جاز النظر إليه.
وهنا قلت: إن الأمة يجوز لها أن تبدي من نفسها أكثر مما تبديه الحرة، ولا يجوز للرجل أن ينظر منها إلا إلى ما ينظر إليه من الحرة.
فالجوابا أن نقول: إنما أثبتنا ذلك الأصل بقول مطلق، وهو: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ﴾ [المائدة: ٢].
فمَن أجاز الإِبداء أجاز النظر؛ فإنه لو حرم كان الإِبداء إعانة على الإِثم، وهذا القول المطلق على تقييده في موطن أو مواطن بأَدِلَّة مقيدة إن وردت، وهذا المكان من ذلك فإنا إن أبحنا للرجل النظر إلى غير الوجه والكفين من صدر أو عنق من جارية كالبدر، فقد خالفنا مقطوعاً به، وأرسلنا البصر حيث أمر بِغَضِّه، وتعرضنا للفتن أكثر من تعرضنا لها (بالنظر) (٣) إلى ذلك من الحرة الشوهاء الهزيلة التي قد حرم النظو (إليها كلذلك) (٤) هاهنا: وهذا النوع من النظر [من] (٥) حكاه يكون فظيعاً.
فإن قيل:
٢١٣ - فقد روى أنس بن مالك في قضية صفية: أنهم قالوا: لا ندري
стр. 390
أتزوجها، أم اتخذها أم ولد؟ قالوا: إن حجبها فهي امرأته، وان لم يحجبها فهي أم ولد، فلمَّا أراد أن يركب حجبها فقعدت على عجز البعير، فعرفوا أنه قد تزوَّجها (١).
ففي هذا: "إن لم يحجبها فهي أُم ولد"، يعنون أمة، فإنها لم تلد بعد، وبعيد أن يعنوا بذلك سَترَ وجهها، فإن الحرة والأمة في إبداء الوجه سواء، فإنما ذلك فيما زاد على الوجه؛ فقد دلَّ هذا على أنها تبدي إذا كانت أمة أكثر مما تبديه الحرة.
فالجواب أن نقول: هذا عين ما قلناه من أن الأمة فيما تبديه بخلاف الحرة، أي: إنها تبدي من نفسها أكثر [من] (٢) الحرة، وأما في النظر إليها كالحرة ليس ذلك في هذا الخبر، فإنهم لم يقولوا: إنهم نظروا منها إلى أكثر من الوجه، ولا ذكروا ذلك، والأظهر أن يكون قوله: "حجبها" إنما معناه: أنه ستر ركبتها حتى خلف (الحجاب) (٣)، فلما (استقرت) (٤) أرسل الحجاب، وإذا كان ذلك لم يكن منه اعتراض، وكفينا مؤونة الجواب.