نعم (فقام) (١) بالباب وحيدته، فوضعت ذقني على عاتقه، (وأسندت) (٢) وجهي إلى خدِّه، قالت: ومن قولهم يومئذ: (أبا) (*) القاسم طيباً، فقال رسول الله ﷺ : "حسبكِ؟ "، فقلت: لا تعجل يا رسول الله! فقام [لِي] (**) ثم قال: "حسبك؟ "، قلت: لا تعجل يا رسول الله! قالت: وما لي (حب) (٣) النظر إليهم، ولكني أحببت أن يبلغ النساء مقامه (لي) (٤) (ومكاني) (٥) منه. ذكره النسائي (٦). وهو صحيح، وتخريجه على ما قلناه (بين) (٧).
فإنها بلا ريب ﵂ وحاشاها -[لم ترد] (٨) سوى رؤية اللعب ولا هي أيضاً خائفة، فخرج -كما قلناه- إقراره إياها على النظر, لعدم تحقق الشرطين المانعين.
وقد جعل بعضهم لحديث عائشة هذا مخرجاً آخر، وهو أن قال: كانت غير
стр. 422
بالغ، لأنه نكحها بنت ست أو سبع، وبنى بها بنت تسع، قال: ويجوز أن يكون قبل ضرب الحجاب، قال: ومع ما في السودان مما (تستقبحه) (١) العيون، قال: وليس (الصبيات) (٢) كالنساء في معرفة ما هنالك من أمر الرجال، قال: خلاف ميمونة وأم سلمة اللتين قيل لهما في النظر إلى الأعمى: "أفعمياوان أنتما؟ " (٣)، يعني: أنهما امرأتان بالغتان (مبلغ) (٤) النساء. هذا الذي وصفناه منزع ابن عبد البر (٥) في ذلك، وبعضه يحتاج فيه إلى نقل تاريخ، وهو ما (٦) قال مِن سَبقه نزول الحجاب، وصِغَر عائشة بأنها [لم تكن] (٧) قد بلغت، والنبي ﷺ [ما بنى بها] (٨) حتى [بلغت تسع سنين، فهذا] (٩) بلا شك، فإنه توفي عنها وهي بنت ثماني عشرة.
стр. 423
ومنها:
٢٢٠ - قوله ﵇ لفاطمة بنت قيس: "اعتدِّي عند ابن أم مَكتوم" (١).
فإنه يخرج أيضاً كذلك (٢) خروجاً صحيحاً لو سُلّم أن فيه إطلاق النظر لها، وبهذا استدلَّ ابن رشد على ما ذهب إليه من جواز نظرها إلى ما ينظر إليه الرجل من ذات محرمه، وليس فيه ذلك.
ومنها: حديث المخنّث (٣)، وخروجه أيضاً على ذلك بَيّن جدّاً، باعتبار أحوال الفاضلات الزاكيات أمهات المؤمنين ﵅.
٢٢١ - وروى (أسامة) (٤) بن زيد، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: أن النبي ﷺ مَرَّ به (٥) أبو سفيان بن الحارث، فقال: "يا عائشة! هلمي حتى أريك ابن عمي الذي بجانبي".
ذكره البزار (٦): عن عبد الله بن نافع، عن أسامة، (وكلاهما لو لووا ضعف فهو حسن) (٧) ولو صحَّ خارج على ما قلناه: من إباحة النظر لها بغير قصد الإلتذاذ حين لا خوف، فإن الذي لأجله نظرت إليه فقد تعين، كلعب الحبشة.
وأشدُّ ما يرد على هذا القول: حديث أم سلمة، قال الترمذي:
стр. 424
٢٢٢ - حدثنا سويد، نا عبد الله هو ابن مبارك، نا يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن نبهان مولى [أم سلمة] (١): أنه حدثه: أن أم سلمة حدثته: أنها كانت عند رسول الله ﷺ ، وميمونة، قالت: فبينا نحن عنده، أقبل ابن أم مكتوم، فدخل عليه [وذلك] (*) بعدما أُمرنا بالحجاب، فقال رسول الله ﷺ : "احتجبا منه" فقلت: يا رسول الله! أليس هو أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا؟ فقال رسول الله ﷺ : "أفعمياوان أنتما؟ ألستما تبصرانه؟! " (٢).
قال أبو عيسى: هذا حديث صحيح.
والمعترض به يقول: هذا نهي مطلوب للنساء الفاضلات الزاكيات البريئات من التهم عن النظر إلى أعمى جرب الوجه، فإن العينين أجمل [ما] (٣) فيه، فما ظنك بنظر امرأة ليست في الزكاة والفضل يهذه (المرتبة) (٤) إلى شابّ جميل صحيح البصر يلحظه قلب العمي؟!.
والجواب محته أن نقول: هما ﵄ عللتا جواز النظر بعلة غير صحيحة، وهي كونه أعمى، وليست علة الجواز عدم النظر من المنظور إليه، وإنما علة جواز نظرهن إلى الرجال عدم القصد والخوف، أما عدم الخوف مع وجود القصد، أو عدم القصد مع وجود الخوف، (فلأنهما) (٥) نظرتا في جواز نظرهما إليه نظراً غير صحيح، بأن جعلتا علة الجواز كونه لا يبصر ولا يعرف، رد قولهما
стр. 425
- بالمعارضة بعلة أخرى - بالمنع، ولم يعط ذلك لهما [علة] (١) مستقلة بالمنع دون ضميمة الخوف، من حيث كان مبطلاً لعلتهما.
ويبقى النظر في منعه لهما من النظر إليه، يُحال به على أمرين: القصد والخوف، وهما ﵄ وإن كانتا غير متهمتين باستباحة النظر على الوجه الممنوع، فإنه يظهر من أمرهما أنهما (استحلتا) (٢) النظر إليه لما كان أعمى، والنظر إلى الأعمى (يتجدد) (٣) ويدوم ويتتبع به المحاسن في وجه المنظور إليه الأعمى، ما لا يتَّبع به في وجه المبصرة فإنك إذا كلمت المبصر لم تنظر من وجهه في الأغلب إلا إلى عينيه، وهو كذلك إن نظر إليك حين تكلمه، وإذا كلمت الأعمى تتبعت بنظرك ما شئت من وجهه وبدنه (لا يلقاك) (٤) صادّ، حتى صلح بهذا الاعتبار أن يُقال: "ألستما تبصرانه؟ " ولو كان صحيحاً صلح أن يقال: ألستما تبصرانه؟ وألستما تبصران عينيه؟ ..
وهذا الوجه وإن كان (مستجمعاً) (٥) من سننه بقيده، فإنه يمكن أن يحمل
عليه باعتبار علو منصبهما ﵄، ومطاليتهما بما خرجت، كما تقرر قبل.
وقد نزع فيه ابن عبد البر منزعاً آخر؛ وهو أن الرجل أمر بحجب امرأته بقدر ما يراه، حتى لربما يمنع منها المرأة، فضلاً عن الأعمى، وأما [أُمّا] (٦) المؤمنين ﵄ ليستا كأحد من النساء، وهذا محتمل لما قال، ومندفع من حيث وجوب المساواة بينهما وبين غيرهما فيما لم يثبت فيه دليل التخصيص، والذي أخرجنا عليه الحديث أعوض.
стр. 426
فإن قيل: ولو صحَّ:
٢٢٣ - حديث جعفر بن نصر أبي ميمون (١)، قال: نا حفص بن غياث، قال: نا ليث، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ : أنه قال: "لا تعلموا نساءكم الكتابة، ولا تسكنوهن العلالي".
стр. 427
قيل: كان يدل على منعهن من النظر، حيث نهى عن إسكانهنّ مكاناً يشرفن منه (ويمكنهن [من أن] ليطلعن) (١).
قلت: ليس هذا المعنى بنص فيه، ويحتمل أن يريد: لا تسكنوهن العلالي، فيظهرن للناظرين حتى يكون مثل الحديث الضعيف الآخر:
٢٢٤ - "استعينوا على النساء بالعري" (٢)، أي: حتى يلزمن البيوت.
وكلا الحديثين مستغنى عن النظر فيه، لضعفهما، والله أعلم.
(١٣٢) - مسألة: أما نظر المرأة إلى ما عَدا الوجه والكفين والقدمين من (الرجال) (٣):
стр. 428
فيقع الأمر في ذلك أبين منه في التي قبلها، وههنا (١) يكون بالمنع أحرى، لا سيما إذا اعتبر انقسام الرجال: إلى الحسان الوجوه، الناعمي الأبدان، [وإلى] (٢) مَن هو بعكس ذلك منهم، فإنه يتبين امتناع إطلاق المرأة النظر إلى جسم شاب حسن ناعم (وهيئته) (٣)، لقد كاد يحرم ذلك على الرجال، أعني: وهم غير قاصدين الإلتذاذ، [فكيف] (٤) لا يحرم على النساء؟!.
(١٣٣) - مسألة: نظرهن إلى مَن يجوز النظر (إليه) (٥) من غير أولي الإِربة:
[هل] (٦) يُعتبر في جواز ذلك لهن شرط واحد وهو: كونه غير ذي أرب، أو شرطان, هذا أحدهما، والآخر: أن يكون تابعاً؟ .. هذا موضع نظر ينبني على أن ذلك هل يُعتبر أيضاً بشرطين، أو شرط واحد في مسألة جواز بدوّهن له، وإظهارهن من الزينة ما يظهرن لمن ذكر (معه) (٧) في الآية (٨)؟ وقد تقدّم
ذكر ذلك في موضعه مغنياً عن الإعادة.
(١٣٤) - مسألة: قد ذكرنا في باب نظر الرجل إلى المرأة جواز نظر العبد إلى سيدته، ونذكر ههنا هل يجوز لها أن تنطر إليه مطلقاً، أو بشرط أن يكون لا منطر له؟:
стр. 429
شرط ذلك [مالك] (١) ﵀، وفيه خلاف ينبني على ما تقدّم في باب بدوها له، فارجع إليه وأحرى ههنا باعتباره، فإن الأصل منع النظر، ووجوب غض البصو، ومَن أجيز لها أن تنظر إليه هو في [حكم] (٢) المستثنى، والخوف عليها محقق فيما إذا كان العبد غلاماً حسناً جميلاً ناعماً، ومانظرها إليه - ولا سيما إذا لم يكن لها زوج - إلاّ عينَ الفتنة، بل ما نظرها في هذا الحال إلى العبد (*) إلا مكان نظره، فاعلمه.
(١٣٥) - مسألة: نظر المرأة إلى الغلام الصغير إذا كان مشتهى، كنظر الرجل إلى الغلام أو الجارية سواء.
(١٣٦) - مسألة: نظرها إلى الغلام الرضيع ونحوه, والفطيم ونحوه:
جائز فيما عدا العورة، أما إلى عورته فلا يجوز نظرها إليه، كما لا يجوز النظر إلى فرج الصغيرة الأجنبية، وقد تقدّم ذكر ذلك في موضعه، والأصل فيه: الأمر (بغضِّ) (٣) البصر، (وليس ما) (٤) أجمعوا عليه من غسل المرأة الصبي الصغير يمنع الإطلاع على عورته, وإنما معناهم في ذلك: أن ذلك منه ليس بعورة.
وكذلك لا يجوز عند بعضهم إلا في الفطيم ونحوه، وممّن [قال] (٥) ذلك: الحسن ونحوه؛ إذ في الذي لم يتكلم بعد، وممن قال ذلك: أصحاب الرأي.
стр. 430
ومَن أجاز ذلك في ابن سبع سنين كمالك بن أنس وأحمد بن حنبل، ليست إجازتهم إياه إباحة للإطلاع، فقد يستر كما يَستر الرجل الإبن، والله أعلم.
(١٣٧) - مسألة: نظرها إلى عبد بعلها أو سيدها, أو إلى مكاتبها, أو مدبرها, أو المعتق بعضه, أو مَن لها فيه شرك، أو الشيخ الفاني:
مبنيٌّ على ما تقدم في الباب الذي قبل هذا، وفي باب بدوها (لهم) (١) مِمّا هو مغنٍ عن الإِعادة لشيء منه ههنا، فاعلم ذلك.
فقد فرغنا من ذلك النظر لغير ضرورة، وهو أشد ما يحذره المؤمن الشحيح (٢) على دينه، فإنه جالب أعظم الفتن، والنفس طائعة لِلفِتَن (٣) تنظر له، والبصر لا يشبع من النظر إلا أن يزعه وازع ديني.
وقد روي في هذا حديث نختم [به] (٤) هذه الأبواب (*)، وإن لم يصحَّ، ونبين علته قبل الشروع في باب الضرورات، وهو حديث رواه أبو أحمد بن عدي (٥)، قال:
стр. 431
٢٢٥ - نا عمر بن سنان، نا عباس بن الوليد الخلاد، نا عبد السلام بن عبد القدوس، نا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "أربع لا يشبعن من [أربع] (١): أرض من مطر، وأنثى من ذكر, وعين من نظر، وطالب علم من علم".
وإنما لم يصح لمكان عبد السلام هذا، فإنه يروي منكرات عن هشام بن عروة والأعمش، ولكن معناه صحيح، ويساعده [أن] (٢) (حاسة) (٣) البصر بإطلاقها على النظر مهلكة، والله نسأله العصمة والتوفيق بمنّه لا رب غيره.
* * *
стр. 432
الباب السابع
ما يجوز النظر إليه مما تقدّم المنع منه لأجل ضرورة أو حاجة
стр. 433
اعلم أن كثيراً مما تقدَّم فيه جواز البدوِّ أو النظر من المرأة للرجل، أو من [الرجل] (١) للمرأة (سببه) (٢) الضرورة، كما تقدّم في عبدها، أو أب بعلها، أو ابنه، أو حال تربية الولد، وأشباه ذلك.
ويمكن أن يُقال ذلك فيما عفي للمرأة عن إبدائه، من وجهها وكفيها في حال تصرفها أو مَهنتها لا على وجه التبرج كما تقدم تقريره. ومنه ما سببه القرابة التي (هي) (٣) مظنّة عدم انبعاث الشهوة.
ونذكر من هذا الباب من الضرورات أو (عند) (*) الحاجات ما هو خارج عن ذلك، (مما) (٤) يبيح النظر أو يوجبه في مسائل، فنقول:
(١٣٨) - مسألة: مداواة عضو لا يجوز إبداؤه ولا النظر إليه, عورة كان أو غيرها:
تجوز للضرورة اللاحقة (بالمريض) (٥) المحوجة إلى المداواة (المفضية إلى) (٦) الإبداء والنظر، فيجوز للمريض الإبداء وللمداوي النظر، ولكن مقصور
стр. 434
على موضع الضرورة، (فما) (١) في الدين من حرج، وقد فصّل لنا ما حرم علينا، إلا ما اضطررنا إليه، ولا أعلم في جواز ذلك بالجملة خلافًا.
قال القاضي أبو بكر بن الطيب (٢): يجوز النظر إلى الفرج والعورة عند الضرورة الشديدة والحاجة عند العِلاج.
وقال القدوري: يجوز للطبيب أن ينظر موضع المرض منها، والله أعلم.
(ومذهب المالكية) (٣) هكذا، وهو صحيح كما قلناه، وسنذكر بعد إن شاء الله حجم أبي طيية (٤) لأم سلمة ﵁.
(١٣٩) - مسألة: إذا ادّعى الزوج أن بالمرأة عيبًا بالفرج، دعا إلى نظر النساء إليه، هل يجوز ذلك أو لا؟:
اختلف في ذلك. فمَن أجاز ذلك رآه ضرورة، لأنها (تُتهم) (٥) بالدفع عن نفسها، فوجب النظر الذي لا يتم واجب الزوج ولا يبلغ إلى حقه إلا بالإطلاع عليه.
ومَن منع ذلك اعتمد منع الحكم من الإطلاع على العورة، وكون المرأة مؤتمنة على فرجها، مصدقة في (أمرها) (٦) في أشياء كثيرة، وهي عندي محتملة، ولا سيما إن كان الصداق (المدفوع) (٧) إلى المرأة (نحلة) (٨) (لا) (٩) في مقابلة
стр. 435
الإستمتاع، فحينئذ يفارق الصداق عن الجارية المبيعة المذكورة في المسألة التي بعد هذه، فاعلها ذلك.
(١٤٠) - مسألة: أما إذا اشترى رجل امرأة، وادّعى أن بفرجها عيبًا، ودعا إلى أن ينطر النساء له:
فإن الأظهر في هذه غير جواز نظرهن إليها ضرورة، والمشتري يدّعي أن البائع قد ذهب بجزء من الثمن بإطلاق، يطلب أن يمكن من حقه، وذلك لا يتم إلا بنظرهن ما ادعاه، وهذا هو منصوص الفقهاء، وهو صواب، والله أعلم.
وكل ما ذكرناه هنا من جواز النظر إلى المبيعة، فهو (كذلك) (١) بالأحرى
والأولى بالعبد المبيع، إذا كان ما يزعم البائع من العيب بالعورة منه، وليس القول يجواز ذلك مناقضًا لما قدّمناه قبل، من منع الإطلاع على مؤتزر الغلام، إذا ادّعى رجل أنه قد بلغ، لتحقيق غرامة عليه؛ لأن الحق ههنا لم يجب بعد، فاعلم ذلك.
(١٤١) - مسألة: إذا ادّعى مَنْ ظاهره الرجولة أنه خُنْثى, مائل إلى الأنوثة، وسأل أن (يخلى) (٢) وراء الرجال: هل يجوز النظر إليه لتحقيق ذلك منه أم لا؟:
هو موضع نظر، فإن الضرورة يمكن أن لا تكون متحققة، بحيث يجوز النظر إلى العورة منه، ويمكن أن يقال: ترك النظر يؤدي إلى أضرار كثيرة، فهي كالمريض في جواز نظر الطبيب إليه، وقد (تجب) (٣) له أو عليه حقوق،
بحسب اختلاف حاليه، فوجب النظر إليه، فضلًا عن أن (يجرب) (٤)، وهذا هو الأظهر، والله أعلم.
стр. 436
(١٤٢) - مسألة: إذا كان العيب من الحرة في غير العورة (فبقر) (١) عن الثوب, هل يجوز إطلاع الرجال عليه أم يقتصر على النساء؟:
اختلف في ذلك على قولين؛ والأظهر: منع الرجال إذا كنا نتبلغ بالنساء إلى المقصود، فإن الضرورة لم تتحقق، أما إذا كان ذلك في العورة منها، فهل يستوي الرجال والنساء، لتساوي الصنفين في تحريم النظر إلى العورة، أو نقتصر أيضًا على النساء؟ هذه محتملة.
(١٤٣) - مسألة: دلّت قصة (مجزّز المُدلجي) (٢) في نظره إلى أقدام أسامة وزيد بن حارثة، وقوله: إن هذه الأقدام بعضها من بعض، وسرور
стр. 437
النبي ﷺ بذلك على مشروعية نظر القائف (١) إلى الولد ذكرًا كان ذلك أم أنثى، ومدَّعِيهِ عند التنازع فيه على ما هو معروف في مواضعه من كتب الفقه، فإن ثبت ذلك فإنه من هذا الباب جارٍ مجرى نظر الشاهد ومختبر العيب والطبيب، فاعلم ذلك.
(١٤٤) - مسألة: النظر من الخاتن لا خلاف في جوازه، ولو قلنا: إن الختان غير واجب:
٢٢٦ - وروى أبو هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "اختتن إبراهيم [وهو] (٢) ابن ثمانين سنة" (٣) وشرعه شرعنا.
وقد أبعد من تأوله على أن ذلك من نفسه بيده.
٢٢٧ - وروى أيضًا عنه ﵇ أنه قال: "الفطرة خمس" (٤)، ذكر فيها:
стр. 438
الختان، وهذه خلال كلها خوطب بها المكلف، والإِجماع على جواز تمكين الخاتن والإِبداء له.
رأى بعض الفقهاء: أن الختان واجب (١)، من حيث جاز إبداء العورة الواجب سترها، والواجب لا يجوز (تركه) (٢) بما ليس بواجب.
والقول في الخافضة (٣) والمخفوضة كذلك سواء.
فأما:
٢٢٨ - حديث أم عطية في هذا الباب: أن امرأةً كانت تختن بالمدينة، فقال لها النبي ﷺ : "لا تنهكي (٤)، فإن ذلك أحظى للمرأة (٥) , وأحب للبعل" (٦)،
стр. 439
فلا يصح، فإن في إسناده رجلًا يقال له: محمد بن حسان، قال أبو داود: وهو مجهول.
وجاء أيضًا من رواية ثابت، عن أنس:
٢٢٩ - أنَّ النبيَّ ﷺ قال لأم عطية نفسها: "إذا خفضت فأشمِّي (١) تنهكي، فإنه (أسرى) (٢) للوجه, وأحظى عند الزوج".
يرويه عن ثابت (زائدة) (٣) بن أبي الرقاد، قال فيه البخاري: منكر الحديث، ذكره أبو أحمد بن عدي (٤)، وجاء أيضًا من رواية الليث، عن يزيد بن [أبي] (*) حبيب، عن سالم، عن أبيه: أن رسول الله ﷺ قال:
٢٣٠ - "يا معشر نساء الأنصار! اختضبن غمسًا (**)، واختفضن ولا تنهكن، فإنه أسرى للوجه، وأحظى عند الزوج".
стр. 440
يرويه عن الليث: خالد بن عمرو (١) القرشي، وهو ضعيف جدًّا، في حد مَن
يتهم، ذكر حديثه هذا أيضًا أبو أحمد (٢).
وقال البزار:
٢٣١ - نا سهل بن بحر، نا علي بن عبد الحميد، نا مندل بن علي، عن ابن جريج، عن إسماعيل بن أمية، عن نافع، عن أبي عمر، قال: دخل على النبيِّ ﷺ نسوةٌ من الأنصار، فقال: "يا نساء الأنصار! اختضبن غمسًا، واختفضن ولا تنهكن، فإنه أحظى عند أزواجكن، واياكن وكفر المنعمين" (٣)
قال مندل: يعني: الأزواج.
وهذا أيضًا ضعيف، لضعف مندل.
وكذلك:
٢٣٢ - حديث شداد بن أوس، عن النبي ﷺ : "الختان سنّة للرجال، مكرمة للنساء" منقطع الإِسناد، ذكره ابن أبي شيبة (٤).
стр. 441
وكذلك:
٢٣٣ - "ألق عنك شعر الكفر واختتن".
ضعيف الإِسناد، للجهل براويه، ذكره أبو داود (١).
стр. 442
فلا يصح في هذا شيء غير ما ذكرناه وليس مما قصدنا، ولكنه انجر في باب الضرورات المبيحة للنظر.
(١٤٥) - مسألة: الحاجَّة أو المعتمرة، لا ينبغي أن يقصر رأسها رجل، بل هي أو امرأة غيرها:
وقد جاء:
٢٣٤ - عن ابن عياس، عن رسول الله ﷺ قال: "ليس على النساء حلق، إنما عليهن التقصير" (١).
قال البزاز: حدثنا محمد بن أبي علي المعروف بالكرماني، قال: نا نجاح، يعني: ابن محمد، عن ابن جريج، عن عبد الحميد بن جبير بن شيبة، عن صفية بنت شيبة، عن أم عثمان، عن ابن عباس فذكره. وهذا لا يصح، فإن أم عثمان لا تعرف، ولكنه مشتهر- (٢).
والحلقُ مُثلَةٌ، إلا أن تقصيرها قد يمكن بجمعها شعرها وفرقها إياه فرقتين تأخذ من كل فرقة [مقدار] (٣) (الأَنملة) (٤) أَو فوقها، والشوابّ والعجَّز في هذا سواء، فإن إباحة النظر لا تكون إلا بدليل ولم نجده.
стр. 443
(١٤٦) - مسألة: نظر الحاجم إلى المحجومة:
إن كان ذلك من ضرورة جاز إذا تحققت الضرورة، فإنها معالجة صحيحة وشرعية.
وفي هذا المعنى حديث صحيح يرويه:
٢٣٥ - الليث، عن أبي الزبير، عن جابر: أن أم سلمة استأذنت رسول الله ﷺ في الحجامة، فأمر أبا طيبة أن يحجمها (١).
قال: حسبت أنه [قال] (٢): "كان أخاها من الرضاعة، أو غلامًا لم يحتلم"؛
هذا التأوبل من أحد الرواة وهو غير محتاج إليه إذا تحققت الضرورة.
ولا يصحُّ في هذا رواية زمعة بن صالح، عن (زياد) (٣) بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر، قال:
٢٣٦ - "استأذنت أم سلمة رسول الله ﷺ في الحجامة، فأذن لها، فأرسلها إلى أخ لها من الرضاعة فحجمها"؛ فإن زمعة ضعيف.
ذكره أبو أحمد بن عدي (٤).
стр. 444
والفصد (١) بمثابة الحجامة ولا فرق.
(١٤٧) - مسألة: النظر من القابلة:
لا شك في أنه إن كان أمرًا يُضطر إليه فيما يتناول جاز للضرورة، بل هو أحرى وأولى بالجواز من المداواة، فإنه معالجة نفسين (٢).
(١٤٨) - مسألة: فهل يجوز أن تكون القابلة كافرة؟:
هذا ينبني على ما تقدم ذكره [من تحريم] (٣) بدوّ المرأة [المسلمة] (٤) للكافرة أو جوازه، إلا أنه هاهنا إذا كان من هذا الباب -أعني أن يضطر إليها- جاز ذلك لمكان الضرورة.
والحديث المروي في هذا الباب، هو نهاية في الضعف، ولو صح حمل على حالة الاختيار، وهو حديث يرويه: يحيى بن العلاء الرازي (٥)، عن خالد بن (مَخدوج) (٦)، عن أنس بن مالك، قال:
стр. 445
٢٣٧ - "نهى رسول الله ﷺ أن تقبل اليهودية أو النصرانية أو المجوسية المسلمة، أو تنظر إلى فرجها".
قال أبو أحمد بن عدي: وهذا ليس البلاء فيه من خالد بن محدوج، وإنما البلاء فيه من يحيى بن العلاء الرازي، فإن أحاديثه موضوعات وهذا شبيه بالموضوع (١)، فاعلم ذلك.
(١٤٩) - مسألة: النظر (لتحمل) (٢) الشهادة في الزنى:
أجازه قوم، ومنع منه آخرون.
ومن الفقهاء المانعين: (الإِصطخري) (٣)، جعل التحمُّل بما إذا وقع البصر (عليه) (٤) من غير قصد، وحمى (٥) باب النظر بما علم من مقصود الشرع في الستر والعفو.
وهذا هو الظاهر فيها عندي، فإن الشهادة في الزنى قد عللت باشتراط عدد الأربعة (وايجاب (٦) الاستفسار) (٧) عن الكيفية على أبلغ الوجوه (إفدامًا للخلق) (٨) قصد الستر والإِغضاء ما أمكن، فلا يناسب هذا إباحة الإطلاع،
والله أعلم.
стр. 446
(١٥٠) - مسألة: نظر الشهود إلى [وجه] (١) المرأة حين يحتاج إلى الشهادة عليها:
جائز لمكان الضرورة، أو واجب، فإنها في الإِشهاد على نفسها بما يجب الإِشهاد به كالرجل، ولا يمكن (للشاهد) (٢) ضبط شهادته عليها إلا بتحصيل صفاتها بالنظر إليها، واذا كان هذا الواجب لا يتم إلا بهذا فهو واجب، وعلى هذا مذهب الفقهاء.
وقد نصّ القدوري عليه للحنفية مذهبًا، فقال: ويجوز للقاضي إذا أراد أن يحكم عليها، والشاهد إذا أراد الشهادة عليها: النظر إلى وجهها، وإن خاف أن يشتهي.
ونصّ أبو حامد الإِسفرايني (٣) عليه أيضًا للشافعية مذهبًا، فقال: وأما النظر لحاجة، مثل: أن يشتري منها شيئًا أو يبيع، فيجوز له النظر إلى وجهها ليعرفها، فيكون له الرجوع عليها بدرك إن وجب له، قال: وكذلك إذا تحمل الشهادهّ، قال: وكذلك الحاكم إذا أراد أن (يحكم عليها) (٤) فيجوز أن ينظر إلى وجهها (وُيثبِت حالتها) (٥). ومن الناس مَن يقول: لا يجوز النظر إليها أصلًا، ولا يشهد عليها إلا مَن يعرف صوتها أو مَن يعرفه بها معه.
стр. 447
والأول هو الصواب، لا سيما مع ما قررناه في نظر الرجال الأجانب إلى النساء الأجنبيات، إذا لم يكن قصد التذاذ، ولا خوف افتتان.
(١٥١) - مسألة: ما عدا وجهها هل يجوز نظرهم إليه أم لا؟:
منهم مَن قال: يجوز مع النظر إلى الوجه النظر إلى الكفين، وهو قول مالك وأصحابه، ومنه مَن زاد القدمين، ومنه مَن زاد نصف الذراع.
والأصح عندي: ألا يجوز إلا ما كان جائز النظر إليه بغير ضرورة، وأن لا يجب إلا ما كان اضطرنا إليه مما لا يتم الواجب إلا به، أما (تفتيش الشهود) (١) عن غير ذلك فلا يحلُّ أصلًا، إنما هو الوجه والكفّان فحسب.
(١٥٢) - مسألة: النظر إليها للقصاص منها:
جائز في محل القصاص، لأن ذلك ضرورة، ولا خلاف فيه.
وقد حكم النبيُّ ﷺ (على أخت) (٢) الربيِّع بالقصاص حين كسرت ثنية الرجل لولا ما وقع من العفو عنها.
стр. 448
(١٥٣) - مسألة: (يجوز) (١) النظر إلى المرأة التي يُقام عليها الحد، جلدًا أو رجمًا أو قطعًا:
فقد قطع رسول الله ﷺ يد المخزومية (٢)، ورجم (الغامدية) (٣)
стр. 449
واليهودية (١)، وقيل: القرظية، وأَمرَ عليًّا (٢) ﵁ أن يجلد أمة له
стр. 450
زنت، وأنيسًا (١) أن يرجم المرأة التي، إن اعترفت، ولا نزاع فيه.
(١٥٤) - مسألة: هل تجرد المرأة للجلد أم لا؟:
قال الفقهاء: تجلد فوق ثوبٍ لا يمنع إيلامها؛ وذلك صواب، إذ لا يحل كشف بشرتها إلا أن يدل على ذلك دليل، ولا أعلمه.
(١٥٥) - مسألة: مَن دفع إلى تربية غلام أو جارية، من رجل أو امرأة:
جاز له في زمان التربية من الإطلاع على العورة ما يجوز للأم وللأب، وهذا محل ضرورة، ولا أعلم فيه نزاعًا.
(١٥٦) - مسألة: كل مَن أجازت له الضرورة النظر؛ من خاتنٍ، أو طبيبٍ، أو مُقتضى، أو قاطع، أو جلاد ينبغي أن يشترط في إجازة ذلك لهم تمكن الضرورة:
стр. 451
بأن لا يوجد غيرهم (ممَّن) (١) يجوز له النظر لغير ضرورة، كمَن لا أرب له في النساء من المخنثين أوغيرهم (ممَّن) (٢) في معناهم.
قال أبو بكر محمد بن أحمد بن الجهم (٣): ولو أن امرأة قطعت (ثدي) (٤) امرأة عمدًا فطلبت القصاص، ولم نجد امرأة تحسن القصاص، لوجب عليها أن تبدي لها ثديها حتى يَقتصّ منها رجلٌ، والمحرّمات تُباح عند الضرورات، وقد فصل لكم ما حرم عليكم (٥). انتهى كلام ابن الجهم.
وعلى أنه يمكن أن لا يشترط ذلك، باعتبار كون المحل عادة محل تنفر منه النفس وتنقبض عن التشوف إلى موانع الغير، فمَن يُقطع (ثديها) (٦) أو يُرجم، (فإنما) (٧) جرت العادة هنا بالإِشفاق والاعتبار، فيمكن أن يراعى مثل هذا، والمسألة محتملة، والله أعلم.
стр. 452
(١٥٧) - مسألة: نظر الذي يريد أن يتزوج مندوب إليه:
قال بعضهم: جائز، وهو مذهب الشافعي ﵀، وكرهه بعضهم.
قال أبو الوليد بن رشد: إنّ مِن أهل العلم مَن لم يُجز ذلك، وحكاه أبو حامد الإِسفرايني عن (المقبري) (١)، وذكر احتجاجه بالآية (٢) للأمر بالغض.
ومذهب مالك من هذه الأقوال هو الجواز، إذا كان ذلك بإذنها، ينظر إلى وجهها، كما يجوز ذلك في الشهادة لها وعليها.
ومذهب القاضي أبي بكر بن الطيب (٣)، وأبي حامد الإِسفرايني: جواز النظر إلى وجهها، وتكرار ذلك، والتأمل، إلا أن أبا حامد شرط أن يكون قد أجابته إلى التزويج.
والصحيح عندي: هو الندب إلى النظر، لصحة الأحاديث بذلك، منها:
٢٣٨ - حديثا أبي هريرة، قال: كنتُ عند النبيِّ ﷺ ، فأتاه رجل فأخبره أنه تزوَّج امرأة من الأنصار، فقال له رسول الله ﷺ : "أنظرتَ إليها؟ " قال: لا، قال: "اذهب فانظر إليها، فإنّ في أعين الأنصار شيئًا" ذكره مسلم (٤) ﵀.
стр. 453
٢٣٩ - وحديث المغيرة بن شعبة، قال: خطبت امرأةً على عهد رسول الله ﷺ ، فقال النبيُّ ﷺ : "أنظرتَ إليها؟ " قلت: لا، قال: "فانظر إليها، فإنه أجدر أن يؤدم بينكما".
[ذكره] (١) النسائي (٢) ﵀، وهو صحيح.
فأما حديث جابر الذي ذكره أبو داودة قال:
٢٤٠ - نا مسدد، نا عبد الواحد بن زياد، حدثنا محمد بن إسحاق، عن داود بن حصين، عن واقد بن عبد الرحمن، يعني: ابن سعد، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا خطب أحدكم المرأة، فإن استطاع أن ينطر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل" (٣) قال جابر: فخطبتُ امرأة من بني
стр. 454
سَلِمة (فكنت) (١) أتخبأ لها تحت (الكرم) (٢) حتى رأيت منها بعض ما دعاني إلى نكاحها. فلا يصح؛ فإن (واقدًا) (٣) هذا لا يعرف حاله.
стр. 455
وقال البزار بعد ذكره إياه: لا نعلمه يروى عن جابر إلا من هذا الوجه، ولا أسند واقد عن جابر إلا هذا الحديث، والذي يعرف برواية داود بن الحصين عنه، وهو واقد بن عمرو بن (١) سعد بن معاذ، هذا مدني ثقة.
ولا يصحُّ أيضًا حديث (٢) محمد بن مسلمة، قال محمد بن أبي حَثمَة، عن أبيه (٣):
٢٤١ - "كنت جالسًا مع محمد بن مسلمة في داره، فرأى امرأة من الأنصار يقال لها: بثينة، على إِجَّارٍ (٤) لها، فطاردها ببصره، فقلت: يرحمك الله، تنظر
стр. 456
هذا النظر وأنت صاحب رسول الله ﷺ ؟! [فقال: سمعت رسول الله ﷺ ] (١) يقول: "إذا قذف الله في قلب رجل خطبة امرأة، فلا بأس أن ينظر إليها".
يرويه قاسم ابن أصبغ (٢)، عن بكر، عن مسدد، عن عبد الواحد بن زياد، عن حجاج، قال: ثنا محمد بن سليمان بن أبي حثمة، فذكره، وحجاج هذا هو ابن أرطاة، وهو ضعيف، ومحمد بن سليمان: لا يعرف حاله، ولا يعرف راوٍ عنه غير ابن إسحاق وحجاج، (وفي) (٣) الحديثين الصحيحين المتقدمين (ما
يغني) (٤) عنه وعن غيره.
стр. 457
(١٥٨) - مسألة: لو كان خاطب المرأة عالمًا أنها لا تتزوجه، وأن وليَّها لا يجيبه، لم يجز له النظر وان كان قد خطب:
لأنه إنما أبيح النظر ليكون سببًا للنكاح، فإذا كان على يقين من امتناعه (فيبقى) (١) النظر على أصله من المنع.
(١٥٩) - مسألة: لا يحتاج في نظره إليها بعد عزمه على نكاحها وخطبته لها إلى استئذانها:
وأبى ذلك مالك ﵀، وكره أن يغفلها من كُوَّة وغيرها، وذكر بعضهم أنه يشترط عند مالك إذنها، ولعل معناه في ذلك: سد الذريعة، فإنه من أصوله، كأنه خاف أن (يتسبب) (٢) به أهل الفساد إلى الإطلاع على مواضع الفتن، فإذا غير على أحدهم، قال: أنا خاطب.
فأما الحديث فأباح النظر مطلقًا، ولم يفصل، وهذا هو مذهب الشافعي وابن وهب، فإنهما لا يشترطان استئذانها (٣)، وقيل لأصبغ: بلغنا أن ابن وهب روى عن مالك إجازته، قال: لم يكن ابن وهب يرويه، إنما كان يقوله هو برأيه
ورواية الأحاديث (*).
ولم يصحَّ حديث أبي حميد (٤) بالنص على غير هذه المسألة، وهو ما ذكر
стр. 458
البزار، قال: حدثنا يحيى بن حكيم، نا سالم بن قتيبة، نا محمد بن يحيى القطعي، قال: نا عمرو بن علي، قال: حدثنا قيس عن عبد الله بن يحيى، عن موسى بن عبد الله، عن أبي حميد، عن هذا الطريق.
وموسى بن عبد الله: هو موسى بن عبد الله بن يزيد، هو مشهور. انتهى قوله.
موسى هذا: الخطمي، وثقه ابن معين، وعبد الله بن عيسى، هو ابن أبي ليلى (١)، ثقة، وإنما لم نقل فيه صحيح لمكان قيس بن الربيع (٢)، فإنه أحد مَن ساء حفظه بعد ولايته القضاء، والأكثرون على تضعيفه.
ومطلق الأحاديث في هذه المسألة مغنٍ عن هذا وعن غيره، والله الموفق.
стр. 459
(١٦٠) - مسألة: فما الذي يجوز أن ينظر إليه منها؟:
أما السوءتان، فلا نظر في أنه [لا] (١) ينظر إليهما، وما يُحكى عن داود من إباحة النظر إلى الفرج (٢)، لم أره عنه في كتب أصحابه، وإنما حكاه عنه أبو حامد الإِسفرايني وقد تقدمت الأدلة المانعة من النظر إلى العورة، وهي بإطلاقها تتناول هذا المحل [خصوصًا] (٣)، وليس هناك ما يعارضها (نحكيه) (٤).
وأما الوجه والكفان، فاقتصر عليهما مالك ﵀، وزاد أبو حنيفة: ظهور القدمين على أصله المذكور عنه قبل، في أنه ليس عليها أن (تسترهما) (٥) في الصلاة، فإذًا ليس ذلك عنده منها بعورة.
ومنهم مَن أجاز له النظر إلى جميع البدن ما عدا السوءتين، وهذا هو
стр. 460
الذي دلَّ عليه إطلاق لفظ الأحاديث، ويمكن تقييده (بالمعروف) (١) على مستقر العادة فِيمَا هُوَ ظَاهِرٌ منها إلا أن يُستر بقصد، أما ما هو مستور إلا أن يظهر بقصد فلا.
وقد روى سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن محمد بن (٢) علي:
٢٤٢ - " (أن) (٣) عمر بن الخطاب: خطب إلى علي ﵁ ابنته أم كلثوم وذكر له صغرها، فقيل له: إنّه ردّك، فعاوده، فقال علي: أبعث بها إليك، فإن رضيت فهي امرأتك، فأرسل بها إليه فكشف عن ساقها، فقالت له: لولا أنك أمير المؤمنين للطمت عينك! وكانت أم كلثوم هذه ولدت قبل وفاة النبيِّ ﷺ ، أمها: فاطمة بنت رسول الله ﷺ و ﵄.
وهذه القصة رواها قاسم بن أصبغ، عن الخشني، عن ابن أبي عمرو، عن سفيان كما ذكرناها، ورواها عبد الرزاق في كتابه عن سفيان نحوه. فيه:
٢٤٣ - قالت: أرسل: فلولا أنك أمير المؤمنين لصككت عينيك.
ويزيد فيها أهل الأخبار: أنه بعثها إليه بثوب، وقال: قولي له: هذا الذي قلت