المطلب الأوّل: مصادرُ الكتاب
تنوَّعتْ مصادرُ شمسِ الدِّين الكرمانيِّ الَّتي اعتمدَ عليها في هذا الكتاب؛ وتَوزعتْ على أَغلب الفنون العِلْميّة المَشْهورة في عَصْره، وتفاوتَ نقلُه منها كثرةً وقلّةً، طولًا وقصرًا، نصًّا ومعنى.
ففي حين نَجد نقوله من بعضِ المصادرِ تكثُر كثرةً مُلْفتة؛ بحيث تَتَجاوز المائة نَقْل؛ نجدها تقلّ قلّةً ظاهرة في مصادرَ أُخرى؛ بحيث لا تَتَعدّى المرةَ الواحدة.
ويَبْدو لي أَنَّ الكتب الَّتي أكثرَ من النَّقلِ منها كانت بحوزَته؛ بدليل أَنَّه ينقلُ منها نَقْلًا مباشرًا في حالاتٍ كثيرةٍ، وغالبًا ما تكَون كتبًا مشهورةً تداولها النَّاسُ فِيمَا بَيْنهم، كـ "الكشّاف" للزَّمخشريِّ، أوْ ذات صلةٍ وطيدةٍ بكتاب المؤلّفِ نَفْسه كـ "مفتاح العلوم" للسَّكاكيِّ، أو ذات صلةٍ وطيدةٍ بالمؤلّف نفسهِ لكونِه تتلمذَ عليها كَكُتبِ شَيْخِه الإِيجيّ، أو اطَّلعَ عليها وكانت أثيرةً عنده كـ "كتاب الصِّحاح" للجَوهريِّ؛ الَّذي لا أَسْتبعد حِفْظه له-.
وفي حين نَظْفر بنقلٍ طَويل من تلك الكتب يمتدُّ فيَشْمل صفحةً كَاملةً أَوْ قريبًا منها في بعض المواطن؛ لا نكاد نَعْثر إلّا على الكلمةِ أو الكَلِمتين في مواطنَ أخرى.
стр. 111
وقِسْ عَلَى هذا التَّفاوتِ تَفاوتَه في النُّصوص المنقولة. فتارةً تكون بالنَّصِّ وأُخرى تَكُونُ بالتَّصرّفِ اليسيرِ، وتَارةً ثالثةً بالمعنى.
وكذا تَفَاوتَه في طريقةِ النَّقلِ من تلك المصادر؛ فأحيانًا يُصرِّحُ باسم الكِتابِ واسمِ مؤلِّفه، وأَحْيانًا يَكْتفي بإيرادِ اسمِ الكتابِ دون اسمِ مؤلّفه، أو اسمِ المؤلِّف دُون كتابِه. وأحيانًا أُخرى لا يذكرُ اسمَ الكتابِ ولا اسم مؤلِّفه، وإِنَّما يوردُ ما يدلُّ على أنَّه ينقلُ؛ كقوله: "قِيل"، "كقولهم"، "كقول النُّحاةِ"، "كَمَا ذكرَ أَهْلُ ... "، "يُروى".
وهَا هِي ذي مصادرُ المؤلِّف في كتابِه أَسُوقُها مرتبةً بحسب الوفاة (١):
стр. 112
١ - أَبو بِشْر؛ عمرو بن عُثْمان بن قنبر المُلقَّب بـ "سيبويه" (ت:١٨٠ هـ).
نَقَل عنه فِي موضعٍ واحدٍ، ناصًّا على اسْمهِ دون كتَابه (١).
٢ - أَبو إِسْحاق؛ إبراهيمُ بن سُفيان بن هَاني، النَّظَّامَ (توفّي بعد العشرين ومائتين ببضع سنين هجرية).
نَقَل عَنْه في موضعٍ وَاحدٍ (٢).
٣ - أبو عُثْمان؛ عمرو بن بَحْر بن محبوب الكِنانيِّ الملقب بـ "الجَاحظ" (ت ٢٥٥ هـ).
نقل عنه في موضعٍ واحدٍ. ناصًّا على اسْمه دون أيٍّ من كُتُبِه (٣).
٤ - أبو سَعيدٍ الحسنُ بن عبد الله السِّيرافي النّحويِّ (ت ٣٨٥ هـ).
نقلَ عنه في موضعٍ واحدٍ وَلم يَنُصّ على اسْمه ولا كِتابه. وإنَّمَا أشارَ إليه بقولِه: "كَمَا هو رأي بعض" (٤).
٥ - أَبو نَصْرٍ؛ إسماعيلُ بن حمّادٍ الجَوهريِّ الفارابيِّ (ت: ٣٩٨ هـ).
نَقَلَ عنه في سبعةٍ وسبعين (٥) موضعًا من كِتابه "الصِّحاح"، وصرَّح باسْمه واسْمِ كتابِه في موضعٍ واحدٍ (٦).
стр. 113
وبالاستقراءِ والتَّتبّعِ وجدتُ أَنَّه ينقل عنه نَصًّا في أَغْلب الأَحوال.
وإِنْ شابَ نَقْلَه شيءٌ من التَّقديم والتَّأخيرِ بحسبِ المعنى الَّذي يهدفُ إلى إيضاحِه. ولذا فإِنَّه -في سبيلِ ذلك- لا يجدُ حَرجًا في الرَّبط بين نَصين مُتَباعِدين تَوارَدا على معنًى واحدٍ داخل المادةِ الواحدةِ؛ من مِثْل قولِه في بيانِ مَعْنى العَويصِ (١): "العَويصُ: ما يَصْعبُ اسْتخراجُ معناه؛ اعْتاصَ عليه الأمرُ أَيْ الْتوى" حيثُ فسَّر العويصَ بجُملتين أَوْردَهما كما هما نصًّا في "الصِّحاح" (٢)، غير أَنَّ ثانِيتَهما: "اعتاص ... التوى" سَبَقَتِ الأُولى: "ما يصعب استخراج معناه"، وفُصِل بَيْنهما بثلاثِ جُملٍ. وربما كان السببُ في مثلِ هذا الرَّبطِ الَّذي لم يراع التَّقديمَ والتّأخيرَ اعتمادَه -في ظَنِّي كما سَبق أنْ ذكرتُ- على اسْتظهارِه لهذا الكتابِ الَّذي ضبطَ فيه الجملَ والعبارات دون تَرْتِيبِها.
٦ - أَبُو الحَسن؛ عليٌّ بنِ عيسى البَغداديّ الرَّبعيّ (ت ٤٢٠ هـ).
نَقَلَ عنه في ثلاثة مواضع (٣) صرَّحَ فيها باسْمه دون ذكْرِ شَيءٍ من كُتُبِه.
٧ - أَبُو عليٍّ؛ أحمدُ بن محمد بن الحسن المرزوقيِّ (ت ٤٢١ هـ).
نقلَ عنه في موضعٍ واحدٍ (٤)، من كتابه "شَرْحِ ديوانِ الحَماسة"، ولَمْ يُصرِّح إِلَّا باسم المؤلِّفِ.
стр. 114
٨ - أبو بكرٍ؛ عبدُ القَاهرِ بن عبد الرَّحمن بن محمّد الجُرجانيّ الشَّافعيّ (ت ٤٧١ هـ).
نقلَ عنه في عَشْرةِ مواضع، وسَمَه في مَوْضعين منها بـ "الشَّيخ" (١)، مصرّحًا باسم مؤلِّفه "دلائل الإعجاز" برفقَة أحدِهما (٢)، ونصَّ على اسْمِه بَعْد وسْمه بـ "الشَّيخ" في ثلاثةِ مواضع (٣)، ونَصَّ على اسْمِه بعد وصفه بـ "الإمام" و"الشيخ" (٤) في موضعٍ واحدٍ. ونصَّ على اسْمِه في موضعٍ واحدٍ (٥). بينما نصَّ على اسمِ مؤلِّفه "دلائل الإِعْجاز" دون اسْم أو وصفٍ في ثلاثةِ مِواضِع (٦).
٩ - أَبُو حامدٍ؛ محمَّدُ بن محمّد بن محمّد الطُّوسيّ الغَزاليّ، حجّة الإِسلام (ت ٥٠٥ هـ).
نقلَ عنه في موضعٍ واحدٍ. مصرِّحًا باسْمِه (٧).
١٠ - أَبُو محمَّد؛ القاسمُ بن عليٍّ بن محمّد بن عثمان الحريريِّ (ت ٥١٦ هـ).
стр. 115
نقل عنه في خمسة مواضع (١)، صرّح في ثلاثة مواطن منها باسمه (٢)، ولم ينصّ على أيّ من كتبه، وإن كانت نقوله كلّها من كتابه "المقامات الحريريّة".
١١ - أَبُو القاسمِ؛ جارُ الله محمود بن عمر الزَّمخشريّ (ت ٥٣٨ هـ).
نَقَل عنه في عِشْرين مَوْضعًا. صرَّحَ باسْمِه واسم كتابه "الكشَّاف" في أربعةِ مواضع (٣)، وباسمه منفردًا في ستّة مواضع (٤)، وباسمِ كتابه منفردًا في أربعة مواضع (٥)، وبلا نسبةٍ إلى اسْمِه أو كتابه في ستة مواضع (٦)، منها موضعٌ اعتمد فيه على كتابه "المُفَصَّل".
وقَدْ ظَهَر لي من خِلال تَتَبّعي لنُقولِ المؤلِّفِ عنه إجلالُ الكرمانيِّ له (٧)، وَثَأثّرُه الشَّديد به؛ بل واسْتيعابُه الكامل لكتابه "الكشَّاف"، إذْ أنَّه لا يَكْتفِي بالإِحالةِ إلى اسمه أَوْ كتابه، بَلْ يَتجاوز ذَلك -أحْيانًا- إِلى اسمِ السُّورة وموضعِ الآياتِ، منها (٨).
стр. 116
١٢ - أبُو عبدِ الله؛ محمّدُ بن عمر بن الحسين بن عليٍّ الرَّازيّ؛ الملقَّب بـ "فخر الدِّين" (ت ٦٠٦ هـ).
نقلَ عنه في أَرْبعةِ مواضع صرَّح فيها باسْمِه دون أَيٍّ من كُتُبِه (١).
ويُلْحظُ أَنَّ صاحب الفوائد "الإيجيّ" تابعَ السَّكاكيَّ وحملَ عليه مرَّةً حِينما غَمزَه بـ "من لا خبرة له بالنَّحو" بَيْنما نجد الشَّمسَ الكرمانيَّ يصفه فِي ثلاثة مواضع بالإمامِ.
١٣ - أَبُو يعقوبَ؛ يوسفُ بن أَبي بكرٍ محمّد السَّكَّاكيّ الخَوارزميّ (ت ٦٢٦ هـ).
نقل عنه في مائة وأَربعةٍ وعشرين مَوْضعًا محيلًا إلى اسْمِه "السَّكَّاكيِّ" مرةً (٢)، وإِلى صاحب المفتاحِ أُخْرى (٣).
وإِلى كتابه "المفتاح" ثالثةً (٤)، ولم أَقف إِلَّا على موضعٍ واحدٍ جمعَ فيه بين اسْمه وَكتابه -وإنْ لَمْ ينصّ عَلى اسمِ كتابه-.
وظاهَرٌ أنَّ السَّبَب في كَثْرة الإِحالِة إلى كتَابه مقارنةً بغيرهِ مردُّه كونه أَصْلًا لكتابي الإيجيِّ "المختصَر"، والكرمانيِّ "الشَّرح"؛ فهما يَستقيان مادَّتهما مِنه بالدَّرجةِ الأُولى.
стр. 117
وإِذَا ما تَتبّعنا نُقولَ المؤلِّف من المفْتاح فإنَّا نجدها في الغالب الأَعمِّ نصيَّة وبخاصَّة تلك الَّتي يُقَدمُ لها بقولهَ: "قال في المفتاح" (١) أَو "وفي المفَتاح" (٢).
١٤ - أَبُو الفَتحِ؛ ضياءُ الدِّين ابن الأَثير (ت ٦٣٦ هـ).
نقلَ عنه في ثلاثةِ مواضع (٣) دون أَنْ يُصرِّحَ باسمه أَوْ كتابِه "المثل السّائر" الَّذي نقلَ منه.
١٥ - أَبو عَمرو؛ عُثْمان بن عمر بن أَبي بكر جمال الدِّين؛ المعروف بابن الحاجب (ت ٦٤٦ هـ).
نقلَ عنه في تِسْعة مواضع، صرَّح في جَمِيعها باسْمه "ابن الحاجب"، وفي ستٍّ منها قرنَ اسْمه باسمِ أحدِ كُتبِه، ناقلًا عن "مختصر المُنْتهى" ثلاث مَرَّات (٤)، وعن "المُنْتهى" نفسِه مرَّتين (٥)، وعن "شرح الكَافية" مرَّةً واحدة (٦).
أَمَّا كتابُ "الإِيضاحِ في شَرْحِ المفصَّلِ"، فَلَم يُصَرِّح به، وَتبيَّن لي نَقْلُه منه مرَّةً واحدةً (٧).
стр. 118
١٦ - أَبُو عبدِ الله؛ جمالُ الدِّين محمّد بن مالك الطَّائيِّ الأَنْدلسيّ (ت ٦٧٢ هـ).
نَقَل عن أَلْفيّته بالمَعْنى في مَوْضِعين، ولم يصرِّح إِلَّا باسمِه (١) "ابن مالك".
١٧ - مَيْثمُ بن عليٍّ بن ميثم كمالِ الدِّين البَحرانيّ (ت ٦٨١ هـ).
نقلَ عنه في موضعٍ واحدٍ نَاصًّا على اسْمِه "البَحرانيّ"، واسم رِسالتِه الَّتي نَقَل عنها "التَّجريد" (٢).
١٨ - محمودُ بن مَسْعود بن مُصلح، قطب الدِّين، الشِّيرازيّ (ت ٧١٠ هـ).
نقلَ عنه في عشرَة مَواضع لَمْ يُصرِّح في أيٍّ منها باسْمِه أو باسْمِ كتابِه وإِنَّما أَشَار إلى الشِّيرازيّ في ستّةِ مواضعَ بوصفه "شارح المفتاح" (٣)، وإِلى كتابِه في موضعٍ واحدٍ بِوصْفه: "شرح المفتاح" (٤)، ونقلَ عنه نُصُوصًا بِلا إِشارةٍ في ثلاثة مواضعٍ (٥).
стр. 119
وفِي الجُمْلة فإنَّ عبقَ الشِّيرازيِّ وروحَ كتابِه "مفتاح المفتاح" لا يكادان يَغِيبان عن شَرْح الكِرمانيِّ البَتَّة مُتَمثِّلين في طريقةِ العَرض، وأسلوبِ المُعَالجةِ وصياغة المادَّة.
١٩ - أَبُو عبد الله؛ مُحمَّد بن عبد الرَّحمن بن عمر، جلال الدِّين، القَزْوينيّ (ت ٧٣٩ هـ).
نقلَ عنه في أَحدَ وعشرينَ مَوْضعًا، لَمْ يُصرِّح في أيٍّ منها باسْمِه صراحةً، بل كانَ يَقُول: "قال صاحبُ الإِيضاح"، وتكرَّر منه ذلك ثِنْتي عشرةَ مرَّةً (١)، ويقول -أَيْضًا-: "وفِى الإيضاح"، أو قريبًا منه كقَوْله: "والمَفْهومُ من الإيضاح"، وتكرَّر منه ذلك في ستّةِ مواضع (٢)، أَمَّا بقيَّةُ النُّقول فَسَاقَها بلا إشارة (٣).
ويلحظُ: أَنَّ أغلبَ النُّقول عنه تَدُور فِي فلك التَّعريفاتِ أو التَّقْسيماتِ أَوْ بيانِ وجْهَاتِ نظرهِ تَقريرًا أو اعْتِراضًا.
٢٠ - أَبُو الفَضْل؛ عبدُ الرَّحمن بن عبد الغفَّار الإيجيِّ (ت ٧٥٦ هـ).
نقلَ عنه في ستِّة وعِشْرين مَوْضعًا، كثيرًا ما يُسَميه فيها بـ "الأُستاذ" (٤)،
стр. 120
أَوْ بـ "المصنِّف" (١)، صرَّح في ستَّةِ مواضع بكتابِه "شَرْح مختصرِ ابن الحاجب" (٢)، وفي موضعٍ واحدٍ بـ "رُسيلة له في مَسائلَ شتَّى في النَّحو" (٣) وبالسَّماع منه مباشرةً في موضع واحدٍ (٤).
وتكشفُ النُّقولاتُ عنه عن قربِ الشَّمسِ الكِرمانيِّ منه وفهمه الدَّقيق لآرائِه؛ من ذلك قولُه (٥): "وإذا لم يرتضِ المصنّف ذلك ... قال: (قال)، وقولُه (٦): "والمرضِيُّ عنده"، وقولُه (٧): "والمصنِّفُ ينقلُ كلامَ السَّكَّاكيِّ، وإلَّا فالحقُّ عنده على طرف التَّمامِ".
٢١ - عبَّادُ بن سُلَيمان الضَّمريّ.
نقلَ عنه في موضِعين، صرَّح في الأَوّلِ منهما باسْمِه كَامِلًا (٨) وفي الثَّاني باسمه الأولُ مُنْفردًا (٩).
стр. 121
٢٢ - صاحبُ المطالعِ. لم أقفْ على ترجمته ولا على كِتابِه. ونَقَل عنه بالنِّسبة المتقدّمة في موضعٍ واحدٍ (١).
стр. 122
المطلب الثّاني: شواهدُ الكتاب
كمَا تنوّعتْ مصادرُ شمسِ الدِّين الكَرمانيِّ في هذا الكتابِ تنوَّعتْ -أَيْضًا- شَواهده "فَشَملت آيَ الذِّكر الحكيمِ، وأحاديثَ الرَّسولِ ﷺ ، وأمثال العربِ، وأقوالهم، وحكمَهم، وأَشْعَارهم.
وتفصيلُ ذلك على النَّحو التَّالي:
أَوَّلًا: القُرآن الكريم.
لَمَّا كان للقرآنِ الكريم مكانةٌ عظيمةٌ اهتمَّ به علماءُ المسلمين وتَعاهدُوه حفظًا، ودَرْسًا، وتطبيقًا، ولم تكن منْزلتُه البيانيّةُ لديهم بأَقلَّ من منْزلتهِ التَّشْريعيَّة. لذا نجدهم -كَمَا يَسْتنبطُون أَحْكامه- يَتَمثّلُون بيانَه.
وقَدْ يَجْري على أَلْسنتهم من بديعِ نَظْمِه وجَميلِ صُورِه وآنق مُفرَداته ما لا يَتَكلَّفون له جَلْبًا، أو يَمْلكون له دَفْعًا، ومن أولئك العُلَماءِ الَّذين أسرهَم أسلوبُ القرآنِ وبهرهم قوّةُ حجّته صاحبنا شمسُ الدِّين، كيف لا!. وهو العالم الرَّبَّانيّ بما كان يعلِّمُ النَّاس وبما كانَ يَدْرس!!.
والنَّاظرُ في "تحقيقِ الفَوائد" يجد أَنَّه اشتملَ على مائة وثمانية وثمانين شاهدًا قرآنيًّا، وهذا العددُ -في نَظَري- عددٌ لا يُسْتهان به وبخَاصَّةٍ إذا ما قُورن ببعضِ المصادرِ البَلاغيَّة، ناهيك عمَّا تميَّزت به تلك الشَّواهد من شموليَّة؛ إذ لم تَقْتصر على المسائل البلاغيَّة وحْدَها -كما هو منتظر-، وإِنَّما توزَّعت على مسائلَ متعدِّدة هي:
стр. 123
١ - شواهد تختصُّ بقضايا بلاغيَّة. وهي السِّمةُ الغالبةُ، وبلغ عدَدُها مائة وستة وسبعين شاهدًا.
منها: مائة وثلاثون شاهدًا ضمنَ علمِ المعَاني، واثنان وثلاثون شاهدًا ضِمنَ علمِ البيان، وأربعة عشر شَاهدًا ضِمْن علمِ البَديع.
وغَالِبًا ما يوضّحُها بما يُقرّر القَاعدة البَلاغيّة الَّتي يعرضُ لها. ومِنْ أمثلةِ هذا النَّوع قولُه في بيانِ أضرب الخبرِ في أَثْناء حديثه عن الضَّرب الثَّالثِ (الإنكاريّ) (١): "ويسمَّى إِنْكاريًّا. ويشهدُ له قولُ رسلِ عِيسى ﵇ أَوَّلًا: ﴿إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾، وثانيًا: إذ بولغَ في تَكْذيبهم: ﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ أرسلَ عيسى ﵇ إلى أَهْلِ أنطاكية اثْنين: شمعون، ويُوحَنَّا فكذَّبوهما، فقوَّاهما برسولٍ ثالث؛ هو بُولس أَوْ حبيب النَّجَّار. فقالوا: ﴿إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونِ﴾ فأَنْكروا بقولهم: ﴿مَا أَنْتُمْ إلا بَشَرٌ﴾ الآية؛ فأَجابوا بقولِهم: ﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ﴾؛ ولَمّا كانَت الآيةُ مُشْتملةً على تكذيبِ الرُّسلِ من ثلاثةِ أَوجهٍ أكّد إثبات رسالاتهم -أَيْضًا- بثلاثةِ أَوْجهٍ: اللَّام، وإِنَّ، ومَا في قوَّة القَسَم".
٢ - شواهد لا تختصُّ اخْتصاصًا مُباشرًا بقضايا بلاغيَّة، وإِنَّما ترد بالدَّرجة الأُولى في خِدْمتها بهدفِ تقريبِ المعنى وإيضاحِه. وهي عَلَى قِسْمين:
стр. 124
أ) شواهد تردُ برفْقَةِ شواهد بلاغيَّة لرابطٍ بينهما وعددها أربعة شواهد.
ويجدُ المسْتَشهدُ في إِيرادها ما يوضِّح به استشهادَه ويقرِّر به المعنى الَّذي ساقَ الشَّاهد لأَجْله. ومن أَمثلتها قولُه في بيانِ أَحدِ الأَوجه المرجِّحةِ للإِثْبات (١):
"العاشرُ: بسط الكلام افْتراصًا لإصغاءِ السَّامع نحو ﴿هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾ إذْ كان يتمُّ الكلامُ بأَنْ يقول (عصا) فذكر المُسْند إليه وهو ﴿هِيَ﴾ للبَسْط، قيل: ولذلك ... أتبع موسى ما أتبع، أَيْ: قوله: ﴿أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾ ... ومع ذلك خافَ فقال الله تَعالى: ﴿خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾ ".
وشاهدنا في الآية الأُخرى الَّتي أَكْملَ بها المَشْهدَ ولم تكن جزءًا من الشَّاهدِ البَلاغيِّ.
ب) شواهد لتَقْريبِ معنى بلاغيٍّ دون أَنْ تَنْدرجَ تحت قاعدتِه، وعددُها ثلاثة شواهد. وفي جميعها قدَّم المؤلِّفُ بما يدّلُ على أَنَّها لتوضيحِ المرادِ خارجَ نطاقِ القاعدةِ المَسُوقة؛ حيثُ يقول: "ونظيرُه"، "ومثلُه".
ومن تلكَ الشّواهدِ قولُه (٢): "ونظيرُه -أي: نظير قوله
стр. 125
تعالى في النَّفي والإِثبات؛ في أَنَّ المتَّصف بالشَّيءِ نُزَّل منْزلة الخَالي عنه بوجهٍ خَطَابيّ لا في تَنْزيلِ العَالم منْزلةَ الجَاهل، قولُه تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ أَثْبتَ الرَّمية لرسولِ الله ﷺ إذْ هو الرَّامي بحسب الصُّورة ونَفَاها عنه بحسب التَّأثِير؛ إذ لا مؤثّرَ إلّا الله، ولا سيما في الأَثرِ العَظيم الَّذي ليس في قُوَّة البَشر".
(٣) شواهدٌ استدعى ذِكْرها مناسبةٌ خاصّةٌ. وعدُدها أَرْبعةٌ، وتفصيلها يتمثّل فيما يلي:
(أ) شاهِدان اختصَّا بقضايا نحويّة. وقد تَطَلَّبَ الإيضاحُ الشّافي الَّذي ألزم المؤلِّفُ نفسَه به في غالبِ مباحثِ الكتابِ إِيرادهما، فجاءا حجةً قَاطِعةً وبرهانًا سَاطِعًا عَلَى ما أُردفا عليه. ومن ذلك قولُه في أَحدِهما موضّحًا القُرب بين المعرَّفِ تعريفَ الحقيقة والنَّكرةِ (١): "ولذلك، أي: ولاتّحاد المُودّى وعدمِ اخْتلافه إلَّا بالاعتبارِ حكم النُّحاة بتقاربهما، أَيْ: بتقارب المعرَّفِ باللَّامِ للحقيقةِ -لا لغيرها من الاسْتغراقِ أَوْ العهد- والنّكَرة، وجوِّز، أي: ولذلك جوّز وصف المعرَّف هذا التَّعريف، وهو تَعْريف الحقيقة بالنّكرة، كمَا في قولِه تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾، فإِنٌ ﴿غَيْرِ﴾ نكرةٌ وصفَ بها المَعْرفة، وهو قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ".
стр. 126
(ب) شاهدٌ لإيضاح لفظ غريبٍ. ومثالُه قولُ المؤلِّف (١): "والفَواصل لعلَّها أُخذِت من قَوْلِه تعالى: ﴿فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ ".
(جـ) شاهدٌ لإِيضاح مَعْنى مُجْملٍ، وهو الوارد في قوله (٢): "وإِنَّما أَكْتفي بأحد الضِّدين عن الآخر لدلالة حُكْمه على حُكْمه نحو قوله تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ ".
هذا وتجدرُ الإِشارةُ إلى أنَّ شواهدَ الكتاب القُرآنية لم تقتصرْ على قراءةِ حفصٍ، بل بَنَى المؤلفُ استشهاده البلاغيَّ في خمسة مواضع على بعضِ القراءات القرآنيةِ الأُخرى؛ منها موضعٌ تكرَّر مرَّتين (٣)، ومن تلكَ المواضع قولُه (٤): "ففي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ مِنْ فِرْعَوْنَ﴾ بقراءة الاسْتِفهام؛ أي: على لَفْظ "مَن" الاسْتِفهاميّة ورَفْع ﴿فِرْعَوْنَ﴾، يُؤوَّل بها المراد منه: العذابُ المقول عنده مَن فرعون".
ثمَّ إنَّ مما يُلفت النَّظرُ إليه بخصوص تلك الشَّواهد -ممَّا يحسبُ للكتاب- حُسْنَ اخْتيارها بما يُلائم المقامَ، ودقّةُ توظيفها. مما يَخْدُم المَعْنى المُسْتشهد عَليه.
стр. 127
ولك أَن تَتأَمَّل ذلك في حُسْن اخْتِيارِه الآية الَّتي خَتَم بها عِلْمي المَعَاني والبيان بغرض تَأَمُّل لطائفها، يَقُول (١): "وإذا وقفت على البلاغة وعلى الفصاحة المعنويَّة واللَّفظية فأنا أذكر على سبيل الأنموذج آيةً، فإن شئتَ فتأمل قولَه تعالى: ﴿وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ تر ... ما فيه ... من لطائفهما" (٢).
ثانيًا: الحديثُ الشَّريفُ.
يعدُّ الحديثُ الشّريفُ ثَاني مصادر التَّشريعِ الإسْلامي بَعْد القرآن الكريمِ، والحديثُ الصَّحيحُ وحيٌ أَجْراه الله على لسانِ رسولِه ﷺ ؛ من لا ينطقُ عن الهَوى إِنْ هو إلى وحيٌ يُوحى. وترجع أهميّته إلى أنه يوضِّح القرآنَ في بيانِ أحكامه وتفصيلِ إِجْماله.
وقَد عُنِي به صاحبنا شمسُ الدِّين الكرمانيُّ عنايةً فائقةً حين أَفْرده بالبحثِ والدِّراسة، بل إِنَّه أَلَّف فيه أكبرَ مؤَلّفاته وأشْهرها على الإِطْلاق، حِينَما شَرح "صَحيحَ البُخاريّ" بكتابِه الموسومِ بـ "الكواكبُ الدَّراريِّ شرحُ صحيحِ البخاريِّ".
стр. 128
وكنَّا ننتظرُ -والحالُ ما تقدَّم- أَن نجدَ أثرَ هذه العناية ظاهرًا في كتَابه "تحقيق الفَوائد"، لكنَّ الواقع خَالفَ ذلك؛ فالَّذي بين دَفَّتي الكَتابِ من الأَحاديث والآثار لا يَتجاوزُ تسعةَ شواهد! فما سرُّ ذلك؟!.
يَبْدو لي -والله أَعلم- أَنَّ عنايةَ شمسِ الدِّين الكرمانيِّ بالحديثِ اسْتجدّت بعدَ تَأْليفه "تحقيق الفوائد"، ويَشْهد لذلك تَأْخُّر رحلتِه في طلبِ علمِ الحديث، ومن ثمَّ تأخُّر تَأليفِه فيه وقد تقدَّم معنا أَنَّه كَمَّلَ الكواكبَ الدَّراريَّ بمكَّةَ المكرَّمة سنة خمس وسبعين بعد السَّبعمائة؛ حين مجاورتِه بها قبالةَ الرُّكنين اليَمانِيّين.
كمَا أنَّ طبيعةَ الدَّرسِ البَلاغيِّ الَّذي تَرَعْرَعَ في ظلِّ الإِعجاز القُرآنيِّ من جهة، والدِّراسات الأَدبيّة من جهةٍ أُخرى جعلَ شواهدَه -في الغالبِ الأَعم- تؤول إليهما وتدورُ في فلكهما، والمُتَأخِّرون -كما هُو معلومٌ- عيالٌ على المُتقدِّمين، وهو ما نُفسِّر به كثرةَ الشَّواهدِ القرآنيّةِ والشَّواهد الشِّعريّة وقفة ما عداها من الشَّواهد الأُخرى.
أَمَّا شواهدُ "تحقيق الفوائد" الحَديثيَّة التِّسعة (١) فقد اتَّسمت بالإيجازِ والوُضوحِ، ولذا لَمْ يحتجْ إلى شرحِ لفظةٍ غريبةٍ أَوْ بيانِ تركيبٍ غامضٍ.
وخلت أَرْبعةُ شواهد مِنْها من أَيِّ إشارةٍ تدلّ على أَنَّها أحاديث أَوْ آثار؛ حيثُ كانَ المؤلِّفُ يقدِّم لها بقوله:
стр. 129
"نحو" (١)، أو "مثل" (٢)، أو "نَحْو قوله" (٣).
وتَوزعَ الاسْتشَهادُ بها بين القَضايا البلاغيَّةِ والأُخرى العرضيَّة الَّتي تجيءُ في خدمة القضايا البلاغيَّة.
ومن أَمثلة ما اسْتُشْهد به على قضيّة بلاغيَّةٍ قوله (٤): "وقد يُذْكر -أي: الشَّرط- بدون الواو، وذلك فِيما كانَ المتروكُ أَولى بِترّتبِ الجزاءِ عليه لدلالة العقل حينئذٍ عليه؛ نحو: نعم العبد صهيب، لو لم يخفِ الله لم يعصه، إذْ يلزم منه بالطريقِ الأَولى أنّه لو خافه لَمْ يعصه أَيْضًا".
ومن أمثلة ما استُشْهد به في خدمة قضيّة بلاغيّة. قَوْلهُ (٥): "ولذلك يُتَبرّأُ عن الكَذب بدَعْوى الاعتقاد أو الظَّنِّ، أَي الدَّليل عليه: أنّه يُتبرّأ عن الكذبِ بدعوى الاعْتقاد أو الظَّنِّ متى ظَهر خَبرُه بخلافِ الواقعِ، أَيْ: إِذا قِيل له: كذبتَ يقول: لا؛ بَلْ قُلتُه بناءً على اعتقادي؛ كما قالت عائشةُ ﵂: "ما كذبَ، ولكنَّه وهم".
стр. 130
ثالثًا: الأَمثال والأَقْوال.
خلَّف لنا أَسْلافُنا العربُ كمًّا هائِلًا من الأَمْثال السَّائرة، والأَقْوال البَليغةِ الَّتي كثيرًا ما يَعِنّ لنا التّمثلُ بها في مُناسباتٍ تشبهُ المناسباتِ الَّتي قِيلت فِيها. وتعدُّ بسببِ إيجازِها وسهولةِ حفظِها، وسرعةِ انْتشارِها أمثلَ تُراثٍ للأُمَّةِ وأَصْدقه. وأَجدُها -وإنْ أخذت حقَّها من الجَمعِ والتَّأصيلِ- لَمْ تَأخذ حقَّها من الاسْتِنطاقِ والتَّحليلِ.
وفي ظَنِّي أنَّها -بحكمِ جريانِها على الأَلْسنة بلا تَغْيير يُذْكر- مَتَى مَا أَخَذت حَظَّها من الدَّرسِ العميقِ سوف تَكْشفُ لنا عن أَبْعاد تُراثيَّة مُفيدة.
وبالعَوْدةِ إلى كتابِ "تحقيق الفوائد" نَجدُ أَنَّ نصيبَه من الأَمثالِ والأَقوال عشرون شَاهدًا (١)، جاءَ بعضُها شَاهدًا بلاغيًّا كقولِه (٢): "وإذا كان وجهُ الشَّبه أمرًا مُنْتزعًا من عدَّةِ أمور؛ نحو قولك: تقدِّمُ رجْلًا؛ أي: لإِرادة الذَّهاب، وتؤخِّر أُخرى لإرادة عدمه، للمتردِّد في الأمر".
стр. 131
وبعضُها الآخرُ في سياقِ شاهد؛ للإيْضاحِ والتَّأكيد، كَقَولِه (١): "الخامسُ: الاسْتِلْذَاذ؛ كذكرِ العاشقِ للمَعْشوق، ولهذا قِيل: "من أحبَّ شيئًا أكثرَ مِن ذَكْرِه".
ويَبْدو واضحًا للعِيان تباينُ طريقة الاسْتشهادِ بها في الكتاب، فتارةً يُذكر ما يدلّ على أنه مثَلٌ أو قولٌ، كقَوله (٢): "فتأمّل في مثل هذا المثل: (أنُخدع بالزَّبيب بعد المشيب) ".
وتارة لا يذكر: كقوله (٣): "فالتزمت الواو فيها أي في الاسمية إما نادرًا نحو: (كلَّمتُهُ فوه إلى فِيَّ) ".
ومن جهةٍ أُخرى نجدُ الحديثَ يطولُ حولَ بعضِها بشرحِ الغَريبِ وبيانِ المعنى العَامِّ، وذكرِ قصّة المثل ومضربه أَحْيَانًا، كقولِه (٤): "وكَمَا في قَوْلِها: (إِلَّا حظيَّة فلا أليَّة)؛ حظيّةٌ: فعَيلةٌ من حَظِيت المرأةُ عند زوجها حُظوة. وأليَّةٌ: فَعيلة من الأَلو. وهو التَّقْصير؛ بِمَعنى فاعله؛ أَيْ: إِنْ لا يَكن لك في النِّسَاء حظيّة؛ لأَنَّ طبعكَ لا يُلائِمُ طبعهن، فإنِّي غيرُ مقصّرة ... ومورد المَثل: أَنَّ رجلًا كان لا تَحظى عنده امرأةٌ فلمَّا تزوّج هذه لَمْ تَأل جهدًا في أَنْ تحظى عِنْده، ومَع ذَلك لم تَحْظ، بل طلَّقها فَقَالتْ. ومَضْربُه كلُّ قضيةٍ كانَ الإنسانُ أهلًا لها مُجتهدًا فيها، ولكنَّها امْتنعت عَليه لعارضٍ عَرض من غيرِ جِهته".
стр. 132
ويَقْصر الحديث حولَ بعضِها الآخر أحْيانًا أُخرى كقولِه (١): "لاستكراه النَّفس التَّكرار بالذَّات، كما قِيل: (أَكْره من مُعَادٍ)، واسْتِحبابه الجدَّة؛ كما قيل: (لكلِّ جديدٍ لذّةٌ) ".
وأخيرًا: أَودُّ الإشارةَ إلى أَنَّ غالبَ ما وردَ في كتابِ "تحقيق الفوائد الغياثية" من أَمثالٍ وأَقْوالٍ اسْتشَهدت بها كتبُ البلاغيِّين المُتَقدّمين عليه؛ وعلى الأَخصِّ "مفتاح العلوم" للسَّكَّاكيِّ.
رابعًا: الشِّعر:
الشِّعرُ ديوانُ العَربِ، وهو كَمَا يقولُ الدُّكتور محمَّد أَبو موسى (٢): "الدَّائرة الأَوسع الَّتي إذا حفظناها نكونُ قد أَقَمنا حولَ كتابِ الله ثوابتَ من المعارف المؤسسّة على أُصولٍ من المنهج الصَّحيح؛ تظلُّ بين يدي الذِّكرِ الحكيمِ تهّيئ لسَماعه وفَهْمه وتَذَوّقِ بلاغتِه وأسرارِ بيانِه".
وحَسْبك دليلًا على أَهَميتِه وخطورةِ شأنِه قولُ ابن عبّاس ﵄ (٣): "إذا أَشْكلَ عَلَيكم الشَّيءُ من القُرآن فارْجِعوا إلى الشِّعْرِ فإِنَّه دِيوانُ العَربِ".
стр. 133
لذا اهْتمَّ به علماؤُنا قَدِيمًا وحَدِيثًا على اخْتلافِ تَخَصُّصاتهم العِلميَّة فاسْتَشْهد به الفُقَهاءُ، والمحدِّثون، والمفسِّرون، والنُّحاة، واللُّغويّون على حدٍّ سواء.
وقد امْتلأ كتابُنا بهذا النَّوعِ من الشَّواهد، حيث بلغَتْ مواضعُ الاستِشْهاد الشِّعريّةِ مائة وثمانية عشر مَوْضعًا (١)، وهي -بلا شكّ- كثيرةٌ جدًّا، ويُلْحظُ أنَّه سلكَ في طريقةِ الاستشهادِ بها وطريقةِ إيرادها نفسَ المسلك الَّذي سَلكه في بقيَّةِ الشّواهدِ المتقدِّمة. على أَنَّه لَمْ ينسبْ تسعين شاهدًا، واسْتطعتُ بفضلِ الله نِسْبة (٨٢) شاهدًا إلى قائِلها.
كَمَا يُلْحظ أَنَّ شواهدَ الكتابِ الشّعريّة لَمْ تَخْرج في الجُمْلة عن شَواهد المصادر البلاغيَّة الأُخرى الَّتي تقدَّمت على الكتابِ وبالأَخصِّ كتاب "مفتاح العلوم" للسَّكَّاكيِّ.
ولبيانِ ما تقدَّم بجلاءٍ أَسُوقُ الشَّاهدين التَّاليين:
١ - شاهدٌ لم يُنْسبْ، ولم يُسْبق بما يدلُّ على أَنَّه شاهدٌ، ولم يُبيَّن مَعْناه، أَوْ يُشْرح غَرِيبه وليسَ بلاغيًّا، كقوله (٢): "فإنَّ المحلَّ الخالي إِذا كانَ فَارغًا تَمكَّن فيه نقشٌ يردُ عليه أَشدَّ تمكُّن:
أَتَاني هَواها قَبل أَنْ أَعْرفَ الهَوى ... فَصَادفَ قَلْبي خَاليًا فَتَمكّنا".
стр. 134
٢ - شاهدٌ نُسب، وسُبق بما يدلُّ على أنَّه شاهدٌ، وبيَّن مَعْناه، وشُرح غَريبُه، واستُشْهد به عَلَى موضع بَلاغيٍّ؛ كقوله (١): "ومن هَذَا القبيلِ وضْعُ الحاضرِ موضع الماضِي لإيهامِ المشاهدَة؛ مشاهدة تلك الحالةِ واسْتِحضارها في ذهنِ المُخاطب .. كَمَا فعلَ تأبَّط شرًّا في قولِه:
بأَنِّي قَدْ لَقيتُ الغُولَ تَهْوي ... بسَهْبٍ كالصَّحيفة صَحْصَحان
فَأضْرِبُها بلا دهَشٍ فَخرَّت ... صَرِيعًا لليدينِ وللجِرانِ
وكانَ مقتضَى الظَّاهرِ: "فضَربتُها"، لكنَّه عدلَ إلى الحاضر قَصْدًا أن يصوِّر لقومه الحالةَ الَّتي تَشجَّع فِيها بضربِ الغُول كأنَّه يُبصرهم إِيّاها -أي: تلكَ الحالة- ويُطلعهم عَلَى كُنْهها، ويَتَطلَّبُ مِنْهم مُشاهدَتَها؛ تَعْجيبًا من جُرْأَته علَى كُلِّ هَوْل، وثبَاته عندَ كلِّ شدَّةٍ.
والسَّهبُ -بالسِّين والصّاد المهملتَين-: الفَلاةُ.
والصَّحصحانُ: المُستوي؛ أي بفلاةٍ كالقِرطاس مُسْتَوية.
لليَدين: أَيْ عَلَى اليَدين.
والجِرَانُ: مقَدَّم عنق البَعير من مذبحه إِلى مَنْحرِه".
وقِس على هذين الشَّاهدين المتنافيين شواهدَ شعريَّة أخرى اتّفقت أَوْ أَخذَت صُورًا مُتنوّعةً من النّفي والإِثْباتِ.
стр. 135
المبحث الثّالث: تقويم الكتاب
وفيه مطلبان:
المطلب الأوّل:
مزايا الكتاب
المطلب الثّاني:
المآخذ عليه
стр. 136
المطلبُ الأَوَّل: مزايا الكتاب
١ - حسن التّبويب والتنظيم:
سبق أَن قدَّمت أنَّ كتابَ تحقيقِ الفوائد ينضوي تحت أَرْوقة المدرسةِ السَّكَّاكيَّةِ ولذا فإِنَّه يستمدُّ قيمته العِلميَّةَ من تلك الأسس المحكمة إلى قامت عليها والمنهج القَويم الذي ترسمته.
ولستُ أعني عندما أعبِّر -هنا- بـ (السَّكاكيَّة) سبق السَّكاكيِّ إلى ذلك المنْهج الَّذي خالفَ به المتقدِّمين ممَّن صنَّفوا كتبًا مُسْتقلّة في البَلاغةِ؛ كعبد القاهرِ الجُرجانيِّ الَّذي صنَّف كتابيه "أسْرار البلاغة" و"دلائل الإعجاز" أَوْ حتّى كتبًا لا يصدقُ عليها التَّصنيفُ البلاغيُّ تمامًا كتلك التي تضمَّنت كثيرًا من المباحث البلاغيَّة دونما حاجزٍ مانعٍ من دخولِ غيرها من المباحث الأُخرى. من مثل كتاب "الموازنة بين أبي تمام والبحتريّ" لأبي القاسم الآمديّ، وكتاب: "الوساطة بين المتنبّي وخصومه" للجرجانيّ -وإنَّما أعْنِي الارتباطَ الوثيقَ الَّذي يصل كتابَ الشَّيخ الكرمانيِّ "تحقيق الفوائد" بكتابِ شيخ شيخِه أبي يعقوب السّكاكيّ "المفتاح"؛ ذلك الكتاب الذي ذاعَ صيتُه بين النَّاس، ونال شهرةً لم ينلها كثيرٌ من الكتبِ البلاغيَّة الأخرى. فكتابُ الكرمانيِّ -كما سبق- أَنْ ذكرتُ يشرحُ كتابًا آخر شديدَ الصِّلةِ بكتاب السَّكاكيّ؛ هو كتاب "الفوائد الغياثيَّة"؛ ذلكم الكتاب الَّذي اختصر به صاحبُه -بعنايةٍ فائقةٍ- "مفتاح العلوم" للسَّكاكيّ.
стр. 137
وغنيٌّ عن الإِيضاح أن السَّكاكيَّ أفادَ كثيرًا في تبويبِه وتقعيدِه وتقسيمِه من الفَخْر الرَّازي في كتاب: "نهاية الإيجاز في دِراية الإعْجَاز"، بل إنّه كما يقولُ محقّقُ نهاية الإيجاز الدّكتور بَكري شَيْخ أمين (١): "كادَ أَنْ يكون ظلًّا للرَّازيّ وصدًى لصوته". وفي نظري أنَّه لم يتميَّز عنه كثيرًا إِلَّا بما امتنّ الله به عليه من دِقَّةِ التَّنظيمِ وضبطِ التَّقسيم وقوَّةِ الأَدلَّة.
ومع سبقِ الرَّازي إلى التّنظيم والتَّبويب وتشْعيبِ المسائل وتَفْريعها وفق أسسٍ عقليّةٍ منطقِيَّةِ إلّا أنّ أغلبَ الدَّارسين المحدثين يغضّون الطّرف عنه، ويتَجَاهلون سَبْقه، ولا يلوونَ على كتابِه كما يَلْوون على كتابِ السَّكاكيِّ الَّذي نُسب إليه السَّبق ورَكَّز عليه الدَّارسون مُتَعرّضين لمنهجِه -في الغالب الأَعمَّ- بالذَّمِّ والتَّسفيه؛ رامينه بالانْحرافِ والجمودِ وعدمِ الفَهم؛ ومنهم الدُّكتور عبد العزيز عتيق (٢) يقول: "ومن هنا كانت خُطُورة منهاج السَّكاكيِّ الَّذي يُعدُّ في تاريخ البلاغةِ بداية طور الجُمود في دراستها لقد خُيِّلَ إِليه أنَّه بمنهاجِه المنظّم المتقن يُصْلح من شأنِ البلاغةِ، فإذا به من حَيثُ لا يَدْري يُفْسدها ويُسئُ إليها".
والحقّ أنَّ السَّكاكيَّ ﵀ حُمِّل ما لا يَحْتمل؛ إذ طُلبَ منه أَنْ يواكب بلاغة عبد القاهر الجرجاني ﵀ وأن يأتي بما يحاكي كتابيه على الأقل إذ لم يستطع أن يتفوّقّ عليه. ومن هذه الجهة انهالت السّهام عليه. ولو أُمعن النّظر في صنيع السَّكاكيّ وغايته منه لما
стр. 138
حُمّل كلّ ذلك. ولأُحيل ذمّه مدحًا. فهو لم يؤلّف كتابه ليغيّر مسار البلاغة العربيّة ويلبسها ثوب الجمود -كما زعموا- ولم يكن هذا مقصدًا له على بال، وغاية ما هدف إليه هو اختصار كلام الإمام عبد القاهر وتصفيته من التّكرار وتقريبه لطلبة العلم بوضع الحدود والرّسوم التي تضبط مباحثه وتفصّل مسائله. ليستقيم لطالب البلاغة الطّريق وتتّضح أمامه الصّورة؛ متى ما خاض غمار البيان وأدلج في بحور تذوّق الكلام، ولعلّ الَّذي حداه إلى ذلك ضعف الذّوق العربيّ في العصور المتأخّرة فأراد بمنهجه المنطقيّ الإعانة على فهم البلاغة.
وأجدني مع الأستاذ الدكتور فضل حسن عبّاس: حين يقول (١): "ورحم الله السَّكاكيّ ونرجو أن يؤجر على هذه الحملات الَّتي توجّه إليه؛ فلقد حمّلوه مسؤولية جمود البلاغة ووقوفها عند حال لا تحسد عليه ....
صحيح أَن السَّكاكيَّ سلب بلاغة عبد القاهر هذه السّمات الأدبيّة، وهذا الأسلوب الَّذي يستند إلى الذّوق والقاعدة معًا؛ ولكن ينبغي أن لا ننسى، ولا يجوز أن ننسى أنّ البلاغة كانت بحاجة إلى من يحدّد لها مصطلحاتها تحديدًا تامًّا، ومن يفصِّل مسائلها، ويَفْصل بعضها عن بعض، وتلك حسنة لا ينبغي أن تغفل، ولكن الكثيرين -سامحهم الله- لا يذكرون إلّا السّلبيّات".
أخلص من هذا كلّه إلى القول بأنّ انضواء كتاب "تحقيق الفوائد" تحت أروقة المدرسة السَّكاكيّة لا يغمط شيئًا من شأنه ولا يحط قدرًا
стр. 139
من قدره كما ظنّ بعض، بل هو ميزة تحسب للكتاب؛ تشتدّ الحاجة إليها في ميدان التعليم "ثمّ يبقى ما وراء ذلك مفتوحًا ليشمل كل دراسة تستخرج أسرار البيان" (١).
ولست في حاجة -هنا- إلى استعراض طريقة الكرمانيّ الموفّقة التي بنى عليها كتابه، فقد سبق الحديث عنها في المطلب الثّالث عن المبحث الأوّل من هذا الفصل في أثناء الحديث عن منهج المؤلّف في الكتاب؛ حيث استعرضتُ بالتّفصيل المخطّط الَّذي سار عليه الشّارح في كتابه (٢).
٢ - التَّوسُّط والاعتدال:
حيث تجنّب مؤلّفه الإطناب المملّ والاختصار المخلّ، فسلك به منهجًا وسطًا سواءٌ في عرض المادّة العلميّة أَوْ في التّقسيم والتّفريع. وما يندرج تحتهما من التقعيد والتّمثيل وإيراد الأقوال والأدلّة ومناقشتها. متحاشيًا في ذلك كلّه التّكرار والإطالة، ومحترزًا -في الجملة- عن التّقصير والإيجاز، ولذا نجده عندما يتعرّض لأحوال المسند والمسند إليه وبعض أحوال متعلّقات الفعل لا يفرد كلّ نوع ببحث مستقلّ -كما فعل غيرُه من البلاغيّين، بل كما فعل السَّكاكيّ نفسه، عمدة الكرمانيِّ في كتابه- وإنّما يعالجها جميعًا تحت مبحث واحد ذاكرًا أغلب النّكت البلاغيّة؛ ممثّلا لها بما تيسّر من الأمثلة مما قد يَكون مندرجًا تحت المسند
стр. 140
إليه أَوْ تحت المسند؛ أَوْ تحت متعلّقات الفعل؛ تاركًا المجال مفتوحًا أمام القارئ لإعمال عقله في تحصيل ما لم يذكره وقياس الأشباه على النّظائر فيما لا يستغلق فهمه أَوْ يشقّ طلبه، وأسوق للدّلالة على ذلك قوله (١): "ثمّ إنَّه، أي الحذف، يترجَّحُ لوجوهٍ: الأوّل: ضيق المقام؛ كجوابِ المشرف -أي على الموت-: أموت، حيث يقال له: كيف أنت؟ إذا الوقت لا يسع أن يقول: أنا أموت ... وكضروة الشّعر، وقوله:
قَال لِي: كَيْفَ أَنْتَ؟ قُلْتُ: عَلِيلٌ ... سَهَرٌ دَائمٌ وحُزْنٌ طَويلُ
الثّاني: الاحترازُ عن العَبَثِ؛ نحو: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ﴾؛ إذ لو كرِّر فعلُ التّسبيح؛ لكان عبثًا؛ إذ هو معلومٌ من الأوّل".
فلقد تحقّقت الفائدة المنشودة بإيراد الوجهين المذكورين وغيرهما من الوجوه الأخرى الواردة بعدهما التي تكشف أسرار الحذف البلاغيَّة غير أنَّه درءًا للتطويل والتّكرار عالج أوّلهما "ضيق المقام، ضرورة الشّعر" في باب المسند إليه؛ حيث جاء المحذوف في أمثلته مسندًا إليه.
وعالج ثانيهما "الاحتراز عن العبث" في باب المسند؛ حيث جاء المحذوف في مثاله مسندًا.
стр. 141
وكان بإمكانه أن يمثّل لكل وجه بمثالين؛ أحدهما في باب المسند إليه، والآخر في باب المسند، كما فعل غيره ممّن رام البسط والتّوسّع.
وظاهر أنّ الَّذي هيّأ لهذا المسلك، أي مسلك "التّوسّط والاعتدال" هو الإيجيّ، صاحب الكتاب المختصر؛ حيث بنى كتابه على أسس منطقيّة لا تقبل الحشو والاسترسال.
ويبدو لي أنّ الكرمانيّ ﵀ نشد هذا المسلك وهدف إليه قبل تأليف الكتاب، ولو أنه آثر منهج المطوّلات لعدل من أوّل الأمر عن ربط كتابه بمختصر شيخه، أَوْ حتَّى عدم تضمينه إيّاه بالطّريقة الدّقيقة المحكمة الَّتي سبق أن أشرت إليها (١) على أقلّ تقدير.
٣ - اشتمال الكتاب على بعض الفوائد المهمّة:
تضمَّن كتاب تحقيق الفوائد فوائد جليلة؛ انفرد بها الكتاب عن سائر الكتب البلاغيّة التي سبقته، ويعود الفضل في إيرادها -في الدّرجة الأولى- إلى الإيجيّ صاحب المختصر. فهو الَّذى ضمنها كتابه صراحة، أَوْ قدح في ذهن الكرمانيّ إليها. وغالبًا ما يشير الشّارح إليها بقوله (٢): "وهذا ممّا زاد على المفتاح"، وتبدو لنا قيمة تلك الزّيادات بجلاء إذا ما ربطا بينها وبين عنوان الكتاب المختصر: "الفوائد الغياثيّة" وتَذَكِّرْنا ما
стр. 142
سبق أن أوردناه في سبب تأليف الكتاب (١). حيت نصّ ابن الكرمانيّ "أنّ الوزير (غياث الدّين) كان يقرأ المفتاح للسّكّاكيّ على الشّيخ عضدِ الدّين، وكان يفيد عند الدّرس فوائد زوائد على المفتاح؛ فسأله الوزير أن يجمع تلك الفوائد مفردة فجمعها ... ".
وقد تتبّعت المواطن التي صرّح الشّارح بأنها ممّا زاده شيخه على ما في "المفتاح" فوجدتها تقارب العشرين موطنًا وقد يكون في الموطن الواحد أكثر من فائدة.
وجدير بالذّكر أنّ تلك الفوائد لم تعرف مواطن معيّنة من الكتاب تلتزم الورود فيها، بل ترد بحسب المقتضى الدّاعى لها، فأحيانًا ترد في ثنايا المباحث الرّئيسة، وأخرى في خواتيمها، وثالثة خارجًا عنها في إطار التّنبيهات. وغالبًا ما يكون تصريح الشّارح بأنها من الفوائد الزّائدة على ما في "المفتاح" في بداية الحديث (٢) عنها، بخلاف الفوائد الأخرى، فالتصريح بزيادتها يرد عقب إيرادها (٣).
وللإيضاح أسوق المثال التّالي مشتملًا على كلام المصنّف والشّارح (٤):
стр. 143
"وتعريفاتُه [أي الخبر] تَنْبيهات، فإنَّ التَّعريفَ قد لا يُرادُ بهِ إحداثُ تَصوّرٍ؛ بل الالتفاتُ إلى تصوُّرٍ حاصلٍ ليتميّز من بين التَّصوُّراتِ؛ فيعلَم أَنَّه المرادُ.
إشارةٌ إلى سؤالٍ وجواب.
تقديرُ السّؤال: لا يشتغلُ العقلاءُ بتعريفِ التَّصوُّرات البديهيَّة كما لا يُبَرهن على القَضايا البديهيّة؛ فلو كان الخبرُ ضروريًّا لما عَرَّفُوه ....
تقديرُ الجوابِ: أَنَّ هذه تنبيهاتٌ لا تعريفاتٌ تنافي الضَّرورة فإنّها ليست لإفادة تصوُّرٍ وإحداثِه؛ بل لتَمْيِيز ما هو المراد به مِنْ بين سَائِر التَّصوُّراتِ الحَاصِلة عنده ....
وهذا ممّا زاد على "المفتاح".
ومن أمثلة ذلك -أيضًا- ما أورده المصنِّف وعلَّق عليه الشّارح في التنبيه الَّذي جاء عقب النّوع الثّالث المعقود في التّعريف بأقسامه والتّنكير، قال (١): "تنبيه: ما في هذا التّنبيه من الفوائد ممّا زادها على الأصل وهي فوائد شريفة مهمّة لا بدّ من معرفتها:
التعريف: يقصد به معيّن عند السّامع من حيث هو معيّن كأنه؛
أي: التّعريف إشارة إليه؛ أي: إلى ذلك المعيّن بذلك الاعتبار، أي: باعتبار أنَّه معيّن عنده.
وأمّا النَّكرة: فيقصد بها التفات النّفس إلى المعيّن من حيث هو، من غير أن يكون في اللَّفظ ملاحظة تعيُّن، وإن كان لا يكون إلّا معيّنا؛
стр. 144
فإن الفهم موقوف على العلم بوفع اللَّفظ له، أي: للمعنى الَّذي هو مفادٌ من اللَّفظ وذلك، أي: العلم بالوضع إنَّما يكون بعد تصوّره ذلك المعنى، وتميّزه عنده عمَّا عداه، لكنه لا يلاحظ في اللفظ أنه معيّن.
والحاصل: أنّ الخطاب لا يكون إلّا بما يكون معلومًا للمخاطب ومتصوّرًا له، سواءٌ كان اللَّفظ نكرة أو معرفة، لكن الفرق: أنّ في لفظ المعرفة إشارة إلى أنَّه يعرفه السّامع دون المنكر؛ فإذا قلت: ضرب الرّجل؛ فكأنَّك قلت: ضرب الرّجل الَّذي تعرفه؛ ففي اللَّفظ إشارة إلى أنَّه يعرفه بخلاف النّكرة".
وظاهرٌ أنّ ما في التّنبيه تكميلٌ مهمٌّ للمبحث البلاغيّ المعقود، بتحديد مصطلحين رئيسين وردا فيه يحوّل القصور في معرفة المراد بكلّ واحد منهما بدقّة دون الفهم المنشود؛ بل ربّما أدّى إلى الوقوع في خلافه؛ ممّا يتنافى مع أسس البلاغة كأن يسبق إلى الفهم من "التّعريف" مجرّد التعيّن لمعنى اللَّفظة المعرفة من غير ملاحظة تعينها بخصوص معيّن في ذهن السّامع وارتباط مدلولها -سلفًا- به. وكذا التّنكرِ بأن يسبق إلى الفهم منه مطلق النّكرة، أي: عدم العلم بمعنى اللَّفظة المنكرة أصلًا، الأمر الَّذي يؤول بالمتكلّم إلى مخاطبة السّامع بما لا يعلمه.
أمّا ما يتعلّق بالفوائد الواردة في شرح الكرمانيّ فهي الكثرة الكاثرة وإن لم ينصّ عليها إلّا في النّادر كقوله (١): "وهَا هُنا فائدةٌ جليلةٌ لا بدَّ من ذكرها؛ وهي: أنَّ اللَّفظ قد يُوضعُ وضعًا عامًّا لموضوع له عامّ؛ كـ (رجل)
стр. 145
وقد يُوضع وضعًا خاصًّا لموضوع له خاصّ؛ (زيد)، وقد يُوضع وضعًا عامًّا لأمورٍ مَخْصُوصةٍ (هذا) فإِن وضْعه عامٌّ لكلِّ مشارٍ إليه مخصوص ... ".
٤ - ظهور شخصيّة المؤلّف العلميّة بشكل واضح:
وبدا هذا الظّهور المتألّق عند المُختصر والشَّارح على حدٍّ سواء؛ كلّ بحسب طبيعة تناوله. فصاحب المختصر يكتفي بالإشارات الموجزة العابرة، وصاحب الشّرح يميل إلى الإيضاح والتّفصيل. وقد برزت شخصيّتهما من خلال آرائهما واختيارهما وتعليلاتهما ومناقشتها وردودهما التي ردّا بها على بعض العلماء.
ومن أمثلة ظهورها عند صاحب المختصر قوله (١): "الثَّاني: ألا يُعْرف منه إلا ذلك القَدْرُ حقيقةً أَوْ ادِّعاءً ... وعليه حُمل قوله تعالى: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (٧)﴾.
فتعبيره بقوله: "وعليه حُمل" إشارهٌ ظاهرة إلى عدم قبوله وجه الحمل، ولو قبله لما ساغ له الإتيان بلفظ زائد هو "حُمل"، ولكفاه أن يقول: "وعليه قوله"؛ فهو المتّسق مع منهج الاختصار الَّذي سار عليه. ولم يكن له أن يسلك هذا التّطويل بهذه الإشارة العابرة لو انساق خلف آراء الآخرين؛ يأخذها ويحكيها كما هي؛ دون أن ينصب عليها عقله ناقدًا ومقوّمًا.