← Адаб

Адаб · id 17458

تحقيق الفوائد الغياثية

الكرماني، شمس الدين

Полный текст (841 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وكان بإمكانه أن يمثّل لكل وجه بمثالين؛ أحدهما في باب المسند إليه، والآخر في باب المسند، كما فعل غيره ممّن رام البسط والتّوسّع. وظاهر أنّ الَّذي هيّأ لهذا المسلك، أي مسلك "التّوسّط والاعتدال" هو الإيجيّ، صاحب الكتاب المختصر؛ حيث بنى كتابه على أسس منطقيّة لا تقبل الحشو والاسترسال. ويبدو لي أنّ الكرمانيّ ﵀ نشد هذا المسلك وهدف إليه قبل تأليف الكتاب، ولو أنه آثر منهج المطوّلات لعدل من أوّل الأمر عن ربط كتابه بمختصر شيخه، أَوْ حتَّى عدم تضمينه إيّاه بالطّريقة الدّقيقة المحكمة الَّتي سبق أن أشرت إليها (١) على أقلّ تقدير. ٣ - اشتمال الكتاب على بعض الفوائد المهمّة: تضمَّن كتاب تحقيق الفوائد فوائد جليلة؛ انفرد بها الكتاب عن سائر الكتب البلاغيّة التي سبقته، ويعود الفضل في إيرادها -في الدّرجة الأولى- إلى الإيجيّ صاحب المختصر. فهو الَّذى ضمنها كتابه صراحة، أَوْ قدح في ذهن الكرمانيّ إليها. وغالبًا ما يشير الشّارح إليها بقوله (٢): "وهذا ممّا زاد على المفتاح"، وتبدو لنا قيمة تلك الزّيادات بجلاء إذا ما ربطا بينها وبين عنوان الكتاب المختصر: "الفوائد الغياثيّة" وتَذَكِّرْنا ما

стр. 142

سبق أن أوردناه في سبب تأليف الكتاب (١). حيت نصّ ابن الكرمانيّ "أنّ الوزير (غياث الدّين) كان يقرأ المفتاح للسّكّاكيّ على الشّيخ عضدِ الدّين، وكان يفيد عند الدّرس فوائد زوائد على المفتاح؛ فسأله الوزير أن يجمع تلك الفوائد مفردة فجمعها ... ". وقد تتبّعت المواطن التي صرّح الشّارح بأنها ممّا زاده شيخه على ما في "المفتاح" فوجدتها تقارب العشرين موطنًا وقد يكون في الموطن الواحد أكثر من فائدة. وجدير بالذّكر أنّ تلك الفوائد لم تعرف مواطن معيّنة من الكتاب تلتزم الورود فيها، بل ترد بحسب المقتضى الدّاعى لها، فأحيانًا ترد في ثنايا المباحث الرّئيسة، وأخرى في خواتيمها، وثالثة خارجًا عنها في إطار التّنبيهات. وغالبًا ما يكون تصريح الشّارح بأنها من الفوائد الزّائدة على ما في "المفتاح" في بداية الحديث (٢) عنها، بخلاف الفوائد الأخرى، فالتصريح بزيادتها يرد عقب إيرادها (٣). وللإيضاح أسوق المثال التّالي مشتملًا على كلام المصنّف والشّارح (٤):

стр. 143

"وتعريفاتُه [أي الخبر] تَنْبيهات، فإنَّ التَّعريفَ قد لا يُرادُ بهِ إحداثُ تَصوّرٍ؛ بل الالتفاتُ إلى تصوُّرٍ حاصلٍ ليتميّز من بين التَّصوُّراتِ؛ فيعلَم أَنَّه المرادُ. إشارةٌ إلى سؤالٍ وجواب. تقديرُ السّؤال: لا يشتغلُ العقلاءُ بتعريفِ التَّصوُّرات البديهيَّة كما لا يُبَرهن على القَضايا البديهيّة؛ فلو كان الخبرُ ضروريًّا لما عَرَّفُوه .... تقديرُ الجوابِ: أَنَّ هذه تنبيهاتٌ لا تعريفاتٌ تنافي الضَّرورة فإنّها ليست لإفادة تصوُّرٍ وإحداثِه؛ بل لتَمْيِيز ما هو المراد به مِنْ بين سَائِر التَّصوُّراتِ الحَاصِلة عنده .... وهذا ممّا زاد على "المفتاح". ومن أمثلة ذلك -أيضًا- ما أورده المصنِّف وعلَّق عليه الشّارح في التنبيه الَّذي جاء عقب النّوع الثّالث المعقود في التّعريف بأقسامه والتّنكير، قال (١): "تنبيه: ما في هذا التّنبيه من الفوائد ممّا زادها على الأصل وهي فوائد شريفة مهمّة لا بدّ من معرفتها: التعريف: يقصد به معيّن عند السّامع من حيث هو معيّن كأنه؛ أي: التّعريف إشارة إليه؛ أي: إلى ذلك المعيّن بذلك الاعتبار، أي: باعتبار أنَّه معيّن عنده. وأمّا النَّكرة: فيقصد بها التفات النّفس إلى المعيّن من حيث هو، من غير أن يكون في اللَّفظ ملاحظة تعيُّن، وإن كان لا يكون إلّا معيّنا؛

стр. 144

فإن الفهم موقوف على العلم بوفع اللَّفظ له، أي: للمعنى الَّذي هو مفادٌ من اللَّفظ وذلك، أي: العلم بالوضع إنَّما يكون بعد تصوّره ذلك المعنى، وتميّزه عنده عمَّا عداه، لكنه لا يلاحظ في اللفظ أنه معيّن. والحاصل: أنّ الخطاب لا يكون إلّا بما يكون معلومًا للمخاطب ومتصوّرًا له، سواءٌ كان اللَّفظ نكرة أو معرفة، لكن الفرق: أنّ في لفظ المعرفة إشارة إلى أنَّه يعرفه السّامع دون المنكر؛ فإذا قلت: ضرب الرّجل؛ فكأنَّك قلت: ضرب الرّجل الَّذي تعرفه؛ ففي اللَّفظ إشارة إلى أنَّه يعرفه بخلاف النّكرة". وظاهرٌ أنّ ما في التّنبيه تكميلٌ مهمٌّ للمبحث البلاغيّ المعقود، بتحديد مصطلحين رئيسين وردا فيه يحوّل القصور في معرفة المراد بكلّ واحد منهما بدقّة دون الفهم المنشود؛ بل ربّما أدّى إلى الوقوع في خلافه؛ ممّا يتنافى مع أسس البلاغة كأن يسبق إلى الفهم من "التّعريف" مجرّد التعيّن لمعنى اللَّفظة المعرفة من غير ملاحظة تعينها بخصوص معيّن في ذهن السّامع وارتباط مدلولها -سلفًا- به. وكذا التّنكرِ بأن يسبق إلى الفهم منه مطلق النّكرة، أي: عدم العلم بمعنى اللَّفظة المنكرة أصلًا، الأمر الَّذي يؤول بالمتكلّم إلى مخاطبة السّامع بما لا يعلمه. أمّا ما يتعلّق بالفوائد الواردة في شرح الكرمانيّ فهي الكثرة الكاثرة وإن لم ينصّ عليها إلّا في النّادر كقوله (١): "وهَا هُنا فائدةٌ جليلةٌ لا بدَّ من ذكرها؛ وهي: أنَّ اللَّفظ قد يُوضعُ وضعًا عامًّا لموضوع له عامّ؛ كـ (رجل)

стр. 145

وقد يُوضع وضعًا خاصًّا لموضوع له خاصّ؛ (زيد)، وقد يُوضع وضعًا عامًّا لأمورٍ مَخْصُوصةٍ (هذا) فإِن وضْعه عامٌّ لكلِّ مشارٍ إليه مخصوص ... ". ٤ - ظهور شخصيّة المؤلّف العلميّة بشكل واضح: وبدا هذا الظّهور المتألّق عند المُختصر والشَّارح على حدٍّ سواء؛ كلّ بحسب طبيعة تناوله. فصاحب المختصر يكتفي بالإشارات الموجزة العابرة، وصاحب الشّرح يميل إلى الإيضاح والتّفصيل. وقد برزت شخصيّتهما من خلال آرائهما واختيارهما وتعليلاتهما ومناقشتها وردودهما التي ردّا بها على بعض العلماء. ومن أمثلة ظهورها عند صاحب المختصر قوله (١): "الثَّاني: ألا يُعْرف منه إلا ذلك القَدْرُ حقيقةً أَوْ ادِّعاءً ... وعليه حُمل قوله تعالى: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (٧)﴾. فتعبيره بقوله: "وعليه حُمل" إشارهٌ ظاهرة إلى عدم قبوله وجه الحمل، ولو قبله لما ساغ له الإتيان بلفظ زائد هو "حُمل"، ولكفاه أن يقول: "وعليه قوله"؛ فهو المتّسق مع منهج الاختصار الَّذي سار عليه. ولم يكن له أن يسلك هذا التّطويل بهذه الإشارة العابرة لو انساق خلف آراء الآخرين؛ يأخذها ويحكيها كما هي؛ دون أن ينصب عليها عقله ناقدًا ومقوّمًا.

стр. 146

يقول الكرمانيّ (١): "ولَمّا كانَ عند المصنِّف وجهٌ أَنسبَ منه لسياقِ الآية- قال: "وعليه حُمل" والمراد به صاحب "المفتاح". ولم يقل: (وعليه ورد) أَوْ (عليه قوله). والوجهُ فيه: أَنَّهم نكَّروه لاعتقادِهم أنَّه لا يجوز أن يكون شخص هكذا موجودًا يقول كذا وكذا. ويدّعى: كذا وكذا، واستبعدوه، بل أحالوه، فكأنَّه للتّعجّب وبيان الاستحالة لذلك الخبر الَّذي يدّعيه؛ أي: هل ندلّكم على رجلٍ عجيبٍ، يقول كلامًا عجيبًا، متّصفٍ بصفة غريبة، يدّعي أمرًا غريبًا. ولو قال مقام (على رجل): (على محمّد): لم يكن مفيدًا لذلك". ومن ظهورها عند صاحب الشّرح قوله بعد أن ساق الخلاف في "لو"؛ هل هي لامتناع الثّاني لامتناع الأوّل، أَوْ هي لامتناع الأوّل لامتناع الثّاني ممثّلًا بقوله: "لو جئتني أكرمتك" قال (٢): "والتَّحقيقُ فيه أنَّه يُستعملُ في كلا المعنيين لكن بالاعتبارين؛ باعتبار الوجود والتّعليل، وباعتبار العلم والاستدلال؛ فيقول: لَمّا كان المجئُ علّة للإكرام بحعسب الوجود فانتفاء الإكرامِ لانتفاءِ المجيء؛ انتفاءٌ للمعلول لانتفاءِ علَّته. و -أيضًا-: لمّا يعلم انتفاء الإكرام فقد يُستدلُّ منه على انتفاء المجيء؛ استدلالًا من انتفاء اللّازم على انتفاء الملزوم ... وهذا تحقيق لم ينقّح إلى السّاعة".

стр. 147

هذا؛ وقد ظهر لي أنّ الكرمانيّ ﵀ ينشد الحقَّ بعيدًا عن التّعصّب والهوى، ومتى تجلّى الحقُّ أمامه بدليله ذكره وإن أدّى ذلك إلى مخالفته القول السّائد الَّذي عليه أرباب الفنّ، أَوْ عليه شيخه "الإيجيّ" غير أنَّه لا يهمل وجهات نظر الآخرين أَوْ آراءهم. ولا يتعرّض لها بشيء من النّقد الجارح. وإنّما يقدّمها على رأيه ويوفيها حقّها من البسط والإيضاح ثمّ يعقّب -في النّهاية- عليها برأيه، وأسوق للدّلالة على هذا المثال الآتي (١): "ويقبح (هل زيدًا عرفت) لإشعاره؛ أي: التّقديم بثبوت التّصديق بنفس الفعل، وإشعاره (هل) بعدم ثبوت التّصديق؛ لأنّه لطلب التّصديق. وإنّما قال: (يقبح) ولم يقل: (يمتنع) لأنّه وإن احتمل التّقديم المنافي؛ كذلك يحتمل عدم التّقديم، وإن كان مرجوحًا بالنّسبة إلى احتمال التّقديم؛ وذلك بأن يقدّر: عرفت آخر قبل زيد، أَوْ تجعل مفعول (عرفت) المذكور محذوفًا، والتّقدير: (هل عرفت زيدًا عرفته). بخلاف عرفته؛ أي: بخلاف (زيدًا عرفته) فإّنه لا يَقْبُح؛ لأن زيدًا لا يحتمل التّقديم؛ لأنّ (عرفته) قد أخذ مفعوله، وإذ لم يحتمل التّقدىم لا يستدعي ثبوت التّصديق بنفس الفعل؛ فلا ينافي (هل). وهذا على ما هو كذلك لفظ المختصر وأصله، وعلى ما شرحه الشّارح للأصل؛ لكن الحقّ: أن (زيدًا عرفته) -أيضًا- يحتمل التّقديم؛ بأن

стр. 148

يقدّر المفسّر بعد (زيدًا)؛ نحو: "هل زيدًا عرفت عرفته ... فلا يخرج من باب القبح". وجدير باللّحظ في هذا النّصّ تأدّب الكرمانيّ مع شيخه وغيره من العلماء؛ فعندما صرّح بالحقّ في غير جانبهم لم يصرّح بأسمائهم، وإنّما أحال إلى مؤلّفاتهم؛ إذ قال: (هذا على ما هو كذلك لفظ المختصر وأصله" أَوْ على وصف يُشْترك فيه إذ قال: "وعلى ما شرحه الشّارح للأصل". ٥ - اشتمال تحقيق الفوائد على بعض آراء الإيجيّ الّتي لم ترد في مختصره: ذكر الكرمانيُّ في كتابه بعضَ آراء شيخه الإيجيِّ، وكثيرًا منها لم أجد له ذكرًا في كتب الإيجيّ نفسه، ممّا يرجّح أنَّها ممّا تلقّفه التّلميذ عن شيخه مشافهة في وقت ملازمته له وتلقّيه عنه. ويمثّل حفظ مثل هذه الآراء قيمة تاريخيّة وفكريّة، يمكن أن يفاد منه في رصد حركة التّطوّر الفكريّ للأمّة بعامّة؛ كما يمكن أن يفاد منه في دراسة الشّخصيّات وتقصّي أبعادها. ومن أمثلة ما حفظه الكرمانيّ لشيخه قوله معلّقًا على ما ورد في المختصر (١): "وهاهنا نظر؛ فإنّ الإلف بالتّكرار يحصل؛ فكيف يتنافى حكمها؟! "، قال (٢): "والمصنّف ينقل كلام السَّكاكيّ، وإلّا فالحقّ عنده

стр. 149

على طرف التّمام، وهو: أن كلّ تكرار لا يورث الكراهة، بل الَّذي يورثها تكرار شيء منه بدّ؛ وهو مناف للإلف، وأمّا تكرار شيء لا بدَّ منه؛ كتكرار الشُّبه الضّروريّة عند الطّبيب، فهو غير مناف للإلف؛ بل موجب له". وبدت -لي- بعد الاستقراء والتّتبّع لكلّ ما هو على شاكلة هذا المثال حقيقتان مهمّتان: أوّلهما: قرب الكرمانيّ من شيخه الإيجيّ قربًا يجعله أخصّ تلاميذه وأعرفهم بمراده، وأكثرهم إحاطة بآرائه. ثانيهما: ولاء الكرمانيّ لشيخه وحبّه له، وكأنِّي به لا يجد أدنى مناسبة تستدعي إيراد وجهة نظر لشيخه أَوْ رأي له حتَّى يبادر إليها ويوفيها حقّها. ٦ - اشتمال تحقيق الفوائد على أصحّ نسخ المختصر: أشرتُ فيما مضى أنّ كتاب الفوائد الغياثيّة مختصر أُعدّ بعناية فائقة ليكون صالحًا للحفظ، وليس بغريب على هذا الكتاب ومثله أن تكثر نسخه. وأن تتعدّد روايته، وأن يطرأ بعض التّغيير على جمله ومفرداته، لانتشاره بين النّاس واعتمادهم في ضبطه أحيانًا على حفظهم وهو يختلف باختلاف القدرات العقليّة. ومع اختلاف النسخ وكثرتها -الَّتي وجدت في حياة المؤلّف ناهيك عمّا وقع يعدها- نجد الحاجة ملحّة إلى تسخة صحيحة ليست أقلّ من أن تكون كُتبت بخطِّ المؤلّف نفسه، أَوْ قُرأت بين يديه.

стр. 150

ولمّا تعذّر وجود الأولى أسعفنا الكرمانيّ ﵀ بالثَّانية، حينما ضمّن كتابه كتاب شيخه دون أن ينقصه حرفًا واحدًا، مع ما كشف عنه من إلمام بالنُّسخ الأخرى المعاصرة له، واعتماده النسخة المقروءة على الشيخ. وقد تقدم التَّمثيل لهذه القضية بما ينبغي عن إعادته هنا (١). ٧ - وضوح المعنى، وسلامة الأسلوب غالبًا: اتّسم تحقيق الفوائد -في الجملة- بوضوح معانيه، وسلامة أساليبه، ولو خلا من بعض الأفكار الفلسفيَّة الَّتي شابته وبعض أخطاء النسخ لقُلْتُ: إنَّ النَّاظر فيه لا يحتاج إلى إعمال عقل وإعادة نظر ليدرك المعنى المراد. ومع ما تمثله هذه الميزة من أهميَّة، وكونها مطلبًا ضروريًّا في كلّ مولّف إلَّا أنها كانت منتظرة من الكرمانيِّ الذي أخذ على عاتقه شرح كتاب شيخه وتقريبه لطلبة العلم، وأنَّى يكون ذلك بعيدًا عن المعنى الواضح المبني على الأسلوب السّليم!!.

стр. 151

المطلب الثّاني: المآخذ عليه " تحقيق الفوائد" عملٌ بشريّ والبشرُ مظنّةُ الخطإِ والنِّسيان والنَّقص، ولم يكتب الله الكمال لكتاب إِلّا لكتابه؛ فهو الَّذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ (١). فعلى الرّغم من توافر محاسن الكتاب، وكثرة مزاياه؛ إلّا أنَّه لم يخل من بعض المآخذ القليلة التي أرجو أن لا تقلّل من قيمته العلميّة. ومنها: ١ - أخطاء عقديّة: كتأويله اليد بالقدرة في قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ (٢). وتقدّم في مبحث عقيدته أنَّه ينتسب إلى المذهب الأشعريّ (٣). فأدّت أشعريّته إلى الوقوع في هذه الأخطاء في نظر أهل السنّة والجماعة بالمعنى الخاصّ.

стр. 152

ومن المآخذ العقديّة الَّتي تؤخذ على الشّارح وقوعه في بعض التّعبيرات الَّتي تحمل في ظاهرها مخالفة شرعيّة واضحة؛ كقوله في أوّل الكتاب عند التّعرّض لبيان تسمية كتاب شيخه الإيجيّ بـ "الفوائد الغياثيَّة" (١): "منسوبةً إلى الوزير بن الوزير بن الوزير؛ الَّذي ما وسع في طرف العالمين إدراك عظمته، وما وضع الزّمان أمرًا إلا بعد مشيئته، الدّستور، الأعلم، الأعظم، سلطان وزراء العالم، غياث المستغيثين، خلاصة الماء والطّين، غياث الدّنيا والدّين، رشيد الإسلام والمسلمين". ففي قوله -كما هو ظاهر- مغالاة في الإطراء ومجاوزة في المدح والثناء؛ بل تضّمنت بعض جمل القول ما ينافي التّوحيد؛ منها: وصفه ممدوحه بأن الزّمان لا يضع أمرًا إلّا بعد مشيئته؛ فالمشيئة المطلقة -كما هو معلوم- لله ، (والعبد وإن كانت له مشيئة فمشيئته تابعة لمشيئة الله ولا قدرة له على أن يشاء شيئًا إلّا إلى إذا كان الله قد شاءه. قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالمِينَ (٢٩)﴾ (٢) (٣). ومنها: وصفه الممدوح بأنَّه (غياث المستغيثين) و (غياث الدّنيا والدّين)؛ فالاستغاثة بهذا الإطلاق لا تكون إلّا لله فهو المتفرّد بذلك، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ

стр. 153

وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ (١). ثمّ من هو الوزير بن الوزير بن الوزير -وإن سما- بجانب صفوة الخلق من الأنبياء والمرسلين حتى يوصف بأنَّه خلاصة الماء والطّين؟! وهذا مأخذ يتّجه إلى ظاهر التّعبير أمّا مراد الشّيخ من هذه العبارات فلم يفصح عنه، على أنَّنا لا نتوقّع من عالم جليل كالشّيخ الكرمانيّ أن يعتقد ما تضمّنته تلك التّعبيرات -وإن كانت تحسب عليه- وحكمنا مبني على الظّاهر، والله يتولّى السّرائر. ٢ - أخطاء منهجيَّة: وتمثّلت فيما يلي: أ - اعتماده -أحيانًا- على بعض الرّوايات الضّعيفة، ممّا أدّى به إلى الوقوع في الإسرائيليّات المنكرة، وظاهر أنّ السّبب في ذلك يرجع إلى اعتماده اعتمادًا كليًّا في تفسير ما يعترضه من آي الذّكر الحكيم على كشّاف الزّمخشريّ؛ ذلك الكتاب الَّذي يموج بالرّوايات الضّعيفة. ومن ذلك تفسيره "المآرب" في قوله تعالى حكاية عن موسى ﵇: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ (٢) بقوله (٣): "وقيل: كان فيها من المآرب الأخرى أنَّه كان يستقي بها فتطول بطول البئر، ويصير

стр. 154

شعبتاها دَلوًا، ويكونان شمعتين باللّيل، وإذا ظهر عدوٌّ حاربت عنه، وإذا اشتهى ثمرة ركزها فأَوْرقت وأَثْمرت، وكان يحملُ عليها زاده وسقاه، فجعلت تُماشيه، ويركزها فينبع الماءُ؛ فإذا رفعها نَضَب، وكانت تقيه الهوامَّ". وهذا الكلام بقضّه وقضيضه منقول نصًّا عن الزّمخشريّ (١). ب - إخفاقُه -أحيانًا قليلة- في ربط شرحِه بالكتاب المشروح؛ على النّحو الَّذي سلكه في الدَّمج بينهما؛ فظهر الانقطاع في السّياق تارة، والتّدخّل المخلّ تارةً أخرى. فمن الأوّل: انشغال الشّارح عن إكمال فكرته الَّتي ساق الحديث من أجلها بشرح بعض المفردات الواضحة، الَّتي لا يفضي إغفال شرحها إلى انغلاق المعنى، كقوله (٢): "الثَّاني: لا تغلط في مثل قول الشَّاعر: كما أبرقت - أي: صارت ذات برق - قومًا عطاشًا غمامةٌ فلمّا رأوها أقشعت - انكشفت. وقشعته: كشفته، وهو مثل: أكبَّ، وكبّ؛ لزومًا وتعدّيًا -وتجلّت أي ظهرت. لكثرة الْتِبَاس الوصف الحقيقيّ بالاعتباريّ، وانتزاعه من أمرين -مثلًا- مع وجوب الانتزاع من أكثر؛ فتنزع الوصف؛ الَّذي هو وجه التّمثيل مما لا يتمّ المراد به؛ كالمصراع الأوّل ... ".

стр. 155

فأنت تلحظ كيف أدّى انصرافُ الشَّارحِ عن المعنى المراد، بما لا يستدعيه المقام إلى توزّع البيت الشّعري -جملًا ومفردات- هنا وهناك حتَّى كدت تنسى أنَّه يعرض بيتًا شعريًّا، وكان الأولى به أن يعرض البيت مجرّدًا، ليسارع إلى اقتناص المعنى المراد، ثم لا يعيبه -إن كان لا بدّ شارحًا- أن يؤخّر شرح المفردات عقب تمام المعنى كما هي عادته في أغلب المواضع المشابهة (١). ومن الثّاني: ما ترتّب على تدخّله من إيهام معنى لم يقصد إليه المصنّف في قوله (٢): "وإمّا للتَّباين؛ أي الفصل إمّا للاتِّحاد وإمّا للتَّباين ... فتارة ... لاختلافهما ... خبرًا وطلبًا ... كقوله: ... إلا أن تضمّن إحداهما ... معنى الأخرى نحو قوله ... وقوله: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بعد قوله: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ ... وعُدَّ عطفًا على ﴿فَاتَّقُوا﴾ ... والأظهر؛ أي عند السَّكاكيّ أنَّه على (قل) ". فظاهر قول المصنّف: "والأَظهر" أنَّه يؤيّد هذا الرّأي، بينما ظاهر قول الشّارح بعده: "أي: عند السَّكاكيّ" اختصاص الرّأي بالسَّكاكيّ دون المصنّف أَوْ الشّارح، وليس الأمر كذلك، إذ لم يورد الشّارح عنه أَوْ عن شيخه رأيًا آخر، بل كشف السّياق فيما بعد موافقة المصنّف للسّكّاكيّ.

стр. 156

وعليه فإن تدخّله بالجملة السّابقة أوقع في فهم خلاف المراد. وكان الأَوْلَى -إن كان لا بدّ متدخّلًا- أن يقول: "كما حكاه السَّكاكيّ". ج / خطؤه في نقل بيت شعريّ دون أن يكون ما أورده رواية ذُكرت له. والبيت مشهور عند البلاغيّين. استشهد به الإمام عبد القاهر ومن جاء بعده بما فيهم السَّكاكيّ عمدة المختصر والشّرح. وهو (١): "وقال: إني في الهوى كاذب انتقم الله من الكاذب". أَمَّا خطؤه فيه فقد وقع في أوّل البيت؛ حيث قال: "قد قال"، ولم أقف على مصدر متقدّم أَوْ متأخّر أورده بهذا النّقل. وقد يقول معترض: ربّما وقع هذا الخطأ من النّاسخ دون المؤلّف!! فأقول: قد يكون، وربّما كان الأمر كذلك!!، إلّا أنّ جميع نسخ الكتاب على هذا النّقل، الأمر الَّذي يقوّي أن يكون من المؤلّف. والله أعلم. ٣ - خطأ علمي: وتحقّق هذا الخطأ عندما فهم الشّارح من كلام المصنّف ما لم يقصده، فحمّل كلامه ما لا يحتمل؛ وقد يبدو هذا الخطأ واردًا بل ربّما وقع فيه كلّ من يقرأ المختصر إلّا أنَّنا لم ننتظره من الكرمانيّ بالذّات فهو أقرب الناس إلى شيخه وأعرف التّلاميذ بكلامه ومراده، فكيف فاته ألّا يميّز بين كلام شيخه وكلام غيره!!

стр. 157

ولنتبيّن الأمر بجلاء أسوق من الكتاب النصّ الآتي (١): "قال الرّبعيّ، أي: عليُّ بن عيسى الرّبعي نحويُّ بغداد: (إنّ) للتَّحقيق، أي كلمة إنّ للتّحقيق ولتأكيد إثبات المسند للمسند إليه و (ما) مؤكّدة؛ لا نافية كما قال من لا خبرة له بالنّحو؛ قيل عرّض به للإمام الرَّازي ... ". أقول: الظّاهرُ المتبادرُ إلى الذّهن من هذا النّصّ أنّ قول الرّبعيّ يمتدّ -فيما ساقه المصنّف- إلى نهاية الجملة؛ أي: " ... من لا خبرة له بالنّحو" وهو ما تبادرَ إلى ذهنِ الشَّارع؛ بدليل قوله فيما بعد (٢): "وقال الربعيّ: إنّها قول من لا خبرة له بالنّحو ... " فقد فهم أنّ الجملة السّابقة كلّها مقول للرّبعي؛ لكن الحقيقة تبدو بالرّجوع إلى "المفتاح" وشروحه خلاف ما تبادر؛ فحملة "وما مؤكّده؛ لا نافية؛ كما قال من لا خبرة له بالنّحو" ليست من كلام الرّبعيّ؛ كما ظنّ الكرمانيّ، وإنّما هي من الإيجيّ يحكيها عن السَّكاكيّ الَّذي علَّق عليها في "المفتاح" بقوله (٣): "ثم اتّصلت بها [أي: بـ "إنّ"] ما الموكّدة لا النّافية على ما يظنّه من لا وقوف له بعلم النّحو"؛ وقد أبان شرّاح المفتاح (٤)؛ بل الكرمانيّ عقب الجملة

стр. 158

مباشرة أنّ المعنيّ بذلك هو الإمام الرَّازي؛ فهو صاحب القول المعترض عليه. وهنا يتجلّى الخطأ الَّذي وقع فيه الشّارح حيث فهم أنّ الاعتراض متّجه من الرّبعيّ إلى الرَّازي، وليس الأمر كذلك؛ إذ إِنّ الرّبعيّ متقدّم في الوفاة على الفخر الرّازي فالرّبعيّ توفّي سنة (٤٢٠ هـ). أمّا الفخر فتوفّي سنة (٦٠٦ هـ). فكيف يعترض متقدّم على متأخّر؟! -كما يفهم من كلام الكرمانيّ-. ثمّ لم تنقل كتب النّحو أنّ أحدًا قال بقول الرَّازي ممّن سبق الرّبعيّ حتَّى يوجّه قوله إليه. والله أعلم. ٤ - أخطاء أسلوبيّة: ويمكن أن نقسمها إلى قسمين: أ - ما يتعلّق بالمعنى: ومن أمثلته: استطراد الشّارح ﵀ في إيضاح قول المصنّف (١): "فإما أن لا يستدعي الإمكان" مشيرًا به إلى القسم الأوّل أقسام الطّلب بما يعدّ أقرب إلى الغموض والإلباس؛ إذْ بنى حديثه على كلمتين زاوج بينهما ثمّ أدارهما نفيًا وإثباتًا؛ قال: "أي: لا يستدعي في مطلوب إمكان الحصول؛ لا أنَّه يستدعى أن لا يمكن. والأوّل أعمّ؛ لأنَّه كلّما صدق: (يستدعى أن لا يمكن) صدق: (لا يستدعي أن يمكن) وإلّا لصدق (يستدعى أن يمكن) فيتجمع النّقيضان. وليس كلما صدق (لا يستدعي

стр. 159

أن يمكن) صدق (يستدعي أن لا يمكن) لأن الأوّل يحتمل أن يجامع الإمكان وعدمه؛ لاحتماله منهما، بخلاف الثّاني فإنّه لا يجامع الإمكان لاستلزامه عدمه". ولعلّ التوغّل في النطق عند بعض تلاميذ المدرسة السَّكاكيَّة هو الَّذي أدّى إلى مثل هذا التّعقيد. ب - ما يتعلّق باللَّفظ: ومن ذلك خطؤه في مخاطبة المؤنّث بصيغة المذكّر. ومثاله قوله (١): "الأوّل: عقد الهمّة به منك أَوْ من السَّامع ولو ادِّعاءً؛ أي تكون همّة المتكلّم أَوْ السَّامع معقودًا به؛ حقيقةً أَوْ ادِّعاء ... ". فلفظة "معقودًا" وردت بصيغة التذكير، وحقّها أن ترد بالتّأنيث لكونها خبرًا لمؤنّث هو لفظة: "همّة". وممّا يلفت إليه النّظر في هذا الجانب إقحام الكرمانيّ ﵀ لبعض الألفاظ الفقهيّة معبّرًا بها عن بعض الأسرار البلاغيّة من مثل قوله (٢): "فعلم أنّ الجملة بالنّسبة إلى الواو لها الأحكام الخمسة ما يجب دخولها فيها كالجملة الاسميّة، وما يستحبّ كالماضيّة، وما يحرم ويمتنع كالمضارع المثبت، وما يكره دخولها ويكون تركها أولى كالجملة المنفيّة، وما يستوي الأمران فيها كما في الظّرفيّة".

стр. 160

فالألفاظ: (يجب، يستحبّ، يحرم، يمتنع، يكره) ألفاظٌ شرعيّة يكثر استعمالها على السنة الفقهاء، وكان ينبغي على الكرمانيّ أن لا يزجّ بها في المباحث البلاغيّة؛ لأنّ البلاغة تقوم على الذّوق والتّحليل، وكلاهما لا يقبل الجزم أو القطع حتى تصدق عليهما تلك الألفاظ. ويبدو لي أنّ ثقافة الكرمانيّ الشّرعيّة هي السّبب وراء وجود مثل تلك الألفاظ. وبعد؛ فهذه أبرز المآخذ التي تؤخذ على الكتاب، وهي -في نظري- لا تقلّل من قيمة الكتاب العلميّة، ولا تنقص من قدره إذا ما قوبلت بما له من حسنات، ولله درّ القائل: وَمَنْ ذَا الذي تُرضَى سجاياه كلَّها ... كَفَى المرءَ نُبْلًا أَنْ تُعدَّ معَايبُهْ (١)!!.

стр. 161

المبحث الرّابع: وصف مخطوطات الكتاب، ومنهج التّحقيق وفيه مطلبان: المطلب الأوّل: وصف مخطوطات الكتاب. المطلب الثّاني: منهج التّحقيق

стр. 162

المطلبُ الأوَّل: وصفُ مخطوطاتِ الكِتابِ بعد بحثٍ وتَنْقيبٍ شَديدين عثرتُ لهذا الكتابِ على خَمْس نُسخٍ (١)، استطعتُ -بفضلِ الله تعالى- وعلى الرُّغم من تَوزّعها على ثلاثِ دول الحصولَ على مُصوّراتها جميعًا. وبالمُقارنة بينها لم أَجْد كبيرَ فرقٍ يُذكر؛ فجميعُ النُّسخ سَليمةٌ من آفاتِ المَخْطوطاتِ، اللهمّ إلّا ما كان من نُسْخة مكتبة شهيد التُّركية الَّتي امتدت لها معاولُ الأَرَضَة فأَحْدثت بها خُرومًا وتَشَقُّقات. وجَميعُها أَيْضًا سليمةٌ من آفاتِ النُّسَّاخ باستثناء نسخة مكتبة مشهد الإِيرانية الَّتي طغت عليها العُجمةُ في بعضِ الكلمات. وقد أَسْفر إِمْعانُ النَّظرِ في تِلك النُّسخ إلى اتِّخاذ إِحداها أَصْلًا، قابلت بعض النُّسخ عليه، وأهملت بعضها الآخر، لعلل سيرد ذكرها - إن شاء الله - فيما بعد. وإليكَ بيانَ هذه النُّسخ:

стр. 163

أوّلًا: النّسخ المعتمدة: ١ - النّسخة الأصل: وهي مَحْفوظةٌ في مكتبةِ دامادا إبراهيم باشا زادة في تركيا تحت رقم (١٠٢٦)، وتقعُ في ثلاثٍ وثمانين ورقة، في كلِّ ورقةٍ صفحتان، وعددُ أَسْطرِ الصَّفحةِ الوَاحدةِ يترواح ما بين (٢٥ - ٢٧)، وفي كلِّ سطرٍ منها نحو ثلاث عشرة كلمة. وهي مكتوبةٌ بخطٍّ نسخيٍّ واضحٍ، سار على نَمطٍ واحد حتَّى بداية الصَّفحة العَاشرة، ثم تغيَّر إلى خطِّ نسخ تعليق واضحٍ أيضًا؛ ليعود مع بدايةِ الصَّفحة الثامنة عشرة إلى الخَطِّ الأَول. وهكذا يستمرُّ إلى بداية الصَّفحة الحادية والسِّتين حيثُ يعود النّسخ تعليق ليأخذَ الخطّ شكله الأوَّل بعد الصَّفحة الثَّامنة والسِّتين، وهكذا يستمرُّ إلى نهايةِ المَخْطوط. ويلحظُ أَن نَاسخَها ميَّز المختصرَ من الشَّرح بالمدادِ الأَحْمر، كما أَنَّه اسْتدركَ في الحاشيةِ بعضَ السَّقطاتِ التي تنمُّ عن مراجعتِه لها. وكانَ يُشِير إلى السَّقط بـ ( ). أَمَّا غِلافُها فجاءَ على النَّحو التَّالي: ١ - عنوانُ الكِتاب واسم مؤلِّفه. وصورتها: "كتاب شرح الفوائد الغياثيّة؛ للشَّيخ الإمام العالم المحقّق العلَّامة شمس الدِّين تلميذِ مصنِّفها تغمَّدهُ الله برحمته" وكُتبَ أَعْلى الوَرقة.

стр. 164

٢ - كلمة "لا إِله إلَّا الله محمَّدٌ رسولُ الله"، وكتبتْ بخطٍّ دَقيقٍ في أعْلى الصَّفْحةِ في رُكْنها الأَيْسر على وجه التَّحديدِ. ٣ - تَقْريظٌ بخطِّ ابن الكرمانيِّ "يحيى" وردَ في عشرين سَطرًا كُتبَ تحتَ العُنوانِ مباشرةً وامتدَّ به الكاتبُ إلى نصف الصّفحة، ثم اتَّجه به إلى الطرف الأَيسر، كاتبًا من أسْفلِ الصَّفحة إلى أَعْلاها نحو ستّة أَسْطر. وفي الطرف المقابلِ إِلحاقٌ آخر كتبَ في سطرين. وتضمّنَ التَّقريظُ إشادةً بمؤلِّف الفوائدِ الغياثيَّةِ، وذكر اسمِه، ونسبه، ومؤلَّفاتِه، وتاريخ وفاته ومكانِه. ٤ - كلمةٌ بخطِّ ابن الكرمانيِّ أيضًا؛ تَتَضمّنُ تاريخَ وفاةِ والدِه، ومكان دفنه. وكُتِبت أَمام العنوانِ واسمِ المؤلِّف. ٥ - عبارةٌ مسجوعة من ثلاثةِ أسطرٍ كتبتْ بخط مغايرٍ للخُطوطِ المُتقدّمةِ بقلمٍ مُخْتلفٍ؛ نصُّها: "إذا ... في على الناس فالرّدى ... بموجع بخير مليك سيّد وسميدع مصطفى ... متمم ومصقع. بجيش ... قبل محكمه الجمع". ودوّنت في منتصف الصّفحة تقريبًا. ويبدو أنَّها كُتبَتْ قبل تقريظ ابن الكرمانيّ المتقدّم بدليل أنَّه انحرف عنها إلى طرف الصّفحة الأيسر. ٦ - ختم تملّك؛ نصّه: "وقف الملّا عليّ أفندي القاضي بفسا كرزوم إيلي على أولادِه بطنًا بعد بطن ثمّ على من يكون مدرّسًا

стр. 165

بمدرسة المرحوم شهزاده السّلطان محمّد خان بقسطنطينيّة المحميّة سنة ... "، ومكانُه في ركنِ الصَّفحةِ الأَيْسر مقابل الأَسْطر المَسْجوعة المُتَقدّمة، ويميل إِلى الأَسْفل عنها قَليلًا. ٧ - كلمة: "كتاب معاني" كُتبت إحدى الكلمتين فوق الأخرى بخطٍّ فَارسيٍّ. وموقعُها في أَقْصى الرُّكن الأَيمن قبالةَ الختمِ السَّابق. ٨ - بيتا شعر؛ نصّهما: "يَقُولون لي: صَبْرًا ... فَصَبرُك أَحْمد فَقُلتُ لهم: مَهْلًا ... فَصدُّك أحمد" وجَاءا تحت الختمِ السَّابقِ بميلٍ إلى الجهةِ اليُمْنى مِنْه. أَمَّا الصَّفحةُ الأَخيرةُ من هذا المخطوط فجاءت تَحْمل نَصَّين مُهمَّين: أحدهما: يَتَضمَّن تاريخَ نسخ المخطوط، واسمَ ناسخِه، ونصُّه: "تمَّ نسخُ الكتابِ في الثُّلث الأَخير من شهرِ المبارك جُمادى الأَولى من سنةِ أربعٍ وستّين وسبعمائة هجريّة على يد المفترق في الذّنوبِ والمُعْترف بالعيوبِ الحسنِ بن عليٍّ بن مبارك بن القَوّام الموصليّ. غَفَر الله ذُنوبهم وسَتَر في الدَّارين عيوبَهم، مُصَلّيًا ومُسلِّمًا على نبيِّه وآلهِ الطّيّبين وأَصْحابه الطاهرين. آمين يا ربَّ العالمين". ثانيهما: يَتَضمن سماعَ المؤلِّف هذا الكتابَ من كَاتِبه وإِجَازَته له بروايتِه عنه. وتَكْمُن أهميّةُ هذا النَّصِّ في أَن كاتبَه هو محمَّد بن يوسف الكرماني نفسه. ونصّه ما يلي:

стр. 166

"بِسْم الله، والحمدُ لله، والصَّلاةُ والسَّلامُ على رسولِه محمّدٍ وآلهِ وصحبِه أَجْمعين. أمّا بعدُ: فقد سَمِع المولى؛ إِمامُ الأَئمَّةِ، قدوةُ أفاضلِ العصرِ؛ جامعُ الفَضِيلتين، مجمعُ الكَمالات، ذُو النَّفسِ القُدسيَّة، والفَضائلِ الإنسيَّة، جلالُ الملَّةِ والدِّين، نصرُ اللهَ، أدامَ الله كماله، وزادَ جلاله في المنْزِلين من الكاتبِ هذا الكتابَ؛ فأجزتُ له أَنْ يرويَه عنِّي، ويعربه غيره، مسطهرًا بدعائِه الشَّريفِ، مُلْتمسًا منه تَصْحيحه لو اطلع على ما يَقْتضيه، نفعه الله وإِيَّاي بما سَعَينا فيه. وهذا خطُّ مؤلِّفه أصغرِ عبادِ الله تعالى محمّدِ بن يوسفَ بن علي بن محمّد الشَّافعيّ الكرمانيِّ؛ غَفَر الله زلّاتِه. وذلكَ في أوّل أَوَّلِ ربيعي سنة أربعٍ وستّين وسبعمائة ببغداد". أسباب اتّخاذ هذه النُّسخة أَصْلًا: ثمّة أسبابٌ عدَّة، ومواصفاتٌ عالية؛ ارتقت بهذه النُّسخة، وأَهَّلتها لأَنْ تكون أَصْلًا، أسوقُها فيما يلي: ١ - وضوحُ خطِّها، وسلامةُ أَوْراقها. ٢ - استقامة نَصِّها، وقفةُ سَقْطِها. ٣ - كونُها أقدَم النُّسَخ تاريخًا، فهي مكتوبةٌ في زَمنِ المؤلِّف. ٤ - كونُها مقابلةً على نُسخةٍ أخرى، فهي بوزنِ نُسْختين.

стр. 167

٥ - اطّلاعُ ابنِ المؤلِّف عليها وكتابتُه على غِلافِها. وهو تلميذُ أَبيْه وألصقُ النَّاسِ به. ٦ - إجازةُ روايتِها أَوْ النُّسخةِ الَّتي قُوبلت عَليها من قِبَل المؤلِّف وبخطِّ يدهِ. ٢ - النُّسخة (أ): وهي محفوظةٌ في مكتبة فاتح كتبخانة سي، فاتح جامع شريفي، در ونداه واقصر في تركيَا رقم (٤٦٣٨)، وتقع في أربع وستِّين ورقة، في كلِّ ورقةٍ صَفْحتان، وفي كلِّ صفحةٍ سبعة وعشرون سطرًا، وفي كلِّ سطرٍ منها نحو من ستّ عشرة كلمة. وهي مكتوبة بخطّ نسخيٍّ جميل، سارَ على نمطٍ واحدٍ من أَوَّل المخْطوطةِ إلى آخرِها، وعَليها اسْتدراكاتٌ قَليلةٌ في أَوَّلها، تدلّ على أن ناسخَها راجعها بعد أَن أتمَّ نَسْخها. ولَمْ يُكْشَف عن نَاسِخها ولا عن تَاريخ نَسْخها، وإنْ كان خَطُّها يرْتقي بها إلى القَرنِ الثامن الهِجريِّ "عصر المؤلّف". ويبدو أنَّ ناسخَها على قدرٍ من العِلم والإتقان، فَهُو حسنُ الخَطِّ، نادرُ التَّصحيف والتَّحريف، ملمٌّ بالمتن والشَّرح؛ حيث كتبَ أَوَّلهما بالمدادِ الأَحمر والآخر بالمداد الأَسْود. وهي لَمْ تَبدأ بالمتن -كما بَدأت سابقتُها-، وإِنَّما بالشَّرح؛ حيث جاءَ في أَوَّلها: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. ربِّ يِسِّر. الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والصَّلاةُ على خيرِ خَلْقِه محمَّدٍ وآله أجمعين. وبعد؛ فيقولُ العبدُ

стр. 168

أصغرُ عبادِ الله تعالى محمّدُ بن يوسفَ الكرمانيِّ أَعلى الله مَنْزلَه ومَنْزلَته في المَنْزلين، ورفَع مَقَامَه ومَكَانَته في المَكَانين. قال الأستاذُ". وأهمُّ ما يُميِّزها -سوى ما تقدَّم- سلامةُ أوراقها؛ حيث خَلَت تَمامًا من أيِّ تلفٍ سواء داخل النَّصِّ أَوْ خارجه، واسْتقامةُ سِياقها، وقِلَّةُ سَقطِها، وتميّز خطوط عناوينها الدّاخليّة بخطّ سميك واضح. ولهذه الامْتيازات قَدَّمتُها على بقيَّةِ النُّسخ الأُخرى، ورمزتُ لها بالحرفِ الهِجائي الأَوَّل "أ". ٣ - النُّسخة (ب): وتوجدُ في دارِ الكُتبِ الوَطنيَّةِ في تُونس تحت رقم (١٩٥٥) وتقعُ في مائة وستّ وعشرين ورقة؛ تَشْتمل الصَّفحةُ الواحدةُ منها على ثلاث وعشرين سطرًا بمعدَّل تسع كلمات للسَّطر الواحدِ. وهي مكتوبةٌ بخطٍّ فارسيٍّ جَمِيل جدًّا، سارَ على نمطٍ واحدٍ حتَّى نِهايةِ المَخْطوطة، والنُّسخةُ مكتوبةٌ بالمدادين؛ المتن بالأحمر، والشَّرح بالأسود. وقد تأثرت أوراقُها بسبب الأَرضةِ والرُّطوبةِ، ممَّا أحدثَ فيها تَشَقُّقاتٍ وتَرْشيحات، وبدا الجهدُ الَّذي بُذلَ في تَرمِيمها واضِحًا حيث القصّ واللّزق والأَشْرطةِ الشَّفافةِ اللَّاصِقةِ. وقراءُتها في الجملةِ -مع ما اعْترَاها من آفات- لا تُشَكِّلُ كبيرَ عناءٍ وبخاصَّةٍ مع وجودِ النُّسخ الأخرى الَّتي تُوضِّحُ مُشْكلها وتفكُّ طَلْسَمَهَا.

стр. 169

ومع أنَّها كثيرةُ السَّقطِ، وبخاصَّة ما يكون بسببِ انْتقالِ النَّظرِ، إِلا أنَّ أهميَّتها تكمنُ في تاريخها، حَيْثُ فرغَ نَاسِخُها من كتابَتِها في حياة مؤلِّفها وبِالتَّحديدِ في ربيع الآخر سنةَ تسعٍ وستِّين وسبعمائة، ولذا اعْتَمَدتُّها في المُقَابلةِ، ورمزتُ لها بالحرفِ الهِجائي الثاني "ب". ثانيًا: النسخ المهملة: ١ - نسخة مكتبة شهيد: وهي موجودةٌ في مكتبةِ شَهيد على في تُركيا تحت الرَّقم (٢٢٣٩)، وتقعُ في ثماني وثمانين ورقة، بَيْنما زاد ترقيمُها ورقةً واحدةً على الأَصْل، وهو خطأٌ سببُه احْتسابُ ورقةٍ لا علاقةَ لها بالكِتاب قَبْل العُنوان. أَمَّا عددُ أسطرِ صفحتِها الواحدةِ فثلَاثةٌ وعشرون سَطرًا. وخَطُّها نَسْخيٌّ جميلٌ جدًّا، معجمٌ في غالبِ أَحْرفه، محدّدُ الفَقَراتِ، واضحُ العَناوين، وظاهرٌ من ورقِها وخطِّها أَنَّها قديمة النَّسخ بحيث تَرْتقِي إِلى زَمن المؤلِّف. ومع هذا لَمْ يكن أَمامي بدٌّ من إِهْمالها، والاكْتِفاء بمجردِ الاسْتِئناس بها، وذَلك لسَببين رئيسين: ١ - شدَّةُ التَّلفِ الذي لحق بها، ويَتَمثَّلُ تأكل أَرضة امتدَّ إلى جَميع أَوْراقها. ابْتداءً من صَفْحة العُنوان إِلى صفحةِ الخِتام، ولكونه وَقَعَ في مُنْتصفِ الوَرقةِ في طَرفها الأَسفل لَمْ تسلم منه الصَّفحتان اليُمنى واليُسرى. ٢ - تَطَابُقُ نصِّها مع النُّسخةِ "أ" حيث سَارت معها حَذْو القُذَّةِ بالقُذَّة وتَابعتها حتَّى في الخَطأَ؛ الأَمر الذي يؤكِّد كون إِحداهما مَنْسوخة

стр. 170

عن الأُخرى. وإِنْ كُنتُ أُرجِّحُ تَأخّرَ نسخة مكتبة شهيد لأَسْبابِ تَبيّنتُها في أثناءِ المُقارنةِ بينهما. منها وقوعُ ناسخ الأَخيرةِ في ثلاثةِ أَخْطاءٍ مُتفرِّقةٍ نَتجتْ عن إِخْفاقِه -قطعًا- في قِراءة ثلاثِ كلمات من النّسخة "أ". ٢ - نسخة مكتبة مشهد: ويعودُ الفَضْلُ في الاهْتِداء إليها -بعد الله إلى فضيلةِ الدُّكتور / يوسفَ بن عبد الرَّحمن المرعشليّ الباحثِ بمركز خدمة السُّنَّة والسِّيرة النَّبويّة؛ حيث تفضَّل مَشْكورًا بمراجعةِ النُّسخةِ الأَلمانيَّة الأَصليَّة لكتاب بروكلمن الموجودةِ لديه فوجدَ ما يدلُّ عليها في الذَّيل. وتَمكّنتُ بفضل الله من الحصولِ على مُصَوَّرة لها من مكتبةِ مشهد في إِيران، فوجدتُها تقعُ في ثنتين وتسعين ورقة، في كلِّ صفحةٍ منها ثلاثة وعشرون سطرًا؛ في كلِّ سطرٍ نحو ثلاث عشرة كلمة. وَخطُّها نسخيٌّ جميل جدًّا مُعْجم، سارَ على نَمطٍ واحدٍ من أَوَّلِها إلى آخرها. والحقَّ أَقُولُ: أنني توسَّمت في هذه النُّسخة خيرًا بادئ الأَمر وبخاصَّة قَبلَ الحصولِ عليها وقلتُ في نَفْسي: لعل في وجودها في بيئة صاحب المتنِ وصاحبِ الشَّرع ما يُميّزها عن غَيْرها. وما زالت كَذلك حتَّى قرأتُها كاملةً وقارنتُها بغيرِها. فوجدتُها كثيرةَ السَّقط؛ ظاهرةَ العجمةِ في بعضِ كَلماتِها؛ غيرَ متّضحة المتن في بعضِ المواضِع لكتابته بالأحمر فآثرتُ عدم الاعْتمادِ عليها دون الاسْتِئناسِ برغمِ ما بذلتُ في جَلْبها من الجُهدِ والمالِ.

стр. 171

٣ - نسخة المتن: سبقتِ الإشارةُ إلى أن الكرمانيّ ضَمَّن كتابَه "تحقيق الفوائد" كتاب شيخه الإِيجيّ "الفوائدَ الغياثيَّة" وإتمامًا للفائدةِ وتَحرِّيًا للدِّقَّة رأيتُ أَن أعرضَ نصَّ المتن الموجود في شَرْح الكتابِ على نُسخةٍ مُستقلَّة للمتن واضعًا نصبَ عيني هدَفين رئيسين: ١ - الاطمئنانُ على نصِّ المتن الموجودِ في كتابِ الكرمانيِّ والتَّأكُّدُ من سلامتهِ كَمَا وضَعه مصَنِّفُه دون تَغْيير قد يَلْحق به، أوْ يَعْتريه من جَرَّاء التضمين، وكَثيرًا ما يحدثُ ذلك في المصنفات المشَابهة؛ حيت يُسَوِّغُ الشّارُح لنَفْسه تكييف المتن بما يَتَناسب مع سياق الشَّرح. ٢ - تحرِّي الدِّقة في تَرْجيح إحدى الرِّوايتين أوْ الروايات عِنْد اختلاف المَتنِ في نسخ الشَّرح، وبخاصَّةٍ أن ذلك لاختلافَ متوقّعٌ، بل واردٌ نظرًا لأهميَةِ كتابٍ "الفوائد" الَّذى تلقاه النَّاس بالقبولِ، وتَلقّفته الصُّدور بالحفْظِ ممَّا أدَّى إلى كثرة نُسخِهِ واختلاف روايته. وفي سبيل ذلك لمْ أجدْ مناصًا من الاعتماد على نسخة خطِّيَّة للفوائد الغياثيَّة، أمّا الكتاب المحقّق فأهمله تمامًا لأسباب سوف أَذْكرُها في نهاية المطلب.

стр. 172

وإليك وصفًا موجزًا لهذه النُّسخة: - نسخةُ الفوائد الغياثيَّة "ف": وتوجد مصوّرتها في مكتبة مخطوطات الجامعة الإسلامية في المدينة المنوّرة تحت الرقم (١٠٣/ ١٦). وتقع في إحدى وثلاثين ورقة، في كل ورقةٍ صَفْحتان، ومسطّرتُها تسعةَ عشرَ سطرًا؛ بمعدّل ثماني كلمات في السطر الواحد. وخطُّها قديمٌ واضحٌ، وبها سقط لكنَّه قليلٌ. ويلحظ أنني رمزت لها في أثناء المقابلة بالحرف "ف" الحرف الأوَّل من عنوان الكتاب. أمَّا كتاب "الفوائد الغياثيَّة" المحقّقُ فإِنَّني لم أُعوِّل عليه لعدَّة أسباب أجْمِلُها فيما يلي: ١ - تَأَخَّرُ زمنِ النُّسخ التي اعتمد عليها محقّقه في التحقيق وعدمِ استقلالية بعضها؛ حيث كان ضمِن بعض شُروح الكتاب المتأخرةِ. ٢ - كثرة المآخِذ الَّتي اسْتدركتُها عليه -بعد قراءةِ الكتاب كَاملًا ومُقَارنَتِه بِالنُّسخ الَّتي لديَّ-؛ حيث تجاوزت تسعين مأخذًا، بعضُها أَخطاء في إقامةِ النَّصِّ إمَّا بالزيادة أَوْ بالنّقص، أوْ بالتَّقديم أَوْ بالتأخير، أوْ بالتَّحريف أُوْ التَّصحيف، أو بإثبات غيرِ الصَّواب مع وجُود الصَّواب. وبعضها أخطاء طباعيَّة، وأُخر وقَعت في آياتٍ قرآنيَّةٍ.

стр. 173

المطلبُ الثاني: منهجُ التحقيق حاولتُ جَهْدِي إخراجَ كتابِ "تحقيق الفوائد" كما أراده مؤلِّفُه، واستنفذتُ الوسعَ في أَنْ يكون في المكانَة اللائقة به وبصَاحبِه. ولذا حرصتُ على اتّباع مَنْهجٍ عِلْميٍّ سَلِيم مُتَحرِّيًا الأمَانةَ والدِّقةَ في كلِّ ما أكتبُه أَوْ أعْرض له. ولهذا قُمْتُ بما يلي: ١ - اعتمدتُ نسخةَ مكتبةِ "دامادا إبراهيم باشا" أصلًا، لامتيازات حَظِيت بها، ثمّ نسختُها كاملةً مراعيًا في ذلك قَواعدَ الإملاء الحَديثة وعلامات التَّرقيم إِلَّا ما كان من الآياتِ القرآنيّة فإِنِّي أثْبتُّ رسْمَها كمَا هو في المُصْحفِ العُثْماني. ٢ - رمزتُ لوجهِ الوَرقةِ بالرَّمز "أ"، ولظَهْرها بالرَّمز "ب". ٣ - أثبتُّ أرقامَ صفحاتِ النُّسخةِ الأَصليَّةِ. وذلك بوضع خطٍّ مائلٍ عند نهايةِ كلِّ صفحة، والإشارَةِ إِلى رقمِ الورقةِ، ورمزِ صفحتِها، في الهامشِ الأَيْسر، أَمام الخطِّ. ٤ - قابلتُ نسخةَ الأَصْل بالنُّسختين الأخريين المعتمدتين، ذاكرًا الفُروقَ بينها في الحَاشِية، ولم أَتَدخّلْ في الأَصْل إلا لمسوِّغ قَويٍّ يَقْتضي ذَلك من:

стр. 174

أ: تَيَقُّن خطأ الأَصل. وفي هذه الحالةِ أُثبتُ الصَّوابَ في المتنِ وأُشير في الحاشِيةِ إِلى مَا وردَ في الأصلِ بقَولي: "في الأصْلِ ... والصّواب من نسخة ... ". الحالة الثانية: ب: تيقُّن صحّةِ بقيَّةِ النُّسخ، وفي هذه الحالةِ أُثبتُ الصَّحيحَ في المتن وأُشير في الحاشِية إلى ما ورد في الأَصل بِقَوْلي: "في الأَصْل ... والمُثبت من نسخة ... ". وجلُّ ما أَثْبتُّه ممَّا تيقَّنتُ صِحَّته وجَدتُ له شَواهدَ تُقوّيه وتُرجّحه على غيره؛ إِمَّا من النُّسخ الأخرى وغالبًا ما يكونُ بإجماعِها سواء المعتمدة أَوْ المهملة، أَوْ بالنُّسخ الأُخرى ومصادر القَولِ النَّاقلة له إِنْ وجدت. ٥ - قابلتُ نصَّ "الفوائد الغياثيّة" الموجودَ بالنُّسخةِ المعتمدةِ أَصْلًا بنسخة خطِّيّة مستقلّة للكتاب وهي الّتي رمزت لها بالحرف "ف" كما سبق أن ذكرت وأَشْرتُ إلى الفُروق بَيْنهما، وكثيرًا ما أُطَمِئْنُ القارئ إلى أنّ ما خالف الأصل من النّسختين الأخريين ليس خطأ ورادًا، بل رواية ثابتة للكتاب. ٦ - عزوتُ الآياتِ القرآنيَّة، بذكرِ اسمِ السُّورة ورقمِ الآية؛ مُفَرِّقًا بين الاسْتشهاد بجزءِ الآيةِ والآيةِ؛ بقولي في الجُزْء: "من الآيةِ" أَوْ "بعضَ الآيةِ"، ومكمِّلًا بعضَ الآياتِ في الحاشيةِ إن تَطَلَّب الإيضاحُ ذلك. كما أَنَّني قمتُ بتَمييزِ الآياتِ عن سائرِ النُّصوص بِوَضعها بين قَوْسين مُزهرين ﴿﴾.

стр. 175

٧ - وثَّقتُ القراءاتِ القرآنيَّة من كتبِ القِراءاتِ بالدَّرجةِ الأولى، ثم من كتب التَّفسير الَّتي تُعْنى بالقراءاتِ، ونَسَبتها إلى أَصْحابِها. ٨ - خَرَّجتُ الأَحاديثَ النَّبويَّة والآثارَ من مصادر الحديثِ المَعْروفة، متبدأً بالبحثِ عن الحديثِ أَوْ الأَثرِ في كتبِ الصِّحاح، فإِن لم أجدْ بحثتُ في كتبِ غريبِ الحديثِ والأَثر، مشيرًا في الغَالبِ إلى لفظِ الحديثِ كما وردَ في مصدرِه. ٩ - خرَّجتُ أمثال العربِ السَّائرةَ وأقوالهم المَشْهورةَ من كتبِ الأمثالِ، ومن بقيَّةِ كتب الأدبِ واللّغَة. ١٠ - خرَّجت الشَّواهد الشِّعريَّةَ الواردةَ في الكتاب مبتدأً بالدِّيوان إِنْ كان للشَّاعر ديوانٌ، أَوْ من مَجْمُوعه الشِّعري إِنْ وُجِدَ. مع تخريجه -أيضًا- من بعضِ كتبِ اللّغة والأَدب. مُشِيرًا في غالبِ الأبياتِ إلى اخْتلافِ روايات البيت، فإِن لم أَجد ديوانًا أَوْ مَجْموعًا شعريًّا خرّجتُ البيتَ من كتبِ اللّغة والنَّحو والأَدب. وإذا كانَ الشَّاهدُ الشِّعريُّ بلاغيًّا أشرتُ -إضافةً إلى ما تقدَّم إلى- الاسْتشهادِ به في المصادر البَلاغيَّةِ المتقدِّمة على المُصنِّف. كما أنَّني حرصتُ على نسبةِ الأبياتِ -التي لم يَنْسبها الكتاب- إلى قائِليها، مبيّنًا الخلافَ في نسبةِ البيتِ إِنْ نسبَ إلى أكثرِ من قائلٍ، ومتى ورد صدرُ البيتِ أَوْ عجزُه أَوْ جزؤُه أكْملتُه في الهامشِ إن اهتديت إلى بقيّته، وقد أذكرُ في الهامشِ بيتًا أَوْ بيتين وَردا برفقةِ البيتِ المُسْتشهد به.

стр. 176

١١ - قمتُ بتخريج أقوالِ العلماء وغيرهم، وما وقفتُ عليه من آرائهم من مؤلفاتِهم إِنْ كان لَهم مؤلَّفاتٌ، فإِن لم تَكُن أَوْ فُقدت خَرَّجُتها من المصادر الَّتي تَنْقُلَها. ١٢ - وضعتُ الأحاديثَ النَّبويّةَ، والآثارَ، والأقْوال، والأَمْثال، والنُّصوص المَنْقولة، وأَسماء الكُتب بَين قَوْسين صَغِيرين: "". ١٣ - شَرَحتُ المُفْرداتِ الغَريبةَ، وحاولتُ أَن يكونَ ذلك مِن مَظَانِّها قَدْر الإِمكان؛ فإِنْ كَانت اللَّفظةُ الغَريبةُ في آيةٍ قرآنيَّة فَسَّرتُها من كتبِ غريب القُرآن أَوْ التَّفسير، وإِنْ كانت في حديث أَوْ مثلٍ شَرحتُها من كتبِ غريبِ الحديثِ، أَوْ شُروح الحديثِ، وإِنْ كَانت في سائِر النُّصوص الأخرى فمن كتبِ المعَاجِم، والمصادر اللُّغويَّة. ١٤ - علَّقت على بعضِ عِباراتِ الكِتاب بمَا يُزيلُ إبهامها، ويوضِّحُ غموضَها، وحَرصتُ على إِعادة الضَّمائر إلى مَرْجعها من الكلام. ١٥ - خَرَّجتُ الكلماتِ الدَّخيلة أَو الْمُعَرِّبَة من كتبِ المعرَّبِ أَوْ الدَّخيل إِنْ وجدت بالدَّرجة الأُولى، فإِنْ لَمْ توجد فَمِن بقيّةِ كتبِ اللُّغةِ. ١٦ - ضَبطتُّ الآياتِ القُرآنِيَّة، والأَحاديثَ النَّبويَّة، والآثارَ، والأشعار، والأَمْثال بالشَّكلِ التَّامِّ. ١٧ - ربطتُّ أجزاءَ الكتابِ بعضَها ببعضٍ، وذلك بالإشارةِ إلى أَرْقام الصَّفحاتِ التي أَحال عليها الشَّارحُ في الكِتاب.

стр. 177

١٨ - ترجمتُ للأَعلامٍ الذين وردَ ذكرُهم في متنِ الكِتابِ، وحاولتُ أَنْ تكونَ التَّرجمةُ موجزة متناولةً أبرزَ مَعَالم الشَّخصيَّة؛ كاسْمه، ونَسبِه، ولَقبِه، وكُنْيتِه، وولادتِه، وتاريخ وفاتِه، وأهم مؤلّفاته. مُشيرًا -بعد ذلك- إِلى أهمّ مصادر التَّرجمة الَّتي استفدتُّ منها. ١٩ - حرصتُ -جهدي- أن أُرتِّبَ المصادرَ الَّتي أُحيلُ عليها في الهامشِ بحسبِ وفيّات مُؤلِّفيها ما لَمْ يَسْتدعِ السِّياقُ تقديمَ متأَخرٍ على متقدِّم. ٢٠ - عرفتُ بالأَماكن والبُلدان والمَواضِع الَّتي ورد ذكرُها في المَتن، وعَوَّلتُ في ذلك على كتبِ الأَماكن والبُلدان. ٢١ - أشرتُ -أحيانًا- إلى بعضِ الأَخطاءِ الواردةِ في المتن من النُّسّاخ، كَأَن أَقُول: "وهو تَحْريفٌ"، أَوْ " تَصْحيفٌ"، وعلَّلتُ لبعضِ السَّقطِ بقَولي مثلًا: "وهو من انتقال النَّظر". ٢٢ - اختصرتُ -أحيانًا- أسماءَ بعضِ الكتب بما يُنْبئ عنها؛ مَنْعًا للإِطالة من مِثْل "المفتاح" في الدّلالة على "مفتاح العلوم"، و"المعاهد" في الدّلالة على "معاهد التّنصيص". ٢٣ - ذَيّلتُ الدِّراسةَ بنماذجَ من صُور الصَّفحاتِ الأُولى والأَخيرة للأَصل وبقيَّةِ النُّسخ المُعْتمدة، وبفهرس لموضوعات الدّراسة. ٢٤ - وضعتُ للكتابِ عدَّةَ فهارسَ فنِّية؛ تيسيرًا للإِفادة منه.

стр. 178

القسم الثّاني: قسم التّحقيق

стр. 179

تحقيق الفوائد لشَمْس الدِّين؛ محمَّد بن يُوسف الكِرمَانيّ

стр. 180

القادم مخطوطات ورقة العنوان من النسخة الأصل
следующие страницы →