١١ - قمتُ بتخريج أقوالِ العلماء وغيرهم، وما وقفتُ عليه من آرائهم من مؤلفاتِهم إِنْ كان لَهم مؤلَّفاتٌ، فإِن لم تَكُن أَوْ فُقدت خَرَّجُتها من المصادر الَّتي تَنْقُلَها.
١٢ - وضعتُ الأحاديثَ النَّبويّةَ، والآثارَ، والأقْوال، والأَمْثال، والنُّصوص المَنْقولة، وأَسماء الكُتب بَين قَوْسين صَغِيرين: "".
١٣ - شَرَحتُ المُفْرداتِ الغَريبةَ، وحاولتُ أَن يكونَ ذلك مِن مَظَانِّها قَدْر الإِمكان؛ فإِنْ كَانت اللَّفظةُ الغَريبةُ في آيةٍ قرآنيَّة فَسَّرتُها من كتبِ غريب القُرآن أَوْ التَّفسير، وإِنْ كانت في حديث أَوْ مثلٍ شَرحتُها من كتبِ غريبِ الحديثِ، أَوْ شُروح الحديثِ، وإِنْ كَانت في سائِر النُّصوص الأخرى فمن كتبِ المعَاجِم، والمصادر اللُّغويَّة.
١٤ - علَّقت على بعضِ عِباراتِ الكِتاب بمَا يُزيلُ إبهامها، ويوضِّحُ غموضَها، وحَرصتُ على إِعادة الضَّمائر إلى مَرْجعها من الكلام.
١٥ - خَرَّجتُ الكلماتِ الدَّخيلة أَو الْمُعَرِّبَة من كتبِ المعرَّبِ أَوْ الدَّخيل إِنْ وجدت بالدَّرجة الأُولى، فإِنْ لَمْ توجد فَمِن بقيّةِ كتبِ اللُّغةِ.
١٦ - ضَبطتُّ الآياتِ القُرآنِيَّة، والأَحاديثَ النَّبويَّة، والآثارَ، والأشعار، والأَمْثال بالشَّكلِ التَّامِّ.
١٧ - ربطتُّ أجزاءَ الكتابِ بعضَها ببعضٍ، وذلك بالإشارةِ إلى أَرْقام الصَّفحاتِ التي أَحال عليها الشَّارحُ في الكِتاب.
стр. 177
١٨ - ترجمتُ للأَعلامٍ الذين وردَ ذكرُهم في متنِ الكِتابِ، وحاولتُ أَنْ تكونَ التَّرجمةُ موجزة متناولةً أبرزَ مَعَالم الشَّخصيَّة؛ كاسْمه، ونَسبِه، ولَقبِه، وكُنْيتِه، وولادتِه، وتاريخ وفاتِه، وأهم مؤلّفاته. مُشيرًا -بعد ذلك- إِلى أهمّ مصادر التَّرجمة الَّتي استفدتُّ منها.
١٩ - حرصتُ -جهدي- أن أُرتِّبَ المصادرَ الَّتي أُحيلُ عليها في الهامشِ بحسبِ وفيّات مُؤلِّفيها ما لَمْ يَسْتدعِ السِّياقُ تقديمَ متأَخرٍ على متقدِّم.
٢٠ - عرفتُ بالأَماكن والبُلدان والمَواضِع الَّتي ورد ذكرُها في المَتن، وعَوَّلتُ في ذلك على كتبِ الأَماكن والبُلدان.
٢١ - أشرتُ -أحيانًا- إلى بعضِ الأَخطاءِ الواردةِ في المتن من النُّسّاخ، كَأَن أَقُول: "وهو تَحْريفٌ"، أَوْ " تَصْحيفٌ"، وعلَّلتُ لبعضِ السَّقطِ بقَولي مثلًا: "وهو من انتقال النَّظر".
٢٢ - اختصرتُ -أحيانًا- أسماءَ بعضِ الكتب بما يُنْبئ عنها؛ مَنْعًا للإِطالة من مِثْل "المفتاح" في الدّلالة على "مفتاح العلوم"، و"المعاهد" في الدّلالة على "معاهد التّنصيص".
٢٣ - ذَيّلتُ الدِّراسةَ بنماذجَ من صُور الصَّفحاتِ الأُولى والأَخيرة للأَصل وبقيَّةِ النُّسخ المُعْتمدة، وبفهرس لموضوعات الدّراسة.
٢٤ - وضعتُ للكتابِ عدَّةَ فهارسَ فنِّية؛ تيسيرًا للإِفادة منه.
стр. 178
القسم الثّاني: قسم التّحقيق
стр. 179
تحقيق الفوائد لشَمْس الدِّين؛ محمَّد بن يُوسف الكِرمَانيّ
стр. 180
القادم مخطوطات
ورقة العنوان من النسخة الأصل
стр. 181
الورقة الأولى من النّسخة الأصل
стр. 182
الورقة الأخيرة من النّسخة الأصل
стр. 183
الورقة الأولَى من النُّسخة (أ)
стр. 184
الورقة الأولَى من النّسخة (ب)
стр. 185
الورقة الأخيرة من النسخة (أ)
الورقة الأخيرة من النسخة (ب)
стр. 186
الورقة الأولَى من النّسخة (ف) نسخة الفوائد الغياثيّة
стр. 187
[بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
ربِّ يسِّر.
الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، والصَّلاةُ على خير خلقِه محمّد وآله أجمعين، وبعدُ؛
فيقول العبدُ، أصغرُ عبادِ الله -تعالى- محمَّدُ بن يوسف الكرمانيّ؛ أعلى اللهُ منزلَه، ومنزلَته في الْمَنزلَيْن!، ورفع مكانَه، ومكانتَه في المَكَانَيْن! -:
قال الأستاذُ (١):] (٢)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)
الحمدُ للهِ الِّذي خَلَقَ الإنسانَ.
- الحمدُ: الثناءُ على الجميلِ على جهةِ التَّعظيمِ. وهو بِاللِّسانِ وحده.
والشُّكْرُ على النِّعمة خاصَّة؛ لكن يعمُّ اللِّسانَ والجنانَ
стр. 188
والأركانَ (١). فبينهما عمومٌ وخصوصٌ من وجه (٢).
والحمدُ قد يترتَّب على الفضائِل (٣). والشُّكرُ لا يكون إلَّا للفواضل (٤).
أَلْهمَهُ (٥) المعاني، وعلمه البيان؛ فيه من حُسْنِ المطْلع وبراعةِ الاسْتهلال ما لا يَخْفَى (٦).
стр. 189
والصلاة على نبيِّه محمدٍ الذي أُنزلَ إليه (١) القرآن معجِزًا، أَبْكمَ بِهِ فُصَحَاءَ بني عدنان (٢)، وعلى آلهِ وأصحابهِ أهلِ الرحمةِ والرّضوان.
وبعدُ:
فهذا مُختصرٌ في عِلْمي (٣) المعاني والبيان؛ يتضمَّن مقاصدَ مفتاح
стр. 190
العُلوم (١)، لا أَفرادَ مسائلهِ، وآحادَ دلائله. سمَّيتُه بـ: "الفوائد الغياثيّة"، منسوبةً إلى الوزيرِ بن الوزيرِ بن
стр. 191
الوزيرِ (١)، الذي ما وَسع في طَرفِ العالمين (٢) إدراك طرف عَظمتهِ، وما وَضَعَ الزَّمانُ أَمرًا إلَّا بَعد مشيئَتِه، الدّستورِ، الأعلمِ، الأعظَمِ، سلطانِ وزراءِ العالم، غياثِ المستغيثين، خُلاصةِ الماءِ والطِّينِ (٣)، غِياث الدُّنيا والدِّين، رشيدِ الإسلامِ والمسلمين (٤).
стр. 192
سقاهُ (١) الله شَآبيبَ (٢) الرِّضوانِ!، وكساهُ (٣) جلابيبَ (٤) الغفران!، تيمُّنًا (٥) باسم منْ ألقى إليه الدَّهرُ قيادَه. القِيادُ: حَبْلٌ تُقاد به الدَّابَّة. وقامَ بأمرِ المُلكِ بأيْدٍ، فيه مُبالغةٌ في جدِّه واجتهادِه به. فأقامَه وما آده؛ أي: ما أَتعبَه (٦). بابُه قِبْلةُ الحاجاتِ، يُطْوى إليه كُلُّ فَج عميقٍ (٧)، الفجُّ:
стр. 193
الطريقُ الواسع بين الجبلينِ. ويُلْوى إليه أعناقُ الآمالِ من كلّ بلدٍ سحيقٍ (١). يُعَفَّرُ؛ أي: يُمَرَّغُ في التُّرابِ، في فنائه، أي: فيما امتدَّ من جوانب دارِه. جِباهُ الصّيَدِ، وهو جمع الأَصيَد. وَهُو (٢) الذي يرفع رَأسَه كِبْرًا. ومنه قيلَ للملِك: أَصيَدُ. ويَتزاحمُ لاسْتسلامِ (٣) عتبته (٤) شِفاةُ الصناديدِ. استسلمَ الحجرَ، أي: لَمِسَه (٥)، إمَّا بالقُبْلة، أَوْ باليَد. وفي بَعض النُّسَخ: "لاستلامِ"؛ والْمعنى هو الْمَعنى. [و] (٦) الصَّناديدُ: حمعُ الصِّنديد (٧)، وهو: السَّيِّد الشُّجاع.
وامتثالًا له؛ عطفٌ على قوله: (تيمّنًا)؛ حين أمرَ بتلخيصِ مُستودعاته، وتجريدها عن فَضْفاض عباراتهِ المنمنَمَةِ.
الفَضْفَضَةُ: سَعَةُ الثوبِ والدِّرع والعيشِ؛ يقالُ: ثوبٌ فَضْفَاضٌ، أي: واسِع.
المُتجَلْبِبَة بها (١). وقد قُرئ -أيضًا- على المصنّف (٢) - بدل قوله: "مُشاهدة": "محاسنِ الخرائد" (٣). والتَّمتّع؛ عطفٌ على قوله: "مُشاهدة". بلطائفِ خِلَقِهنَّ؛ جَمع الخِلْقة؛ وهي -بالكَسْر - (٤) الفِطرة. وشمائلهنَّ؛ جمع شِمال؛ وهو الخُلُق. لِيَجْتَليَها (٥)؛ يتعلّق بقوله: "أَمَر" غاية له (٦)، ويحتملُ -أيضًا- كونه غايةً لقوله: "امتِثَالًا" (٧). وهي غَوَانٍ؛ جملةٌ معترضِةٌ؛ جمع غَانيةِ؛ وهي: الجاريةُ الّتي غَنِيَتْ بزوجها؛ أي: استغنت به عَن غيره. وقد يكَونُ للّتي (٨) غَنِيَت بحُسنها وجمالها عن الحليّ. مرفوضة السِّتر (٩)، مرفوعةَ الحجابِ، مُمَاطةَ اللّثام، مَنْضُوَّةَ
стр. 196
الجلباب (١)؛ فيقْضِيَ منها وطَرَه (٢) في أَقْصر مُدَّةٍ (٣). ولا يُعَرِّج: عطفٌ على قوله: "لِيجْتليها"، [أَوْ على قوله: "فيقضي"] (٤). والتَّعريجُ على الشَّيءِ: الإقامةُ عليه، يُقالُ: "عَرَّج فُلانٌ على المنْزلِ"، إذا حَبَسَ مَطيّتَهُ عليه وأَقام. أي: لئلَّا يَكثُر توقُّفُه عليه. ولا يُقيم عَليها إلّا إناخة (٥) راحلٍ مُشَمِّرٍ عن ساق الجدِّ؛ شَمَّر عن ساقه، وشَمَّر (٦) في أمره (٧)؛ أي:
стр. 197
خفَّ. أي: إلَّا إقامةً (١) قليلةً على جناح الاستعجال (٢). لتدبُّر، متعلِّق بقوله: "لا يُعَرِّج". لطائفِ كتابِ اللهِ وفوائدِه، والغوصِ: عطفٌ على قوله: "لتدبُّر". في تيَّار بحارِ عويصاتِه؛ لاسْتخراجِ فرائده: التَّيَّارُ: الموج. والعويصُ: ما يصعُبُ استخراجُ معناه؛ اعتاص عليه الأَمرُ؛ أي: الْتَوى. والفريدةُ: الدُّرَّة الكبيرة (٣). والله -تعالى- أَسألُ أن ينفعَ (٤) به (٥)، إِئَه خير موَفِّق ومُعين.
وهو (٦) مرتَّبٌ على مقدِّمة وفصلين؛ لأَن البحثَ فيه إمَّا أن يكون بحيث [إِن] (٧) الأبحاثَ الآتية موقوفةٌ عليه، أَوْ لا؛ الأوّل: المقدِّمة. والثاني: إمَّا أن يكون من حيث الإفادة، أَوْ من حيث كيفيَّة الإفادة؛ الأَوَّل: الفصل (٨) الّذي في المعاني. والثاني: الفصل الذي في البيان (٩).
стр. 198
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 199
المقدِّمة
стр. 200
المقدّمة
المقَدِّمة -بكسر الدّال- من قدَّم؛ بمعنى: تقدَّم (١)، مثل: نبَّه .. بمعنى: تنبَّه. وما يتوقّف عليه العلمُ إِمَّا أن يكون من حيث إِن تصوره موقوف عليه، أَوْ لا. الأوَّل: التَّعريف. والثاني: إِمَّا أن يكون من حيث الشُّروع فيه، أَوْ لا. الأوَّل: الغاية. والثاني: ما يتوقف عليه الكلام في مسائل العلم (٢)، وقد يختصّ بعلم المبادئ؛ فوجب لكلِّ طالبِ علم أن يتصوّره (٣) أوّلًا بمعرّفه (٤) ليكون على بصيرة فيما يطلبُه؛ لثلّا يشتغل (٥). بما لا يعنيه، وثانيًا بفائدته؛ ليعلم أن سعيه ليس عبثًا، وليزداد جدّه إذا كان مهما، وأن يُقَدِّم ما يتوقف المسائل عليه لِيتمّ بذلك مطالبه.
فلهذا قدَّم الثلاثة (٦)؛ ذكر الأوَّلين في المقدِّمة، والثالث في أوائل الفصلين (٧).
стр. 201
علمُ المعاني (١): تَتبّع ما يُفيده التراكيب لا بمجرَّد (٢) الوضع (٣): أَطْلق التَّتبّع وأَراد المعرفة الحاصلة منه (٤)؛ للزوم بينهما؛ ليُعْلم أنَّه علمٌ يحصّل بالتَّمرّن والتَّتبّع. والقرينةُ ظاهرةٌ (٥). وأَمثال هذه جائزة في التَّعريفات لظُهور المراد. والمفاد المذكور شاملٌ لقسميْه من الخواصِّ الخطابيَّة، (أي: الظّنيّة)، والاستدلاليَّة؛ (أي: العقليَّة)، لأَن ما يكون لا بمجرَّد (٦) الوضع قد يكون باستعانة من العقل، كلزوم نفي الشَّكّ من قولنا: "إِن زيدًا لمنطلق" (٧)، وقد يكون بمجرَّد العقل، كما يُفيد قولنا: "كُل إِنسَانٍ حيوانٌ": أَن كلٌّ ما لا يكون حيوانًا لا يكون إِنْسانًا.
стр. 202
وإنَّما سُمِّي بعلم المعاني (١)؛ لأنَّه -بالحقيقة- عبارة عن معرفة المعنى المفاد من التَّركيب؛ كما أنَّ علم البيان سُمِّي به؛ لأنَّه [-بالحقيقة-] (٢) عبارة عن معرفة بيان المُفاد.
قال الأستاذ (٣): محاسنُ الكلام وخواصُّه إمّا بحسب اللفظ؛ وهو البديع اللفظي، وإمَّا بحسب المعنى؛ وهو البديع المعنويّ، وإمَّا بحسب إفادة المُفاد؛ وهو علم المعاني، وإمَّا بحسب كيفيَّة إفادته؛ وهو علم البيان.
ويُسمَّى؛ أَي: ما يُفِيده التَّراكيب: خاصيَّة (٤) التَّركيب. وإنَّما يُراعِيها البليغ؛ أي: من له فَضْل تمييزٍ ومعرفة (٥)؛ لنُزوَل التَّراكيب
стр. 203
الصَّادرةِ عمَّن سِواهُ -في صناعةِ البلاغة- منزلة (١) أصوات حيوانات تصدُر عن محالِّها بحسب ما يتَّفقُ (٢). ويفهمُها ذو الطبع السليم (٣)؛ لاعتبار ذوقه وصحَّة انتقال ذهنه.
وتنقسمُ إلى ما هُو كاللازم لِصُدوره عن البليغ، وإلى ما هو لازمٌ لما (٤) هو (٥) هو (٦) حينًا: أي: تَنْقسم الخاصيَّةُ إلى قِسمين:
قِسمٍ ليس بِلازم؛ بلْ هوَ كاللَّازمِ لصُدوره عن البليغ (٧)؛ وهي اللّوازمُ الخطَابيّة؛ كلُزوم نفي الشَّكِّ بقولنا (٨): "إِن زيدًا منطلقٌ"؛ فإنّه
стр. 204
يلزمهُ لصدوره عن البليغ؛ إذ لوْ صدر من غيره لم يُفهم (١). وهذا القِسْمُ يقعُ كثيرًا؛ بلْ دائمًا في كلام البليغ.
وقسمٍ لازم لذاتِ التَّركيَب صدرَ عن البليغ أوْ لا؛ وإنْ لم يُعتبر إِلّا عند الصُّدورِ من البليغ؛ وَهي اللَّوازم الاستدلاليَّة؛ كعكسِ نقيضِ القضيَّة (٢). وهذا القسمُ يقعُ في كلامه حِيْنًا لا كثيرًا وَلا دائمًا؛ أي: خَواصّ كلامِ البليغ أكثرها من الأوَّل، ومن الثّاني قليلٌ. فعلى هذا قوله: "حينًا" يتعلّقُ بمحذوفٍ؛ مثل: حاصلًا (٣)، أَوْ حصل (٤)، أَوْ يَقع، أَوْ يَصدر، إلى غَير ذلك.
ومَنْ تتبَّع كتابَ "المفتاح" عَلِم أن الخواصَّ الاسْتدلاليَّة -أَيضًا- ممّا فيه البحثُ؛ صرَّح بها (٥) السَّكاكيُّ (٦) في مَواضع من
стр. 205
كتابه (١)، كما قال في أَوّل المنطق (٢): "الكلامُ في تكمل" (٣) علمِ المعاني؛ وهي: تتبُّع خواصّ تراكيبِ الكلَامِ في الاسْتِدلال".
واللام في قوله: "لصُدُوره" ظاهرٌ في التَّعليل، ويُحتمل كونُه من صلة اللّازم، وحينئذٍ يَكونُ اللازمُ والملزومُ مذكورين بالفعل.
واعلم: أن هذا الموضعَ (٤) من مَزال الأَقْدام، وَمَضالِّ الأفهامِ، واشْتَغلَ بتوجيهِه جمٌّ غفيرٌ (٥) من الأفاضل؛ كالتَّوجيهاتِ الّتي فِي شُرُوح "المفتاح" (٦). وكمَا قِيل: المرادُ. مما هو كاللازمِ: اللازمُ الغيرُ البيِّن، وبِمَا
стр. 206
هو لازُم: اللَّازمُ البيِّن. وَكَذا (١) قيل: إن "حِينًا" متعلّقٌ بقوله: "لازم" (٢)؛ أي: الملازمة جُزْئيّة (٣)؛ ولا مُنافاة بين كونه ذاتيا وبين الجزئيّة (٤)؛ والكلُّ فيهِ ما فيه (٥)، إلا ما ذكرنَا، فإنّه لا غُبارَ عَليه.
وغايتُه (٦)؛ أي: غايةُ علمِ المعاني. تَطْبيقُ الكلام على مُقتضى الحال؛ وهو الأمرُ الدّاعى إلى التَّكلُّم على الوجه المخْصُوص؛ فإن المقاماتِ (٧) مختلفةٌ (٨)، كالجدِّ: أي: كمقامِ الجدِّ مع مقام الهزْلِ، ومقامِ التَّواضع مَع مقام الفخر، ومقامِ الشُّكرِ جمع مقامِ الشِّكَايةِ، ومقامِ التَّهنئةِ جمع مقام التَّعزية (٩).
стр. 207
وكل (١)؛ أي: كلُّ مقامٍ من المقامات، يَسْتَدعي تركيبًا يفيدُ ما يُناسبُه؛ أي: المقام، وحُسْن الكلام (٢)، ولا حُسْنه؛ بمطابقته (٣) [للمَقام] (٤) وعدم مُطابقتِه له؛ وهذَا هو الذي يُسمَّى: مُقْتضى الحال؛ على أنَّه -أي: المقام- قَدْ يَقْتضي تأدية المعنَى بِمُجرَّد دلالاتٍ وضعيَّة وألفاظ مُسْتعملةٍ كيف كانتْ، ومجرّدِ تأليفٍ بينها (٥)؛ يُخرجها عن حُكم النَّعيق (٦)،
стр. 208
وهو الذي يُسَمَّى في علمِ النحو: أصلُ المَعنى، كما إِذَا كانَ الْمُخاطبُ غَبيًّا غيرَ ذكِي يستوي بالنِّسبة إليه كُلُّ التَّراكيبِ، وحينئذٍ يكونُ المطابقُ للحالِ ما يُفيدُ أصلَ المعنى لا غير؛ وهذا -أيضًا- نوعٌ من الخاصيَّة يُراعيها البليغُ.
والحاصلُ: أنَّ كل علمٍ يتحصَّل بمتعلّقه (١)، ويُحصَّل لغرضه، ويستحصل بطريقه. ومتعلقُ (٢) علمِ المعاني: خواصُّ التَّراكيب. وغرضه: تطبيقُ الكلامِ على مُقتضى الحال، فمن المتكلِّم: بأن يُوردَ تركيبًا يُفيدُ مَعنًى مُنَاسبًا، وَهُو البليغ، ومن السَّامع (٣): بأن يَحمِله عليه؛ وهو لِذِي الطبع السَّليم، وطريقُه: الاستقراءُ والتَّتبُّعُ.
وعلمُ البيان: معرفةُ مراتبِ العبارات الدَّالة على معنًى وَاحدٍ في الجلاء (٤)؛
стр. 209
أهي (١): بطريق التَّمثيلِ، أو الكناية، أو الاستعارةِ، أَوْ غيرها (٢). [وإنّما أهملَ ذكرَ الخفاء؛ لأنه إذا عُلم مراتب العبارات في الجلاء عُلم مراتبُها في الخفاء - أيضًا (٣)] (٤).
стр. 210
قال الشّيخُ (١) - في "دلائل الإعجازِ": لنا معنى، ومعنى معنى؛ أَمَّا المعنى؛ فهُو: ما يُفهمُ من ظاهرِ اللفظِ بلا واسطة (٢)، وأمَّا معنى المعنى؛ فهو: أن يُفهمَ من لفظٍ معنى، ثُمَّ يُفيدُ ذلك المعنى معنى آخر لتعلُّقٍ بينهُمَا؛ كدلالة: "زيدٌ طويلُ النَّجاد" على أنه طويلُ القامة (٣). ولاخْتلافِ التَّعلُّق بَيْن المعنَيين؛ في: الظّهُوَر والخفاء، و [بسبب] (٤) كثرةِ اللوازِم وقِلَّتها - اخْتلفت طُرُقُ تأديةِ المعنى الواحدِ بأساليبَ مختلفةٍ بالجلاءِ والخفاءِ.
وهذا العلمُ -أيضًا- تتبُّعيٌّ، لكنّه لَمَّا كان شُعبةً مِنْ علم (٥) المعاني -وهو تتبُّعيّ- لم يَحتَجْ ها هنا (٦) إلى التِّكرار (٧).
стр. 211
وهذا (١) كشعبة (٢) للمعاني؛ لأنَّها مَعرفةُ العبارات بحسبِ الإفادةِ؛ وهذا معرفةُ مراتبها بحسبِها، ومعرفةُ مرتبة الشَّيءِ مُتأخّرةٌ عَن معرفةِ الشَّيءِ؛ لأنَّها متفرِّعةٌ عليه ومُنْشَعِبَةٌ (٣) مِنْه (٤). وهذا المعنى في
стр. 212
الحقيقةِ (١) راجعٌ -أيضًا- إلى الإفادةِ، وكيفيَّةِ الإِفادة فَجَرى (٢) مجرى المُركبِ من المُفْرد؛ ولِهذا قُدِّم وضعًا ليُوافق الطبْع؛ لأن المفردَ مقدّمٌ على المركبِ بالطبع.
ومَا أفقرَ؛ صيغةُ فعلِ التَّعجّبِ: طالبَ الوقوفِ على تمامِ الْمُرادِ مِنْ كلامِ الله -تعالى - (٣) إلى هذَيْن العلْمين (٤)!.
المراد؛ أي: ما يُراد بَيَانُه مِن التَّكلَّم (٥).
стр. 213
وذلك (١) المعنى الواحد الذي اخْتَلفت (٢) فِيه العباراتُ؛ كمعنَى: "زيدٌ شُجاعٌ"؛ فَإنَّه واحدٌ فِي قَوْلنَا: "زيدٌ كالأسدِ في الشَّجاعةِ"، و"زيدٌ كالأسدِ"؛ بحذفِ وجه الشَّبهِ (٣)، و"زيدٌ أسدٌ" بحذفِ حرفِ التّشبيه -أيضًا-.
وتمام الْمُرادِ: كون العبارةِ الدَّالة على ذلك المعنى على ما يَنْبغي من مراتب الجلاءِ؛ وهي (٤) ما يُفيدُه الصَّرفُ عن الحقيقةِ وعن التَّصريح إلى المجازِ والكنايةِ والتَّشبيهِ والاستعارةِ (٥) وغير ذلكَ. وهذَا القدر -أي: تمام ما يُرادُ من العبارةِ- مِمَّا لا اختلافَ في إمكانِ الوقوفِ عليهِ.
وعلى الوَجْهِ الذي وَجَّهناه (٦) لا وُرودَ لِمَا يُقالُ: إن الاطِّلاعَ على تمام مُرادِ الله -تعالى- لا يَصِحُّ إذا كان مُمتَنعًا (٧) -كَمَا في
стр. 214
المُتَشابهاتِ (١)؛ فَكَيْف يَفْتقِرُ طالبُ الوقوفِ على تمامِه إلى هذين العِلْمَين؟!؛ وإنَّمَا يَصِحُّ لو كانَ الوقوفُ مُمكنًا، فَلَا حاجة إلى الجوابِ: بأنَّ المدّعى أنَّه لا يُمكنُ الوقوفُ على تمامِ المرادِ من غير هذينِ (٢) العِلْمين، وهُو مُسلّم، وأَمَّا أنَّه لا يُمكِنُ مَعَهُما -أيضًا-؛ فلا يُنافِي ذلكَ. وأمَّا أنَّه لَوْ افتقرَ إليهما لَعلِمَ تمامه معهُما فغيرُ لازمٍ (٣).
стр. 215
ولم يتعرَّضْ لغايةِ علمِ البيانِ لظهورها (١)؛ وهي: تطبيقُ الكلامِ على ما يَنْبغي مِنْ مراتبِ الجلاءِ، أي: على تمامِ المرادِ.