стр. 211
← Адаб следующие страницы →
Адаб · id 17458
تحقيق الفوائد الغياثية
الكرماني، شمس الدين
Полный текст (841 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 212
الحقيقةِ (١) راجعٌ -أيضًا- إلى الإفادةِ، وكيفيَّةِ الإِفادة فَجَرى (٢) مجرى المُركبِ من المُفْرد؛ ولِهذا قُدِّم وضعًا ليُوافق الطبْع؛ لأن المفردَ مقدّمٌ على المركبِ بالطبع.
ومَا أفقرَ؛ صيغةُ فعلِ التَّعجّبِ: طالبَ الوقوفِ على تمامِ الْمُرادِ مِنْ كلامِ الله -تعالى - (٣) إلى هذَيْن العلْمين (٤)!.
المراد؛ أي: ما يُراد بَيَانُه مِن التَّكلَّم (٥).
стр. 213
وذلك (١) المعنى الواحد الذي اخْتَلفت (٢) فِيه العباراتُ؛ كمعنَى: "زيدٌ شُجاعٌ"؛ فَإنَّه واحدٌ فِي قَوْلنَا: "زيدٌ كالأسدِ في الشَّجاعةِ"، و"زيدٌ كالأسدِ"؛ بحذفِ وجه الشَّبهِ (٣)، و"زيدٌ أسدٌ" بحذفِ حرفِ التّشبيه -أيضًا-.
وتمام الْمُرادِ: كون العبارةِ الدَّالة على ذلك المعنى على ما يَنْبغي من مراتب الجلاءِ؛ وهي (٤) ما يُفيدُه الصَّرفُ عن الحقيقةِ وعن التَّصريح إلى المجازِ والكنايةِ والتَّشبيهِ والاستعارةِ (٥) وغير ذلكَ. وهذَا القدر -أي: تمام ما يُرادُ من العبارةِ- مِمَّا لا اختلافَ في إمكانِ الوقوفِ عليهِ.
وعلى الوَجْهِ الذي وَجَّهناه (٦) لا وُرودَ لِمَا يُقالُ: إن الاطِّلاعَ على تمام مُرادِ الله -تعالى- لا يَصِحُّ إذا كان مُمتَنعًا (٧) -كَمَا في
стр. 214
المُتَشابهاتِ (١)؛ فَكَيْف يَفْتقِرُ طالبُ الوقوفِ على تمامِه إلى هذين العِلْمَين؟!؛ وإنَّمَا يَصِحُّ لو كانَ الوقوفُ مُمكنًا، فَلَا حاجة إلى الجوابِ: بأنَّ المدّعى أنَّه لا يُمكنُ الوقوفُ على تمامِ المرادِ من غير هذينِ (٢) العِلْمين، وهُو مُسلّم، وأَمَّا أنَّه لا يُمكِنُ مَعَهُما -أيضًا-؛ فلا يُنافِي ذلكَ. وأمَّا أنَّه لَوْ افتقرَ إليهما لَعلِمَ تمامه معهُما فغيرُ لازمٍ (٣).
стр. 215
ولم يتعرَّضْ لغايةِ علمِ البيانِ لظهورها (١)؛ وهي: تطبيقُ الكلامِ على ما يَنْبغي مِنْ مراتبِ الجلاءِ، أي: على تمامِ المرادِ.
стр. 216
الفصلُ الأول في علْمِ المعاني والكلامِ في الخَبر والطَّلبِ
стр. 217
الفصل الأوّلُ: في علْمِ المعاني والكلامِ في الخَبر والطّلبِ (*)
لَمَّا شغل (١) عَن تعريفِ العلمين وَمَا يتعلقُ بهما (٢) - شغل (٣) ببيَانِ المسائلِ وما تتوقفُ عليه.
لا يخفى عليكَ أن التعرُّضَ لخواصِّ تراكيبِ الكلامِ موقوفٌ على التَّعرُّضِ لِتَراكيبه؛ الّتي هي موضوع هذا العلم؛ لامتناع معرفة خاصيَّة الشَّيء دون معرفته. كما لا يخفى -أيضًا- حال التعرض لها (٤) مُنْتشرةً (٥)؛ فيجب المصيرُ إلى (٦) إيرادها تحتَ الضَّبط (٧)؛
стр. 218
بتعيين مَا هو أصلٌ لها وسابقٌ في الاعتبار (١)، ثم حَمل مَا عَدا ذلك عليه؛ بناء على موجب المساق.
والسَّابقُ في الاعتبارِ -في كلامِ العربِ- شيئان: الخبرُ، والطلبُ المنحصرُ بحُكمِ الاستقراءِ في الأبواب الخمسة؛ الّتي هي: التَّمنِّي، والنِّداء، والأمْر، والنَّهي، والاسْتِفْهام، وما سوى ذلك نتائج امتِناع إجراء الكلام على الأصل (٢)؛ هكذا قال السَّكاكيُّ (٣)، والمصنِّفُ تلا تِلْوه (٤) فيه؛ لكنَّ التَّقسيمَ الحقَّ عندَه رُباعيٌّ؛ لأن الكلامَ لا بُدَّ له من فائدة؛ فحصولها إمَّا من المتكلم، وإِمَّا من المخاطَب، وعَلى التَّقدِيرين؛ إمَّا أن تَحصُل في
стр. 219
الخارج، أَوْ في الذّهن؛ فما (١) من المتكلِّم وفي الخارج: إنشاءٌ، وفي الذِّهن: إخبارٌ. ومَا من المخَاطَب [و] (٢) في الخارج: أمرٌ، وما يُشْبهه؛ أي: الطلَب، وفي الذِّهن: استفهامٌ.
لا ثُنائيٌّ كما في "المفتاح" (٣)، وكما قاله ابنُ الحاجب (٤) في "مختصر منتهى السُّول والأمل": بأن الكلامَ إمَّا أن يدلّ على أن له متعلّقًا خَارِجيًّا أوْ لا (٥).
الأوّلُ: الخبرُ، والثاني: الإنشاءُ.
ولا ثُلاثيٌّ كما قاله المنطقيّون (٦): بِأنه إمَّا أَن يحتملَ الصِّدقَ
стр. 220
الكذبَ، أوْ لا؛ الأوَّلُ: خبر، والثاني: إمَّا أن يدل بالذّات على طلب (١)، أوْ لا، الأوّلُ: يُسمَّى: طلبًا، والثاني: تنبيهًا (٢).
لأن في كُل منهما (٣) حَزازَةً (٤) تُعرف بالتَّأمّل؛ كما في قول السّكاكيِّ مثلًا؛ فإنّه يَلْزم عليه أن يكون مفهومُ النّداءِ طلبًا؛ لكنَّه ليس كذلك؛ لأن مفهومَ النِّداءِ صوتٌ يَهْتف (٥) به الإنسانُ. صرَّحَ به الزَّمخشريُّ (٦) في
стр. 221
"الكشَّاف" (١)، والطلبُ غايتُه، وكذا لا يَصحُّ كَوْن التَّمنِّي منه؛ لأنّ الطلب يقتضي مطلوبًا منه، ولا مطلوب منه للتَّمنِّي.
وعلَى هذا فالخبرُ: تَصوُّرهُ ضَرُوريٌّ في الأَصحِّ. اختلف في أَنَّ تصوُّر الخَبرِ من التَّصوّرات الضَّروريّة أَوْ الكسْبيّة حتى لا يحتاجُ إلى التَّعريف أوْ يحتاج!.
الأصحُّ: الأوّل. وذلك لِمَا أنَّ كلٌّ واحدٍ من العُقلاء ممّن لم يُمارس الحدود (٢) والرُّسوم (٣) يعرفون الصَّادقَ والكاذبَ، بدليل أنَّهم
стр. 222
يُصدِّقون أبدًا في مقام التَّصديق، ويُكذِّبون أبدًا (١) في مقام التَّكذيب، والعلم بالصَّادق والكاذب مَوْقوفٌ على العلم بالخبرِ الصِّدق والخبر الكذب؛ فكان تَصَوُّر الخبر ضَروريًّا؛ لاستحالة كون تصوُّر الكُلِّ ضرُوَريًّا [دون جزئه] (٢).
وتَعريفاتُهُ (٣) تَنْبيهاتٌ (٤)؛ كان التَّعريفَ قد لا يُرادُ به إِحداثُ تَصَوُّرٍ بل الالْتفاتُ إلى تَصَوُّرٍ حاصلٍ ليتَمَيَّز (٥) من بين التّصوُّراتِ؛ فيُعلَمَ أنَّه المراد.
إِشارةٌ إلى سُؤالٍ وجَوابِ.
تقديرُ (٦) السُّؤال: لا يشْتغلُ العقلاءُ بتَعريف التَّصوّراتِ البديهيَّة كَمَا لا يُبرهنُ على القضايا البديهيّة؛ فلو كان الخبرُ ضروريا لَمَا عَرَّفُوه.
لكنَّهم عرَّفُوه (٧) كقَوْلهم (٨): "هُوَ الكلامُ المُحتَمِلُ للصِّدقِ والكذبِ"،
стр. 223
وكقولهم (١): "هو الكلامُ المفيدُ بنفسهِ إضافة أمرٍ من الأمورِ إلى أمرٍ من الأمور إثْباتًا أَوْ (٢) نفيًا" (٣).
تقديرُ (٤) الجوابِ: أن هذه تنبيهات لا تعريفاتٌ تنافي الضَّرورَة؛ فإنَّها ليست لإفادة تصوُّرٍ وإحدَاثِه؛ بل لتمييز (٥) ما هو (٦) المراد به من بين سائر التَّصَوُّرات الحاصلة عنده، والتفات النّفس إليه بخُصوصه؛ كما أن الإنسان يُطلق على حيوان ذِي أوصافٍ؛ من كونه: ناطقًا، وضاحكًا، ومنتصبَ القامةِ، وعريضَ الأظفَار -مثلًا-، ولا يُعرف أنه بإزاء أيِّ شيءٍ منها وُضِع؛ فيُقال: "الإنسانُ: حيوان ناطقٌ"، ليُعلم المراد منها؛ وهذا مِمَّا زاد على "المفتاح" (٧).
стр. 224
وكذلكَ الطلبُ (١) بأقسامِه (٢)؛ فإنّ كلًّا يُميّزُ بينها، ويُوردُ كلّا (٣) في موضعه، ويجيبُ عنه بِمَا يُطابقه؛ حتى الصبْيانُ (٤) ومن لا يَتَأتى منه النَّظَرُ (٥)؛ أي: وكذلك الطلبُ بأقسامه تَصَوّرُه ضرُوريّ -على الأصحِّ من المذاهب- (٦)؛ فإن كل أحدٍ (٧) حتَّى الصِّبيان ومن لا يتأتى منه النَّظرُ -كالمعاتيه (٨) والمجانين- يُدركُ التَّفرقَة بِالبديهةِ بين الأقسام، ويُميِّز
стр. 225
بينها، ويُورِدُ كُل واحد منها في موضعه؛ فيتمنَّى في مقام التَّمنّى، وينهى في موضع (١) النَّهى، وهكذا، ويُجيبُ (٢) عن كل بما يُطابقه؛ وكلٌّ منها طلبٌ مخصوصٌ، والعِلم به مَسْبوقٌ بنَفْس الطلبِ.
والمصنِّفُ قلّدَ فيه (٣) السَّكاكيَّ؛ لا (٤) أنَّه الحقُّ عنده؛ للفَرق (٥) بينَ التصوُّر والحُصول؛ فإن المُتَميِّزَ الحصول لا التَّصَوُّر؛ فيلزم كون الحصول ضروريًّا دُون التَّصوُّر؛ فلا يَتمُّ المقصودُ.
стр. 226
القانونُ الأوّلُ: في الخبر (*)
مرجعُ الخبَريّةِ إلى حُكمٍ يُوقع؛ أي: سَبَبُ كون الكلامِ خبرًا اشتمالُه على حُكم يُوقعه المخبرُ الّذي (١) يَحكُم بمفْهومٍ لمفهومٍ؛ كما تجده فاعلًا ذلك إذا قال (٢): نحو: "هُو قائمٌ" (٣)؛ لا إلى حُكمٍ يُشارُ إليه؛ نحو: "الذي هو قائمٌ" (٤)، أَوْ "إنهُ قائمٌ" (٥)؛ فإنّه (٦) تصوّرٌ يُحكم به؛ كما يقال: "الذي أدّعيه أنَّه زيد". أوْ عليه؛ أي: أَوْ تصوُّر يحكم عليه؛ كما يقال: "حقّ أنه زيد". ومن حقِّه؛ أي: ومن حقِّ هذا
стр. 227
التَّصَوُّر. أن يكون مَعلومًا للمخاطب قبلُ؛ أي: قبل الخطاب؛ لِتَصِحَّ (١) الإشارةُ إليه، والحُكْم به أَوْ عليه.
ومرجعُ احتماله (٢) للصِّدق والكذب إلى تحققِه مِن حيثُ هو حكمُ حاكمٍ (٣) معهما، أي (٤): مَعَ الصِّدقِ والكذَبِ بَدَلًا، أي: بطريق البدل؛ لامتناع اجْتماعِهما وتعيُّن أحدهما؛ فإنّه (٥) لو كان لازم (٦) الصِّدق مِن حيثُ هو حكمُ حاكمٍ لَمَا تَحَقّق مع الكذِب، وبالعكسِ؛ كما هو حكم الماهيَّاتِ من حيثُ هي مع المتقابلاتِ. وإنْ كان خصوصيَّةُ المحلِّ -أي: المقام، ليشْمَل ما من المُخْبر، وما من مَادَّةِ (٧) الخبر، هكذا قال الأستاذُ (٨)، قد (٩) تأبى إلّا أحدهما، كخبرِ اللهِ -تعالى- (١٠)، وكالواحدِ نصف الاثنين؛ فإن خصوصيَّة المُخْبر
стр. 228
في الأوَّلِ، والخبرِ في الثاني تمنع إلّا الصِّدق، وكخبر مُسَيْلمة (١) الكذّاب، والواحد ضِعْف الاثنين؛ فإنّها تمنع إلا الكذب. وهذا -أيضًا- زائدٌ على "المفتاح" (٢).
ومرجعُ الصِّدقِ والكذبِ إلى مُطابقةِ الواقع وعدمِها؛ وهذا (٣) هو المَشْهُور من الجمهور، وعليه التَّعويل (٤)؛ وعلى هذا لا يكون بَيْنَهما واسطة (٥)، ولأنَّه (٦) بِبُطلِ سائرِ المذاهب فيه لم يحتجْ إلى الاستدلال على حقّيته لتعيُّنه حِينئذٍ لها.
стр. 229
стр. 230
والاعتقاد: فحيثُ لا قَصْدَ لا (١) صِدقَ ولا كذبَ (٢) لقوله (٣) -تعالى-: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ (٤)؛ وجهُ الاستدلال بالآية: أنَّهم (٥) -وهم أهْلُ العربيّةِ- جعلوا دَعْواه الرِّسَالة من جِنس كلامِ المجنون -الَّذي ليس صَادقًا عندهم- قَسيمًا للكذب؛ فلا يكون صَادِقًا ولا كاذبًا؛ فثبتت (٦) الواسطةُ، وما ذلك إلَّا لأنَّ المجنون لا يقُول عن قصدٍ واعتِقاد.
والجوابُ: أَنَّ الافْتراءَ أَخصُّ من الكذبِ المطلق؛ لأنَّهُ كذبٌ خاصٌّ؛ [لأنَّه كذبٌ مع القَصْد] (٧) فمقابلُهُ قد يكون -أيضًا-
стр. 231
نَوْعًا آخر من الكذِب (١). فالحاصلُ أنَّهُما نوعانِ من الكذِب جُعِلا قِسْمَين؛ فَلَا (٢) يَلزم الواسِطة؛ وهذا زائدٌ على "المفتاح".
وقيل -والقائلُ هو: النَّظَّام (٣) -: إلى مُطابقةِ الاعتقادِ وعدمها؛ أي: مَرجعُ الصِّدقِ والكذبِ إلى مُطَابقة الحكمِ لاعتقادِ المخبرِ أوْ ظَنِّه، وإلى عَدم المُطَابقة لذلك (٤)؛ سواءٌ كان ذلك الاعتقادُ أَوْ الظنُّ خطأً أَوْ صوابًا (٥)؛ ولذلك (٦) يتَبَرّأُ عن الكذبِ بدعوى الاعتقادِ أَوْ الظَّنِّ؛ أي:
стр. 232
стр. 233
وممَّا يُحقِّق (١) ذلك (٢) قولُه -تعالى-: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ (٣)، كذَّبَهم في قولهم: ﴿إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ (٤) مَعَ مُطابقته للواقع؛ لأنَّه لَمْ يُطابق اعْتِقادَهم؛ فعُلِم أنَّ المُعْتَبَر هو مُطابقةُ الاعتقادِ لا الواقِع.
والجوابُ: أَنَّه يستلزمُ تَكذيبَ اليهوديِّ في قوله: "الإسلامُ حقٌّ"، وتصديقَه في خلافِه. والإجماعُ يخالفُه (٥). و ﴿لَكَاذِبُونَ﴾ أي (٦): فيما يُشعر به "إنّ واللّام واسميَّة الجُملة"؛ من كون الشَّهادةِ من صميمِ القلبِ.
стр. 234
الجوابُ (١) بوجهين: بالمناقضةِ (٢) جدلًا، والحلِّ (٣) تحقيقًا.
أمَّا المناقضةُ (٤): فأَنْ (٥) يُقال: لوْ صحَّ ما ذكرتُم للزِمَ تكذبينُا لليهوديِّ (٦) إذا قال: "الإسلامُ حقٌّ"؛ لعدم مُطابقتِه لاعتقادِه، وتصديقُنا له في خلافه؛ أي: إذا قال: "الإسلامُ باطلٌ"، لمطابقته له؛ لكنَّه خلاف الإجماع.
وأمّا الحلُّ فهو: أنّه لَمْ يتبرّأ عن الكذِب؛ بلْ عن مَذَمَّةٍ الكذبِ وتعَمُّدِه المستلزمِ للتّوبيخ عليه. ولظهورِه (٧) لَمْ يَتَعرَّض لَهُ (٨) المصنِّفُ.
والجوابُ عن الآية: أنَّهُ ليسَ المرادُ أنَّهم لكاذبون في مقولهم (٩)؛ بل فيما يُشعر به كلمة: "إنَّ، واللّام، واسميّة الجملة"، من كَوْن شهادتهم
стр. 235
من صميمِ القَلْب (١). هذا هو كَمَا أجابَ في "المفتاح" (٢)، لكن له وجُوه أُخرى (٣)؛ كما يقال: إنَّهم لكاذبون (٤) في شهادتهم، إمَّا لإشعارها عُرفًا بالعِلْم؛ لأنَّ من قال: "أشْهد بكذا" تَضَمَّن (٥) أنّي أقوله عن عِلم (٦)، وإن كان الشَّهادة بمجرّدها تحتمل العِلْم والزُّور، وتقيّد بهما لُغَةً (٧). وإمّا لأنّهم زَعَموا أنَّ شَهَادَتهم بذلك مُسْتَمِرَّةٌ (٨) غيبةً وحضورًا [لقولهم نَشهد على طريقة قوله: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ (٩)] (١٠). أوْ أنَّهُم كاذبون في تَسْميتهم إخبارَهم شهادة؛ لأنَّ الإخبارَ إذا خَلَا عن مُواطأة القَلب (١١) لَمْ يكُن شهادةً -في الحقيقة-.
стр. 236
أوْ أنَّ المعني: لكاذِبُونَ فيما عند أنفُسِهم؛ لاعتقادهم أنَّهُ خبرٌ على خلاف ما عليه حالُ الْمُخبَر عنه (١). أَوْ أَنَّهم قومٌ كاذِبُون (٢) شأنُهم الكَذِب وإن صَدَقوا في هذا الخَبَر؛ وذلك لا يُخْرجهم عَن (٣) زُمْرةِ الكاذبين (٤).
ثُمَّ البحثُ في الخبر إِمَّا عن الإسنادِ أَوْ عَنْ طرفيه، أي: المُسْنَد والمُسْنَد إليه، أَوْ عَنْ وَضْع كُلٍّ منهُما عند صاحِبِه، أوْ عن وَضْع الجُمْلَتينِ (٥) إذا تَعَدَّدت، ففيه أَرْبعةُ فُنونٍ.
إذا (٦) عَرَفْتَ أنَّ الخبرَ يَرْجعُ إلى الحُكم (٧) بمفهومٍ لمفهوم (٨)؛ وهو الَّذي نُسمِّيه: الإسناد الخبريّ؛ كقولنا: "شيءٌ ثابتٌ"، "شيءٌ لَيْس
стр. 237
بثابت"؛ فأنت في الأوّل تحكم بالثُّبوت للشَّيء، وفي الثَّاني باللَّاثبُوت - فاعرف (١) أنَّ الاعتبارات الرَّاجِعة إلى الخبرِ ثَلاثةٌ:
اعتبارٌ يرجعُ إلى نفسِ الإسناد من حيثُ هو حكمٌ؛ من غير التَّعَرُّضِ لكونِه لغويًّا أَوْ عَقْليًّا، فإنّه وظيفةٌ بيانيّةٌ؛ بل من حَيْثُ هو مجرَّد عن لام الابْتداء (٢) أَوْ غير مجرَّد- مثلًا (٣).
واعتبارٌ يرجع إلى طَرَفي الإسنادِ لا من حيثُ الحقيقةُ والمجاز؛ بلْ من حيثُ هُمَا هُمَا (٤) لكونه (٥) محذوفًا أَوْ ثَابتًا، مُعَرّفًا أَوْ مُنَّكرًا.
واعتبارٌ يرجعُ إلى وضع كُلٍّ من الطّرفين عِنْد صَاحبه -أي: الطَّرف الآخر- ونِسبته إليه؛ من التَّقديم
стр. 238
والتَّأخير وغَيْرهما (١).
هذا إذا كانت الجُمْلةُ الخبريّةُ مُفرَدَةً؛ أَمَّا إذَا تَعَدَّدت فَلِوضع كُلٍّ من الجُمْلتين عندَ صاحبتها (٢) -أيضًا- اعتبارٌ آخر؛ من الفصلِ والوصلِ وغيرِهما (٣).
وجعلَ لكلِّ اعتبارٍ فنًّا، فالفنونُ (٤) أربعة (٥).
واعلم: أَنَّه (٦) في وضع الفنون خَالفَ السَّكَّاكيَّ؛ لأنَّه (٧) وضعَ لكلٍّ من الطّرفين فنًّا، ولم يَضَعْ (٨) للوَضْع فنًّا مُسْتقلًّا، بَلْ ذكره في خِلالِ
стр. 239
стр. 240
الفنُّ الأوّلُ: في الإسنادِ:
قدَّمَ الفنَّ الرَّاجع إلى الإسنادِ على الأخوات (١) -وإنْ كان بحسبِ الوُجود مُتأخّرًا لتأخُّرِ النِّسبةِ عن المُنْتسبين؛ لأنَّه هو المقْصُودُ من الخبرِ؛ فله التَّقَدُّم (٢) بحسب الشَّرف.
قد يُريدُ بهِ المُتَكلِّمُ أن يُعلِمَ منه الحُكْمَ؛ نحو: "زيدٌ قائمٌ"، لِمَن لا يَعْلمه؛ أي: لمخاطَبٍ لا يعلمُ قيامَ زيدٍ. ويُسَمَّي: فائدةَ الخبرِ، وقدْ يُريدُ؛ أي: المتكلِّمُ به؛ أي: بالخبرِ، أن يُعلمَ أنَّه يَعْلمُه؛ أي: يُعْلم المخاطبَ أنَّ المتكلَّمَ يعلمُ ذلك الخبر؛ نحو قولك: حفظتَ التَّوراةَ؛ لمن قَد حفظها (٣)؛ أي: لِمُخاطبٍ حفظَ التَّوراة؛ فإنَّه لا يُريد (٤) به إعلامُ المخاطب بأنَّه (٥) حافظٌ للتَّوراة لامتناع إعلامِ المعلوم؛ بلْ يُريدُ إعلامَه بأنَّه (٦) يَعْلَمُ أنَّه حافظٌ للتَّوراة. ويسمّى (٧): لازمَ فائدةِ الخبرِ.
стр. 241
والأُولى (١) بدون هذه (٢) تمتنعُ (٣) من غير عكسٍ (٤)؛ هذا [على] (٥) ما هو المشهور من القومِ؛ إذْ قالوا: من الضَّرُوريَّاتِ لكلِّ عاقلٍ أَنْ يقصدَ (٦) بالخبرِ إفادة المخاطبِ، وإلَّا كان (٧) الإخبارُ عَبَثًا، لكنَّ الحقَّ أنَّه بحسب مُقْتضى الظَّاهر، أوْ منْ حيثُ هو الخبر، أوْ بحسبِ (٨) الغالب؛ لأن قَصْدَ (٩) حَنَّة أمِّ
стр. 242
مريم في قولها: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ (١) ليسَ إلى إِفَادةِ فائدة الخبر، ولا إلى إِفادةِ لازمها؛ لشُمولِ علمِ الله -تعالى-؛ بلْ إلى إظهارِ التَّحسُّرِ، وإنشاء (٢) التَّأسُّفِ، أوْ غيرِه (٣)، وَكَم مِثلها فِي القرآن! (٤).
ومن حقِّ الكلامِ عقلًا، أي: العقلُ يَحْكُم بأن حقَّ الكلامِ أن يكونَ بقدرِ الحاجةِ، مُفْرَغًا فِي قالب (٥) المراد، لا أزْيَد وإلَّا كان (٦) هَذَرًا (٧)، ولا أنقصَ وإلَّا كان (٨) حَصَرًا (٩).
стр. 243
فالخطابُ بالخبرِ إمَّا (١) مع خالي الذِّهن عن الحُكْمِ بأحدِ طرَفي الحبرِ على الآخرِ نَفْيًا (٢) أَوْ إِثْبَاتًا، وعن (٣) التَّرددِ فيه؛ فَيُجَرَّدُ عن المُؤَكِّداتِ، ولا يُشَمّ رَائحتُها، وَكَفى في انْتِقاشِ (٤) ذِهْن المُخَاطبِ حِينئذٍ بالحُكْم مُجَرَّدُ الإسناد؛ لمصادفتهِ (٥) خاليًا؛ فإنّ المحلَّ الخَالي (٦) إذا كانَ فارِغًا تمكَّنَ فيه نقشٌ يَرِدُ عليه أشدّ تَمَكُّنٍ:
أَتَانِي هَوَاهَا قَبْلَ أَنْ أَعْرِفَ الْهَوَى ... فَصَادَفَ قَلبي خَالِيًا فَتَمَكَّنَا (٧)
стр. 244
نحو: "زيدٌ قائمٌ"؛ مثال المجرَّد (١) عن المؤكِّدات، ويُسمَّى: ابتدائيًّا؛ لأنَّه يقعُ غالبًا فِي ابتداء الكَلام (٢). وقوله: لأنَّ المحلَّ الخالي يَتمكَّن فيه كلُّ نقْشٍ يَرد عليه: تَعْليلٌ لقوله: "فيُجرَّد".
وإِمَّا مع مُتَحيِّرٍ (٣) طالبٍ (٤) للحُكم، طَرَفاه -أي: طَرَفا الإسناد (٥) - حاصلان عندَه دُونَ الحكمِ والإسناد؛ فهو -أي: المُتَحيِّر (٦) - بَيْنَ بَيْن (٧)؛ أي: بَيْن الإسنادِ وبينَ اللَّا إسناد؛ فيؤكّد للاحتياجِ إليه لزَوال التَّحَيُّر. نحو: "لزيدٌ قائمٌ"؛ مُؤكّدًا بلام الابتداءِ، و"إن زيدًا قائمٌ"؛ مُؤكّدًا بإِنَّ التَّحقيقيّة. ويُسَمّى: طَلَبيًّا؛ لكونِ المخاطبِ طالبًا لَه.
стр. 245
وقولُه: "طرفاه عِنده" جملةٌ وقعت صِفة لقوله: "مُتَحيِّر".
وإِمَّا (١) مَع مُنْكرٍ يَحْكُم بخلافِه؛ أي: بخلافِ ما عِنْدَ المُتَكلِّم، فيُزادُ (٢) توكيدُه بحسبِ قوَّةِ إنكارِه؛ أي: بِحَسبِ ما أُشْرِبَ (٣) من الإنكارِ في اعتقادِه، ليَرُدّه -أي: المُتَكَلِّمُ المخاطبَ- (٤) إلى حُكْم نفسه. نحو: "إنَّ زيدًا لَقَائمٌ"؛ لمن يُنْكرُ القيامَ، وَ "وَاللهِ إنَّ زيدًا لقائمٌ"؛ لمن يُبالغُ في إنكار القيامِ، ويُسمَّى إنكاريًّا. ويشهدُ له قولُ رُسُل عيسى ﵇ -أوَّلًا: ﴿إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ (٥)؛
وثانيًا: إذ بُولغَ في تكذيبهم: ﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ (٦).
стр. 246
أَرْسل عيسى ﵇ إلى أهلِ أَنْطَاكِيةَ (١) اثنين: شَمْعُون، ويُوحَنَّا؛ فكذَّبُوهُما؛ فقوَّاهُما برسول ثالثٍ هو بُولِسْ (٢)، أَوْ حَبيب النَّجَّار، فقالُوا: ﴿إِنَّا إِلَيْكُمْ مرْسَلُونَ﴾، فأنْكَرُوا (٣) بقولهم: ﴿مَا أَنتُمْ إلا بَشَرٌ﴾ (٤) الآية؛ فأَجَابُوا بقَوْلهم: ﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ﴾ (٥) الآية. وَلَمَّا كانت الآيةُ مشتملةً على تكذيبِ الرُّسلِ من ثَلاثة أوجهٍ (٦)
стр. 247
стр. 248
هذا كُلُّه (١) إخْراجُ الكلامِ على مُقْتَضى الظّاهر، وأنَّه في عِلْمِ البيانِ يُسَمَّى: بالتَّصْريحِ (٢).
وإخراجُ الكلامِ على مُقْتضى الظَّاهرِ أخَصُّ من إخراجِ الكلامِ على مُقْتضى الحالِ (٣)؛ لأن العُدولَ عن مُقْتَضى الظاهر -أيْضًا- مُقْتضى الحال، ولا يَنْعَكِس.
وقد يُعدلُ؛ أي: الكلام عَنْه؛ أي: عن مُقْتَضى الظَّاهرِ، ويُسمَّى حينئذٍ: إخراج (٤) الكلامِ لا على مقتضى الظَّاهِر؛ فيُقامُ العالمُ بالفائدةِ ولازمِهَا مُقامَ الجاهل؛ لاعتباراتٍ خطابيَّةٍ (٥) إقناعيَّةٍ؛ أي: مَظْنُوناتٍ
стр. 249
ومَقْبُولاتٍ، لا بُرْهَانِيَّة. مَرْجعُها، أي: مَرْجِعُ تلك (١) الاعتباراتِ التَّجهِيلُ أي: تجهيلُ العالم؛ لوجوه (٢) مُخْتَلفةٍ؛ كعدم العَمَل بِمُقْتَضى عِلْمه؛ كَمَا في قول [تعالى] (٣): ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (٤)؛ ينفي العلمَ عنهم حيثُ لم يعمَلوا (٥) به؛ بعلمهم، ولمْ يَجْروا عَلى سَنَن مُقتضاه بعد قوله في صَدْر الآية: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾؛ مؤكِّدًا باللَّامِ القسميَّة واصفًا لهم بالعلم على سبيلِ التّوكيد القسَميّ.
ونظيرُه؛ أي: نَظِيرُ قوله -تعالى- في النّفي والإثباتِ؛ في أنَّ المتَّصفَ بالشَّيءِ نُزِّل مَنْزلة الخالي عنه بوجهٍ خطابيّ؛ لا في تَنْزيل العالِم مَنْزلة الجاهل، قوله -تعالى-: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ (٦) أثْبَتَ الرَّمْيةَ لرسُولِ الله- ﷺ ؛ إذْ هو الرَّامِي بِحَسَبِ الصُّورةِ،
стр. 250