← Адаб

Адаб · id 17458

تحقيق الفوائد الغياثية

الكرماني، شمس الدين

Полный текст (841 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

أَرْسل عيسى ﵇ إلى أهلِ أَنْطَاكِيةَ (١) اثنين: شَمْعُون، ويُوحَنَّا؛ فكذَّبُوهُما؛ فقوَّاهُما برسول ثالثٍ هو بُولِسْ (٢)، أَوْ حَبيب النَّجَّار، فقالُوا: ﴿إِنَّا إِلَيْكُمْ مرْسَلُونَ﴾، فأنْكَرُوا (٣) بقولهم: ﴿مَا أَنتُمْ إلا بَشَرٌ﴾ (٤) الآية؛ فأَجَابُوا بقَوْلهم: ﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ﴾ (٥) الآية. وَلَمَّا كانت الآيةُ مشتملةً على تكذيبِ الرُّسلِ من ثَلاثة أوجهٍ (٦)

стр. 247

أكد إثبات رسالاتهم (١) -أيْضًا- بثلاثةِ أوجهٍ: "اللَّامِ، وإنَّ، وما في قُوَّة القَسَم (٢) ".

стр. 248

هذا كُلُّه (١) إخْراجُ الكلامِ على مُقْتَضى الظّاهر، وأنَّه في عِلْمِ البيانِ يُسَمَّى: بالتَّصْريحِ (٢). وإخراجُ الكلامِ على مُقْتضى الظَّاهرِ أخَصُّ من إخراجِ الكلامِ على مُقْتضى الحالِ (٣)؛ لأن العُدولَ عن مُقْتَضى الظاهر -أيْضًا- مُقْتضى الحال، ولا يَنْعَكِس. وقد يُعدلُ؛ أي: الكلام عَنْه؛ أي: عن مُقْتَضى الظَّاهرِ، ويُسمَّى حينئذٍ: إخراج (٤) الكلامِ لا على مقتضى الظَّاهِر؛ فيُقامُ العالمُ بالفائدةِ ولازمِهَا مُقامَ الجاهل؛ لاعتباراتٍ خطابيَّةٍ (٥) إقناعيَّةٍ؛ أي: مَظْنُوناتٍ

стр. 249

ومَقْبُولاتٍ، لا بُرْهَانِيَّة. مَرْجعُها، أي: مَرْجِعُ تلك (١) الاعتباراتِ التَّجهِيلُ أي: تجهيلُ العالم؛ لوجوه (٢) مُخْتَلفةٍ؛ كعدم العَمَل بِمُقْتَضى عِلْمه؛ كَمَا في قول [تعالى] (٣): ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (٤)؛ ينفي العلمَ عنهم حيثُ لم يعمَلوا (٥) به؛ بعلمهم، ولمْ يَجْروا عَلى سَنَن مُقتضاه بعد قوله في صَدْر الآية: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾؛ مؤكِّدًا باللَّامِ القسميَّة واصفًا لهم بالعلم على سبيلِ التّوكيد القسَميّ. ونظيرُه؛ أي: نَظِيرُ قوله -تعالى- في النّفي والإثباتِ؛ في أنَّ المتَّصفَ بالشَّيءِ نُزِّل مَنْزلة الخالي عنه بوجهٍ خطابيّ؛ لا في تَنْزيل العالِم مَنْزلة الجاهل، قوله -تعالى-: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ (٦) أثْبَتَ الرَّمْيةَ لرسُولِ الله- ﷺ ؛ إذْ هو الرَّامِي بِحَسَبِ الصُّورةِ،

стр. 250

ونفاها عَنْه بِحسبِ التَّأثيرِ، إذْ لا مُؤَثِّر إلَّا الله ولا سِيَّما (١) في الأثرِ العظيمِ الَّذي ليس في قُوَّةِ البشرِ. رُوي أَنَّه ﵇ لَمَّا طلعتْ قريشٌ (٢) قال: "هذه قُريشٌ

стр. 251

قَدْ جَاءت بخُيلائِها وفَخْرها (١) يُكذِّبون رَسُولك؛ اللهمَّ أسْألُك مَا وعدتَّني!؛ فأتاهُ جبريلُ، فقال: خُذْ قَبْضَةً منْ تُرابٍ فارْمِهم به؛ فقال النّبيُّ ﵇ لعَليٍّ ﵁ لما الْتَقى الجَمْعان: أَعْطِني قَبْضَةً من الحصبَانِ (٢)؛ فَرمى بها فِي وُجوهِهم، وقال (٣): شَاهَت الوُجُوه! (٤)؛ فلم يَبْقَ كافرٌ إلّا شُغل بعينِه؛ فانهزَمُوا". وقولُه -تعالى-: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ (٥) أثبتَ لهم الأيمانَ في صدر الآية، ونفى عنهم في عجُزها؛ إذْ لَمْ يَتَرتَّبْ عليها الغرضُ الَّذِي هو الاسْتِيثَاقُ والوفاءُ.

стр. 252

وقَدْ يُلقى؛ أي: وإذْ (١) يُعدل عن (٢) الظَّاهر بناءً على أنَّهُ هُو مقتضى الحال قَدْ يلقى الخبرُ إلى المنكرِ مُجَرَّدًا عن المؤكِّداتِ؛ تَنْزيلًا لَهُ منْزلة من لا يُنكر (٣)، إذا كان معه؛ أي (٤): مع المُنْكر ما إذا تأمَّله؛ كالدَّلائل العَقْليَّة (٥) ارْتَدع عن الإنكارِ؛ تَقُولُ للكافرِ: "الإسلامُ حَقٌّ" لوُضُوح دلائله؛ أي: لما مَعه مَن الدَّلائل الواضحةِ الَّتى لَوْ تَأَمَّلها (٦) عَرفَ حَقِّيته (٧). ومِثْلُه: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ (٨) مع كَثْرةِ المُرْتابين فِيه؛ لأنَّهُ كان في وُضوحِ الدِّلالة وسُطوع البُرهان بحيث لوْ تأمَّلوا فيه ارْتَدعُوا عن الارتياب. وإلى غيْرِ السّائلِ؛ أي: يُلقى إلى غَيْرِ السَّائلِ. عَبَّرَ عن خَالي الذِّهن "بغَيْرِ السَّائل" ليُنبّه على أنَّ إلقاءَ الخبرِ إليه مُؤكَّدًا لتنزيلِه منْزلة السَّائلِ (٩) مؤكّدًا؛ وذلك ليسَ كما اتَّفَق؛ بلْ إذا قُدِّم إليه؛ أي: إلى غَيرِ

стр. 253

السَّائلِ، ما يُلوِّح (١)، كلام يُشير به بالخَبرِ (٢)، ويُشعِر بِحُكم ذَلك الخبرِ ومَضْمُونِه؛ لأنَّه للنَّفسِ اليَقْظي (٣) مظِنَّةُ الترَدُّد؛ لأنَّ تقديم (٤) الملوّح للنَّفس اليَقظي مظِنَّةُ الطَّلبِ والتَّرَدُّد في تحققِ (٥) مضمُونه للتَّلويحِ، وعدم تَحَقّقِه لعدمِ التَّصْريح. قال (٦): ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ (٧)، أي: لا تُراجعني يا نُوحُ في إهلاكِ الكُفَّارِ وإغراقهم. ولَمَّا أوْرَثَ هذا النَّهيُ تحيُّرَ (٨) نوحٍ ﵇ في سبب عدمِ المراجعةِ، وأنَّهم مُغرَقون أمْ لا؟ - أُزيل هذا التَّحَيُّرُ بأنْ قيلَ: ﴿إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ﴾ على سبيلِ التَّوكيدِ، أي: محكومُون (٩) بغرَقِهم.

стр. 254

وكذَا إلى غَيْر المُنْكر؛ أي: كما يُلقى إلى غَيْر السَّائل مُؤَكدًا؛ كذلك يُلْقى إلى غير المُنْكِر مُؤكدًا زيادةَ تأكيدٍ (١) عند شيءٍ؛ أي: إِذَا كان عليه شيءٌ من مخايل (٢) الإنْكارِ وأَمَارَاتِه؛ قال (٣): جَاءَ شَقِيقٌ (٤) عَارِضًا رُمْحَهُ ... إِنَّ بَنِي عَمِّكَ فِيهِم رِمَاح شقِيق: اسمُ رجلٍ حسِبَ تأَتي (٥) المقاومة مع بَنَي عمِّه سهلًا؛

стр. 255

حينَ (١) جاء آخذًا رُمْحَه بالعَرْض؛ غير مُلتفِتٍ إلى القرْنِ المكافح (٢)، حَتَّى يَجْعل طرفَ الرُّمح إليه، مغرُورًا بشجاعته؛ فنزَّلهُ الشَّاعرُ لهذا منْزلةَ من يُنكِرُ أنَّ في بني عمِّه أُهْبَةَ (٣) الْحَرْب؛ من الرِّماح وسائرِ السِّلاح، ويعتقدُ كون كُلِّهم عُزْلًا (٤). والحاصلُ: أنَّه يجبُ أَنْ يكونَ لباسُ (٥) الكلامِ على قَدِّ (٦) المقام؛ لا زائدًا ولا ناقصًا، ووضعُ الخبر ليعتقدَ المخاطبُ مضمونَه؛ فحَقُّهُ أن يُخاطبَ به من لا يَعْتقدُه (٧)؛ وهو إِمَّا غيرُ مُتَصوّرٍ له (٨)، أَوْ مُتصوّرٌ مَع تجويزِ نقيضِه (٩) أَوْ مع اعتقادِه (١٠).

стр. 256

فمعَ الأوَّلِ يَكْفي أصلُ الخبرِ. ومع الثَّاني يجبُ زيادةُ تقويةٍ له لِمنع (١) تجويزِ نقيضِه. ومع (٢) الثَّالث أَزْيد لِمَنع (٣) اعتقادِ النَّقيضِ. ثُمَّ تَجْويزه. وكلَّما كان اعتقادُه أقوى احتاجَ إلى مُزيل أَقْوى؛ لا جَرَمَ يُخاطَبُ الأوَّلَ به مُجَرَّدًا، والثَّاني مُؤكّدًا، والثَّالثَ أشدَّ تأكيدًا. ثمَّ هذه الثَّلاثةُ قدْ تكون ادّعَاءً لا حقيقة، وتُسمَّى: إخراجَ الكلامِ لا على مقتضى الظَّاهِر، فيدَّعى خُلُوَّ الذِّهنِ للتَّجْهيلِ، أَوْ السُّؤال لسبق كلامٍ يوجبُه، أَوْ الإنكارَ لأمارته أَوْ عدمِه لظُهورِ الدّلائلِ. ومنْ هُنَا (٤)؛ أي: مِمَّا علِمتَه ها هنا (٥)؛ من كيفيَّة إخراج الجُملِ الخبريَّةِ على مُقْتضى الحالِ، وأنواع تركيباتِها الأُوَل؛ أي: تركيباتها بحسبِ عقدِ الجُمْلةِ، ونسبةِ بَعْضها إلى بعضٍ. مَعْ ما سيأتِيكَ؛ في الفنِّ الرَّابع (٦) من تركيباتها الثَّواني؛ أي: تركيباتها مع الجُمَل بعضها إلى بعض فَصْلًا وَوَصْلًا؛ تعرفُ تفاوتَ: "اعْبُدْ رَبَّكَ إِنَّ العادة (٧)، أو العبادةُ (٨)، أو فالعبادةُ حقٌّ له" (٩)؛ بِحسبِ المقام؛ أي: تفاوت ما

стр. 257

بينَ (١) هذه الجُمل الثَّلاث (٢) على مُقْتضى المقام (٣)، كما يُقال: إنَّ الأُوْلى (٤) تُستعملُ حيثُ يُحتاجُ إلى التَّأكيد، ويُرادُ تحقيقُ العِلَّة (٥)، والثَّانيةَ حيثُ يُخَاطبُ خالي الذِّهن، ولا يُرَادُ التَّعليلُ، والثّالثةَ حيثُ يُرَادُ التَّعليلُ، ولا يُرادُ التَّحقيق؛ لأَنَّ "الفاء" مُشْعِرٌ بالعلِّيَّة، و"إنّ" بالتَّحقيق، حتَّى لو أُريد (٦) كلاهُما يُؤْتى بهما؛ فيُقالُ: "فإنَّ العَبادةَ حقٌّ". وتقِفُ؛ أي: ومن هَذا (٧) تقِفُ (٨) على اعتباراتِ (٩) النَّفي؛ لأن من أتقنَ الكلامَ في (١٠) اعتباراتِ الإثباتِ وقفَ على اعتباراتِ النَّفي بالقياسِ عليه (١١)،

стр. 258

وعلى سببِ؛ أي: ومن هذا تقفُ على سبب (١) نزولِ القُرآن على هذه المناهج المذكورةِ؛ من اعتباراتِ الإسنادِ الخبريِّ، إِمَّا على وفقِ الظّاهر، وإِمَّا لا على وفقِه بحسب المقاماتِ.

стр. 259

الفنُّ الثَّاني: في الْمُسْنَدِ والْمُسْنَد إليه ، والكلامِ في الحذفِ والإثبات، وفي التَّعريفِ بأَنواعه الْخَمْسَة (١). والتَّنكر، وفي التَّوابعِ؛ أي: الخمسةِ (٢) -أيضًا- (٣)؛ وإنَّما كرَّرَ لفظة: "في" فِي التَّعريفِ إشعارًا بأنَّه نَوْعٌ آخرَ من الكلامِ، وكذا في التَّوابع؛ والأَمرُ فيه سهلٌ جدًّا.

стр. 260

النوعُ الأَول: في الحذف والإثباتِ (*) فالحذفُ (١) إنَّما يجوزُ لقرينةٍ (٢) حاليَّةٍ؛ كقولِ المُسْتهلِّ (٣): "الهِلال واللهِ" (٤)، أَوْ مقاليَّة؛ كقولِه -تعالى-: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا (٥)﴾ (٦) الآية.

стр. 261

ويجيءُ؛ أي: الحذف، في المسندِ (١) والمسندِ إليه (٢)، وفي الفعلِ (٣)، وإنَّمَا ذكرَه (٤) وإنْ كانَ يدخُلُ (٥) تحتَ المسند لتخصّصهِ بخَواصّ وأحكامٍ. والمفعولِ (٦) وسائرِ المُتَعَلِّقَاتِ (٧) سوى الفاعلَ؛ إذ الفعلُ وُضِع للإسناد المُحَصَّلِ أَوْ الموجود (٨)، أي: المُعَيَّن الجُزْئِي لا المطلق الكُلّيّ، وهو (٩) نسبةٌ لا تتحصَّلُ إلَّا بذكرَ المسندِ إليه؛ كـ "نصر" -مثلًا-؛ فإنَّه لم يُوضَع

стр. 262

لنسبةِ الحدث إلى شيءٍ ما، بَلْ لنسبتِه إلى أمرٍ مُعيَّنٍ؛ وهو ما يُذكرُ بعده. فما لَمْ يُذكرَ الفاعل لمْ يَتِمَّ مدلُولُه ومَعْناه، وإذا النِّسبة (١) لا تَسْتَقِلُّ بوجُودها، بل تحصّلها تبعٌ لتحصّل لحوقها للغير فتحصّلُها عبارة عن أنّ يُقْر (٢) بها لُحُوقٌ للغير خَاصٌّ، وإطلاقُها بخلافه؛ كـ "ضرب زيدٌ"، و"الضّرب"؛ فالأَوَّل: يقالُ: إنَّها نسبةٌ مُحصَّلة، والثَّاني: مُطْلَقةٌ. وكـ "هذا النّصف" و"النّصف"، و"ظَرفيَّةُ الدَّارِ" و"الظرْفِيّة"، كما بُيِّن في علمِ الطَّبيعية (٣). فالحاصلُ: أنَّ "نَصَرَ" وُضِعَ لِكُلِّ نصرٍ خاصٍّ، كـ "نَصَرَ زَيْدٌ"، و"نصر بكرٌ"، فلو ذُكرَ بدون الفاعلِ لم يُفدْ شَيْئًا. وهَهنا فائدةٌ جليلةٌ لا بدَّ من ذكرها، وهي: أنَّ اللَّفظَ قد يُوضعُ وضعًا عامًّا؛ لموضوع (٤) له عَامّ؛ كـ "رجُل"، وقد يُوضعُ وضعًا خاصًّا؛ لموضوع (٥) له خاصّ، كـ زيد"، وقد يوضع وضعًا عامًّا لأمورٍ مخصوصةٍ؛ كـ "هذا"؛ فإنَّ وضعه عامٌّ لكُلِّ مُشارٍ إليه مَخْصوص؛ أي: وضع لاعتبارِ (٦) المعني العامّ

стр. 263

للخُصوصِيَّاتِ (١) الَّتي تَحْته؛ فلا يُقالُ: "هذا" والمرادُ: أحدٌ مِمَّا (٢) يُشارُ إليه (٣). وكالحُروفِ كـ "مِنْ" فإنَّها وُضِعَتْ باعتبارِ معني عامّ؛ وهو نَوعٌ من النِّسْبة؛ كالابتداء لكلِّ ابتداء مُعَيَّن بخُصوصه (٤)؛ فما لم يُذكرَ مُتَعلّقه لا يَتَحصّل فردٌ من ذلك النَّوع [الّذي] (٥) هو مدلولُ الحرفِ، لا في العقل ولا في الخارجِ، وإنَّما يتحصّل بالمَنْسُوب إليه، فيتعقّل بتعقّله. وهكذا الفعل فإنّه وُضِع لنسبةِ الحدثِ إلى أمرٍ مُعيَّن، فما لم يُذكر ذلك الأمرُ لم يُفد. فإن قلتَ (٦): فما الفرقُ حينئذٍ بينه وبين الحرف؟. قلتُ: لوجهين (٧): الأَوَّل: أنَّ معناه وإنْ لم يتحصَّل إلّا بذكر المتعلِّقِ؛ لكنَّه إذَا تحصَّل ففي نفسهِ بخلاف الحرف؛ فَإنَّه في غيرِه، والثَّاني (٨): أنَّه بعد ذِكر مُتعلّقه يصير إسْنادًا تامًّا مُفيدًا (٩) بخلافِ الحرف.

стр. 264

وإن (١) قلتَ -أيضًا-: سلَّمنا أَنَّه لا يتحصّل إلّا بالمسند إليه، لكنّه أَعمُّ من أنْ يكون مَذْكورًا أو محذوفًا عند القرينة؟. قلتُ (٢): العللُ النَّحويّةُ تَعْليلاتٌ بَعْد الوقوع ولا تَوجيه للنَّقضِ عليها. فإن قلتَ: فما تقولُ في فاعل المصدر؛ فإنه جائزُ الحذفِ؟. قلتُ: لأنَّ المصدرَ وُضِع للنِّسبة المُطْلقة لا المقيّدةِ، والتَّقريبُ ظاهرٌ؛ كيف وبحثُنا في فاعل الفِعل لا مُطلقًا! (٣). وهذه المسألةُ زائدةٌ على "المفتاح" (٤). ثم إنَّه؛ أي: الحذف (٥). يترجَّحُ (٦)

стр. 265

لوجُوهٍ (١): الأَوَّل: ضِيق المقَام (٢)؛ كجوابِ المشْرف -أي: على الموتِ-: أمُوت؛ حيث يُقال له: كيف أنت؟، إذ الوقت لا يَسع أن يقُول: أنا أموتُ (٣). وكعند (٤) ملاقاةِ المحبِّ والمحبُوب في مضيق، فيُحذف خوفًا من تنبُّه الرُّقَباء. وكضَرُورة الشِّعْر. وقوله (٥): قَال لِي: كَيْفَ أَنتَ؟ قلتُ: عَلِيلٌ ... سَهَرٌ دَائِمٌ، وَحُزْنٌ طَويلُ يحتملُ الأخيرين لا الأَوَّل (٦)؛ كما قال شارحُ "المفتاحِ" (٧)؛ لأنَّ المِصْراعَ الأخير يَنْفيه (٨).

стр. 266

الثَّاني: الاحْتراز عن العَبث (١)؛ نحو: ﴿يُسَبِّحُ (٢) لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ﴾ (٣)، إذ لو كُرِّر فعلُ التَّسْبِيح (٤) لكان عبثًا؛ إذْ هو معلومٌ من الأَوَّل (٥). وفيه؛ [أي] (٦): في الحذفِ في هذا المثال مَع ذلك؛ مع الاحترازِ

стр. 267

عن العبث تكثيرُ الفائدةِ بنيابته؛ أي: بنيابة ذلك الكلامِ عن ثلاثِ جُملٍ؛ إحْداها: المذكورةِ (١)، والثَّانية: مَنْ يُسبّح؟ (٢). والثَّالثة: يُسبّحُ رجالُ (٣)، ولو بَنَاه للفاعلِ لكان جُمْلةً واحدةً. ولا شُبْهة أنَّ الكلامَ متى كان أجمعَ للفوائدِ كان أبلغ، وفوائدُ ثلاثِ جُملٍ أكثرُ من فوائدِ جملةٍ؛ فيكون الكلامُ ببناءِ المفعولِ أبلغ، ويكون؛ عطفٌ على قوله: "بنيابتهِ"، ﴿يُسَبَّحُ لَهُ﴾ و ﴿رِجَالٌ﴾ مقصودَين [بالذِّكر] (٤)؛ لأنّهما حينئذٍ من أركان الكَلامِ لا من الفَضَلات؛ وفيه أدنى مُخالفةٍ للمفتاح؛ لأنَّه قال في قوله: "يُكتبُ القرآنُ لي زيدٌ" (٥): أنَّ "كُلَّ واحدٍ من لفظي: (القرآن) و (زيد) مقصودٌ إليه في الذِّكرِ غير مستغنىً عنه؛ بخلافِه في التَّركيب الآخر (٦)؛ فإن لفظ (القرآن) يُعدُّ فيه فَضْلة" (٧). فالموافِق له (٨) أن يُقَال: [ويكون المسبّح (له) و (رجال)

стр. 268

مقصودين؛ اللهم إلّا أَنْ يُقال:] (١) المراد من قوله: ﴿يُسَبّحُ لَهُ﴾ لفظة: "له". وفي بعض النُّسخِ لم تُوجد لفظة: "يسبّح"، لكنَّ المقروء على المصنِّف هو المشْرُوحُ. وبذكرِ الشَّيءِ عطفٌ على [قوله] (٢) "بنيابته" مُجْمَلًا ثُمَّ مفصَّلًا؛ وهو (٣) أوقعُ في النَّفسِ؛ لتكرار (٤) الإسناد (٥)، وأَنَّهُ (٦) إذا ورد (٧) عليها المجْمَل (٨) انتقَش فيها واشْتاقت -أيضًا- إلى تفصيله؛ ثمّ إذا ذُكر بعده المُفَصَّل (٩) تمكَّن فيها. والمحصُولُ بعد الطَّلبِ أعزُّ من المنساق بلا تَعب (١٠).

стр. 269

الثّالث: تَخييلُ (١) التَّعويلِ، أي: الاعتماد على شهادة العقلِ دون اللّفظِ (٢)، وكم بَينهما!، لأنَّ الاعتمادَ على شهادةِ العقلِ لو حُذِف، وعلى شهادةِ اللّفظِ لو ذُكر. وكم بين الشَّهاديتن من الفرق!؛ فإنَّ شهادة العقلِ أَقْوى وأدلُّ.

стр. 270

الرَّابعُ: تَطْهيرُ اللِّسان عَنه (١)؛ لغاية دَناءته وخِسَّته؛ فلا يَليق ذكره باللِّسانِ (٢)، ويقرُب منه؛ من تَطْهيرِ اللِّسان، من حيثُ إنَّه لا يَليقُ بالذِّكر الحياءُ من التَّصريح (٣)؛ أي: ما يُسْتَحى من التَّصْريح بذِكْره؛ كما قالتْ عائشة -رضِى الله عنها- (٤): (مَا رَأَى مِنِّي وَمَا رَأَيْتُ مِنْه)، أي: ما رأى رسُول الله- ﷺ العورةَ منّي (٥)، وما رأيتُ العورةَ منه. الخامسُ: تَطْهيرُه عن اللِّسان، لغاية شرفهِ وعظمتهِ (٦).

стр. 271

السَّادسُ: إمكانُ الإنكارِ إن احْتيج إليه، كما تقول عند وجودِ القرينة: يُعْطي ويَمْنعُ لا بُخلًا ولا كَرَمًا. ولا تذكر المُسْند إليه لتتمكّنَ من الإنكار؛ أي: إن احتجت إليه، وكما قال الصدِّيق [﵁] (١) -في جوابِ سُؤالِ الكفّار: مَنْ هَذا؟ - (٢): (رَجُلٌ يَهْدِيني السَّبِيلَ)، قريبٌ منه (٣).

стр. 272

السّابعُ: تعيُّنُه للخبرِ حقيقةً أو ادِّعاءً؛ أي: يكون المسندُ إليه مُتَعيِّنًا لهذا الخبرِ لا يُشاركه فيه غيرُه، ولا يَصلُح الخبرُ إلَّا له (١). حقيقةً؛ كقولك: "خالق لما يشاء [فاعل لما يريد (٢)] (٣) ", أو ادّعاءً من المتكلّمِ؛

стр. 273

كقولِ الشَّاعرِ -في حقِّ ممدوحِه- (١): الوَاهِبُ المائةَ الهِجانَ وعبدَها ... عوذًا تُزَجِّي خَلفَها أَطْفالها الثَّامنُ: اتباعُ الاستعمالِ (٢)؛ فإنَّه إِذا كان الاستعمالُ واردًا على الحذفِ منه (٣) أو من أمثاله ونظائِره (٤) -كما قال في "المفتاح" (٥) -، وقامت القرينةُ لا بُدَّ من حذفه؛ كما في (٦): (نِعم الرَّجلُ زيدٌ!)، على قول من يرى أصل (٧) الكلامِ: "نِعمَ الرَّجلُ هو زيدٌ" (٨)،

стр. 274

وكما في: "ضرب زيدًا قائمًا"؛ فإن التَّقديرَ -على الأصحِّ-: "ضربي زيدًا حاصلٌ إذا كان قائمًا" (١)، وكما في قولهم (٢): (سُقيا)؛ إذ التَّقدر: "سقاك الله سُقيا"، وكذا: (عجبًا)، إذ التَّقدير: "عجبتُ عجبًا" (٣)، وكما في قولها (٤): "إلا حَظَّةٌ فلا أَليَّةٌ"؛ حَظِيَّةٌ: فَعِيلة من حظيت المرأةُ عند زَوْجها حُظِوة (٥). وأَليّةٌ: فعيلة من الأَلْو؛ وهو التَّقْصِير؛ بمعني فاعله؛ أي: إن لا يكن لك في النِّساءِ حَظيّة؛ لأنَّ طبعك لا يُلائم طبعهنّ -فإنّي غيرُ مُقَصِّرةٍ،

стр. 275

و (كان) هي (١) تامَّة. وموردُ المثل: أن رَجلًا كان (٢) لا تَحْظَى عنده امرأة، فلمَّا تزوَّج هذه (٣) لم تَأْل جهدًا في أن تَحْظى عنده؛ ومع ذلك لم تَحْظ، بلْ طَلَّقها؛ فقالت (٤). ومَضْرِبُه: كلُّ قضيَّةٍ كان الإنسانُ أهلًا لها، مُجْتهدًا فيها، ولكنَّها امتنعت عليه لعارضٍ عرضَ من غير جِهته. التّاسعُ: اختبارُ السّامعِ هلْ يتنبّه للمحذوفِ مع وجودِ القرائن، واختبارُ قَدْرِ تَنبّهه عند وجودها -أيضًا- (٥). يُحكى أنّ واحدًا -من خُلفاء بغداد- (٦) ركِب مع واحدٍ من نُدمائهِ في سفينةٍ

стр. 276

ذات يومٍ (١)، فبينا هما كذلك إذْ سَأَل من نديمه: أيُّ طعامٍ أشهى عندك، وألذُّ لديك؟، فقال: مُخُّ البيضِ المسلوق (٢). فعبرا، حتّى اتَّفَق عودُهما هنالك في العام القَابل. فقال: مع أيْشٍ؟ (٣)، فأجاب النّديمُ: مع الملحِ؛ فتعجَّب من استحضارِه، وكمالِ تنبهّهِ وتيقُّظِه؛ فخلع عليه، وقرَّبه من نَفْسه. العاشرُ: تَكثير الفائدة باحْتمال الأمرين (٤)؛ من حَمل المذكُور تارةً على

стр. 277

ترك مُسنده، وحمله أخرى على تَرك المسند إِليه؛ كما في الآيتين؛ نحو (١) قوله -تعالى- (٢): ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ (٣)، و ﴿طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ﴾ (٤) لحملهما (٥) تارةً على: "فصبرٌ جميلٌ أجملُ"، و "طاعةٌ معروفةٌ أَمْثل" (٦)، وحملهما أُخرى على: "فأمري صَبْرٌ جميل"، و"طاعتُكم طاعةٌ معروفةٌ" (٧) بالقولِ دون الفعل والنِّيَّة. الحادي عَشَر: أن يقصدَ بحذفِ المفعولِ تعميمَ الفعل؛ احْترازًا عن أنْ يَقْصر (٨) السَّامعُ الفِعل على المفعُول المذكور لو ذُكر؛ كقولك: "فلانٌ يُعْطي ويَمْنع"؛ فإنَّه أعمُّ تناولًا من قولك: يُعْطي الدِّرهم (٩)، ويَمْنَعه (١٠).

стр. 278

أو إطلاقَه؛ أي (١): يقصد به الإطلاق، ونفس الفعل، بتنزيل المتعدِّي منزلةَ اللّازم ذهابًا في: "فلانٌ يُعطي" إلى معنى: أنَّه يفعلُ الإعطاء، ويُوجد هذه الحقيقة إيهامًا للمُبالغة (٢). والغالبُ أنَّ الأَوَّل يُستعمل (٣) في النَّفي، والثَّاني في الإثبات؛ كما في الآيتين قال (٤) -تعالى-: ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧)﴾ (٥)، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (٦). الثَّاني عَشَر: رعايةُ فواصل الآي؛ أي: أواخر الآيات. والفواصل لعلّها أُخِذت من قوله -تعالى-: ﴿فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ (٧). نحو: ﴿مَا

стр. 279

وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ (١)؛ إذْ لَوْ قال: و"ما قَلاك" لبطل السَّجع. و الإثباتُ يجبُ عند عدم القرينة وإلا لم يُمكن الإفادة (٢)، وإذا (٣) كانت القرينة فيجُوز الحذفُ والإثبات. وقدْ يَتَرَجَّحُ طرفُ الإثباتِ لوجوهٍ: الأَوَّل: كونُه؛ أي: الإثبات: الأصل (٤)؛ لأن الأصلَ في الكلامِ أن تكون أرْكانُه وأجزاؤُه مَلْفُوظةً مَذْكورةً بالفعلِ. مع عدمِ الصَّارفِ عن الإثبات؛ أي: مع عدمِ المانع عنه، والحامل على التَّركِ والحذفِ (٥).

стр. 280

الثاني: زيادةُ التقرير والإيضاح (١)؛ إِذْ لو لَمْ يُذْكر لَفُهم المقصُود لكن عند ذِكْره يَتَقرّرُ زيادة تقرير (٢). الثّالثُ: الاحتياطُ لقلّةِ الثِّقةِ والاعتماد بالقرائنِ؛ إمّا لغباوةِ السَّامع (٣)، أو لغيرها (٤). الرّابع: أن لا يَتَمكّن السَّامعُ من ادِّعاءِ عدم التَّنبّه له؛ إذ لو تركه لَعَلهُ (٥) يدّعي عدمَ معرفة

стр. 281

مُراده (١) عند المُؤَاخذة (٢). وهذا الوجهُ لا يُعلم من "المفتاح". الخامسُ: الاستلذاذُ؛ كذكرِ العاشق للمَعْشُوق؛ ولهذا قيل (٣): "مَنْ أَحَبَّ شَيْئًا أكثرَ ذِكْرَهُ". قال المتنبّي (٤): أَسَامِيًا لَمْ تَزدْهُ مَعْرِفَةً ... وَإِنَّمَا لَذَّةً ذَكَرْنَاهَا السَّادس: التَّبرُّك؛ كما يُذكر اسمُ اللهِ والأنبياءِ والأَولياءِ تبرُّكًا. وفي جَعل الاستلذاذِ وَجْهًا، والتَّبرّك وجهًا آخر إشمامُ رَائِحة خِلافٍ "للمفتاح" (٥)؛ فإنَّه

стр. 282

قال (١): "أو يُذكر تَبركًا واسْتلذاذًا به؛ كما يَقُول الموحِّدُ: الله خالقُ كلِّ شيءٍ" (٢). السابع: التعجّب؛ كما يقال: "زيدٌ يقاومُ الأسد". الثّامن: التعظيم؛ كما (٣) في بعضِ الألقابِ المحمودة. التّاسع الإِهانة؛ كما في الألقابِ المذمومة. العاشر: بَسْطٌ لكلامٍ افْتراصًا (٤) لإصغاء (٥) السامع؛ نحو: ﴿هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾ (٦)؛ إذْ كان يتمُّ الجوابُ بأن يقول: "عصا"، فذكر المسنَد إليه، وهو "هي" للبَسْط؛ قيلَ: ولذلك، أي: ولأجلِ البسطِ افتراصًا أَتْبع مُوسى ما أَتْبع, أي: قولَه: ﴿أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾ الآية.

стр. 283

ولَمَّا لم يكن هذا الوجهُ مُسْتحسنًا عند المصنِّف؛ لأنَّ بسطَ الكلام لمجرَّدِ (١) الافتراص [لا يكون] (٢) مناسبًا أَوْ لا يليق بالبُلغاء، إذ هو هَذَرٌ (٣) وترك أدب؛ سيّمَا في جناب الجبروت -عَبَّر عنه بلفظة (٤): "قيلَ". وقال: الحقُّ أَنْ يُقال: إن السُّؤال إذا كان وَاردًا على شيءٍ ظاهر يَتَوجَّه إلى أمر يتعلق به بحسب مُقتضى الحال، وإلّا يَكُون عبثَا لظُهوره (٥)؛ كما إذا سأَلت عَمَّن لبِسَ ثياب السَّفر: ما هذا؟، فإنّك لا تسأله عن نفس الثوب وماهِيَّتهِ لظهُوره؛ بل عن سَببِ لبْسِه. فكأنكَ قُلتَ: ما عزيمتُك؟، والجوابُ: أريدُ سَفَرَ الكعبة. ولو أجاب: بأنَه كِرْباس (٦)، عُدَّ مسخرة؛ فكذلك هَا هُنا، لَمَّا كان السُّؤال عن أمر ظاهرٍ، وعُلمَ من مُقتضى المقام؛ من مُناظرةِ السَّحرةِ أو غيرها أنَّه بصددِ أن يَرد عليه صورة (٧) أخرى، وأن هذا السُّؤال يَعْقُبه أمرٌ عظيمٌ يُحدثه الله في العصا -

стр. 284

عُلِم أَنَّه لتقرير صورتِه (١) الأوْلى في نفسه؛ حتَّى لا يغفل عنها عند ورود الصُّورة الأخرى، ولتوطينِ نفسه وتثبيته حتَّى لا يخاف عنده، ولا يتوحَّشَ منه. فالجوابُ لا يكونُ إلَّا أن يقول: إن صُورتها مقرَّرةٌ في نفسي؛ أعرفها بالذاتِ؛ فإنَّها ما هي إلا عصاي لا تنفع إلا منافع بنات جنسها، وبالصِّفات واللَّوازم، فإنّني (٢) قديمًا ﴿أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ (٣)؛ ليكونَ جوابُهُ مُطابقًا للغَرض الذي فهمه من فحوى سُؤال رَبِّه؛ فَعُلِم أن البسْط لذلك، لا للافْتراص (٤)، ومع ذلك خافَ؛ فقال [الله] (٥) -تعالى-: ﴿خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾ (٦).

стр. 285

وهكذا يفعلُه المشعِبدون (١) إذا أرادوا أن يجعلوا حبلًا من الحبالِ في صُورة حَيَّةٍ (٢)، فإنَّهم يقولون للنُّظّار: ما هذا؟، أليس حَبْلًا من قُطنٍ أو صوفٍ!، ويُكرِّرون ذلك لِئلّا يَغْفَلوا عند لبس الصُّورة الثانية، وخلع الصُّورة الجبليّةِ (٣) عنها. وقد ذُكِر في "الكشَّاف" -أيضًا- وجهًا لسنا هنا لبيانِه (٤). وقيلَ: كان فيها من المآرب الأخرى "أنه كان يَسْتقى بها؛ فتطول بطول البئر، ويصير شُعْبَتَاها دَلْوًا، ويكونان شمعتين بالليلِ، وإذا ظهر عدوٌّ حاربت عنه، وإذا اشتهى ثمرةً ركزها فأَوْرَقت وأَثْمرت، وكان يحملُ
следующие страницы →