← Адаб

Адаб · id 17458

تحقيق الفوائد الغياثية

الكرماني، شمس الدين

Полный текст (841 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

مُراده (١) عند المُؤَاخذة (٢). وهذا الوجهُ لا يُعلم من "المفتاح". الخامسُ: الاستلذاذُ؛ كذكرِ العاشق للمَعْشُوق؛ ولهذا قيل (٣): "مَنْ أَحَبَّ شَيْئًا أكثرَ ذِكْرَهُ". قال المتنبّي (٤): أَسَامِيًا لَمْ تَزدْهُ مَعْرِفَةً ... وَإِنَّمَا لَذَّةً ذَكَرْنَاهَا السَّادس: التَّبرُّك؛ كما يُذكر اسمُ اللهِ والأنبياءِ والأَولياءِ تبرُّكًا. وفي جَعل الاستلذاذِ وَجْهًا، والتَّبرّك وجهًا آخر إشمامُ رَائِحة خِلافٍ "للمفتاح" (٥)؛ فإنَّه

стр. 282

قال (١): "أو يُذكر تَبركًا واسْتلذاذًا به؛ كما يَقُول الموحِّدُ: الله خالقُ كلِّ شيءٍ" (٢). السابع: التعجّب؛ كما يقال: "زيدٌ يقاومُ الأسد". الثّامن: التعظيم؛ كما (٣) في بعضِ الألقابِ المحمودة. التّاسع الإِهانة؛ كما في الألقابِ المذمومة. العاشر: بَسْطٌ لكلامٍ افْتراصًا (٤) لإصغاء (٥) السامع؛ نحو: ﴿هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾ (٦)؛ إذْ كان يتمُّ الجوابُ بأن يقول: "عصا"، فذكر المسنَد إليه، وهو "هي" للبَسْط؛ قيلَ: ولذلك، أي: ولأجلِ البسطِ افتراصًا أَتْبع مُوسى ما أَتْبع, أي: قولَه: ﴿أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾ الآية.

стр. 283

ولَمَّا لم يكن هذا الوجهُ مُسْتحسنًا عند المصنِّف؛ لأنَّ بسطَ الكلام لمجرَّدِ (١) الافتراص [لا يكون] (٢) مناسبًا أَوْ لا يليق بالبُلغاء، إذ هو هَذَرٌ (٣) وترك أدب؛ سيّمَا في جناب الجبروت -عَبَّر عنه بلفظة (٤): "قيلَ". وقال: الحقُّ أَنْ يُقال: إن السُّؤال إذا كان وَاردًا على شيءٍ ظاهر يَتَوجَّه إلى أمر يتعلق به بحسب مُقتضى الحال، وإلّا يَكُون عبثَا لظُهوره (٥)؛ كما إذا سأَلت عَمَّن لبِسَ ثياب السَّفر: ما هذا؟، فإنّك لا تسأله عن نفس الثوب وماهِيَّتهِ لظهُوره؛ بل عن سَببِ لبْسِه. فكأنكَ قُلتَ: ما عزيمتُك؟، والجوابُ: أريدُ سَفَرَ الكعبة. ولو أجاب: بأنَه كِرْباس (٦)، عُدَّ مسخرة؛ فكذلك هَا هُنا، لَمَّا كان السُّؤال عن أمر ظاهرٍ، وعُلمَ من مُقتضى المقام؛ من مُناظرةِ السَّحرةِ أو غيرها أنَّه بصددِ أن يَرد عليه صورة (٧) أخرى، وأن هذا السُّؤال يَعْقُبه أمرٌ عظيمٌ يُحدثه الله في العصا -

стр. 284

عُلِم أَنَّه لتقرير صورتِه (١) الأوْلى في نفسه؛ حتَّى لا يغفل عنها عند ورود الصُّورة الأخرى، ولتوطينِ نفسه وتثبيته حتَّى لا يخاف عنده، ولا يتوحَّشَ منه. فالجوابُ لا يكونُ إلَّا أن يقول: إن صُورتها مقرَّرةٌ في نفسي؛ أعرفها بالذاتِ؛ فإنَّها ما هي إلا عصاي لا تنفع إلا منافع بنات جنسها، وبالصِّفات واللَّوازم، فإنّني (٢) قديمًا ﴿أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ (٣)؛ ليكونَ جوابُهُ مُطابقًا للغَرض الذي فهمه من فحوى سُؤال رَبِّه؛ فَعُلِم أن البسْط لذلك، لا للافْتراص (٤)، ومع ذلك خافَ؛ فقال [الله] (٥) -تعالى-: ﴿خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾ (٦).

стр. 285

وهكذا يفعلُه المشعِبدون (١) إذا أرادوا أن يجعلوا حبلًا من الحبالِ في صُورة حَيَّةٍ (٢)، فإنَّهم يقولون للنُّظّار: ما هذا؟، أليس حَبْلًا من قُطنٍ أو صوفٍ!، ويُكرِّرون ذلك لِئلّا يَغْفَلوا عند لبس الصُّورة الثانية، وخلع الصُّورة الجبليّةِ (٣) عنها. وقد ذُكِر في "الكشَّاف" -أيضًا- وجهًا لسنا هنا لبيانِه (٤). وقيلَ: كان فيها من المآرب الأخرى "أنه كان يَسْتقى بها؛ فتطول بطول البئر، ويصير شُعْبَتَاها دَلْوًا، ويكونان شمعتين بالليلِ، وإذا ظهر عدوٌّ حاربت عنه، وإذا اشتهى ثمرةً ركزها فأَوْرَقت وأَثْمرت، وكان يحملُ

стр. 286

عليها زَاده وسقاه، فجعلت تُماشيه، ويركزها فينبع الماءُ، فإذا رفعها نَضَبَ، وكانت تقيه الهوامَّ (١) " (٢). الحادي عشر: التَّصريحُ في المسْنَد بالاسم للثبات، أي: ليُسْتفاد الثُبوت (٣) صريحًا؛ لأن أَصل الاسم الدّلالة على الثُّبوت. أو بالفعل للتَّجدُّد، نحو: "زيدٌ قام" (٤)، أو لتعيين أَحدِ الأَزْمنة الثلاثة باختصارٍ، كدلالةِ "قام" على الزَّمانِ الماضي باختصار؛ فإنَّه لو قال: "زيدٌ قائمٌ في

стр. 287

الزَّمان الماضي" أفادَ تعيين الزَّمان؛ لكن بتَطْويل. أو بالظَّرفِ للاحتمال؛ أي: لاحتمال الثُّبوت لو قُدِّر الاسم، واحتمال التَّجَدُّد لو قُدِّر الفِعل (١). الثاني عشر: التَّعريضُ (٢) بغَبَاوةِ السَّامع، وأنَّه ممن لا يتنبَّه بالقَرائن (٣).

стр. 288

النوعُ الثاني: في التَّعريف بأَقْسامه (*)، والتَّنْكير (**). التَّعريفُ (١): لإفادةِ فائدة يُعْتَدُّ بها؛ أي: إذا كان المقصودُ من الكلامِ تَربية الفائدة (٢)، وإفادةَ السَّامع فائدةً تُعتبرُ ويُعتدُّ بمثلها، -يُعرَّفُ؛ وإن الحكم سواء كان فائدة الخبرِ، أو لازمها؛ لأنَّه حكمٌ - أيضًا-؛ فإنّ "زيدًا قائم" يَشْتملُ (٣) على حُكمين: أحدهما: صريحًا؛ وهو إسنادُ القِيامِ إليه. وثَانِيهما: ضِمنيًّا، وهو أَنك تَعْلمُ أنه قائمٌ؛ فإنّه إسنادٌ -أيضًا-؛ فإن العِلْمَ فيه مُستندٌ (٤) إليك. كلما كان أخص فاحتمال وقوعِه أقلُّ (٥)؛ فالفائدةُ في تعريفه أقوى، أي: كُلَّما ازدادَ تَخْصيصًا ازدادَ الحُكمُ بُعدًا فَقَلّ احتمالُ وُقوعِه؛ فالفائدةُ بحسبه تزداد قُوّة، وكلما

стр. 289

كان أعمّ كان احتمالُ وقوعه أكثر، فالفائدةُ فيه أضعفُ. فاعتبرْ حال الحُكمِ في قولنا (١): (شيء ما موجودٌ)، و (زيدُ بنُ عمرو طبيبٌ ماهرٌ)، ولهذا: لا استغرابَ في الأَوَّل، ولا توجّه للنَّفس إلى سَماعه (٢)، بخلافِ الثاني، فإنَّه لا تسمعه إلا وتَتوجّه إليه النَّفس (٣). واقتفى المصَنِّفُ فيه أَثرَ السَّكّاكيِّ؛ وإِلَّا فعنده أن فهمَ قُوَّة هذه الفائدة ها هنا وعدمه يمكن أن يقال: إنّه حاصلٌ من جوهر اللَّفظِ لا (٤) من التَّعريف والتَّنكير؛ لأن لفظَ مثالِ التَّعريف خاصٌّ، ولفظَ مثالِ التَّنْكيرِ أعمُّ العامِّ. نعم، لو أثبتَ هذا الفرقَ بين الشَّيءِ وشيءٍ لتمَّ دسته (٥).

стр. 290

تنبيه: ما في هذا التَّنبيه من الفوائد مِمَّا (١) زادها على الأصل؛ وهي فوائد شريفةٌ مُهمّةٌ لا بدَّ (٢) من معرفتها. التَّعريفُ (٣): يقصد به مُعيَّن عند السامع من حيثُ هو مُعيَّنٌ؛ كأنه؛ أي: كأن التَّعريفَ إشارةٌ إليه؛ أي: إلى ذلك المُعَيَّن بِذَلك الاعتبار؛ أي: باعتبار أنه مُعيّن عنده. وأمّا النَّكرة (٤): فيُقصدُ بها (٥) التفاتُ النَّفسِ إلى المعيَّنِ من حيثُ هو؛ مِنْ غيرِ أَنْ يكون في اللَّفظِ مُلاحظة تَعيُّن، وإن كان لا يكونُ إلَّا معيَّنًا، فإن الفهمَ موقوفٌ على العلم بوضع اللَّفظِ له؛ أي: للمعنى الذي هو مُفادٌ من اللفظ؛ وذَلك؛ أي: العِلْم بالوضع إنَّما يكونُ بعد

стр. 291

تصوُّره (١) ذلك المعنى، وتميّزه عنده عَمَّا عداه؛ لكنَّه لا يلاحظ في اللَّفظِ أنَّه مُعيَّن. والحاصل: أَن الخطابَ لا يكون إلَّا بما يَكون مَعلومًا للمخاطب ومتصوَّرًا له، سواءٌ كان اللَّفظُ نكرةً أو معرفةً، لكن الفرْق: أن في لفظ المعرفة إشارةً إلى أنَّه يعرفة السَّامع دون المُنكّر (٢)، فإذا قلتَ: ضربَ الرَّجلُ؛ فكأنك قلتَ: ضربَ الرَّجلُ الذي تعرفُه؛ [ففي اللفظ إشارةٌ إلى أنَّه يعرفه] (٣) بخلاف النّكرة (٤). وبهذا يُعرف الفرق بين أسد والأسدِ مُرادًا به الحقيقة، أي: إذا أُريد بالأسدِ الماهيَّة التي يُعبَّر عنها بالجنسِ في عُرفِ النُّحاةِ لا العهد والاستغراق (٥)،

стр. 292

ويعرفُ أن مُؤدَّاهما (١)؛ أي: معنى الأسد وأسد (٢) بالحقيقة واحدٌ؛ وهو الماهية المعيَّنة (٣) المعلومةُ للسَّامِع، وإِنَّما يختلف الاعتبارُ؛ وهو أَن في المعرفة إشارةً إلى تعيُّنه عند السَّامع، وفي النَّكرة لا إشارة إليه؛ ولذلك؛ أي: ولاتّحادِ المؤدَّى وعدمِ اختلافه إلّا بالاعتبار حكم النُّحَاةُ بتقارُبهما؛ أي: بِتقارُبِ المعرَّف باللام للحقيقة- لا لغيرها، من الاستغراقِ، أو العهد والنَّكرة (٤)؛ وجُوِّز؛ أي: ولذلك جُوِّز وصف

стр. 293

المعرَّف هذا (١) التَّعريف؛ وهو تعريفُ الحقيقة بالنَّكرة؛ كما في قوله -تعالى-: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ (٢)؛ فإِن ﴿غَيْرِ﴾ نَكِرةٌ وصفَ بها المعرفة؛ وهو قوله -تعالى-: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ (٣). ولوْ قِيلَ: إن لفظ ﴿غَيْرِ﴾ بإضافته إلى أحد الضِّدَّين؛ -لأن المغضوبَ عليه ضِدُّ المنعم عليه- صار معرفةً، أو إن (٤) تعريف الّذين أنعمت ليس من التَّعريف الذي فيه البحث- فبَعد التَّسليم الأمرُ فيه سَهْلٌ؛ لأن التَّمثيلَ للتَّفهيم لا للتَّحقيق (٥).

стр. 294

ولذلك قيل (١) -أيضًا- في قَوله (٢): وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللّئِيمِ يَسبُّنِي ... فَمَضيتُ ثُمَّتَ (٣) قُلْتُ: لا يَعْنِينِي

стр. 295

إن "يَسُبُّني" صفةٌ للئيم لا حال؛ لوجوبِ كون ذي الحالِ معرفةً واللئيم كالنَّكرة (١). ومعنى البيتِ (٢): إنِّي أمرُّ على لئيمٍ من اللِّئام؛ صفته؛ أنه يُسُبُّني؛ فأمضي هُناك (٣) ولا ألتفتُ إليه؛ ثم أقولُ -في نفسي-: هو يُريدُ شخصًا آخر ولا يرُيدني، لا أَنِّي أمرُّ على اللئيمِ حال السَّبِّ فأقُول: لا يَعْنيني. فإن قلتَ: فعرِّفني الفرقَ بين الأسدِ وأُسامة. ولِمَ قيلَ: الأسدُ اسمُ جنسٍ (٤)، وأُسامةُ عَلَمُه! أي: عَلَم الجنس، مع أنهما -في المعنى- واحد؛ لأن معناهما مُعيَّن من حيث هو مُعيَّن باعتبارِ أَنه مُعَيّن. قلتُ: أُسامةُ يَدلُّ على التعيين بجوهر اللفظ، ويُشيرُ إليه (٥)

стр. 296

لا بحسب أمرٍ خارج من نفس اللفظ؛ فلا يحتمل غيره (١)؛ أي: الدّلالة على غير التعيين (٢)، كما هو مقتضى العَلَميَّة، والأسدُ بخلافه؛ فإنَّه لم يدل على التَّعين بجوهر لفظه (٣)؛ بل دلالته على التَّعين وإشارته إِليه تُستفاد (٤) من الخارج؛ كما قال: فإن التعيين مُستفادٌ من اللام؛ ولهذا تحتمل الدّلالة على غير التَّعيين عند نَزْع اللام. قال المصنِّفُ في "رُسيِّلةٍ له" في مسائلَ شتَّى في النَّحو (٥): الفرقُ بين اسْمِ الجنس وعَلَم الجِنس: أن عَلَم الجنس كأُسامة وُضِع للتَّعيُّن (٦) بجوهرِه، وأسد وضع لا لِمُعيَّن، ثُمَّ جاء التَّعيُّن وهو معنى فيه من اللّام؛ وهذا صَرَّح ابنُ مالكٍ (٧).

стр. 297

ثمّ نقُول -في حَصْر المعارف-: التَّعيُّن: إمَّا أن يُفيده جَوهر اللفظ؛ وهو العَلَم، أَوْ لا. فإمَّا حرفٌ، وهو: التَّعريف (١) باللام أو النِّداء، أَوْ لا. فالقرينةُ، إمَّا في الكلام؛ وهو: المُضْمر (٢)، أَوْ لا. ولا بُدَّ من إشارة (٣)، إمّا إليه؛ وهو: اسمُ الإشارة (٤). وإمَّا إلى نسبةٍ معلومةٍ له؛ إمَّا خبريّةٍ؛ وهو: الموصول، أوْ لا؛ وهو الإضافة، لكنَّ الإضافةَ إلىَ غيرِ المعين (٥) لا تُفيد تعيينًا؛ فهو المضافُ إلى أحدِ الخمسة. قدْ عُلم أن المعرفةَ هو (٦) الذي يكون فيه إشَارةٌ إلى التَّعيُّن (٧) عند السّامع؛ فذلك التَّعيُّنُ إمَّا أن يُفيدهُ (٨) جوهرُ اللفظ (٩) ويُشير إليه ذاته أو لا؛ الأَوَّل: العَلَم (١٠)، والثاني: إِمَّا أن يُفيده حرفٌ أو لا؛ الأَوَّل: هو المعرَّفُ

стр. 298

باللام، أو المعرَّفُ (١) بالنِّداء. ولعدمِ الاعتداد بِتعريف المِيمِ؛ نحو قوله (٢): "لَيْسَ مِن امْبِرّ امْصِيام (٣) في امْسَفَر" لم يتعرَّض له (٤). والثاني: لا بُدَّ أن يكون بقرينة ليُشار بها إليه (٥)، وهي إِمَّا في الكلام [أي: في المكالمة والتَّخاطب] (٦) أو لا؛ الأَوَّل: هو الْمُضمرات، والثاني: وإذ

стр. 299

لا بُدَّ فيه (١) من إشارةٍ؛ إذ بَينَا أن الإشارةَ (٢) جزءُ مفهوم المعرفة؛ فتلك الإشارة؛ إِمَّا إليه أي: إلى الشَّيءِ الذي يُراد تعينه؛ وهو: اسم الإشارة أو لا (٣)، بل إلى نسبةٍ لذلك الشَّيءِ معلومةٍ للسَّامع، وإلا امتنع (٤) تعريفُ الشَّيءِ بها ومعرفته منها، أي: فالإشَارةُ إِمَّا حسيّةٌ أو عقليَّة (٥)، وتلك النّسبة إمَّا إسناديّة خَبريَّة؛ وهو الموصُولات، أو لا؛ وهي النِّسبة الإضافيَّة؛ أي: التي حصلت بطريق الإضافةِ؛ وهو المضاف، لكنَّ الإضافةَ إلى غيرِ المعيَّن لا تُفيد (٦) التَّعيين؛ إذ النِّسبةُ إلى الشَّيءِ لا تُفيدُ للمنتسب (٧) ما ليس للمنتسب إليه؛ فالمعرَّفُ بالإضافة: ما أُضيفَ إلى أحد المعارفِ الخمسةِ، لكن بالشُّروط (٨) الّتي ذكرها النُّحاة. فالمعارفُ ستةٌ: العَلَم، المعرَّف

стр. 300

بالحرفِ (١)، المضمر، اسمُ الإشارةِ، الموصول، المضاف. ويختارُ (٢) العَلَمُ لوجوهٍ: ومُخالفةُ السَّكّاكيّ في تقديم العَلَم على المضمر إِمَّا لأنَّه أعرف -كما هو رأي بعضٍ- (٣)؛ لأن له وضعًا خاصًّا، وموضوعًا له خاصًّا، وإِمَّا لأنَّه أَوَّل خارجٍ من التَّقسيم - (٤):

стр. 301

الأَوّل: إحضارُه بعينه، أي: إحضارُ المتكلِّمِ المسْندَ إليه -مثلًا- (١) في ذهن السَّامع بشَخْصه (٢) بحيث لا يُشاركه فيه غيره، بطريقٍ يخصُّه، أي: يختصُّ المسند إليه (٣)، وما هو إلَّا لفظة العَلَم؛ لأنَّه طريقٌ لتعريفه خاصٌّ به؛ نحو: لفظة "الله" في قوله: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٤). قوله: "بعينه" يُخرج الإحضار (٥) بالصِّفات المختصَّة. [و] (٦) قوله: "بطريق يخصّه" تخرج الإحضار بسائر المعارف؛ فعُلم أن ما لم زاد في "المفتاح" عليه بقوله: "ابتداءً" لا حاجةَ إليه (٧)؛ ولهذا لم يذكره المصنِّفُ.

стр. 302

الذي: التعظيم. الثالثُ: الإهانة. كما في (١) بعض الألقابِ والكُنى المحمودتين في الأَوَّل (٢)، والمذمومتين في الثاني (٣). قيلَ: العَلَمُ إِمَّا أن يكُون مُشْعرًا بمدحٍ أو ذمٍّ أو لا؛ الأَوَّل: اللقبُ (٤)، والثاني: إِمَّا أن يكونَ مُصَدَّرًا بمثل: أبٍ وابنٍ (٥)، أوْ لا؛ الأَوَّل: الكُنية (٦)، والثاني: الاسمُ (٧). الرَّابعُ: الاستلذاذُ بذكرهِ (٨).

стр. 303

الخامس: التَّبرُّكُ بهِ، وذلك ظاهرٌ (١). والمضمرُ لوجوهٍ (٢): الأَوَّل: الإشارة إلى مذكورٍ (٣)، يقول الشّاعر (٤): بيُمنِ (٥) أَبي إِسْحَاقَ (٦) طَالتْ يَدُ العُلَى ... وَقَامت قَنَاةُ الدِّين، واشتدَّ كَاهِلُه

стр. 304

هو البَحرُ من أَيِّ النَّواحي أَتيتَه؛ ... فَلُجَّتُهُ (١) المعْرُوفُ، والبَرُّ (٢) سَاحِلُهُ (٣) أَوْ ما في حكمِه؛ أي: حُكمِ المذكورِ؛ كما في قوله (٤) -تعالى-: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (٥). الثاني: حكايةُ المتكلِّم واحدًا أَوْ فوقه، وكونُ المقام مقام التَّكلّمِ (٦) كقول الشَّاعرِ (٧): ونحنُ التَّاركُونَ لِمَا سَخِطْنَا ... ونحنُ الآخذُون لما رَضِينا

стр. 305

الثّالثُ: تخصيصُ المخاطب (١)؛ يقول ابن الدُّمَيْنَة (٢) -وكَتَبه (٣) إلى امْرأتِه أُمَّامة (٤) - (٥):

стр. 306

وأنتِ الّتي (١) كَلَّفْتَنِي دَلَجَ (٢) السُّرى ... وُجُونَ القطا (٣) بالجلهتين جُثُومُ (٤) وكجوابها (٥) له (٦): وأنتَ الذي أَخْلَفْتَني مَا وَعَدْتني ... وَأَشْمَتَّ بِي مَنْ كَان فِيكَ يَلُومُ الجَلْهَةُ: طرف الوادي.

стр. 307

قال المصنِّفُ: أمثالُ هذه المباحث وظيفُة اللُّغة أو النَّحو لا المعاني (١)؛ لكن بالسَّكّاكيِّ اقتديتُ في إيرادِها (٢). وحقُّ الخطابِ أن يكون مع مُعَيَّن، وقد يُعْدل (٣) عنه؛ [أي] (٤) عن الحقِّ إلى غير مُعَيَّن تَعْميمًا؛ أي: لِيَعمَّ كل مخاطبٍ؛ كما تقول: فلانٌ لئيمٌ؛ إن أكرمته أهانك، وإن أحسنت إليه أَسَاء إليك؛ فلا (٥) تُريد بـ "أكرمت" و"أحسنت" (٦) مخاطبًا مُعيّنًا؛ كأنك قلتَ: إنْ أكرم أهان، وإن أحسن إليه أساءَ. وعليه؛ أي: على التَّعميم يُحمل قولُه -تعالى - (٧): ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا

стр. 308

رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (١) قصدًا إلى تفظيع (٢) حال المجرمين، كأنه لوضُوحه (٣) بحيث يمتنع خَفَاؤُها (٤) حُقَّ أن يُخاطب به كُلُّ من يتأتى منه الرُّويةُ، ولا (٥) يَخْتصّ براءٍ دُون راءٍ. والموصولُ [لوجوه] (٦)؛ أي: يُختارُ (٧) الموصولُ [لوجوهٍ] (٨)؛ وهو متى صحَّ إحضارُ الشَّيءِ في ذهن السَّامع بوساطة ذكرِ جملةٍ معلومة الانتساب إلى مشارٍ إليه، ومع ذلك اتَّصَل به غرضٌ من الأغراض، أو وجهٍ من الوُجُوه. الأَول: ألا يَعْلم منه، من ذلك الشَّيءِ المخاطِبُ، أي: المتكلّم، أو المخاطَبُ، أي: السَّامعُ، أو هما (٩) غرَ ذلك الإسنادِ والانْتسابِ، مثل:

стр. 309

"الذي كان معك أمس لا أعرفه" (١)، أو "الذي كان معنا أمس رجلٌ عارفٌ فاعرف" (٢)، أو "الذين في بلاد الشَّرق لا نعرفهم" (٣). الثاني: استهجانُ (٤) التَّصريح بالاسم لكونه من الأَسْماء المذمومة؛ فلا تقول: "حنظلةُ فعل كذا"؛ بل "الذي كان معكَ فعل كذا" (٥). الثالثُ: الإخفاءُ، وذلك حيثُ لو ذُكر الاسم لعَلِمه غَيْرُ المخاطب؛ فيُعدل إلى الموصول إخفاءً من غيره (٦). الرابعُ: زيادةُ التقرير؛ أي: تقرير الخبر؛ نحو قوله: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا﴾ (٧)؛ فإن في كونه في بيتها؛ المُسْتلزمِ لزيادةِ الاختلاط والانبساط - زيادةَ تقررٍ (٨) للمُراودة ليستْ في إيراد لفظةِ العَلَم؛ التي هي "زليخا" (٩).

стр. 310

هكذا وجَّهَهُ المصنِّفُ، لكن قال صاحبُ "الإيضاح": زيادةُ التَّقريرِ لتنْزيه يُوسفَ؛ لأن الآيةَ مَسُوقةٌ لتنْزيهه عن الفَحْشاءِ، والمذكور أدلُّ عليه من امرأة العزيزِ (١)، ولفظُ "المفتاح" مُحْتملٌ للوجهينِ (٢).

стр. 311

الخامسُ: توجُّه الذِّهن (١) لما سيردُ عليه من الخبر عن الموصول؛ مُنتظرًا لِوُروده (٢) عليه (٣) حتَّى يأخذ (٤) منه (٥) مكانه إذا وَرَد -كما هُو المشهُور في لسانِ القومِ (٦): "الْمَحْصُولُ بَعْد الطلَبِ أَعَزُّ مِن المُنْسَاقِ بِلا تَعبٍ"- يقول الشَّاعر (٧): والذِي حَارَتِ (٨) البَرِيَّةُ فِيهِ ... حَيَوانٌ مُسْتَحَدثٌ مِنْ جَمَادِ (٩)

стр. 312

وهو إِمَّا آدم ﵇، أو ناقةُ صالحٍ، أو غيرُهما؛ من جمادٍ صار حيوانًا، إذا كان مجازًا للعُقولِ (١).

стр. 313

السّادسُ: بناءُ الخبرِ عليهِ [أي: على الموصول] (١) تعظيمًا؛ [أي: تعظيمًا للخبرِ] (٢) نحو: إِن الذِي سمَكَ (٣) السَّماءَ بَنَى لنا ... بَيْتًا (٤) دَعَائِمُهُ (٥) أَعَزُّ وَأَطْولُ (٦). وفيه تعظيمٌ؛ حيثُ كان باني بيته سامكَ السَّماءِ. ونحو:

стр. 314

إن الذِي خَلَقَ الأَشْيَاءَ صَوَّرني ... نارًا مِنَ البَأسِ في بَحْرٍ (١) مِن الجُودِ (٢)!. أو تحقيقًا؛ نحو: إن التي ضَرَبَتْ بَيْتًا مُهَاجرَة ... بكُوفةِ الجُنْدِ (٣) غَالتْ (٤) ودَّها غُوْلُ (٥)، (٦)

стр. 315

وفيهِ تحقيقُ الخبرِ؛ لأنها إذا هَجَرت وضَرَبت البيتَ بكُوفةِ الجندِ عازمةً للسَّفرِ - كان ودُّها هالكًا. يُقال: غَالته غولٌ: إذا وقعَ في مهلكة. أَوْ تَعْلِيلًا، نحو (١): ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ﴾ (٢). وهذا؛ أي: اختيار الموصولِ لبناءِ الخبرِ عليه تعليلًا قدْ يتبعه تعظيمٌ للمتكلِّم، نحو: "الذي يُرافقني يستحقُّ الإجلال"، أو للسامع؛ نحو: "الذي يُرافقُك (٣) يستحقُّ الإكرام"، أو للمذكور وهو المسند إليه؛ نحو: "الذي عنده السُّلطان يستحقُّ التَّعزير (٤) والتَّوقير"، أو

стр. 316

لغيرهم (١)؛ أي: غير المتكلم والسَّامع والمذكور؛ نحو: قوله -تعالى-: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢)؛ فإن في بناءِ كونهم خاسرين على تكذيبهم شُعَيبًا تعريضًا بتعظيمِ المصَدِّقين وتَنْزيههم عن الخُسْران (٣). أو إِهانةٌ عطفٌ على قوله: "تعظيم"؛ نحو: "الذي (٤) يفارقُني أو يُفارقك يستحقُّ الإكرام"، أو: "الذِي عنده الحرافيش" (٥) يستحقُّ اللوم". أو تنبيهًا -بالنَّصْبِ- عطفًا (٦) على قوله: "تعظيمًا"، والرَّفع (٧) عطفٌ (٨) على قوله: "تعظيم" والطاهرُ: أن النَّصبَ أقربُ إلى ما في "المفتاح" (٩)

стр. 317

على خطأ (١)؛ نحو (٢): إن الذينَ تَرَونهم [إِخوانكُمْ] (٣) يَشْفي ... غَلِيلَ صُدُورِهم أَنْ تُصْرَعُوا (٤). الغليلُ: حرارةُ العطشِ، والضِّغنُ (٥)، والحقدُ -أيضًا-. أو غيرُها -بالنَّصْبِ والرَّفع، تابعين لرفع التَّنبيه ونصبه-؛ أي: غير المذكورات؛ بنحو: تطييبُ (٦) قلوبِ الفقراءِ، أو غيره؛ يقول الشَّاعرِ (٧):

стр. 318

إن الذِي الوَحْشَةُ في دَارِه ... تُؤْنِسُهُ الرحْمَةُ في لَحْدِهِ وإنَّما أوردَ السَّكّاكي هذا البيتَ مثالًا للتَّنبيه على معنى آخر غير الخطأ (١)، كعلى (٢) التَّطييب، فعلى هذا هو مثال لما هو قسمٌ للتَّنبيه، وعلى ما فعله المصنِّفُ لما هو قسيم للتَّنبيه (٣).

стр. 319

وحاصلُه: أن معنى بناءِ الخبرِ على الموصول كونُ الموصولِ مَع صلتهِ بحيثُ يكون بينه وبينَ الخبرِ تعلُّقٌ يقتضِي بناءَه عليه وإسناده إليه، ويكُون هو الباعثُ على الإِخبار، وذلك إِمَّا بالتَّعريض للتَّعظيم؛ نحو: "إن الذِي سمك السَّماءَ"، وإِمَّا بالعَلِّية لميّة (١)، نحو: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٢)، أو آنيَّة (٣)، وهو الذي عبَّر عنه بتحقيق الخَبر، نحو: "إن الّتي ضَرَبت"، وإِمَّا بالرَّدِّ عليه والتَّنبيه على الخطأ، نحو: "إِن الذين ترونهم (٤) "، وإِمَّا بغيرِ (٥) المذكورات، نحو: "إن الذي الوحشة في داره (٦) ". وعلى هذا التَّوجيه لا يَرِدُ اعتراضٌ، فتأَمَّل.

стр. 320

والإشارةُ؛ أي: يُختارُ الإِشارةُ، وهو (١) متى صحَّ إِحْضاره الشَّيءَ في ذهن السامع بواسطةِ الإشارةِ الحسِّيَّةِ إليه؛ لا الإشارةِ العَقْليَّة (٢) -كما في الموصولاتِ- لوجوهٍ: الأَوَّل: تعيُّنه؛ أي: اسم الإشارة طريقًا إلى إحضاره (٣)، بأن لا يكون لكَ أو لسامعك طريقٌ إليه سواها (٤). الثاني: العنايةُ بكمالِ التَمييزِ، إذ التَّمييزُ والتَّعيينُ بالحسِّ أَكملُ؛ كقوله (٥):
следующие страницы →