← Адаб

Адаб · id 17458

تحقيق الفوائد الغياثية

الكرماني، شمس الدين

Полный текст (841 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

لغيرهم (١)؛ أي: غير المتكلم والسَّامع والمذكور؛ نحو: قوله -تعالى-: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢)؛ فإن في بناءِ كونهم خاسرين على تكذيبهم شُعَيبًا تعريضًا بتعظيمِ المصَدِّقين وتَنْزيههم عن الخُسْران (٣). أو إِهانةٌ عطفٌ على قوله: "تعظيم"؛ نحو: "الذي (٤) يفارقُني أو يُفارقك يستحقُّ الإكرام"، أو: "الذِي عنده الحرافيش" (٥) يستحقُّ اللوم". أو تنبيهًا -بالنَّصْبِ- عطفًا (٦) على قوله: "تعظيمًا"، والرَّفع (٧) عطفٌ (٨) على قوله: "تعظيم" والطاهرُ: أن النَّصبَ أقربُ إلى ما في "المفتاح" (٩)

стр. 317

على خطأ (١)؛ نحو (٢): إن الذينَ تَرَونهم [إِخوانكُمْ] (٣) يَشْفي ... غَلِيلَ صُدُورِهم أَنْ تُصْرَعُوا (٤). الغليلُ: حرارةُ العطشِ، والضِّغنُ (٥)، والحقدُ -أيضًا-. أو غيرُها -بالنَّصْبِ والرَّفع، تابعين لرفع التَّنبيه ونصبه-؛ أي: غير المذكورات؛ بنحو: تطييبُ (٦) قلوبِ الفقراءِ، أو غيره؛ يقول الشَّاعرِ (٧):

стр. 318

إن الذِي الوَحْشَةُ في دَارِه ... تُؤْنِسُهُ الرحْمَةُ في لَحْدِهِ وإنَّما أوردَ السَّكّاكي هذا البيتَ مثالًا للتَّنبيه على معنى آخر غير الخطأ (١)، كعلى (٢) التَّطييب، فعلى هذا هو مثال لما هو قسمٌ للتَّنبيه، وعلى ما فعله المصنِّفُ لما هو قسيم للتَّنبيه (٣).

стр. 319

وحاصلُه: أن معنى بناءِ الخبرِ على الموصول كونُ الموصولِ مَع صلتهِ بحيثُ يكون بينه وبينَ الخبرِ تعلُّقٌ يقتضِي بناءَه عليه وإسناده إليه، ويكُون هو الباعثُ على الإِخبار، وذلك إِمَّا بالتَّعريض للتَّعظيم؛ نحو: "إن الذِي سمك السَّماءَ"، وإِمَّا بالعَلِّية لميّة (١)، نحو: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٢)، أو آنيَّة (٣)، وهو الذي عبَّر عنه بتحقيق الخَبر، نحو: "إن الّتي ضَرَبت"، وإِمَّا بالرَّدِّ عليه والتَّنبيه على الخطأ، نحو: "إِن الذين ترونهم (٤) "، وإِمَّا بغيرِ (٥) المذكورات، نحو: "إن الذي الوحشة في داره (٦) ". وعلى هذا التَّوجيه لا يَرِدُ اعتراضٌ، فتأَمَّل.

стр. 320

والإشارةُ؛ أي: يُختارُ الإِشارةُ، وهو (١) متى صحَّ إِحْضاره الشَّيءَ في ذهن السامع بواسطةِ الإشارةِ الحسِّيَّةِ إليه؛ لا الإشارةِ العَقْليَّة (٢) -كما في الموصولاتِ- لوجوهٍ: الأَوَّل: تعيُّنه؛ أي: اسم الإشارة طريقًا إلى إحضاره (٣)، بأن لا يكون لكَ أو لسامعك طريقٌ إليه سواها (٤). الثاني: العنايةُ بكمالِ التَمييزِ، إذ التَّمييزُ والتَّعيينُ بالحسِّ أَكملُ؛ كقوله (٥):

стр. 321

وإذَا تَأَمَّلَ شَخْصَ ضَيْفٍ مُقْبلٍ ... مُتَسَرْبِلٍ سِربال (١) لَيْلٍ أَغْبَر أوما (٢) إِلى الكَوْمَاءِ (٣): هذا طَارِقٌ ... نَحَرَتْنِيَ الأَعْدَاءُ إن لَمْ تُنْحَر! فإنّه لَمَّا أراد أن يُميِّز المشارَ إليه أكملَ تمييزٍ ذكرَ اسمَ الإشارةِ؛ وقال: "هذا طارقٌ". الثّالثُ: التَّنبيهُ على غباوةِ السَّامع وادعاء أن الشَّيءَ لا يتميَّز عنده إلَّا بالحسِّ؛ ولا يَفهم إلا (٤) بالإشارة الحسية؛ كقولِ الفرزدقِ (٥) في

стр. 322

خطابه جَريرًا (١): أولئِكَ آبائِي، فَجِئْني بِمثْلِهِم، ... إذا جَمَعَتْنا يا جَرِيرُ المَجَامعُ! (٢) الرّابع: التَّهكُّمُ؛ أي: الاستهزاء أو التَّمَسْخُر (٣)، كما تقول (٤) للأعمى: "هذا هذا"؛ وليس ثَمةَ شيء يُشارُ إليهِ.

стр. 323

الخامسُ: بيان حالهِ في القربِ والبعدِ والتَّوسُّطِ بـ "هذا" و"ذلك" و"ذاك" فإن "هذا" يشار به إلى القَريب، و"ذلك" إلى البعيد، و"ذاك" إلى المتوسِّط. وكأنه (١) بحسبِ زيادة الحروفِ يزداد البُعدُ؛ إذ به كمال التمييز [إذ ببيانِ حالهِ من التَّوسُّطِ وطَرَفيْه يحصل كمال التّمييز] (٢) المطلوب من الإشارة، نحو: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٣). وقد يعتبرُ القربُ في الرُّتبةِ تَحْقيرًا (٤)، وذلك فيما يُشار إليه إشارة القريب، ويُراد قربه في المرتبةِ -لا القرب المكاني- وانحطاطُه فيها، تحقيرًا للمشار إليه واستِرْذالًا له؛ نحو: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ (٥)، وكما يحكيه القائل عن امرأته (٦):

стр. 324

تَقُولُ وَدَقَّتْ نَحْرَهَا بِيَمِينِها ... أبعْلِي هَذَا بالرَّحى الْمُتَقَاعِسُ؟! (١). أَوْ البُعْدُ [أي] (٢) وقد يُعتبر البعدُ فيها -في الرُّتبةِ- تعظيمًا، وذلك فيما يُشارُ إليه إشارة البعيد، ويُرادُ بعدُه في المرتبة (٣) وارتفاعُه فيها؛ كأنه بلغ الدَّرجَةَ العليا، بحيثُ لا يُدرك قُربه، نحو: قوله -تعالى-: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ (٤) ذهابًا إلى بُعدِه درجةً، فإن الكتابَ لَمَّا كان قريبًا وأُشير إليه إشارةَ البعيدِ عُلِم أنَّه لا يريدُ البُعدَ المكاني، بل البُعدَ الرُّتبيَّ.

стр. 325

أَوْ خلافه (١) قد يُعتبر البُعدُ في الرُّتبة بخلاف التَّعظيم، أي (٢): التَّحقير؛ كما يُقال: ذلك اللعين، وهو حاضرٌ تبعيدًا له عن ساحة العزَّةِ لاسْتِرْذَالِه. هذا كما هو في "المفتاح" (٣)؛ لكن قال المصنِّف بحمله -أيضًا- على التَّعظيم (٤)؛ أي: ذلك اللعينُ العظيمُ المرتبة الرَّفيعها (٥) في اللعن. قوله: "أوْ خلافه" بالنَّصبِ عطفٌ على قوله: "تعظيمًا"؛ ولا يجبُ في معطوفِ المفعولِ له التَّنكيرُ؛ بل في نفس المفعولِ له.

стр. 326

والمُعَرَّفُ باللامِ للإشارة إلى الحقيقةِ؛ أي: يُختار المعرَّفُ باللام إذا كان المقصودُ به الإشارة (١) إلى نَفْس الحقيقةِ -أي: الماهيّة التي يُعبَّر عنها في عُرْفهم بالجنس-، وهذا التَّعريفُ يُسمَّى: تعريفُ الجنسِ، وتعريف الماهيَّةِ، وتعريف الحقيقة (٢). نحو: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ (٣) أَي: جعلنا مبدأَ كلِّ شيءٍ حي هذا الجنسِ الذي هو جنس الماءِ؛ حتَّى الملائكة؛ فإنَّها خُلقت من ريح خُلِقت من الماءِ، والجنّ فإِنَّه خُلق (٤) من نارٍ خُلقت من الماء -كمَا جاء في الرِّوايات- (٥). أَوْ للاستغراق؛ أي: وإذا (٦) كان المقصودُ العمومَ إمَّا مُطلقًا؛ وذلك بأَن لَمْ ينقلْ عن الحقيقة اللُّغويَّة، ولم يُقيَّد بعُرفٍ أَوْ غيره، فيَستغرق جميعَ أفراد ذلك الاسم بحسب اللغة؛ وهو الاسْتغراقُ الحقيقيُّ؟ نحو: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٧) أي: جميع أفراد الإنسان بشهادة استثناء

стр. 327

﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (١) عنه؛ إذ الاسْتثناءُ مِعْيارُ العُمومِ. أَوْ مقيدًا (٢)؛ وهو بخلافه (٣)؛ فيستغرق لم جميع أَفرادِه بحسبِ ذلك القيدِ (٤)؛ كالعُرفِ -مثلًا-، وهو الاستغراقُ العُرفي؛ نحو: "جمعَ الأَميرُ الصاغة"؛ إذا جمع صاغةَ مملكته لا صاغةَ الدُّنيا. أَوْ للَعهد؛ أي: وإذا (٥) كان المقصودُ حِصَّةً معهودةً من الحقيقة؛ كما إذا قال [قائلٌ] (٦): "جاءني رجلٌ من قبيلةِ كذا"، فتقول: "الرَّجلُ فعلَ كذا" لفظا؛ نحو: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ (٧)، (٨) أَوْ ذِهْنًا؛ نحو: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ (٩) (١٠).

стр. 328

العهدُ نوعان؛ لأنَّ تعريف العهدِ إشارةٌ إلى ما هو مُعيَّن (١) ومعهود (٢) قبل؛ فهو (٣) إمَّا أن يكونَ في اللفظِ والذِّكرُ دليلٌ عليه سابقًا، أَوْ لا يكون (٤)، فإنْ كان؛ فهو: العهد اللفظي، ويُسمَّى -أيضًا-: بالخارجيِّ (٥)؛ كما في الآية الأولى، فإن (٦) لم يكن؛ فهو: العهدُ الذِّهنيُّ؛ كما في الآيةِ الثانيةِ. تنبيه: اللامُ للتَّعريف؛ اللام -كما عرفت (٧) - لتعريف المتكلِّم السَّامعَ الحقيقةَ المعلومة المُتَميِّزة عنده، والإِشَارة إليها (٨). والحقيقةُ يُفيدُها جوهرُ اللفظ؛ من حيثُ هي بلا ملاحظةِ عمومٍ واستغراقٍ أَوْ عهدٍ وخصوصٍ. والتَّعميم؛ أَيْ: الاسْتغراق، والتَّخصيص؛ أي: العهد عارضان من خارج؛ فإن الحقيقةَ كما لا تقتضي التَّوحُّد (٩)، وكونه في ضمن فردٍ واحدٍ؛ كذلك لا تقتضي التَّعدُّد، وكونه في ضمن الأفراد. فيُحتاج

стр. 329

فيهما؛ أي: التَّعميم والتَّخصيص الزَّائدين على مدلولِ اللَّامِ وجوهرِ اللَّفظِ إلى القرينةِ (١) من مقتضى المُقامِ وغيره. والحاصلُ: أَنَّ اللَّامَ لَمَّا كان لتعريفِ ما هو معلومٌ عند السَّامع والإشارةِ إليه؛ فإن كان عِلْمُ المخاطبِ بمطلق الحقيقةِ فهو لتعريف الجنس، وإن كان علمُه بها بحسبِ العهدِ؛ فإن كان بالبعضِ (٢) فهو لتعريفِ العهد لفظيًّا أَوْ ذهنيًّا، وإن كان بالكلِّ فهو لتعريفِ الاستغراقِ. فتَغَيُّرُه بحسبِ تغيُّر علم المخاطَبِ ومُقْتضى المقام. فعُلِم أنَّ أصل وضْعِه للتَّعريفِ؛ لكن بكلِّ اعتبارٍ له تعريفٌ خاصٌّ؛ وإشارةٌ خاصّةٌ. وأمّا في تعريف الجنسِ فلا يحتاج إلى قرينةٍ؛ لأنَّ جوهرَ اللَّفظِ مفيدٌ له. والمضافُ لأمورٍ؛ أي: يُخْتار (٣) الْمُضاف لوجوهِ: الأوَّلُ: أَنْ لا طريق؛ أي: لا يكون للمُتَكلِّم إلَى إحضاره في ذِهن السَّامع طريقٌ سواها؛ سوى الإضافةِ؛ كقولك: "غلامُ زيدٍ" إن لم يكن عندك أَوْ عند سامعك (٤) منه شيءٌ سِواه.

стр. 330

الثَّاني: تعذُّرُ التَّعدادِ (١) بالامتناعِ العاديِّ؛ كَكَون عَدَد المسندِ إليه غير محصُور، أَوْ بغيره؛ نحو: بَنُو مَطَرٍ يومَ اللِّقَاءِ كأَنَّهُمْ ... أُسُودٌ لَهَا فِي غِيْل خَفَّانَ أَشْبُلُ (٢). فإنَّه لَمَّا كان تعدادُ بني مطر (٣) مُتعذّرًا لكونهم غير محصورين اخْتارَ الإضافة. الغيلُ -بالكسر-: الأَجَمَة (٤) ومأوى الأسدِ. وخفَّانُ (٥): مأسدةٌ.

стр. 331

وأشبلُ: جمع شبلٍ (١). أَوْ تعسُّرُه، كقوله (٢): قَومِي هُمُ قَتَلُوا أُمَيْمَ (٣) أَخِي ... فإذا رَمَيْتُ يُصِيبُني سَهْمِي فإنَّ قومَه إذا لم يكونوا غيرَ محصورين لم يتعذَّر التَّعداد؛ لكنَه مُتعسِّرٌ لكَثْرته. ويجوزُ كونه للمَذَمَّةِ -أيضًا-. أَوْ إِمْلالُه؛ كقوله (٤):

стр. 332

قَبَائِلُنا سَبْعٌ وأنْتُم ثَلاثةٌ ... ولَلسَّبْعُ (١) خَيْرٌ مِن ثلاثٍ وأكْثَرُ. الثَّالثُ: مجازٌ لطيفٌ (٢)، أي: لكون الإضافةِ متضمِّنة لاعتبارٍ لطيفٍ مجازيٍّ، كقوله (٣): إذا كَوْكَبُ الخَرْقاءِ، -أي: الحَمْقَاءِ- لاحَ بسُحْرةٍ (٤) سُهيْلٌ (٥) أَذَاعتْ (٦) غَزْلَها في القَرائِبِ والاعتبارُ اللَّطيفُ المجازيُّ هو الإضافةُ لأَدنى مُلابسةٍ، وهو ظهورُ حُمْقِها عند طلوعِه، فإنَّ الكَيِّسَةَ (٧) من النِّساءِ تَسْتعدُّ للشتاءِ صَيْفًا

стр. 333

فَتَسْتريح عند طلوعه، والحَمْقَاء لعدم استعدادها إذا أخذها البردُ بطلوعه أخذت تُفَرِّقُ قُطْنَهَا وتُذيعُه في نساءِ القرائب؛ ليَغْزِلن لأجلها. والغزلُ؛ بمعنى: المغزول، وأَراد به: القطنَ مجازًا باعتبارِ المآلِ. الرّابعُ: نوعُ تعظيمٍ للمضاف؛ نحو: عبدُ الخليفةِ رَكِبَ (١)، أَوْ المضافِ إليه؛ نحو: "عبدي حَضَر" (٢)، أَوْ غيرهما، نحو: "عبدُ السُّلطان عندي"؛ فتعظم شأنَك لا شأنَ المُضافِ ولا شأنَ المضافِ إليه (٣). أَوْ إهانةٍ، أي: نوع إهانةٍ للمُضافِ؛ كـ "غُلامِ الحَجَّام جاء"، أَوْ للمُضَافِ إليه، كـ "عبد العالمً سىَرَقَ"؛ مُحقِّرًا لشأن (٤) العالم بعِلَّةِ سُوء سِياسَته له، أَوْ لِغيرهما؛ نحو: "ولد الحَجَّام رفيقُ فُلانٍ".

стр. 334

تَذْنِيب (*): قدْ يقعُ المعرفةُ (١) مُسندًا؛ وذلك إذا كان المُسندُ مشخَّصًا (٢) عند السَّامع، مَعْلُومًا له بإحدى (٣) طُرقِ التَّعريف. وكَوْنُه معلومًا مُعَيَّنًا عند السَّامع (٤) لا يمنعُ كونَ الخبرِ مُفِيدًا، إذ قدْ يُقصدُ به لازمُ الفائدة، أَوْ الفائدة بأَنْ يكون السَّامعُ عَلِم ذاتين بصفتين، ثُمَّ يَشُكُّ في إحداهما؛ أهي الأخرى أم لا؟؛ فينفي عنه ذلك الشَّكّ. قوله: "وكونه مَعْلومًا مَعيَّنًا لا يَمْنع" جوابٌ وسؤالٌ. تقديرُ (٥) السُّؤالِ: إنَّه إذا كانَ مُشَخَّصًا عنده (٦) معلومًا له يكونُ المسندُ إليه لا مَحَالة -أيضًا- مَعْلُومًا له (٧)؛ لأنَّ كون

стр. 335

المسند إليه نكرة والمسند معرفة ليس في كلام العربِ. وإذا كانا معلومين فماذا يستفيدُ من ذلك الخبرِ؟. وتقديرُ (١) الجوابِ: إِنَّه قد يَسْتفيدُ إِمَّا فائدة لازم الخبرِ (٢)؛ كما في قولك لمن أثنى عليك بالغيبِ: "الَّذي أثنى عليَّ بالغيبِ أنت"؛ مُعَرِّفًا له أنّكَ عالمٌ بذلك، وإِمَّا نَفْس فائدةِ الخبرِ؛ وذلك فيما إذا كان السَّامعُ عَلِمَ ذَاتين بِصِفَتين، ثُمَّ يَشُكُّ في إِحْداهما وهي ما يَجْعله مسندًا، أَهي الأخرى أَمْ لا؟؛ فيُريد المُتَكلِّمُ أن يَنْفِي عنه ذَلك الشَّكَّ (٣)، ويُخْبره بأنَّ ذلك الشَّيءَ مُتَّصفٌ بالأُخرى؛ فيورد اللَّفظ الدَّال على الأُولى مُسْندًا إليه، واللَّفظ الدَّال على الثَّانية (٤) مُسْندًا، فيَسْتَفِيد السَّامعُ من ذلك ما كان يُخْبره له (٥) من اتِّصافِ ذلك الشَّيء بالثَّانية (٦)؛ كما في قَوْلك لمن يعرف

стр. 336

أنَّ له أخًا، ويعرف أنَّ (١) إِنسانًا يُسمَّى زيدًا؛ ولكن (٢) لا يعرف أنَّ ذلك الإنسانَ هو أَخُوه: "زيدٌ أَخُوك، أَوْ أخُوك زيدٌ" (٣). والحاصلُ (٤): أنَّ العلمَ بالطَّرفينِ غيرُ العلم بالنِّسبة والحَمْل، ثمَّ لا يُقَدَّمُ فيما نحنُ فيه ما تَقَدَّمَ بسلامة الأمير (٥)؛ أي: جُزافًا (٦) من غير عِلَّةٍ حتَّى يكون مُخَيَّرًا في التَّقديم والتَّأخير كيف اتَّفق؛ بل لا بُدَّ أن يكون التَّقديمُ لعِلَّةٍ على حسب ما يقتضيه المقامُ. فيُقدَّم في مسألةِ الأخ

стр. 337

وزيدٍ -مثلًا- ما يُرادُ الحُكْم عليه، ونَفْي شكِّ ثبوت الآخر لَه (١) عنه؛ فتقولُ لمن يعرفُ زيدًا بعينه وباسمه، لكن لا يعرف أنَّه أخُوه، وهو كالطَّالب حكمًا له، وكان معتقدًا أنَّ له أخًا لكن لا يعلمُه على التَّعيين: "زيدٌ أخوكَ"، على ما يتصوَّرُه من السَّامعِ من كونه طالِبًا للحُكْمِ على زيدٍ، وكذا عكسه؛ تقول لمن يعتقد أنَّ أخًا لنفسه؛ لكن لا يعرفه على التَّعيين، وهو كالطَّالب منك الحُكم على أخيه بالتَّعين: "أخوك زيدٌ"، فيورد الحكم على ما يتصوَّره من السَّامع. وبهذا يُعلم الفرْقُ بين "زيد أخوك" و "أخوك زيد" (٢)؛ فظهر الفرْقُ بهذا بين العبارتين فإنّه لأيّ شيء في الأوَّل، الحكم على زيد بالأَخ، وفي الثَّاني بالعكس. ويُعرفُ معنى قول النُّحاة: "المقدَّمُ من المعرفتين هو المبتدأ" (٣)؛ لأنَّك تجعل المشكُوك في ثبوته للآخر (٤) مُسندًا فتُؤخّره، والآخر مُسندًا إليه فتُقَدِّمه (٥)، معَ أنَّه؛ [أي: مع أنَّ الخبر

стр. 338

المعرف باللَّام] (١) إذا أُريدَ به الحقيقة أفاد حصرها في المبتدأ، أي: كونه مَعْلومًا لا يمنع كونِ الخبر مُفيدًا (٢). إذ قد يُقْصَدُ به لازم الفائدةِ، أَوْ الفائدة نفسها؛ مع أنَّه قد يُقْصدُ به فائدة أُخرى هي (٣): الحصر (٤)؛ وهو إذا كان اللَّامُ (٥) للتَّعريف وأُريد به (٦) الحقيقة والجنس؛ فإنَّكَ إذا قلت: "زيدٌ المنطلق"؛ وأَردتَّ حقيقة المنطلق أفادَ حصر الانطلاق في زيدٍ؛ لأنَّ حقيقةَ المنطلق -حينئذٍ- هو زيد؛ فلا (٧) يكون غيره منطلقًا. قال السَّكَّاكيُّ: "زيدٌ المنطلق"، و "المنطلقُ زيدٌ"، كلا العبارتين تستلزمُ انحصار الانطلاق في زيدٍ (٨). وعبارةُ الأُسْتاذ تُشعرُ بخلافِهِ. وأيضًا: بنَى السَّكَّاكيُّ الحصرَ على الاستغراق؛ فإنَّه بعدما ذَكَر أنَّ المقامَ إذا كان خطابيًّا، مثل: "المؤمِنُ غِرٌّ كَرِيمٌ" (٩) حُمل على

стр. 339

الاستغراق، وأنَّ الاستغراقَ نوعان: عُرفيٌّ، وغيرُ عُرفيٍّ، وأنَّ استغراقَ المفرَد أشملُ من استغراق الجمع -قال (١): "إذا عرفتَ هذا فنقول: متى قلنا: (زيدٌ المنطلق)، أَوْ (المنطلقُ زيدٌ)؛ في المقام الخطابيِّ لزمَ ألَّا يكون غيرُ زيدٍ منطلقًا" (٢). والمصنِّف بَنَى على تعريفِ الحقيقةِ، وأنت الحاكمُ الفيصلُ. و التَّنكيرُ لأمُور (٣): الأوَّلُ: الإفرادُ (٤) شخصًا أَوْ نوعًا، كقوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ

стр. 340

كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ (١) يجوزُ أن يُرادَ: خلقَ كُلَّ فردٍ من أفراد الدَّوابِ من فردٍ من الماءِ؛ وهو النُّطفةُ المعيَّنة الَّتي يكونُ ذلك الفردُ منها، وأن يُرادَ: خَلقَ كلَّ نوعٍ من أنواعِ الدَّوابِ من نوعٍ من أنواعِ المياهِ، وهو نُطفةُ ذلك النَّوع. الثَّاني: ألَّا يُعرف منه (٢) إلا ذلك القدرُ حقيقةً أَوْ ادِّعاءً، فلا بُدَّ (٣) حينئذٍ من التَّنكيرِ لعدمِ القدرة على التَّعريف؛ وعليه حُمل قوله -تعالى-: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ (٤)، ولَمَّا (٥) كان عند المُصَنِّف" (٦) وجهٌ أنسبَ منه لسياقِ الآية - قال: "وعليه حُمل"، والمرادُ به: صاحبُ "المفتاح" (٧)، ولَمْ يقلْ: "وعليه وَرَد"، أَوْ: "عليه قوله".

стр. 341

والوجهُ فيه: أَنَّهم (١) نكَّرُوه لاعتقادهم أنَّه لا يجوزُ أن يكونَ شخصٌ هكذا موجودًا؛ يقول: كذا وكذا، ويدَّعي: كذا وكذا، واستبعدوه، بلْ أحالوه، فكأنَّه (٢) للتَّعجُّب وبيانِ الاستحالةِ لذلك الخبرِ الَّذي يدَّعيه؛ أي: هل ندلُّكم (٣) على رجلٍ عجيبٍ، يقول كلامًا عجيبًا، مُتَّصفٍ بصفةٍ غريبةٍ، يَدَّعي أمرًا غريبًا. ولو قال مقام: "على رجل": "على محمَّدٍ"؛ لم يكن مُفيدًا لذلك. الثَّالثُ: أن لا يُمْكن تعريفُ السَّامع، كأن لا يعرف منه (٤) إلَّا ذلك القدْرَ الغير المُعَيَّن (٥). الرّابعُ: المانعُ من التَّعيين (٦)، أي: التَّنكيرُ يكون لمانعٍ يَمْنع منُ التَّعيين والتَّعريف، كالإخفاءِ عن الحَضْرة. الخامسُ: إيهامُ بلوغه، حيثُ لا يكتنهُ كُنْهه (٧)؛ أي: لا يدخل

стр. 342

تحتَ التَّعيين والتَّعريف. لحقَارتِه أَوْ لعَظَمته. ويحتملُها؛ أي: الحَقَارةَ والعظمةَ قوله -تعالى-: ﴿أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ (١)؛ لاحتمالِ كون التَّنْكير (٢) والتَّنوينِ للتَّحقير؛ أي: عذابٌ حقيرٌ، وللتَّعظيم؛ أي: عذابٌ عظيمٌ. وقيل: المسيسُ قرينةٌ للأوَّلِ؛ وكونه من الرَّحمن قرينةٌ للثَّاني؛ لأنَّ عذاب الرَّحمن أشدُّ؛ لأنَّه لا يُعذّب إلَّا لمن اشتدَّ استحقاقُه له (٣)؛ كما يقالُ: "نعوذُ باللهِ من غضب الله الحليمِ".

стр. 343

النُّوعُ الثَّالثُ: في التَّوابع (*) وهي لتربيةِ الفائدةِ (١)؛ لأنَّ (٢) تربيةَ الفائدةِ إنَّما (٣) تكونُ بتخصيص الحُكم، وهو (٤) بتخصيصِ المسندِ أَوْ المسندِ إليه؛ وذلك كما يكونُ لكونه أحد أقسام المعارف؛ يكُون لكونه مَصْحوبًا بشيءٍ (٥) من التَّوابع؛ لأنَّها تُفيدُ زيادة تقيد (٦) لمتبوعه فيتخصّص. ف الوصفُ لوجوهٍ: الأولُ: التَّبْيِينُ (٧)؛ وذلك حيثُ كان المرادُ الكشفَ عن حقيقةِ

стр. 344

الموصوف وتبيينها وتفسيرها؛ كما إذا قلتَ: "الجسمُ الطَّويلُ العريضُ العميقُ يحتاجُ إلى فراغ يَشْغَلُه". الثَّاني: التَّمييزُ؛ وذلك حيثُ يكون المرادُ تخصيص الموصوف زيادة تخصيص وتعيين؛ نحو: "زيدٌ التَّاجرُ عندنا". و ﴿لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾ (١) يحتملُهما؛ أي: التَّبيين؛ وذلك إذا أُريد (٢) بالمتَّقِي: الَّذى يفعلُ الواجباتِ بأسرها، ويجْتَنِبُ (٣) الفواحشَ والمنكرات عن آخرها؛ فكشفته كشفًا، كأنَّكَ حَدَّدَته؛ لأَنَّك ذكرتَ أساسَ الحسناتِ؛ وهو: الإيمان (٤)، وعقَّبْته بأمّي العبادات البدنيَّة والماليَّة المُسْتَتْبِعتين (٥) لسائرِ العبادات؛ وهما: الصَّلاة، والزَّكاة (٦)، فأفدتَّ بذلك فعل الواجباتِ بأسرها، وذكرتَ النَّاهيَ عن

стр. 345

الفحشاءِ والمنكرِ وهو الصَّلاة (١)، فأفدتَّ بذلك اجتنابَ الفواحش عن آخرها. والتَّمييز؛ وذلك إذا أُريد بالمُتَّقي (٢) المجتنب عن المعاصي. والأُولى عند النُّحاة تُسمَّى: بالصِّفة الموضِّحة، والثَّانية: بالمُخَصِّصَة (٣)؛ وفيهما نوعُ تمييزٍ، لكن التَّمييز بالثَّانيةِ يكون بين (٤) الأفراد المُتَّفقة بالحقيقةِ، وبالأُولى من الماهيّاتِ المختلفة بالحقيقةِ (٥). الثَّالثُ: التَّأكيدُ المُجرَّدُ؛ نحو: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ (٦) فإنَّه لا فائدة فيها من التَّبين أَوْ التَّمييز أَوْ المدحِ سوى التَّوكيد؛ نحو: "أمس الدَّابرُ لا يعودُ". الرابع: المدْحُ أَوْ الذَّمُّ (٧): نحو: ﴿اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ (٨)؛

стр. 346

فإنَّ هذا الوصفَ لمجرَّدِ المدح لامتناع أن يكون كاشفًا؛ لأنّه -تعالى -أوضَح من أن يوُضَّح، أَوْ مُخَصِّصًا؛ لتَميُّزه بذاته، أَوْ تأكيدًا لعدمِ إفادة تقرير (١) أمرِ المتبوع. وكذا قولُك: "إبليس اللّعين"، في طرف الذّمّ. وأعلم: أنَّ الصِّفةَ معلومةُ الثُّبوت للموصوفِ؛ لأنَّ أصلَ الصِّفة للتَّمييز، ويمتنعُ أن يُميَّز شيءٌ عن شيءٍ بما لا يُعْرف له؛ فحقُّه أن يكون عند السَّامع معلومَ الثُّبوت للموصوف؛ وهو -أي: الثُّبوت- للموصوف (٢) - فرعُ ثُبُوتها في نَفْسها؛ لأنٌ ثبوتَ الشَّيءِ للشَّيءِ فرعٌ على ثبوتهِ في نفسه؛ فما لا يكونُ ثابتًا لا يكون وصفًا (٣)؛ فلا يَكون؛ أي: فالوصْفُ لا يكون طلبًا لعدم ثُبُوته. فإن (٤) وقعَ يجبُ أن يُؤوّل (٥)؛ كما

стр. 347

في قوله (١): ..................... ... جاءُوا بمذقٍ (٢) هَلْ رَأَيتَ الذِّئبَ قَطْ! فإنّه يؤوَّلُ: بمقولٍ عنده هذا القول (٣)؛ لإيرادِ ذلك المذق في خيالِ الرَّاثين (٤) لونَ الذّئب بورقته (٥) لكونه سمارًا؛ أي: لبنًا مخلوطًا بالماء. ففي قوله -تعالى-: ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (٣٠) مِنْ فِرْعَوْنَ﴾ (٦) بقراءةِ الاستفهامِ؛ أي: على لفظ (٧): "مَنْ"

стр. 348

الاستفهاميَّة، ورفع فرعون (١) - يُؤوَّل بأنّ المُراد منه: العذابُ المقولُ عنده مَن فرعون؟!. قال في "المفتاح" (٢): "لَمَّا وصفَ اللهُ العذابَ بكونِه مُهينًا؛ بيانًا لشدَّتِه وفظاعةِ أمرِه (٣)، وأراد أن يُصوّر كُنهه؛ قال: (مَن فرعون)؟!، هلْ تعرفونَه؟ مَن هو في فرط عتوّه وشدَّةِ شكيمته في تَفَرْعَنِه وتكبُّره؟!؛ ما ظنُّكم (٤) بعذابٍ يكون المُعَذِّب به مثله! ". و التَّوكيدُ (٥) لمجرَّدِ التَّقريرِ (٦)؛ كما في قولك (٧): "ضربت أنا"؛ فإنَّ ذكر المؤكِّد يقرِّر (٨) أمر النِّسبة.

стр. 349

أَوْ مع دفع توهُّمِ التَّجوُّزِ أَوْ السَّهو (١)؛ أي: أَوْ يكون للتَّقرير مع دفع تَوَهُّم السَّامع في حكم المتكلِّم تجوُّزًا أَوْ سَهْوًا أَوْ نِسْيانًا (٢)؛ فإنَّك إذا قلتَ: "جاء السُّلطان" جاز أن يَظُنَّ السَّامع أنَّك تجوَّزت أَوْ سهوت، والجائي وزيرُه. أَوْ خلافِ الشّمول؛ أي: أَوْ يكونُ للتَّقرير (٣) مع دفع توهُّم السَّامع خلاف الشُّمول والإحاطة؛ كقولك: "جاء القومُ كلهم"، وبالحقيقة مآلُ الكُلِّ التَّقرير وإليه المصير. و البيانُ للإيضاح؛ وهو (٤) إذا كان المُراد زيادة إيضاحه بما يخصُّه من الاسم؛ كقوله (٥): أَقْسَمَ باللهِ أَبو حَفْصٍ عُمَر .......................

стр. 350

ولو لمعنى ضمني (١)؛ أي (٢): لا يجبُ أن يكون الإيضاحُ لما يكون مصرَّحًا به؛ بل قد يكونُ لمعنَّى ضمنِيٍّ، قال -تعالى- (٣): ﴿لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (٤)؛ شفع إلهين باثنين، وإله بواحدٍ؛ لأنَّ لَفظ "إلهين" يحتمِلُ معنى (٥) الجَنسيَّة ومعنى التَّثنية، وكذا لفظ: "إله" يحتملُ الجنسيَّة والوحدة (٦)، والَّذى له الكلام مَسُوقٌ هو العدد في الأوَّل، والوحدة (٧) في الثَّاني؛ ففسَّرَ إلهين بـ"اثنين"، وإله بـ"واحد"؛ بيانًا لما هو الأصل في الغرض (٨) بخلاف الجنسيَّة؛ فإنَّها ليست أصلًا في الغرض،

стр. 351

بخلاف الجنسيَّة؛ فإنَّها ليست أصلًا في الغرض، وإن كان لها مدخلٌ فيه، لأنَّ المراد: لا تتَّخذوا من مسمَّى بالإله (١) اثنين سواء كانا (٢) من جنسين أَوْ من جنس (٣). قال الزَّمخشريُّ: إنَّهما للتَّوكيد (٤)، وردَّه ابنُ الجاحبِ: بأنَّ حدَّ التَّأكيدِ (٥) لا ينطقُ عليهما لتوقُّف التَّقْرير على دلالة التَّابعِ على المتبوع، وليسَ فيهما دلالةٌ على إلهين وإله؛ بل هما صفتان لانطباق حدِّها عليهما (٦). وعند السَّكاكيِّ هذا -أيضًا- مردودٌ، لأنَّهما وإن دلَّا على معنًى في متبوعهما لكنَّهما لم يُذْكرا لذلك، أي: ليدلّ على أنَّ في المتبوع معنى التَّثنية والوحدة (٧) حتَّى يكونا صفتين؛ فإن هذا القيدَ مُرادٌ في الحدودِ النَّحويَّةِ، وإن حُذفتْ (٨) عنها اختصارًا؛ كما ذكره

стр. 352

ابنُ الحاجبِ في "شرح الكافية (١) "؛ كما في المفعولِ به -مثلًا-؛ فإنَّه ما ذُكر ليَدُلَّ على أنَّه وقع عليه فعلُ الفاعل لا ما قعَ عليه فعلُ الفاعل، وإلَّا لزم أن يكونَ زيدٌ في قولنا: "زيد ضربته" مفعولًا به؛ وليس كذلك؛ بل عنْده (٢) بيان كما ذكر؛ لأنَّه ذُكر لبيان أنَّ المُرادَ بما توجَّه إليه النَّهيُ معنى التَّثنية لا الجنسيَّة، فهو تابعٌ غير صفةٍ يوضِّح ويبيِّن متبوعه؛ وهو (٣) معنى عطف البيان (٤)؛ وأمَّا صاحبُ "الإيضاح" فقد قال:

стр. 353

إنَّهما وصفانِ للبيان (١). ومنه (٢) لم: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إلا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ (٣) ذَكَرَ ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ مع ﴿دَابَّةٍ﴾ و ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ مع ﴿طَائِرٍ﴾ لبيان أنّ القصدَ من لفظ ﴿دَابَّةٍ﴾ وَلفظِ (٤) ﴿طَائِرٍ﴾ (٥) ليس إلى صنفين أَوْ فردين منهُما، وإلَّا لبيَّنهما بخواصّ الصّنف أَوْ الفرد (٦)؛ بل إنَّما هو إلى (٧) الجنسين؛ وإلى تقديرهما (٨) في

стр. 354

مكانهما (١)، وهو أنَّهما على عمومهما؛ ولهذا بيَّنهما (٢) بخواصّ الجنسين؛ وهي في الدَّابة حصولها في الأرض، وفي الطَّائرِ الطَّيرانُ بالجناحِ. وبين الآيتين فرقٌ؛ كأَنَّ الثَّانيةَ عكسُ الأُولى؛ فإنَّها حاملةٌ للجنسيَّة وللتَّعدّد، والبيان موضِّح (٣) لها بأنَّ المقصود من النَّهي: التَّعدُّد لا الجنس؛ والثَّانيةُ حاملةٌ للجنسيَّة والتَّوحّد (٤) المتوهَّم من التّنوين بكونه نوعًا واحدً أَوْ صنفًا واحِدًا منه، والبيان موضِّحٌ (٥) لها بأنَّ المقصودَ الجنس والعُموم لا التَّوحّد والخصوص؛ ولعلَّه لهذا فصلَ بينهما بلفظة (٦) "منه". و البَدَلُ لذكرِ المقصودِ بعد التَّوطَية، لأنَّه تابعٌ مقصُودٌ بما نُسبَ إلى المتبوع دونه. وهذا صحيحٌ في الأبْدالِ الثَّلاثةِ: بدلِ الكُلِّ (٧)؛ نحو: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ

стр. 355

أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ (١). وبدلِ البعضِ (٢)؛ نحو: جاءَ (٣) القومُ أكثرُهم (٤). وبدل الاشتمال (٥)؛ نحو: "سُلبَ زيد ثوبه" (٦). لا في الغلَطِ (٧)؛ نحو: "جاءَ (٨) رجلٌ حمارٌ" (٩) فإنَّه لا
следующие страницы →