← Адаб

Адаб · id 17458

تحقيق الفوائد الغياثية

الكرماني، شمس الدين

Полный текст (841 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

بخلاف الجنسيَّة؛ فإنَّها ليست أصلًا في الغرض، وإن كان لها مدخلٌ فيه، لأنَّ المراد: لا تتَّخذوا من مسمَّى بالإله (١) اثنين سواء كانا (٢) من جنسين أَوْ من جنس (٣). قال الزَّمخشريُّ: إنَّهما للتَّوكيد (٤)، وردَّه ابنُ الجاحبِ: بأنَّ حدَّ التَّأكيدِ (٥) لا ينطقُ عليهما لتوقُّف التَّقْرير على دلالة التَّابعِ على المتبوع، وليسَ فيهما دلالةٌ على إلهين وإله؛ بل هما صفتان لانطباق حدِّها عليهما (٦). وعند السَّكاكيِّ هذا -أيضًا- مردودٌ، لأنَّهما وإن دلَّا على معنًى في متبوعهما لكنَّهما لم يُذْكرا لذلك، أي: ليدلّ على أنَّ في المتبوع معنى التَّثنية والوحدة (٧) حتَّى يكونا صفتين؛ فإن هذا القيدَ مُرادٌ في الحدودِ النَّحويَّةِ، وإن حُذفتْ (٨) عنها اختصارًا؛ كما ذكره

стр. 352

ابنُ الحاجبِ في "شرح الكافية (١) "؛ كما في المفعولِ به -مثلًا-؛ فإنَّه ما ذُكر ليَدُلَّ على أنَّه وقع عليه فعلُ الفاعل لا ما قعَ عليه فعلُ الفاعل، وإلَّا لزم أن يكونَ زيدٌ في قولنا: "زيد ضربته" مفعولًا به؛ وليس كذلك؛ بل عنْده (٢) بيان كما ذكر؛ لأنَّه ذُكر لبيان أنَّ المُرادَ بما توجَّه إليه النَّهيُ معنى التَّثنية لا الجنسيَّة، فهو تابعٌ غير صفةٍ يوضِّح ويبيِّن متبوعه؛ وهو (٣) معنى عطف البيان (٤)؛ وأمَّا صاحبُ "الإيضاح" فقد قال:

стр. 353

إنَّهما وصفانِ للبيان (١). ومنه (٢) لم: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إلا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ (٣) ذَكَرَ ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ مع ﴿دَابَّةٍ﴾ و ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ مع ﴿طَائِرٍ﴾ لبيان أنّ القصدَ من لفظ ﴿دَابَّةٍ﴾ وَلفظِ (٤) ﴿طَائِرٍ﴾ (٥) ليس إلى صنفين أَوْ فردين منهُما، وإلَّا لبيَّنهما بخواصّ الصّنف أَوْ الفرد (٦)؛ بل إنَّما هو إلى (٧) الجنسين؛ وإلى تقديرهما (٨) في

стр. 354

مكانهما (١)، وهو أنَّهما على عمومهما؛ ولهذا بيَّنهما (٢) بخواصّ الجنسين؛ وهي في الدَّابة حصولها في الأرض، وفي الطَّائرِ الطَّيرانُ بالجناحِ. وبين الآيتين فرقٌ؛ كأَنَّ الثَّانيةَ عكسُ الأُولى؛ فإنَّها حاملةٌ للجنسيَّة وللتَّعدّد، والبيان موضِّح (٣) لها بأنَّ المقصود من النَّهي: التَّعدُّد لا الجنس؛ والثَّانيةُ حاملةٌ للجنسيَّة والتَّوحّد (٤) المتوهَّم من التّنوين بكونه نوعًا واحدً أَوْ صنفًا واحِدًا منه، والبيان موضِّحٌ (٥) لها بأنَّ المقصودَ الجنس والعُموم لا التَّوحّد والخصوص؛ ولعلَّه لهذا فصلَ بينهما بلفظة (٦) "منه". و البَدَلُ لذكرِ المقصودِ بعد التَّوطَية، لأنَّه تابعٌ مقصُودٌ بما نُسبَ إلى المتبوع دونه. وهذا صحيحٌ في الأبْدالِ الثَّلاثةِ: بدلِ الكُلِّ (٧)؛ نحو: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ

стр. 355

أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ (١). وبدلِ البعضِ (٢)؛ نحو: جاءَ (٣) القومُ أكثرُهم (٤). وبدل الاشتمال (٥)؛ نحو: "سُلبَ زيد ثوبه" (٦). لا في الغلَطِ (٧)؛ نحو: "جاءَ (٨) رجلٌ حمارٌ" (٩) فإنَّه لا

стр. 356

توطئة (١) فيه؛ وهو لا يقعُ في فصيح الكلام استقراءً. قال المصنِّفُ: والحَقُّ ما قاله ابنُ مالكٍ (٢) وهو: أنَّه [لا] (٣) يقعُ في فصيح الكلامِ، كما يقالُ: "أعطني ثوبًا فرسًا جملًا" (٤)، كما (٥) نقل حديثًا مثله في كتابه (٦). ولعلَّ غلَط القومِ فيه من تصوُّرهم وجوب كونه غلطًا استشعارًا من اسمِه؛ لكنَّه ليس بواجبٍ. وأمَّا ما يُظنُّ أن في البدل قسمًا خامسًا هو بدلُ الكُلِّ من البعض؛ نحو: "نظرتُ إلى (٧) القمرِ فَلكِه"،

стр. 357

وكقوله (١): نَضَّرَ اللهُ أَعْظُمًا دَفنوهَا ... بِسِجِسْتَانَ (٢) طَلْحَةَ (٣) الطَّلَحَاتِ فإنَّه بعضُ الظَّنِّ؛ لأنَّ الأوَّلَ بدلُ الاشتمال؛ لاشْتمالِه على القَمَر. والثَّاني: بدلُ البعضِ الكُلِّ؛ لأنَّ طلحةَ بعضُ الأعظُم المدفونةِ بسجستان (٤). و العطفُ لتفصيلٍ مع اختصارٍ؛ فلما دخل عليه الواوُ؛ أي:

стр. 358

فلتفصيل ما دخل عليه؛ وهو الفاعل (١) -مثلًا- في قولنا: "جاء زيدٌ وعمرو". ولفظةُ "الواوُ"، فإنَّ فيه تفصيلًا للفاعل مع (٢) اختصار لطيّ الفعل وحذفه من المعطُوف (٣)، وليسَ فيه تفصيلٌ لصاحبه؛ أي: الفعل؛ كالمجيءِ (٤) لجوازِ أن يكون مجيئُهما (٥) في زمانٍ واحدَ. [ولصاحِبه مع التَّعقيب الفاء؛ أي: ولتفصيل صاحب] (٦) ما دخل عليه وهو الفعل -مثلًا- مع التَّعقيبِ لفظةُ "الفاء"؛ نحو: "جاء زيدٌ فعمرو"؛ فإنَّ فيه تفصيلًا للفعل؛ إذ التَّعقيبُ يقتضي تغايُرَ أزمنةِ المجئِ، واختصارً بحذف الفعل. قال سيبويه (٧): المُرورُ في قول القائل: "مررتُ برجلٍ ثمَّ امرأةٍ"

стр. 359

مرُوران (١)؛ لأَنَّهما متغايران في الزَّمانِ لا مُتّحدان فيه؛ وكذا في أخواته (٢)؛ يعني: "الفاء، وحتَّى", والمُرادُ: أنَّ تفصيلَ الفعل هو المقصود فيه؛ لأنَّ تفصيلَ الفاعلِ فيه لازمٌ. وبِتراخٍ (٣)؛ أي: ولتفصيل صاحبِ ما دخلَ عليه مع التَّراخِي كلمةُ: "ثُمَّ"؛ نحو: "جاءَ (٤) زيدٌ ثمَّ عمرو". والتَّراخي على نوعين؛ فإنَّه كما يكون بحسب الزَّمانِ (٥) يكونُ بحسب المرتبةِ (٦). وبتدريجٍ؛ أي: ولتفصيل صاحبه مع تدريج "حتَّى"، ويفيد (٧) لِما

стр. 360

بعده قُوَّةً أَوْ ضَعْفًا نحو: "قَدِمَ الحاجُّ حتَّى المُشاة" (١)، و "مات الناسُ حتَّى الأنبياءُ" (٢). قال صاحبُ (٣) "المفتاح" (٤): وهو "للتَّدريج (٥) كما يُنبئُ عنه قولُه (٦):

стр. 361

وكُنتُ فتًى مِنْ جُندِ إِبْلِيسَ فارْتَمى ... بِي الحَالُ حتَّى صَارَ إِبْلِيسُ مِنْ جُنْدِي" وفيه نظرٌ، لجوازِ أَنْ يُستفاد معنى التَّدريج من خصوصيَّة المحلِّ (١). وللإضرابِ، عطفٌ على "لتفصيل"؛ أي: العطفُ للإضراب؛ وهو صرفُ حكمِكَ عن محكومٍ له إلى آخر، "بَلْ"، نحو: "جاءني (٢) زيدٌ بلْ عمرٌو"، فإنَّه صرفَ المجيءَ المثبتَ لزيدٍ عنه وأثبته لعمرو؛ نحو: "ما جاءني زيدٌ بل عمرو"، وهذا المثالُ يَحتملُ أن يصرفَ النَّفْي عن زيدٍ ويثبته لعمرو (٣) حتَّى يكون جائيًا، وأن يصْرفَ النَّفْي عنه ويثْبته لعمرو حتَّى لا يكونَ جائيًا. نصَّ عليه ابنُ الحاجب (٤). ولرَدِّ قالبٍ للحُكم؛ أي: مَنْ يعتقد نفيَ ما أثبته، أَوْ إثبات ما تنفيه، أوْ شاكٍّ، أي: من يعتقد أحدَ الأمرين بلا ترجيحٍ. أوْ مُعمِّمٍ، أي: مَن يعتقد أمرين معًا. "لا،

стр. 362

ولكن"؛ أي: ولردِّ (١) السَّامع عن الخطأ إلى الصَّوابِ: "لا, ولكن"؛ وذلك إمَّا ردّ من يقلبُ الحكمَ ويحكُمُ بخلافِ ما هو واقعٌ؛ كما إذا اعتقدَ أنَّ زيدًا شاعرٌ لا منجِّم؛ فيقول: "زيدٌ منجِّمٌ لا شاعرٌ" (٢)، أَوْ يشكُّ أنَّ زيدًا على أحدِ الوصفين -مثلًا- من القيام والقُعودِ من غير ترجيحٍ؛ فيقول (٣): "زيدٌ قائمٌ لا قاعدٌ" معيِّنًا أحدَ الطَّرفين بالتَّرجيح (٤)، أَوْ يُعمِّمُ (٥) الحكمَ فيعتقده شاعرًا ومنجِّمًا؟ فيقول: "زيدٌ شاعرٌ لا منجِّمٌ" (٦). وفي كتاب "المفتاح": وإن لم يذكُرْ مسألةَ الشَّاكِّ في بابِ العطفِ (٧)، لكن ذكره في باب القَصْر (٨). هذا حكمُ "لا" وهو لا يُستعملُ إلَّا بعد الإثبات. وأمَّا "لكن" فلم يَذكر في "باب العطْف" إلَّا مثال القَلْبِ، وفي "باب القصْر" لَمْ يتعرَّضْ لشيءٍ له أصلًا.

стр. 363

والظَّاهرُ تساويهما في الثَّلاثة (١)، اللَّهُمَّ إلَّا أن يقال: الاسْتداركُ استئنافُ كلامٍ بعد كلامٍ، فالمُناسبُ أن يكونَ في اعتقاد السَّامع -أيضًا- كلامانِ ليتطابقا، وهذا صادقٌ في القلبِ؛ لأَنَّ في التَّعميم والشَّكّ ليس كلامان، بل حكم واحد، وأمّا أمتلتُه فتكونُ عكسَ أمثلة "لا" لأنَّها لازمةٌ للنَّفْيِ (٢). وللتَّشكيك أَوْ الشَّكّ (٣) "أوْ، وإمّا"، نحو: "جاءني زيدٌ أَوْ عمرو"، و "إمَّا زيدٌ وإمَّا عمرو"، فإنَّه يُحتمل أن يُستعملَ في الشَّكّ؛ [وذلك] (٤) إذا كان المُتكلِّمُ جاهلًا بالتَّعيين، ويُحتملُ أن يُستعملَ في التَّشكيك، وذلك إذا كان المُتكلِّمُ عالمًا به ويُريد (٥) تشكيك (٦) المخاطَب.

стр. 364

قال: (وللتَّفسير: "أي" عندي)؛ أي: قال صاحبُ "المفتاح": والعطفُ قد يكونُ للتَّفسيرِ؛ كما في قولك: "جاءني أخوك؛ أي: زيدٌ"؛ فإنَّه حرْفُ عطف للتَّفسير عندي (١)؛ لصِدْقِ الحَدِّ الَّذي حُدَّ له (٢) عليه؛ وهو إتْباع الثَّاني الأوَّل في الإعراب بتوسُّطِ حرْفٍ (٣). وإذ (٤) لَمْ يَرْتَضِ المُصَنِّفُ ذلك؛ لأنَّه يقتضي المُشاركةَ في الحكمِ والنِّسبةِ ولا يكفي فيه مُجرَّدُ شركة الإعراب -قال: "قال" ولا تشاحَّ (٥) في الاصطلاح.

стр. 365

خاتمةٌ: قد يُعْدلُ عن مُقْتضى الظَّاهر (١)، فيوضعُ اسمُ الإشارةِ موضعَ الضَّمير. جميعُ ما ذكرنا من الحالاتِ المقتضيةِ لاختلافِ أحكامِ الْمُسندِ إليه أَوْ الْمُسندِ (٢) هو مقتضى الظَّاهر، ثُمَّ قد يُعدل عنه ويُخرَجُ الكلامُ لا على مقتضى الظّاهر؛ فيُوضع اسمُ الإشارةِ موضع الضَّمير؛ وذلك إمَّا للعناية بتمييزه (٣)؛ كقوله (٤):

стр. 366

كَمْ عَاقِلٍ عَاقِلٍ (١) أَعْيَتْ مَذَاهِبُهُ (٢) ... وَجَاهلٍ جَاهِلٍ تَلْقَاهُ مَرْزُوقا هَذَا الَّذي تَركَ الأَوهامَ حائِرَةً ... وصَيَّرَ العَالِمَ النِّحْرِيرَ (٣) زِنْدِيقا (٤) أَوْ للتهكُّم؛ أي: للاستهزاء (٥) والسُّخرية بالسَّامع، كما إذا كان فاقدَ البصرِ؛ فيسْخر منه؛ ويقال: هذا أبصر". أَوْ لإيهام بَلادَةِ السَّامعِ بأنّه لا يُميِّزُ بين المحسوسِ بالبصرِ وبين غيرِه؛ فيُشار إلى غير المحسوسِ عنده بما يُشار إلى المحسوس؛ عسى أن يُدركَه. أَوْ كمالِ فطَانتهِ، أي: لإيهامِ كمالِ فطانةِ السَّامع بأنَّ غيرَ المحسوسِ بالبصرِ عنده كالمحسوسِ عند غيره. أَوْ لظهورِه؛ فهو عنده كالمحسوسِ؛ فيُشار إِليه باسمِ الإشارةِ،

стр. 367

كقوله (١): تَعَاللْتِ (٢) كَيْ أَشْجَى (٣) وَمَا بِكِ عِلَّةٌ ... تُرِيدِينَ قَتْلِي قَدْ ظَفِرْت بَذَلِكِ. أي: بقتلي، وكان القياسُ أن يقولَ: "به" ولكن لَمَّا كان قتلُه بادِّعاءِ الشَّاعرِ كأنَّه ظهرَ ظهور المحسوس بالبصرِ أشار إليهِ باسمِ الإشارة لا بالضَّمير. والمظهرُ؛ أي: ويُوضعُ (٤) المظهرُ، موضعَ المضمر؛ فيوضع موضعَ الضَّميرِ (٥) الغائب؛ لتمكين نقشه نقش المُظهر (٦)، نحو: ﴿اللهُ

стр. 368

الصَّمَدُ﴾ (١) دُون هُو الصَّمَد، أَوْ موضعَ الضَّميرِ المتكلِّم؛ لتربية المهابة في عينِ السَّامعِ، وإدخال الرَّوْعةِ في ضميره؛ كما يقولُ الخليفةُ: "أميرُ المؤمنين يأمرُك بكذا"، أَوْ: "الخليفةُ يرسمُ لك"، مكان: "أنا آمرُ"، أَوْ "أرسم". أَوْ لتقوية الدَّاعيةِ؛ أي: داعية المأمُور، نحو: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (٢): تركَ (٣) ضميرَ النَّفسِ (٤) وهو: "اليَاء" بأن يقول: "وعليَّ" (٥) إلى المظهر وهُو الله؛ فإنَّ داعيتَه إلى التَّوكّل تتقوَّى بسماع لفظةِ "الله" بخلافِه لو قيلَ: "وعليَّ" (٦). والمضمرُ (٧)؛ أي: يوضعُ المضمَرُ موضعَ المظهرِ عكس المذكور؛ كقوله -تعالى-: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ (٨)، لأنَّه -أي: السَّامع- إذا لم يَفْهَمْ من الضَّمير معنيَّ ينتظرُ ما يردُ عليه فيتمكّن المسموعُ

стр. 369

بعده والواردُ عقيبه أكثرَ تمكُّن وأَفْضله (١)؛ لما (٢) مرَّ غير مرَّة (٣): أنَّ المحصولَ بعد الطَّلب أعزُّ من المُنْساقِ بلا تعبٍ. ولذلك؛ أي: ولتمكُّن (٤) الواردِ أكثر تمكُّن. التُزِمَ تقديمُهُ؛ أي: تقديم ذلك الضَّمير -أي: ضمير الشَّأنِ الَّذي وضعَ موضعَ المُظْهر-. ثمَّ إن الحكايةَ والخطابَ والغيبةَ ثلاثتها يُستعملُ كلٌّ مقامَ الآخر، أَوْ يُنتقلُ منه إليه؛ ويُسمَّى التفاتًا. قال في "المفتاح" (٥): "واعلم: أن هذا النَّوع -أعني: نقلَ الكلامِ عن (٦) الحكايةِ إلى الغيبةِ- لا يختصُّ المسند إليه ولا هذا القدْر (٧)،

стр. 370

بل الحكايةُ والخطابُ والغيبةُ (١)، ثلاثتُها ينقلُ كلُّ واحد منها إلى الآخر. ويُسمَّى هذا النقل: التفاتًا عند عُلَماء (٢) [علمِ] (٣) المعاني". ولَمَّا كان مُراد السَّكَّاكيِّ من النَّقلِ أعمَّ من النَّقلِ التَّحقيقيِّ؛ وهو أن يُعبَّرَ عنه بطريقٍ من هذه الطُّرقِ بعد ما عُبِّر عنه بطريقٍ آخر (٤) منها، ومن النَّقل (٥) التقديريِّ؛ وهو أن يُعبَّر عنه بطريقٍ مِنها فيما كانَ مقتضى الظَّاهرِ أن (٦) يعبَّر عنه بغيره منها؛ بدليل الأمثلة؛ كما في أوَّلِ بيتِ امرئ القيْسِ (٧)، حيثُ قال (٨):

стр. 371

"تطاولَ ليلُك (١) " فيما كان مُقتضى الظّاهرِ أن يقول: "ليلى" - صرَّحَ الأستاذُ بالقسمين تنبيهًا على مرادِه (٢)؛ بأن أشارَ إلى التَّقديريِّ بقوله: "يُسْتعملُ كلٌّ مقام الآخر"، وإلى التَّحقيقيِّ بقوله: "أَوْ ينتقل (٣) منه إليه". قال صاحبُ "الإيضاح" (٤): "المشهورُ عند الجمهور: أن الالتفاتَ هو التَّعبير عن معنى بطريقٍ من الطُّرقِ الثلاثةِ بعد التَّعبير عنه بطريقٍ آخر. وهذا (٥) أخصُّ من تفسير السَّكَّاكيِّ؛ لأنَّه أراد بالنَّقل: أن يُعبَّر بطريقٍ من هذه الطُّرق عمَّا عُبِّرَ عنه [بغيره] (٦)، أَوْ كان مقتضى الظَّاهر أن يُعبّر عنه بغيره منها (٧)؛ فكلُّ التفاتٍ عندهم التفاتٌ عنده؛ من غير عكسٍ" (٨).

стр. 372

وقال الأستاذُ: كونُه مشهورًا عند الجُمْهور مَمْنوُعٌ؛ بلْ ما ذكره السَّكَّاكيُّ هو المشهور (١)؛ بل هو (٢) أعمُّ -أيضًا- ممَّا ذكره السَّكَّاكيّ (٣)؛ لأنّه قد يُقال: النَّقل من المُفردِ إلى المُثنَّى أَوْ الجمع (٤) وبالعكسِ في نَوعٍ واحدٍ من التَّكلُّم (٥) والخطابِ والغيبةِ من غير النَّقلِ إلى نوعٍ آخر -أيضًا- التفاتٌ (٦). فعلى هذا نقولُ: الالتفاتُ وضعُ ضميرٍ (٧) موضعَ آخر، وهو مثل قوله (٨):

стр. 373

فَوَقَفْتُ (١) أَسْأَلُهَا وَكيفَ (٢) سُؤَالُنا ... ........................ بل الانتقالُ من المُظهر إلى المضمرِ مُتَكلِّمًا أَوْ مُخاطِبًا أَوْ غائبًا وبالعكس -أيضًا-: التفاتٌ؛ وعلى هذا: يحتاجُ إلى تعريفٍ أعمَّ منه. وذكر المَرْزُوقيُّ (٣) ما يُشعرُ بما قلنا (٤)، ومَثَّل بقوله (٥):

стр. 374

........ ... أَحْيَا أَبَاكُنَّ يَا لَيْلَى الأمَادِيحُ. وذكرَ الزَّمخشريُّ في سورةِ الأنفالِ (١) في "الكشَّاف" في قوله: ﴿ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ﴾ (٢) ما هوَ قريبٌ منه (٣). بل صرَّحَ به في سورة النِّساءِ في قوله -تعالى-: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ (٤) إذْ قال (٥): "ولم يقلْ: (واستغفرت لهم)، وعدلَ عنه (٦) إلى طريقةِ الالتفاتِ تفخيمًا لشأنِ رسولِ الله ﷺ ، وتنبيهًا على أنَّ شفاعةَ (٧) من اسمُه

стр. 375

الرَّسُول من الله بمَكَان (١) ". والحقُّ: أنَّ هذا النَّوعَ من الكلام كثيرٌ، مثل قوله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (٢)، ولا مُشاحَّة في تسميتِه الْتِفَاتًا، والأمثلة -بحسبِ التَّقديريّ والتَّحقيقيّ والمضمَر من نوعه أَوْ جنسه أَوْ بالنِّسبة إلى المظهر- لا تكادُ تُحْصى. ثمَّ قولُ السَّكَّاكيِّ: إنّه التفاتٌ عند عُلماءِ علم المعاني (٣)، لا يُنافي قولَ الآخرين، كالزَّمخشريِّ: إنّه التفاتٌ في علم البَيانِ (٤)؛ كما ظنَّ بعضٌ، لأنَّ البيانَ قد يُطلقُ كثيرًا ويُرادُ به علمُ المعاني والبيان والبديع ثلاثتُها معًا؛ بل رُبَّما سُمِّي به؛ تسميةً للشَّيءِ (٥) باسمِ أشرفِ أقسامِه، كما أنَّ بعضًا يسمِّي الثلاثةَ علم البديع؛ تسمية الشَّيءِ باسمِ أشهرِ أقسامه، ويُؤيِّده قولُ الزَّمخشريِّ في آخر سُورةِ مريم في قوله: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا

стр. 376

إِدًّا﴾ ـ (١): أنَّه يُسمَّى الالتفات في علمِ البلاغةِ (٢). ويزيدُ، أي: الكلام بسببِ (٣) الالتفاتِ في القبولِ والنَّشاطِ للسَّامعِ؛ كاختلافِ الألوانِ في قرى الأشْباح (٤)، فإنَّه أشهى غِذاءً وأطيبُ تناوُلا. أليس ذلكَ؛ أي: قرى الأشباح دأبهم [أي] (٥) عادتهم وشأنُهم مُخالفين فيه (٦) بين [لون ولون، وطعم وطعم؛ فكذلك عَمِلوا في قرى الأرواح مخالفين فيه بين] (٧) أسلوبٍ وأسلوب، في إيرادٍ وإيرادٍ؛ ليكونَ (٨) أدخل في القبُول، وأحسن في التَّطرية (٩).

стр. 377

ويختصُّ مواقعُه؛ أي: الالتفات. بفوائدَ؛ أي: بعد الفائدةِ (١) العامّة -الَّتي هي الزِّيادةِ في القبولِ والنَّشاطِ- لكُلِّ التفاتةٍ خاصَّةٍ في موقعها؛ أيضًا؛ فائدةٌ خاصَّةٌ؛ من فضل بهاءٍ ورونقٍ، وزيادةِ هزة (٢)، ورفعة منزلةٍ، لا يُدركها إلَّا أربابُ الذّوقِ من البُلغاءِ النَّحاريرِ، والحُذَّاقِ المهرةِ (٣). مَلاكُ إدراكِها (٤) الذَّوقُ السَّليمُ والطَّبعُ المستقيمُ. والملاكُ: ما يُمْلكُ به الأَمرُ (٥). فيزدادُ الحسنُ؛ أي: إذا اختصَّ موقعُ الالتفات بشيءٍ من تلك الفوائد ازدادَ الكلامُ حسنًا؛ كأنْ تشكُو وتَشْكُر؛ أي: تشكو (٦) حاضرًا له جناياتٌ [كثيرة] (٧) -في حَقِّك- إلى غيره مُحَوِّلًا وجهكَ عن الجاني إلى الغيرِ تُعدِّدُ (٨) جناياته؛ واحدةً فواحدة؛ فتجد من نَفْسكَ داعيًا يدعوكَ إلى مُواجهته -ذلك الجاني- بهما؛ بالشُّكْرِ

стр. 378

والشِّكاية. تُغَالبُه؛ أَي: وأنت (١) تغالبُ ذلك الدَّاعيَ ولا تَلْتفتُ إِليه حتَّى يغلبكَ، ويحملكَ -من حيثُ لا تدري- على أن تُشافِهَ ذلكَ الغير بالسُّوءِ والتَّسفيه؛ فَتَلْتفت من الغَيْبةِ إلى الخطابِ. وكذا فيما تشكرُ حاضِرًا ذا نعمٍ عليكَ كثيرة إلى غيره، فإذا أخذتَ في تَعْداد (٢) نعَمِه العِظَام؛ أحسستَ من نفسك كأنَّها تطالبُكَ بالإقبالِ على مُنْعمك، ولا تزال تزايد -ما دُمت في تعدادها-؛ حتَّى تغلِبَكَ؛ فتلْتَفتَ إليه مُثْنيًا عليه، داعيًا له، شاكرًا لصنايعه وعوارفه. أَوْ تذْكُر له؛ أي: للغير؛ عطفٌ على "تشكر"؛ يريدُ أن يُشيرَ إلى لطفِ الفائدة الخاصَّةِ في موقعِ الالتفاتِ الَّتي في الفاتحة، صفات جلالٍ بحضورِ قلبٍ يزدادُ, حتَّى كأنَّكَ ماثلٌ بين يديه؛ فَتَقُول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ (٣) يا من هذه صِفَاتُه؛ وهذا ظاهرٌ، لكن ننقلُ كلامَ السَّكَّاكيِّ [فيه] (٤)؛ لأنَّ فيه بسطًا؛ قال (٥): "من حقِّ العبدِ إذا أخذَ في القراءةِ أَنْ يكونَ افتتاحُهُ التَّحميدَ عن (٦) قلبٍ حاضرٍ ونفسٍ ذاكرةٍ تعقلُ فِيمَ هو،

стр. 379

وعند من هو. فإذا انتقلَ من (١) التَّحميدِ إلى الصِّفاتِ أن يكونَ انتقالُهُ مَحْذوًّا به حذو الافْتتاح؛ فإنَّه متى افتتحَ على الوجهِ الَّذي عرفتَ؛ مُجْريًا على لِسانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ (٢) أفلا يجدُ محرِّكًا للإقبالِ على من يَحْمَدُ؛ من معبودٍ عظيمِ الشَّأنَ!، حقيقٍ بالثَّناءِ والشُّكر!، مستحقٍّ للعبادة!، ثمَّ إذا انتقل [على] (٣) نحو الافتتاح إلى قوله: ﴿رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ (٤) واصفًا له بكونه ربًّا مالكًا للخلْقِ، لا يخرجُ شيءٌ من ملكوته وربوبِيَّته؛ أَفَتَرَى ذلكَ المحرِّكَ لا يقْوى. ثمَّ إذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (٥) فوصفهُ بما يُنبئُ عن (٦) كَوْنه مُنعمًا على الخلْقِ بأنواع النِّعَم؛ جلائِلِهَا ودقائِقِها، مُصيبًا إيَّاهُم بكلِّ معروفٍ؛ أَفلا تتضاعفُ قوَّةُ ذلكَ المحرِّك عند هذا!. ثمَّ إذا آلَ الأمرُ إلى خاتمةِ هذه الصِّفاتِ، وهي: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٧) المُنادِية (٨) على كونه

стр. 380

مالكًا للأَمرِ كُلِّه في العاقبةِ يومَ الحَشْرِ للثَّوابِ والعقابِ؛ فما ظنُّكَ بذلكَ المحرِّك؟؛ أيسعُ ذهنُك ألَّا يصير إلى حَدٍّ (١) يوجبُ عليك الإقبال على مَوْلًى شأن نفسك معه منذُ افتتحت التّحميدَ ما تصوّرت، فتستطع أن لا تقول: ﴿إِيَّاكَ﴾ يا منْ هذه صفاتُه ﴿نَعْبُّدُ﴾ و ﴿نَسْتَعِينُ﴾ (٢) لا غَيْرك؛ فلا يَنطق على المنزلِ على ما هو عليه". وفي أَبياتِ ابن حُجْرٍ الكِنْديِّ -وهو امْرُؤُ القيسِ (٣) - بالحاءِ المُهْملة المضمومَةِ، ثمَّ الجيم-، وهو الشهودُ لي بكمالِ البلاغةِ (٤)؛ المعقودُ (٥) بالخُنْصر في شأنِ الفصاحةِ- ثلاثُ التفاتاتِ (٦). والأبيات هي هذه (٧): (١) في الأصل: "حمد". الصَّواب من: أ، ب، مصدر القول. (٢) سورة الفاتحة، من الآية: ٤. (٣) تقدّمت ترجمته ص (٣٩٢) قسم التّحقيق. (٤) قولُ المصنِّف: "وهو المشهود له بكمال البلاغة" جملةٌ معترضةٌ بين المبتدأ والخبر. (٥) في: أ، ب: "المشار إليه" وتعبير الأصل أدقّ؛ لأنّ الإشارة لا تكون بالخنصر وإنَّما بالسَّبَّابة. (٦) في أزيادة: "في ثلاث أبيات" وليست ضمن كلام الإيجي على اعتبار أنّها منه. ولا تلائم الشَّرح لما يَنْشأ عنها من حشو في الكلام؛ إذ لو كانت منه لما ساغ قوله بعدها: "والأبيات. . ." ولا اكتفى بإيراد الضّمير "هي" بعدها مباشرة. (٧) الأبيات من المتقارب وهي في ديوان الشاعر: (١٨٥) برواية: "وأُنبئتُه". واستُشهد بها أو ببعضها في المفتاح: (٢٠٣)، المصباح: (٣٥)، =

стр. 381

تَطَاوَلَ لَيْلُكَ بِالأَثْمد ... وَنَامَ الخَلِيُّ وَلَمْ تَرْقُدِ وباتَ وبَاتتْ لَه لَيْلَةٌ ... كَلَيْلَةِ ذِي العَائِر الأَرْمَدِ وذلكَ مِنْ نَبَأٍ جَاءَنِي ... وَخُبِّرتُهُ عَنْ أَبي الأَسْودِ الأَثْمُدُ -بفتح الهمزة، وضمِّ الميمِ-: موضعٌ (١). والخليُّ: الخالي من الهموم. والعائرُ: ذو قَذَى العينِ. والأَرمدُ: ذُو الرَّمَد. وأَبو الأَسودِ: كُنْية من نعى هو عنه. وقيلَ: أبي؛ إضافةٌ إلى ياءِ المتكلِّم، والأسودُ مُشْتَقٌّ من السِّيادة، صفةٌ له، لأنَّه نعى بخبرِ (٢) وفاتِ أبيهِ- والله أعلم. وأمَّا الالتفاتاتُ (٣) الثَّلاثةُ: فالأوَّلُ: في البيتِ الأوَّلِ، من الحكايةِ إلى الخطابِ، إذ مُقتضى الظَّاهر أن يقول: "لَيْلِي"، وهذا من النَّقل التَّقديريِّ (٤).

стр. 382

والثَّاني: في البيتِ الثَّاني؛ من الخطابِ إلى الغيبةِ، إذ القياس: "بِتَّ وباتَتْ لكَ" بالخطابِ. والثَّالثُ: في الثَّالثِ، من الغيبةِ إلى التَّكلُّمِ؛ إذ كان القياسُ: "جاءَه". وأما "خُبِّرته" فهوَ على طريقة "جاءني"، ولا التفات (١) فِيه. والزَّمخشريُّ -أيضًا- قَال: إِنَّ فيه ثلاثَ التفاتاتٍ في ثلاث أَبياتٍ (٢)؛ ومنه يظهر ضعفُ قولِ صاحبِ "الإيضاح" (٣) من وجهين، لأنَّ الزّمخشريَّ لَمَّا قال (٤): "في ثلاث أبياتٍ" عُلِمَ أنَّ في كُلِّ بيتٍ التفاتًا، فكيفَ يصحُّ أن يقول: لا التفات عند الجمهوو بالنَّقل التَّقديريِّ، ثم يقول (٥): "فتعيَّنَ أن يكون عنده في الثَّالث التفاتان؟! "؛ ولعلَّهُ ذَهلَ عن قوله (٦): "في ثلاثة أبيات".

стр. 383

كانَ يُمكنُ تَرْكها، وذلك بأن يسوقَ الكلامَ على [الحكاية في الأبياتِ الثَّلاثة، ويُمكن الاكتفاءُ بواحدٍ منها، بأن يُجرى الكلام على] (١) الخطابِ مثلًا في الكلِّ، [بأن يقولَ: ليلُك، وبِتَّ، وباتت لكَ، وجاءَك، وخُبِّرتَه] (٢)، قال: تَطَاوَلَ لَيلُكَ بالأَثْمُد (٣) وَباتَ وبَاتتْ لَهُ لَيلَةٌ (٤) كأنَّه (٥)؛ يريدُ أن يُشيرَ إلى لطائف مَواقعِ التفاتاته، فذكرَ في التفاتِه (٦) الأوَّل (٧) أربعةَ أوجهٍ، وفي الثاني (٨) ثلاثةَ أوجهٍ، وفي الثَّالث (٩) وجهًا واحدًا.

стр. 384

جعلهُ ثَكْلى (١) يُسلِّيها (٢) الملوكُ؛ هذا هو الوجهُ الأوَّلُ من الالتفات الأوَّلِ؛ أي: جعل نفسه ثَكلى صاجما عزاءٍ لا تتسلَّى إلَّا أن يَذْكُر لها مَلِكٌ من الملوكِ موجباتِ التَّسلِّي، ويُسَلى إيَّاها؛ ففعل ذلك لكونه مقتضى الحالِ هنالك (٣). أوْ لأنَّه لَمَّا لم يصبر كالملوكِ ظنَّه (٤) غيره؛ هو الثَّاني مِنَ الأوَّل؛ أي: لأَنَّه لَمَّا لَمْ يصبر عليه وجَزِعَ (٥) وقَلِق، وكان مِنْ حقِّه أن يَتَثبَّتَ ويَتَصَبَّر -كما هو دَيْدَنُ الملوكِ وعَادتُهم عند طوارق النَّوائبِ وبوارقِ المصائب- شَكَكته (٦) في أنَّها نفسُه؛ بَلْ ظنَّه غيره؛ فخاطب له. ثمَّ نبَّه أنَّ التَّحزُّنَ (٧) تحزُّنُ صدقٍ خاطب أَمْ لا؛ هو الأوَّلُ من الثَّاني (٨)؛

стр. 385

وإنَّما لا (١) يتفاوت الحال، لأنَّ التَّحزُّنَ لَمَّا كان تحزَّنَ صدقٍ (٢) لَمْ يَتَسلَّ خاطبه أَمْ لم (٣) يُخاطبه؛ بخلافه إذَا كانَ تحزُّنًا تَكَلُّفيًّا، فإنّه إذا خَاطَبه يتسلَّى (٤)؛ فلهذا عدلَ إلى الغَيْبةِ. أو لأَنَّه (٥) لَمَّا دَهِش (٦) -بكسرِ الهاءِ- عن مُقْتضى الظَّاهرِ غَلَبتهُ العادةُ؛ هو الثَّالثُ من الأَوَّل؛ أي: لَمَّا أَطارَ ذلك النَّبأُ قلبه، وأباد لُبَّه، وصيَّره مَدْهوشًا غافلًا عن مقتضى الظَّاهر- غلبته العادةُ ممّا (٧) كان ألِفَه به من الخطابِ الدَّائرِ في مجاري أُمُور الكبارِ؛ أَمْرًا ونهيًا؛ فعدل (٨) إلى مُقتضى الحال، وخاطب. وفي بعضِ النُّسخ: "مقتضى الحال" والظَّاهرُ

стр. 386

"الظَّاهر"؛ كما قرّرنا (١)، ثم ببعضِ الإفاقةِ لم يجدْ نفسَه معه؛ هذا هوَ الثَّاني من الثَّاني، أي: بعد الصَّدمةِ الأولى حينَ أفاق بعضَ الإفاقة، ولم يجدْ نفسَه معه بنَى الكلامَ على الغَيْبة. أو لأنَّه غاظَه جَزعُه فوبَّخَ مُخاطبًا، الرَّابع من الأوَّلِ، أي: لأنَّ (٢) نفسَه حين لم تَتَثبَّتْ ولم تتصبَّر غاظه جزعه، فأقامها (٣) مقام المستحقِّ للعتاب، مخاطبًا له على سبيل التَّوبيخِ. ثمَّ سكتَ عنه الغضبُ بالعتابِ فأَعرضَ يدمدم (٤)؛ هو الثَّالثُ من الثَّاني؛ أي: لمّا كان الحاملُ للخطابِ والعتابِ هو الغضب، فحين سكت عنه بالعتابِ الأَوَّل أعرضَ (٥) عنه الوجه مُدَمْدمًا (٦) -أي: مُتَكلِّمًا مع النَّفْسِ الدَّمْدَمَهّ؛ هي: الكلامُ والحديثُ مع النَّفسِ- فعدلَ إلى الغيبة. وأمَّا قولُه، "جاءني" فليُعلم -من الإعلام- أنَّ ذلكَ كلَّه

стр. 387

مِمَّا يَخُصُّه (١) غيرُ متعدٍ إلى من سواه؛ هذه إشارةٌ إلى فائدةِ الالتفاتِ الثَّالث هذا؛ أي: هذا الذي ذُكر إنّما ذُكر ليُعلمَ أنْ لا يُعترف بالبلاغةِ لمن لا لطائفَ في افتناناته (٢). قوله: "يُعترفُ" بالرَّفْع؛ أي: أنَّه (٣) لا يُعترفُ؛ لأنّ "أنْ" (٤) المذكورة بعدَ العلم مخفّفةٌ من الثّقيلة، وليست بناصبة؛ أي: لِيُعلم (٥) أن الفحولَ البُزْلَ (٦) لا يقيمونَ لكلامٍ وزنًا، ولا يعترفونَ بالبلاغةِ

стр. 388

لأحدٍ؛ ما لم يعثروا من مطاوي افْتناناته على لطائف اعتبارات. والتَّفاضلُ في الكلامِ قلَّما يكَون لَغيرها (١)، بل لا يكون إلَّا بها، وما إعجازُ القرآن؛ أي: أَنَّ (٢) كلامَ الله -تعالى- وهو قرآنهُ الكريمُ وفُرقانهُ العَظيمُ لم يكتسِ تلَكَ الطُّلاوة (٣)؛ ولا استودع تلك الحلاوةَ، وما كانَ بحيثُ يعلُو ولا يُعلى، ويبلُغ (٤) -في الإعجاز- الدَّرَجة العُليا (٥)؛ إلّا لانصبابهِ في تلك القواليب (٦)، ولورُوده على (٧) تلكَ الأساليبِ.

стр. 389

تذنيبٌ: ومن هذا القبيلِ (١): وضعُ الماضي موضعَ المظارع؛ أي: من قبيلِ ما عُدلَ فيه عن مُقتضى الظَّاهر: وضعُ الفعلِ الماضى (٢) موضعَ الفعلِ المضارع (٣) للتَّحقيق والتَّوكيدِ؛ نحو: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ (٤) فإنّه كان مُقتضى الظَّاهرِ أن يُقال: "ويُنادى"؛ لأَنَّه في القيامةِ؛ لكنَّهُ عدلَ إلى الماضي بيانًا لتحقُّقه وتوكيدًا؛ لأنَّ (٥) هذا النِّداءَ ضروريُّ الوقوعِ.

стр. 390

فالحاصلُ: أنَّ ما هو للوقوع أخذه كالواقع لتحقُّقِ وقوعهِ. والحاضرُ؛ أي: ومن هذا القبيلِ وضعُ (١) الحاضرِ موضعَ (٢) الماضي؛ لإيهام المُشاهدةِ؛ مشاهدةِ تلكَ الحالةِ واستحضارها في ذهن المُخاطَب. كما قال الشَّاعر؛ أي: كما فعلَ تأَبَّط شرًّا (٣) في قوله (٤):
следующие страницы →