← Адаб

Адаб · id 17458

تحقيق الفوائد الغياثية

الكرماني، شمس الدين

Полный текст (841 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

"الظَّاهر"؛ كما قرّرنا (١)، ثم ببعضِ الإفاقةِ لم يجدْ نفسَه معه؛ هذا هوَ الثَّاني من الثَّاني، أي: بعد الصَّدمةِ الأولى حينَ أفاق بعضَ الإفاقة، ولم يجدْ نفسَه معه بنَى الكلامَ على الغَيْبة. أو لأنَّه غاظَه جَزعُه فوبَّخَ مُخاطبًا، الرَّابع من الأوَّلِ، أي: لأنَّ (٢) نفسَه حين لم تَتَثبَّتْ ولم تتصبَّر غاظه جزعه، فأقامها (٣) مقام المستحقِّ للعتاب، مخاطبًا له على سبيل التَّوبيخِ. ثمَّ سكتَ عنه الغضبُ بالعتابِ فأَعرضَ يدمدم (٤)؛ هو الثَّالثُ من الثَّاني؛ أي: لمّا كان الحاملُ للخطابِ والعتابِ هو الغضب، فحين سكت عنه بالعتابِ الأَوَّل أعرضَ (٥) عنه الوجه مُدَمْدمًا (٦) -أي: مُتَكلِّمًا مع النَّفْسِ الدَّمْدَمَهّ؛ هي: الكلامُ والحديثُ مع النَّفسِ- فعدلَ إلى الغيبة. وأمَّا قولُه، "جاءني" فليُعلم -من الإعلام- أنَّ ذلكَ كلَّه

стр. 387

مِمَّا يَخُصُّه (١) غيرُ متعدٍ إلى من سواه؛ هذه إشارةٌ إلى فائدةِ الالتفاتِ الثَّالث هذا؛ أي: هذا الذي ذُكر إنّما ذُكر ليُعلمَ أنْ لا يُعترف بالبلاغةِ لمن لا لطائفَ في افتناناته (٢). قوله: "يُعترفُ" بالرَّفْع؛ أي: أنَّه (٣) لا يُعترفُ؛ لأنّ "أنْ" (٤) المذكورة بعدَ العلم مخفّفةٌ من الثّقيلة، وليست بناصبة؛ أي: لِيُعلم (٥) أن الفحولَ البُزْلَ (٦) لا يقيمونَ لكلامٍ وزنًا، ولا يعترفونَ بالبلاغةِ

стр. 388

لأحدٍ؛ ما لم يعثروا من مطاوي افْتناناته على لطائف اعتبارات. والتَّفاضلُ في الكلامِ قلَّما يكَون لَغيرها (١)، بل لا يكون إلَّا بها، وما إعجازُ القرآن؛ أي: أَنَّ (٢) كلامَ الله -تعالى- وهو قرآنهُ الكريمُ وفُرقانهُ العَظيمُ لم يكتسِ تلَكَ الطُّلاوة (٣)؛ ولا استودع تلك الحلاوةَ، وما كانَ بحيثُ يعلُو ولا يُعلى، ويبلُغ (٤) -في الإعجاز- الدَّرَجة العُليا (٥)؛ إلّا لانصبابهِ في تلك القواليب (٦)، ولورُوده على (٧) تلكَ الأساليبِ.

стр. 389

تذنيبٌ: ومن هذا القبيلِ (١): وضعُ الماضي موضعَ المظارع؛ أي: من قبيلِ ما عُدلَ فيه عن مُقتضى الظَّاهر: وضعُ الفعلِ الماضى (٢) موضعَ الفعلِ المضارع (٣) للتَّحقيق والتَّوكيدِ؛ نحو: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ (٤) فإنّه كان مُقتضى الظَّاهرِ أن يُقال: "ويُنادى"؛ لأَنَّه في القيامةِ؛ لكنَّهُ عدلَ إلى الماضي بيانًا لتحقُّقه وتوكيدًا؛ لأنَّ (٥) هذا النِّداءَ ضروريُّ الوقوعِ.

стр. 390

فالحاصلُ: أنَّ ما هو للوقوع أخذه كالواقع لتحقُّقِ وقوعهِ. والحاضرُ؛ أي: ومن هذا القبيلِ وضعُ (١) الحاضرِ موضعَ (٢) الماضي؛ لإيهام المُشاهدةِ؛ مشاهدةِ تلكَ الحالةِ واستحضارها في ذهن المُخاطَب. كما قال الشَّاعر؛ أي: كما فعلَ تأَبَّط شرًّا (٣) في قوله (٤):

стр. 391

بأنِّي قَدْ لَقِيتُ الغُولَ تَهْوي ... بسَهْبٍ (١) كالصَّحِيفةِ صَحْصَحان فَأَضْرِبها بلا دهَشٍ فَخرَّتْ ... صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ وللجِرانِ وكان مُقتضَى الظَّاهرِ: "فَضَربْتُها"، لكِنّه عَدلَ إلى الحاضرِ قَصْدًا أَنْ يُصوِّرَ لقومه الحالة الَّتي تشجَّعَ فيها بضربِ الغُولِ، كأنَّه يُبَصِّرُهم إيَّاها -أي: تلكَ الحالة- ويُطْلعُهم على كُنْهِهَا، ويتطلَّبُ منهم مُشَاهَدَتها؛ تعجيبًا من جُرْأته على كلِّ هَوْلٍ، وثباتِهِ عند كُلِّ شِدَّةٍ. والسَّهبُ -بالسِّين والصَّاد المهملتين-: الفلاةُ. والصَّحْصَحَانُ: المُسْتوي (٢)، أي: بفلاةٍ كالقِرطاسِ مستويةٍ. لليدين؛ أي: على اليدين. والجرانُ: مقدَّمُ عنقِ البعيرِ من مَذْبحه إلى مَنْحَره.

стр. 392

الفَنُّ الثَّالثُ: في وضع الطَّرفين (*) كُلّ عند صاحبه . أي: في (١) وَضْع كُلٍّ من المسندِ إليه والمسندِ عند الآخر. والنَّظر في التَّقديم والتَّأخيرِ وفي الرَّبْطِ و [في] (٢) القصر؛ فهو مكسورٌ (٣) على ثلاثةٍ أنواع: النَّوعُ الأَوَّل: في التَّقديم والتَّأخير (٤). التَّقديمُ (٥): -حيثُ ليسَ واجبًا ولا أصلًا- للاهْتِمام. جعلَ (٦) السَّكَّاكيُّ مطلقَ (٧) التَّقديمِ للاهتمام؛ سواء كان واجبًا،

стр. 393

أو أَصلًا (١)، أو غيرهما (٢). والمصنِّفُ (٣) جعلَ تقديمًا ليس واجبًا ولا أصلًا للاهتمام. وهذا أَوْلَى؛ لأن فيهما لا يُحتاج إلى بيانِ العلَّةِ ولا يُطلبُ لميَّته (٤). نعم العدولُ عن الواجبِ وعن الأصلِ هو المقتضى لنُكْتة.

стр. 394

والتَّقديمُ الواجبُ كما إذا تضمَّنَ المسندُ إليه الاستفهام، وهو أنَّه يعلم من أوَّلِ الأمرِ أنَّه من أيِّ نوعٍ من الكلامِ. والتَّقديمُ الأصليُّ كتقديمِ المبتدأ على الخبرِ؛ وذلك لأنَّه ما لمْ يُتصوَّر شيءٌ لم يُحكم عليه. لوجوهٍ وهو؛ أي: الاهتمام يكونُ لوجوهٍ: الأَوَّل: عقدُ الهِمَّةِ (١) به منكَ أو من السَّامع ولو ادِّعاءً؛ أي: تكونُ همَّةُ المتكلِّمِ أو السَّامع معقودةً به (٢)؛ حقيقةً (٣) أو ادّعاءً (٤)، وعنايتهُ مُتَعلِّقة به لكونه -في نفسه- نُصْبَ العينِ؛ كما يُقدِّم [من المسند والمُسْند إليه، ما كان همّةُ أحدهما؛ من المتكلِّم أو السَّامع معقودًا به؛ كما إذا صارعَ زيدٌ عمرًا، والهِمَّة مصروفةٌ لسقوط عمرو للعنايةِ إلى جانب زيد؛ فنقول: (عمرو سقط)؛ لاهْتمامكِ به، وإذا كان للاهتمام بنفسِ السُّقوطِ فقط؛ أعمّ من أن يكون سقوط زيدٍ أو عمرٍو تقول: (سقطَ

стр. 395

فلانٌ). وهذا كما قدَّمتَ نُصْب العين تُقَدِّم] (١) المفعول على الفاعل؛ إذا كان الغرضُ معرفةَ من وقع عليه الفعلُ لا من صدرَ عنه؛ كما إذا خرح رجلٌ على السُّلطان، وعاثَ في البلادِ، وأظهرَ فيها الفسادَ، وتأذى منه العبادُ؛ فقُتلَ، ثم أردتَّ أن تُخبرَ بقتله؛ فإنَّكَ لا تُرخِص التَّأخير بل تجدك مضطرًّا إلى التَّقديمِ؛ قائلًا: (قَتَل الخَارجيَّ فُلانٌ)؛ بتقديمِ الخارجيِّ؛ إذْ ليس الاهتمامُ إلى معرفةِ قاتله، وإنَّما [الّذي] (٢) الاهتمامُ به معرفةُ المقتولِ، لينْجُوا من شرِّه، ويَخْلُصُوا منْ أذَاه. الثَّاني: التَّشويق؛ أي: يُقدَّم لأنّ في تقديمه تشويقًا للسَّامع إِلى الخبر؛ ليتمكّنَ في ذهنه إذا وردَ ذلكَ الخبرُ [عليه] (٣)، كما إذا قلتَ: (صديقُكَ فلانٌ الفاعلُ الصَّانعُ رجلٌ صدوقٌ)؛ فإنَّه لَمَّا قدّمَ (٤) المبتدأَ الموصوفَ اشتاقتْ نفسُ السَّامع إلى ما يردُ بعدَه. وهو -أي: التَّشويقُ- أحدُ خواصِّ الإخبارِ بالَّذي (٥)، وخواصُّهُ

стр. 396

الآخر ما مرَّ في الحالةِ الَّتي تقتضي كونَه موصولًا، من قصدِ زيادةِ التَّقرير، وبناءِ الخبرِ عليه، وغيرِه. وأمَّا كيفيّةُ الإخبارِ فهو وظيفةُ النَّحو. الثَّالثُ وهو (١): التَّفاؤلُ والتَّيمُّنُ؛ وذلكَ فيما إذا كان الاسمُ يصلحُ (٢) للتَّفاؤُل؛ فيقدِّمه إلى السَّامع لتعجيل إيصَالِ (٣) المسرّةِ إليه، نحو: (سعدُ بنُ سعيد في دارك). وكذا حكم التَّشاؤمُ والتَّطيُّر -فيما يصلحُ الاسمُ له-، فيُقدّمه إليه لتعجيل إيصَال (٤) المَسَاءَةِ إليه، نحو: (السَّفَّاحُ في دارِ صديقك). وإنَّما اكْتَفى بأَحَدِ الضِّدَّين (٥) عن الآخر لِدلالةِ حُكمِه على حكمِه (٦)، نحو قوله -تعالى-: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ (٧).

стр. 397

الرَّابعُ: طلبُ إثبات الحبرِ لا نفْسِه، نحو: (الخطيبُ يشربُ ويطْرَبُ) في جوارب: كيفَ الخطيبُ؟؛ أي هو مُتَّسِمٌ به، أي: يكونُ المطلوبُ إثباتَ الخبر للمسند إليه، واتِّصافَه واتِّسامَه بذلكَ الخبرِ، كما يقال: (الخطيبُ يَشربُ)، أي: الشُّربُ ثابتٌ له؛ بمعنى: أنَّه من شأنه وصفته وحالٍ من أحواله، وإن لمْ يكن شاربًا في حالِ الإخبار (١)؛ بخلافِ: (يشربُ الخطيبُ)، فإن المطلوبَ فيه نفسُ الإخبار بحصولِ الفعلِ وصدوره منه (٢) لا كونه صفةً وحالًا له (٣)؛ ولهذا يلزمُ أن يكونَ فيه شَاربًا في الحالِ (٤). والأَوَّل: يُستعملُ في موضع يكون المقصودُ بيانَ حال الخطيبِ وكيفيَّة شأنه بصدقِ ذلك الوصفِ عليه واتِّسامه به، لا كونه شاربًا في الحالِ، ولهذا يُقال في جوابِ: (كيفَ الخطيبُ؟). والثَّاني: يُستعمل في موضع يكونُ المقصودُ إخبارَ السَّامع بذلكَ الفعل لا بَيَانَ حاله وصفتِه، ولهذا يُقالُ في جواب: (ما يفعلُ الخطبُ؟). وهذَا قريبٌ ممَّا قال متأخِّرو المنطقيِّين، كأُسْتَاذِنا في بحثِ جهةِ السّور وجهةِ الحمل: إنَّ الجهةَ قد تكونُ -أيضًا- للصِّدق، كما يُقال

стр. 398

في زمان خُلُوِّه عن الشُّرب يجبُ أن يصدُقَ في الحال: (الخطيبُ يشربُ)، وكما يجبُ أن يَصْدُقَ عندَ الزَّوالِ: (الشَّمسُ تطلُع)؛ ولتحقيقِه مواضع أُخَر. الخامسُ: كونُه مَحَزَّ التعجُّبِ أو الاسْتِبعاد؛ أي: يُقدَّمُ ليُعْلمَ أنَّه محلُّ التَّعجُّبِ أو الاسْتبعاد. المَحَزُّ: موضع الحَزِّ؛ وهو القَطْعُ. فتأمَّلْ في مثل هذا المثل (١): (أَنخْدَعُ (٢) بالزَّبِيبِ بَعْدَ المَشِيبِ)، وأخَويه؛ أي: مثل: (أبالزَّبيبِ (٣) نُخْدَعُ بَعْدَ الْمَشِيبِ)، و (أَبَعْدَ الْمَشيب نُخْدعُ بالزَّبِيبِ)؛ قال: فإنَّ في (٤) الأَوَّل التَّعجّبُ في الخدع، وفي الثَّاني: [في] (٥) المخدوع به، وفي الثَّالثِ في المخدوع فيه، كما (٦) قال الشَّاعر (٧):

стр. 399

أبعدَ الْمَشِيبِ الْمُنْتَضَى (١) في الذَّوائبِ ... تُحَاولُ وصْلَ الغَانِياتِ الكَواعِبِ (٢) وقدْ يُقدّمُ متعلِّقُ الفِعل (٣) فاعلًا مَعْنى، أَوْ مفعولًا، أو غيرَهُما، للتَّخصيصِ، وذلك شاملٌ لأَربعةِ أنواع من التَّقديم، كَتَقديم الفاعلِ المعنويِّ على الفعل، نحو: (أنا عَرَفْتُ)، وكتقديمِ المفعولِ على الفعل؛ نحو: (زيدًا عَرفتُ)، وكتقديمِ غير الفاعلِ والمفعولِ، كالحالِ والتَّمييز على الفعل؛ نحو: (راكبًا جئتُ)، و (نفسًا طِبْتُ)، وكتقديم

стр. 400

مُتعلِّق الفعلِ على مُتَعلِّقٍ آخر له؛ كالمفعولِ على الفاعلِ؛ نحو: (ضربَ زيدًا عَمْرٌو)؛ هذا (١) إن قلنا: التَّقديم الَّذي بين المُتعلِّقات بعضِها مع بعضٍ يُفيدُ التَّخصيصَ. وقوله: "قدْ يُقدَّمُ" يكونُ عامًّا (٢) لتقديمه إمَّا على الفعل، وإمَّا على المتعلِّق (٣)، وإن قُلنا لا يُفيد (٤) فيكونُ خاصًّا (٥) لتقديمه على الفعل، ولا يشمل إلَّا الأنواع الثَّلاثةَ الأوَل، ومُساعدةُ الأمثلة عليه (٦). وإنَّما قال: "فاعلًا معنى"؛ لأنَّ ما هو فاعلٌ لفظًا يستحيلُ تَقْديمُه على الفعلِ بالاتِّفاق (٧).

стр. 401

نحو (١): (أنا ضربت)؛ مثالٌ لتقديمِ الفاعلِ المعنويِّ (٢) على الفعل، لمن ينفي الضَّرب عنك ويثبته لغيرك، أو يجعل لك فيه شريكًا؛ أي: لمن يعتقدُ وجودَ الضَّرب، لكنَّه مُخْطئٌ في فاعله؛ بأن ينفي عنك ويثبت لغيرك، أو يُخْطئُ (٣) في أن لك فيه شريكًا (٤)، وأنت تقصدُ أن تردَّه إلى الصَّوابِ؛ بأن تثبته لنفسك وتنفي عن غيركَ في الأَوَّلِ (٥)، وبأن تبيِّن الإنفرادَ والاستبدادَ في الثَّاني (٦). فتقولُ في تأكيده في الأَوَّل: "لا غيري"، وفي الثَّاني: "وحدِي"؛ أي: ولأنَّ الخطأَ في الأَوَّل كان في الفاعل وأنّه غيرُك تقولُ في تأكيده: "لا غيري"، وفي الثاني في التَّعميم وأنَّ لك فيه شريكًا تقول في تأكيده: "وحدي". فإنْ قلتَ: "أنا فعلته وحدي" في قوّة "أنا فعلته لا غيري"، وبالعكس؛

стр. 402

فَلِمَ اختصّ الأَوَّل بنحو "لا غيري". والثَّاني: بـ "وحدي (١) "؟!. قلتُ: لأنّ فائدةَ التَّأكيد (٢) إماطةُ الشُّبهة، وهي في الأَوَّل: أنَّ الفعلَ صدر عن غيرك؛ فأزلتها بـ "لا غيري"، وفي الثَّاني: أَنَّ الفعل صدر منك (٣) بشركة الغير فأمطتّها بـ "وحدي"، ولو عكست -وإن أفاد ذلك- (٤) لم يكن الكلام مُورَدًا على وجهه (٥)؛ لأن التَّأكيد إنَّما يَحسُن بما يدلّ على المقصودِ بالمطابقة لا بالالتزامِ (٦). وكذا (٧) زيدًا ضربتُ؛ مثالٌ لتقديمِ المفعول المتعدَّى إليه بلا واسطة (٨).

стр. 403

وبه مررتُ مثالٌ لتقديم المفعولِ (١) المتعدَّى إليه بالواسطة. وراكبًا جئتُ، مثالٌ لتقديم الحال. ونفسًا طبتُ، مثالٌ لتقديم (٢) التَّمييز. فلا تقل (٣) في (ما زيدًا ضربت): (ولا غيره) (٤)، إلّا لمن يراك تظنّه ضرب عمرًا؛ فقال: (زيدًا ضربتُ)؛ أي: فلا تقل في مثل (٥): (ما (٦) زيدًا ضربتَ) -بفتح التّاء- لفظة: "ولا غيرَه"؛ لأَنَّ منطوقَ "لا غيره" يُنافي مفهومَ تقديمِ (زيدًا)؛ لأن مفهومه (٧) أن يكون غيرُ زيدٍ مضروبًا لك -إلَّا لمن يراك أنَّك تظنّه ضرب عَمْرًا، فقال لك مدَّعيًا خطأ ظنِّك، وقاصدًا ردَّك إلى الصَّوابِ: "زيدًا ضربتُ"- بضمِّ التَّاءِ-؛ فإنّه يصحُّ منك أن تقولَ مثله؛ فإِنَّك لا تقصد فيه بالتَّقديمِ إلَّا مُطابقة الجوابِ؛ فقلتَ: "ما زيدًا ضربتَ" ردًّا لقوله: "زيدًا ضربتُ"،

стр. 404

وقلتَ: "ولا غَيْرَه"، ردًّا لحُسْبانه في حقِّك (١). ولا تَقُلْ فيه (٢)؛ أي: في "ما زيدًا ضربتَ" كلمة (٣): "ولكن أكرمتَه"؛ فتعقب الفعل المنفي بإثباتِ فعل [هو] ضدُّه (٤)؛ لأنَّك إنَّما تُخَطِّئه في المفعول؛ لأنّ مبنى (٥) الكلامِ ليسَ على أن الخطأ وقعَ في الضّرب؛ فتردّه (٦) إلى الصَّوابِ في الإكرام، وإِنَّما مبناه على أنَّ الخطأ وقعَ في المضروب (٧) حين اعتقد زيدًا فتردّه (٨) إلى الصَّوابِ أن تقولَ: "ولكن عَمْرًا". ولا تقلْ: ما أَنا قُلْتُ شعرًا إذا أنت تريدُ العمومَ؛ كما يفهم من

стр. 405

قول الشّيخ عبد القاهر (١)، إذ لا يُعتقدُ أنَّ: قلتَ كلَّ شِعْر؛ أي: لاسْتلزامه أن يكونَ قد اعتقد فيك (٢) مُعْتقدٌ: أنَّك قُلتَ كل شعرٍ في الدُّنيا فنفيت أن يكون إِيَّاه. ووجهُ الاستلزامِ أنَّه في قُوَّةِ: قال غيري كلَّ شعرٍ، وهو في جواب: ما قال غيرُك كل شعرٍ، وفيه اعتقادٌ أَنَّك قلتَ كلَّ شعرٍ. وأمَّا لو أردتَ التَّخصيص، كما تُريد شعرًا معيّنًا فلا مَنْع منه. ولا في "مما أنما ضربتُ"؛ أي: لا تقلْ في [نحو] (٣) "ما أنا ضربتُ" كلمة: "إلا زيدًا" حتَّى يصير هكذا: "ما أنا ضربتُ إلّا زيدًا"؛ لأنّه يُفيد أنَّك ضَربته ولم تضربه، لأن نقضَ النَّفي بـ "إلّا" يقتضي أن

стр. 406

تكون ضربت زيدًا، وتقديمُك ضميرك وإيلاؤُه حرفَ النَّفي يقتضي نفيَ أن تكونَ ضربته؛ هكذا في "المفتاح" (١)، وفي "دلائل الإعجاز" (٢). وقال صاحبُ "الإيضاح" (٣): "وفيه نظرٌ؛ لأنّا لا نُسلِّم أنَّ تقديمَ الضَّميرِ وإيلاءَ حرفِ النّفي يقتضي ذلك"؛ بل [عليه] (٤) أنّه يقتضي أن يكون ها هنا إنسانٌ غيرُ المتكلِّم قد ضرب من عدا زيدًا منهم؛ وهو مُحالٌ. وقال (٥) المصنِّفُ: إِنَّا (٦) ندَّعي ذلك في مادَّةٍ خاصّةٍ؛ كما أنَّ التّخصيصَ بالتَّعميم مراد في قولك: (ما أَنا قلتُ شعرًا)، وهي [في] (٧)

стр. 407

صورةٍ يكون الضَّربُ الواقعُ منحصرًا على زيدٍ، ويكون النِّزاعُ في فاعلِ ذلك الضَّرب المعيَّن؛ وحينئذٍ لزوم التّناقض ظاهرٌ؛ لأنْ النَّقضَ يقتضي أن تكون ضربته، والتَّقديمَ والإيلاءَ يقتضي صرفَ الضَّربِ عنك إلى غيرك، بلى (١) لو لم يحصر (٢) لم يتناقض؛ لأن النَّقضَ يقتضي ضربَك إيَّاه، والتّقديمَ يقتضي صرف ضربٍ عنك (٣) لا (٤) ضربَ زيد؛ فلا يتناقض. وقد يُقدَّمُ الفاعلُ؛ أي: بحسبِ التَّلفّظ لا على نِيَّةِ التّقديم والتَّأخيرِ؛ كما في التَّقديم التَّخصيصى، معنىً؛ أي: ما هو فاعلٌ معنىً لا لفظًا (٥)، خاصَّة عليه. إنّما قال: "خاصةً"؛ لأنَّ سائرَ متعلِّقاتِ الفعل لا تتقدم عليه للتَّقوية؛ بل للتَّخصيص؛ كما مرَّ؛ نحو: (أنا عرفتُ) لتقويةِ الحكمِ؛ لأنَّ المبتدأ لاستدعائه (٦) حكمًا يَصْرف ما يصلحُ له (٧)؛ إلى نفسه (٨). ولو بلا ضميرٍ؛ نحو: (زيدٌ غلامٌ)، فإذا وجدَ الضّميرُ

стр. 408

صرفَه (١) إليه ثانيًا. اعلمْ (٢): أنَّك إذا قُلت: (عرفتُ أنا)؛ "فأنا" فاعلٌ معنى؛ لأنّه تأكيدٌ للفاعل، فإذا قُلت: (أنا عرفتُ) يحتمل أن يقال: أصلُ النَّظمِ: (عرفتُ أنا)، ثُمّ قدّمَ (أنا)، ويحتمل أن يُجرى الكلامُ على الظَّاهرِ، ويقال: (أنا) مُبتدأٌ و (عرفتُ) خبرُه؛ ولا يُقدّر تقديمٌ وتأخيرٌ. فنظمُ الكلامِ بالاعتبارِ الأَوَّل يفيدُ التَّخصيصَ، وبالاعتبارِ الثَّاني يكونُ مُفيدًا لتقويةِ الحكمِ، وسببُ تقوِّيه (٣)؛ هو أنَّ المبتدأَ لكونه مُبتدأ واستدعائه (٤) به حكمًا، وَأن يُسندَ إليه شيء -يصرف إلى نفسه ما يصلح له وللإسنادِ إليه إذا وردَ بعدَه؛ ولو كانَ ذلك الصَّالحُ الواردُ بلا ضميرٍ يرجعُ إلى المبتدأ؛ نحو: (زيدٌ غلامٌ) (٥)؛ فإذا وُجد الضَّميرُ- بأن كانَ الخبرُ متضمِّنًا له (٦) - صرفَ ذلكَ الضّميرَ إلى المبتدأ ثانيًا؛ فيكتسي الحكمُ قُوّةً لتكريرِ (٧) الإسنادِ، فإذا قلت: (أنا عرفتُ) كان المرادُ تحقيق حُكمِ العرفةِ، وتقويته عند السَّامع؛ لا تخصيصه به.

стр. 409

وأمّا: (عرفتُ أنا) بتأخير لفظة: (أنا) فتأكيدٌ للفاعل لا للإسناد؛ وهو غيره، [أي: غير "أنا عرفت"؛ لأنَّ المفهومَ من "أنا عرفت" تكريرُ (١) المعرفة، ومن (عرفت أنا) تكرير (٢) العارف دونَ المعرفةِ واحدُهما غيرُ الآخر] (٣). تذنيباتٌ الأَوَّل: (أنا عارفٌ) (٤) دون (٥) (أنا عرفتُ) في التَّقويةِ لعدمِ تغيُّر الضَّميرِ في الحكايةِ والخطابِ والغيبةِ؛ تقول: (أنا عارفٌ)، (وهو عارفٌ)، (وأَنت عارفٌ)؛ بخلاف ما تقول: (أنا عرفتُ)، (وهو عرفَ)، (وأنت عرفتَ) (٦) فكأنه لا ضمير.

стр. 410

والسِّرُّ في عدمِ تفاوت الضَّميرِ: أنَّ معنى (عارف) ذاتٌ (١) ثبتَ له المعرفة، فكأنَّ (٢) ضميرَه راجعٌ إلى الذّاتِ؛ والذاتُ لا تختلفُ باختلافِ الاعتباراتِ، ولأن ضميرَه لما لمْ (٣) يرجع إلى المبتدأ لم يُفد (٤) التَّأكيد؛ كما أفاد (أنا عرفت) (٥)، ولأنَّ الذَّاتَ بالحقيقة هو نفسُ المبتدأ؛ فكأنَّه راجعٌ إليه، وأفادَ (٦) شيئًا من التَّأكيدِ (٧).

стр. 411

الثَّاني: قال (١): (زيدٌ عرف) للتَّوكيدِ والتَّقويةِ؛ لأنَّه إذا أُخِّر كان فاعلًا إلّا نادرًا؛ نحو: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ (٢)؛ فإنَّه يجوزُ على المذهبِ النَّادرِ (٣) أن يكون (زيد) (٤) مؤخَّرًا، ولا يكون فاعلًا؛ بلْ يكون فيه ضميرُ فاعله، و (زيد) تأكيدٌ، أو بدلٌ منه (٥)، كما يُقالُ في الآيةِ: إِن الفاعلَ مُضمرٌ، و (الّذين) بدلٌ (٦)، فلا يقدّم [أي] (٧) لكونهِ

стр. 412

فاعلًا لو تأخَّر لا يُقدَّم، لأنَّ الفاعلَ لا يتقدَّم على الفعل، فلا يجوز كونُه للتَّخصيصِ. وإن تقدّم (١) فيُحمل على النَّادرِ عند عدمِ جوازِ المبتدئيّة (٢)، نحو: (رجلٌ جاءَ)؛ أي: لفقدان شرطِ الابتداءِ (٣)، وتعذُّرِ حَمْله على الأصل؛ يُحْمل على النَّادرِ ويُحكم بالتَّقديم فيُفيد التَّخصيصَ؛ أي: لا امرأة ولا رجلان (٤)؛ أي: يُفيد [إمّا] (٥) تخصيص الجنس؛ نحو: رجلٌ [جاءَ] (٦) لا امرأة، وإمّا تخصيص الأفراد، نحو: رجل [جاءَ] (٧) لا رجلان أو رجال. وقولهم (٨): "شَرٌّ أَهَرَّ (٩)

стр. 413

ذا نابٍ (١) "يأباهما (٢) موضعُ استعماله، لأَنَّه لا يُستعمل (٣) في موضع يكونُ المراد: شرٌّ أَهرَّ لا خير، وشرٌّ أهرّ لا شرَّان. والسَّكَّاكيُّ خصّصَ إباءَ الموضع بالوجهِ الأخيرِ؛ حيثُ قال: لامتناع أنْ يُقال: المهرُّ شرٌّ لا خير؛؛ إذ التَّخصيص يَسْتدعي اشتراكَ الخيرِ والشرِّ في الإِهْرَار، لكنَّ الخيرَ لا يكونُ مُهِرًّا (٤)، وامتناع أن يكونَ التَّقديرُ: شرٌّ لا شرّان؛ لأنَّه بهذا الوجه يكونُ (٥) نابيًّا عن مظانِّ استعماله (٦). وإذا نَصُّوا بأن معناه: (ما أهرَّ ذا نابٍ إلا شَرٌّ)، فالوجهُ: أنَّ التَّننكر للتَّعظيمِ، أي: وإذا (٧) نصَّ الأئمةُ (٨) بأنَّ فيه تخصيصًا؛ حيثُ

стр. 414

قالوا: معناه: (ما أهرَّ ذا نابٍ إلا شرٌّ)؛ فالوجهُ: أن يقال: إنَّ (١) التَّنكيرَ للتَّعظيمِ، وأنَّ المرادَ تفظيعُ شأنِ الشَّرِّ؛ أي: ما أهرَّ ذا نابٍ إلَّا شرٌّ عظيمٌ فظيعٌ (٢)؛ فيُفيد تخصيصَ النَّوعِ. والحاصلُ: أنَّ (أنا عرفتُ) يحتملُ تقويةَ الحكمِ وتحقيقه "بأن يكونَ (أنا) مُبتدأٌ و (عرفتُ) خبرَه -كما هو الظَّاهرُ-، ويحتملُ التَّخصيصَ؛ بأن يكون التّقديرُ: (عرفتُ أنا)؛ فُقُدِّم (أنا). و (زيدٌ عرفَ) لا يصلح للتَّخصيص؛ إذ لو قدَّرت (عرفَ زيدٌ) كان (زيدٌ) فاعلًا، فلا يتقدَّمُ إلّا على طريقةِ: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ (٣)، وهو بعيد. و (رجل عرف) لا يحتملُ التَّحقيقَ، لأن النَّكِرةَ غير المخصَّصةِ لا تصلحُ مبتدأ، فهو للتَّخصيصِ لتقديرِ تقديمه. فعُلم أنَّ مأخذ التَّخصيصِ والتَّقويةِ تقديرُ التَّقديمِ والتَّأخيرِ ولا تقديرُهما!.

стр. 415

ولمّا كانَ هذا (١) عند المصنِّفِ غيرَ مرضيّ، لإفضائه إلى جواز تقديم تأكيدِ الفاعل عليه في: (أنا عرفتُ)، وكذا (٢) في: (رجلٌ عرفَ) مع التزامِ الوجهِ البعيد، وإلى عدمِ جوازِ (زيدٌ عرفَ) للتّخصيصِ مع اسْتعمالِ الفصحاءِ له، كما إذا تُصوّر أنَّ المخاطبَ يعرفُ عارفًا، لكنّه مُتردّدٌ بين (٣) أنّه زيدٌ أو عمرو، فيقول: (زيدٌ عرف لا عمرٌو)، - قال (قال) (٤). والمرضيُّ عندَه هو مذهبُ الشَّيخِ عبدِ القاهر، وهو: أنَّ مأخذَ التَّخصيصِ والتَّقويةِ مُقتضى المُقام، فإنْ كان (٥) شكَّ السَّامعُ في النِّسبةِ فهو للتَّقويةِ، وإنْ كانَ في المنسوبِ إليه فهو للتَّخصيص (٦)؛ فـ (زيدٌ عرفَ) عند الشَّيخ يحتملُ (٧) لهما، إذ قد يشكُّ في النِّسبة فيتصوّره يسأل (٨): (زيدٌ ماذا

стр. 416

فعلَ؟)، وقد يعلمُ النِّسبةَ ويجهلُ نفسَ المنسوبِ إليه فيسأل: (من ذا عرف، أزيدٌ أم عمرو؟). وأمَّا (رجلٌ جاء) (١) فإنّه مُتعيّن للتَّخصيصِ عندَه -أيضًا-، لأنَّه لكونِه نكرةً مجهولةً لا يُتصوّر أَنْ يشكَّ في نسبةِ فعلٍ إليه، بل في مثلِ هذه الصُّورة لا يكون الشَكُّ إلَّا في تعيين (٢) المنسوبِ إليه (٣). ثمَّ إنَّ (شرٌّ أهرّ ذا نابٍ) لا يُحتاج فيه إلى التَّخصيصِ النَّوعيِّ (٤)؛ بل التَّقدير فيه: شرٌّ أهرَّ لا غيره، من بَرْدٍ، أو جُوع، أو فَقْدِ إِلْفٍ، لأنَّ استعمالهم ذلك عند تطيُّرهم بنحو مُصيبةٍ ومثلها من الدَّواهي. الثَّالثُ: وكذا: (زيدٌ عرفتُ) أو (عرفتُهُ) للتَّأكيدِ؛ أي: وكذا قال: (زيدٌ عرفتُ) أو: (عرفتُه) -أعمّ من أن يُحذف ضمير المفعول، أو يُذكر- للتَّأكيدِ والتَّقويةِ، لأنَّه لا (٥) يحتمل إلَّا الابتداء؛ وفيه

стр. 417

تكريرُ النِّسبة (١)؛ فيُفيد تَقْويةَ أَنَّك عرفت زَيدًا. و: (زيدًا عرفتُ) للتّخصيص؛ لأنَّه لا يحتمل إلَّا التَّقديم، و (أنا عرفتُ) يحتملهما؛ أي: التَّأكيد والتَّخصيص -كما مرَّ-؛ وهذا فيه نوع تكرار؛ وقد ضرب القلم عليه (٢) في بعض النّسخ، لكن المصنّف ما غيرّه عند الدّرس. وكذا (زيدًا عرفتُه) يحتملُهما (٣)؛ إذ يُتصوّرُ فيه التَّقديم وعدم التَّقديم؛ فبتقدير (٤) الأصل (٥): (عرفت زيدًا عرفتُه) (٦) للتَّقوية؛ لتكرّر (٧) الإسناد، أو بتقدير (٨): (زيدًا عرفتُ عرفتُه) (٩) للتّخصيص؛ لوجودِ التَّقديمِ المُستلزمِ للتّخصيص؛ فلا يرد أن في الوجه الأوّل (١٠) منافاة لما مرّ (١١): أن التَّقويةَ تختصُّ بتقديمِ الفاعلِ المعنويِّ؛ لأنَّ هذه التَّقوية

стр. 418

لا تستفاد من تقديم، لأَنَّه لا تقديم فيه؛ [لأنّ الفعلَ إذا قُدِّر مقدّمًا لا يكون فيه تقديم بل التَّقوية إِنَّما تحصل بتكرار الجملة] (١) إلّا في نحو: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ (٢)؛ أي: المضمر على شريطة التفسير يحتملهما؛ إلَّا إذا كان بعد أمّا؛ نحو: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾، فإِنَّه متعيّنٌ للتّخصيص لا يحتمل التَّأكيد؛ إذ لا يَصحُّ: (وأمَّا فهدينا (٣) ثمودَ فهديناهم) (٤)؛ وذلك بسبب استلزامه دخولَ فعلٍ؛ وهو (يكن)؛ لأنّ تقديره: (مهما يكن)، على فعلٍ؛ وهو: (فهدينا)؛ وهو مُحالٌ (٥) -كما قال النُّحاةُ (٦) -، وعُوّضَ (٧) بينها وبين فائها جزءٌ ممّا في

стр. 419

حيِّزها (١). هذا إذا قُرِئ: (ثمودَ) -بالنَّصْب- (٢)، وأمَّا إذا قُرئ بالرَّفع (٣) فليس من المبحث (٤).

стр. 420

الرَّابعُ: (مثْلُكَ لا يَبْخل)، و (غيرُك يبخلُ)؛ التُزم فيهما التَّقديم للتَّقوية؛ لأنَّ بناءَ (١) الفعلِ على المبتدأ أقوى للحكم، والمقام لكونه مقامَ مدحٍ يقْتضي التَّأكيد والمبالغةَ؛ وذلك إذا استعملوا لفظ (المثل) أو لفظ (الغير)؛ نحو: (مِثْلُك لا يَبْخل)؛ بمعنى: أنت لا تبخل؛ وكان لفظُ المثلِ مُقحَمًا، وكذا: (غيرُك لا يجُود)؛ بمعنى: أنت تجودُ. إذَا لَمْ يعرض (٢) به لإنسانين؛ أي: من غيرِ إرادةِ التَّعريضِ (٣) بلفظِ: (المثلِ)، و (الغيرِ) إلى إِنسانين غيرِ المخاطَبِ يقصدُ إليهما؛ فإنَّه حينئذٍ يكونُ للتَّخْصيص. فإنْ قيل: إنَّه (٤) مثل: (زيدٌ عرفَ) وقد مرَّ أَنَّه ليس للتَّخصيص. قلنا: إنَّ هذا التَّخصيصَ مدلولٌ عليه بحسبِ المقامِ، وهو غيرُ التَّخصيصِ الَّذي يُستفادُ من التَّقديمِ (٥).

стр. 421

النَّوعُ الثَّاني في الرَّبطِ والتَّعلُّق (١)، وهو لا يَخْلو إمَّا أن يكونَ بين الجملتين، [أولًا يكون بين الجملتين] (٢)؛ وحينئذٍ إمّا بين المفردين (٣) أو بين مفردٍ وجملة (٤). أَمَّا الثَّاني -وهو: أن لا يكون بين الجملتين- (٥)؛ فالتعلُّقُ (٦) والرَّبطُ بينهما لا يكون إلَّا بالحَمْل (٧) والإسناد، ثمَّ (٨) الحملُ قد يكونُ وحده؛ أي: مُجرّدًا؛ كما قال: إمَّا بين المفردين (٩) أو مفردٍ وجملةٍ؛ فبالحملِ وحدَه. أو مؤكَّدًا؛ أي: وقد لا يكون مُجرَّدًا؛ وذلك إمَّا أن يكونَ مؤكَّدًا بالفصل -أي: بضمير الفَصل-؛ نحو: (زيدٌ هو القائِمُ) (١٠) أو (هو قامَ)؛ أو (هو أحسنُ من بكرٍ) أو (خيرٌ منه).

стр. 422

ويُفيد: أن مَا دخلَ عليه خبرٌ لا صفةٌ؛ ولهذا سُمِّي ضمير الفصل؛ لأنَّه يفصلُ بين كونِه خبرًا وصفةً؛ إذ لا يجوزُ الفصلُ بين الصِّفةِ والموصوفِ. والحاصلُ: أن ضميرَ الفصلِ ضميرٌ مرفوعٌ منفصلٌ مطابقٌ للمبتدأ يتوسَّطُ بينه وبين الخبرِ إذا كان معرفةً؛ نحو: (زيدٌ هو القائم)؛ إذ لا يلتبس بأنَّه صفةٌ إذا كان نكرةً؛ نحو: (زيدٌ قائمٌ). أو كانَ فعلًا؛ نحو: (زيدٌ هو قامَ) أو (يقومُ)، أو كان للتَّفضيل؛ إمَّا بصيغةِ أفعل؛ نحو: (زيدٌ هو أحسنُ من بكرٍ)، وإمَّا بِغيرها؛ نحو: (زيدٌ هو خيرٌ منه). أمَّا في الفعلِ فلأنَّه يُشبه المعرفةَ من حيثُ اللَّفظُ؛ لامتناع دُخولِ اللَّام عليه. ولا يَرِدُ (١): (غلام رجل)؛ لأنَّ الامتناع في الفعل ذاتيٌّ (٢)، وفيه عرضيٌّ (٣)؛ فلا اعتداد بهِ (٤). وأما في صيغة التَّفضيل (٥)؛ فلأنَّها تُشبَّه بالمعرفةِ من حيثُ المعنى؛ لأنَّ معنى قولك: (أفضلُ من كذا): الأفضلُ؛ باعتبار أفضليّةٍ (٦) معهودةٍ؛ فالتَّعريفُ يمسُّه مَسًّا قويًّا (٧).

стр. 423

وقد (١) يُقصدُ به (٢) الحَصْرُ في المبتدأ وتخصيصهِ به، وفيه نوعُ مخالفةٍ لما (٣) في "المفتاح"، لأنَّه قال (٤): "وأمَّا الحالةُ الَّتي تقتضي الفصلَ فهي: إذا كان المرادُ تخصيصَه للمسندِ بالمسند إليه"؛ وهو يدلُّ على أنَّه كُلَّما أورد ضميرَ الفصل قصد به الحصرَ والتَّخصيصَ. وعبارةُ الأستاذِ أسدُّ (٥)؛ لعدم وُجوبِ (٦) كونهِ للحصرِ (٧).

стр. 424

أو داخلًا عليهِ فعلٌ؛ عطفٌ على قوله: "مؤكدًا" (١)؛ أي: أو لا يكون (٢) مؤكَّدًا. وحينئذٍ إمَّا أن يكونَ داخلًا عليه فعلٌ؛ وهو إمَّا أن (٣) يفيد حالًا للحكم؛ من دوام، أو حدوثٍ (٤)، أو انتقالٍ إليه عن غيره، أو نفيٍ؛ نحو: "لا زال" (٥)؛ مثال للدَّوامِ، و"كان" للحدُوثِ. و"صارَ" للانتقال، و"ليس" للنَّفي، أو قُربٍ؛ عطفٌ على دوامٍ؛ وذلك القُربُ والدُّنوُّ للخبر [إمَّا] (٦) رجاءً؛ نحو: (عسى)، أو حُصُولًا؛ نحو (٧) (كاد). أو لاعتقادك (٨)؛ عطفٌ على قوله: "للحكم"؛ أي: أو يفيدُ

стр. 425

حالًا، لاعتقادك لي [أي للحكم] (١)؛ من قُوَّةٍ أَوْ ضعفٍ (٢)، نحو (علمتُ)؛ مثالٌ للقوّة، و (ظننتُ) للضَّعف. أو حرفٌ، عطفٌ على "فعل"، أي: أو أن يكونَ داخلًا عليه حرفٌ يُفيدُ حالًا للحكم، وهو لا يفيد حالًا للاعتقاد بالاستقراء من كونه، أي: الحكم محقّقًا، كـ (إنّ) - بالكسر، أو مُشارًا إليه كـ (أَن) - بالفتح، أو مُشبَّهًا كـ (كأنّ)، أو مرجوًّا كـ (لعلّ)، أو متمنًّى (٣) كـ (ليت)، وهنا (٤) في بعض النُّسخ. أو منفيًّا [بلا عموم] (٥) كـ (ما)، ولا المشبَّهتين بليس أو مع عمومٍ، أي: منفيًّا مع عموم كـ (لا) الجنسيّة؛ أي: كـ (لا) الَّتي لنفي الجنسِ، فإنّها تُفيدُ النَّفيَ والتَّعميمَ كليهما (٦).
следующие страницы →