← Адаб

Адаб · id 17458

تحقيق الفوائد الغياثية

الكرماني، شمس الدين

Полный текст (841 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

النَّوعُ الثَّاني في الرَّبطِ والتَّعلُّق (١)، وهو لا يَخْلو إمَّا أن يكونَ بين الجملتين، [أولًا يكون بين الجملتين] (٢)؛ وحينئذٍ إمّا بين المفردين (٣) أو بين مفردٍ وجملة (٤). أَمَّا الثَّاني -وهو: أن لا يكون بين الجملتين- (٥)؛ فالتعلُّقُ (٦) والرَّبطُ بينهما لا يكون إلَّا بالحَمْل (٧) والإسناد، ثمَّ (٨) الحملُ قد يكونُ وحده؛ أي: مُجرّدًا؛ كما قال: إمَّا بين المفردين (٩) أو مفردٍ وجملةٍ؛ فبالحملِ وحدَه. أو مؤكَّدًا؛ أي: وقد لا يكون مُجرَّدًا؛ وذلك إمَّا أن يكونَ مؤكَّدًا بالفصل -أي: بضمير الفَصل-؛ نحو: (زيدٌ هو القائِمُ) (١٠) أو (هو قامَ)؛ أو (هو أحسنُ من بكرٍ) أو (خيرٌ منه).

стр. 422

ويُفيد: أن مَا دخلَ عليه خبرٌ لا صفةٌ؛ ولهذا سُمِّي ضمير الفصل؛ لأنَّه يفصلُ بين كونِه خبرًا وصفةً؛ إذ لا يجوزُ الفصلُ بين الصِّفةِ والموصوفِ. والحاصلُ: أن ضميرَ الفصلِ ضميرٌ مرفوعٌ منفصلٌ مطابقٌ للمبتدأ يتوسَّطُ بينه وبين الخبرِ إذا كان معرفةً؛ نحو: (زيدٌ هو القائم)؛ إذ لا يلتبس بأنَّه صفةٌ إذا كان نكرةً؛ نحو: (زيدٌ قائمٌ). أو كانَ فعلًا؛ نحو: (زيدٌ هو قامَ) أو (يقومُ)، أو كان للتَّفضيل؛ إمَّا بصيغةِ أفعل؛ نحو: (زيدٌ هو أحسنُ من بكرٍ)، وإمَّا بِغيرها؛ نحو: (زيدٌ هو خيرٌ منه). أمَّا في الفعلِ فلأنَّه يُشبه المعرفةَ من حيثُ اللَّفظُ؛ لامتناع دُخولِ اللَّام عليه. ولا يَرِدُ (١): (غلام رجل)؛ لأنَّ الامتناع في الفعل ذاتيٌّ (٢)، وفيه عرضيٌّ (٣)؛ فلا اعتداد بهِ (٤). وأما في صيغة التَّفضيل (٥)؛ فلأنَّها تُشبَّه بالمعرفةِ من حيثُ المعنى؛ لأنَّ معنى قولك: (أفضلُ من كذا): الأفضلُ؛ باعتبار أفضليّةٍ (٦) معهودةٍ؛ فالتَّعريفُ يمسُّه مَسًّا قويًّا (٧).

стр. 423

وقد (١) يُقصدُ به (٢) الحَصْرُ في المبتدأ وتخصيصهِ به، وفيه نوعُ مخالفةٍ لما (٣) في "المفتاح"، لأنَّه قال (٤): "وأمَّا الحالةُ الَّتي تقتضي الفصلَ فهي: إذا كان المرادُ تخصيصَه للمسندِ بالمسند إليه"؛ وهو يدلُّ على أنَّه كُلَّما أورد ضميرَ الفصل قصد به الحصرَ والتَّخصيصَ. وعبارةُ الأستاذِ أسدُّ (٥)؛ لعدم وُجوبِ (٦) كونهِ للحصرِ (٧).

стр. 424

أو داخلًا عليهِ فعلٌ؛ عطفٌ على قوله: "مؤكدًا" (١)؛ أي: أو لا يكون (٢) مؤكَّدًا. وحينئذٍ إمَّا أن يكونَ داخلًا عليه فعلٌ؛ وهو إمَّا أن (٣) يفيد حالًا للحكم؛ من دوام، أو حدوثٍ (٤)، أو انتقالٍ إليه عن غيره، أو نفيٍ؛ نحو: "لا زال" (٥)؛ مثال للدَّوامِ، و"كان" للحدُوثِ. و"صارَ" للانتقال، و"ليس" للنَّفي، أو قُربٍ؛ عطفٌ على دوامٍ؛ وذلك القُربُ والدُّنوُّ للخبر [إمَّا] (٦) رجاءً؛ نحو: (عسى)، أو حُصُولًا؛ نحو (٧) (كاد). أو لاعتقادك (٨)؛ عطفٌ على قوله: "للحكم"؛ أي: أو يفيدُ

стр. 425

حالًا، لاعتقادك لي [أي للحكم] (١)؛ من قُوَّةٍ أَوْ ضعفٍ (٢)، نحو (علمتُ)؛ مثالٌ للقوّة، و (ظننتُ) للضَّعف. أو حرفٌ، عطفٌ على "فعل"، أي: أو أن يكونَ داخلًا عليه حرفٌ يُفيدُ حالًا للحكم، وهو لا يفيد حالًا للاعتقاد بالاستقراء من كونه، أي: الحكم محقّقًا، كـ (إنّ) - بالكسر، أو مُشارًا إليه كـ (أَن) - بالفتح، أو مُشبَّهًا كـ (كأنّ)، أو مرجوًّا كـ (لعلّ)، أو متمنًّى (٣) كـ (ليت)، وهنا (٤) في بعض النُّسخ. أو منفيًّا [بلا عموم] (٥) كـ (ما)، ولا المشبَّهتين بليس أو مع عمومٍ، أي: منفيًّا مع عموم كـ (لا) الجنسيّة؛ أي: كـ (لا) الَّتي لنفي الجنسِ، فإنّها تُفيدُ النَّفيَ والتَّعميمَ كليهما (٦).

стр. 426

وهذه المباحثُ مِمَّا زادها (١) على "المفتاح"، ولا بُدَّ منها. وإمّا (٢) بَينَ غيرهما؛ أي: وإمّا الأَوَّل -وهو (٣) ما يكونُ بين غيرِ القسمين-، أي: المفردين أو المفرد والجُملة؛ كجُملتين أُخرِجتا بإدخالِ حرف (٤) الشّرطِ أو التَّرديد؛ أي: حرفِ التَّرديدِ عليهما. عن الحمَليَّة (٥)؛ فبالشَّرطِ؛ أي: فالرَّبطُ بينهما بالشَّرْط أو بالتَّردِيد (٦) - كمَا سيأتِي-، لأن الرَّبطَ الحمليَّ لا يُمكَن بينَ (٧) النِّسْبتين؛ فهو إِمَّا بالاتّصالِ أو بالانفصال. مثالُ حرفِ الشّرطِ: (إن كانت الشّمسُ طالعة فالنّهارُ موجودٌ).

стр. 427

ومثالُ حرف التَّرديدِ: (العددُ إمّا أن يكونَ زوجًا أو فردًا)، وأنَّهما (١) أُخرجتا بهما (٢) عن الحَمْليّة؛ ولهذا لا يحتملان الصِّدْقَ والكذبَ. والحمليّةُ -بالحاءِ المهملةِ-، وهي المناسبُ لقوله: "فبالحملِ"، وبالجيم؛ وهو الملائمُ (٣) لاصطلاحاتِ الفنِّ [-كما سيأتي- و] (٤) كلٌّ منهما قرئ على الأستاذِ (٥). وأدواتُه -أي: الشّرط-: (إنْ) للاستقبال مع عدمِ الجزمِ بوقوع الشَّرطِ ولا وقوعِه، كما يقولُ القائلُ: (إنْ تكرمني أُكرمك)؛ وهو لا يَعلم أتكرمه أم (٦) لا. وقد يكون؛ أي: عدم (٧) الجزمِ لجهل المخاطب، أي: استعمال "إِنْ"

стр. 428

في مقامِ الجزمِ يكونُ لنكتة، وهي إمّا: لجهلِ المخاطبِ به (١) وعدم جزمه [به] (٢)؛ كما تقولُ لمن يكذِّبُك فيما أنت تُخْبره: (إن صدقتُ فقل لي ماذا تَعمل؟) (٣). أو تجهيلِه، أي: تَنْزيلِ المخاطبِ العالمِ ممنزلةَ الجاهلِ؛ لعدم جريِه على مُوجبِ العلم؛ كما تقولُ لابنٍ لا يُراعي حقّ أبيهِ: (إنْ كانَ أباكَ فلا تؤذه)؛ فإنَّ الابنَ لَمّا لم يراعِ حقَّ أبيهِ فكأنّه جاهلٌ به. أَو للتَّجاهلِ (٤)، كتجاهلِ الغُلامِ في جواب من يَسْألُه (٥) عن سيّده: أهو في الدّار؟؛ وهو يعلمُ أنّه فيها: (إذْ كان فيها أخبره بأنك على الباب) (٦). فيُغلِّب المسْتقبلُ لفظًا إلا لنكتةٍ، أي: لعدمِ الجزمِ بتحقُّقِ الجزاءِ؛ الّذي عُلِّق بالشَّرط، الَّذي عُدم الجزم -أيضًا- فيه (٧) يُغلّب

стр. 429

المستقبلُ لفظًا (١). وقلّما يُتركُ في بليغ الكلامِ إلى الماضي المؤذنِ بالتّحقّق (٢) نظرًا إلى لفظه- من غير نكتةٍ؛ نحو: ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ (٣) إشارة إلى تحقُّقِ المودّةِ بدون الشّرَط؛ إذ القياس أن يقُولَ (٤): "ويودّوا". قال في "المفتاح" (٥): "تركَ (يودّوا) إلى لفظ (٦) الماضي؛ إذ لم تكنْ تحتمل ودادتهم -لكفرهم- من الشُّبهةِ ما كان يحتملها كونهم: إن يثقفوهم أعداءً لهم وباسطي الأيدي والألسنِ إليهم للقتل والشَّتْم". وقال في "الكشّاف" (٧): "فإن قُلتَ: كيفَ أوردَ جوابَ الشّرطِ مُضارعًا مثله، ثم قال: ﴿وَوَدُّوا﴾ (٨) بلفظِ الماضي؟، قلتُ: الماضي

стр. 430

وإنْ كانَ يجري في بابِ الشّرط مجرى المضارِع في علم الإعرابِ فإن فيه نكتةً؛ كأنَّه قيل: ودُّوا قبلَ كلِّ شيء كفرَكُم وارتدادَكُم؛ يعني (١): أنهم يُريدونَ أن يلحِقوا بكم مضارَّ الدُّنيا والدِّين جميعًا؛ من قتلِ الأَنْفس، وتمزيق الأعراضِ، وردِّكم كفّارًا. وردُّكم كفّارًا أسبقُ المضارِّ عندهم، وأوَّلُها، لعلمهم: أن الدِّين أعزُّ عليكم من أرواحِكُم، لأنكم بذّالُون لها دونه. والعدوُّ أهمُّ (٢) شيءٍ عنده أن يقصدَ أعزَّ شيءٍ عندَ صاحبه". وقال في "الإيضاح": وفي كونِه من هذا البابِ "نظرٌ؛ لأن ودادَتَهم أن يرتدّوا كفّارًا حَاصِلةٌ وإن لم يظفروا بهم، فلا يكونُ في تقييدها بالشّرط فائدةٌ" (٣). و (إذا) له؛ أي: للاستقبالِ، مع الجزم والقطع بوقوع الشَّرط، ولو ادّعاء؛ أي: الجزم به إمَّا تحقيقًا؛ كما [إذا] (٤) قلتَ: (إذا طَلعتِ الشّمسُ فإنّي أفعلُ كذا)، أو ادّعاءً؛ كما إذا قُلتَ: (إذا جاء محبِّي فإني أفعلُ كذا)، فإنَّ مجيءَ المحبِّ ليس قطعيًّا تحقيقيًا، بل ظنيًّا وادّعاءً؛ فإنَّ المحبّ لمن يهواه زوَّار. فيغلّب الماضي لفظًا لكونِ الماضى أقربُ إلى القطع من المستقبلِ -في الجملةِ- نظرًا إلى اللّفظِ.

стр. 431

ونحو: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ (١) بلفظِ: "إِنْ" مع المرتابين دُون "إِذا" مع أنّه القياسُ؛ إشارةً إلى أنَّه (٢) ليس من شأنه أن يتحقق (٣)؛ لاشتمالِ المقام على ما يقلعُ الرِّيبة عن أصلها؛ وهو قدرةُ اللهِ والدَّلائلُ الدّالةُ على البَعثِ والتَّنزيل. أو للتَّغليب (٤)؛ عطفٌ على قوله: "إشارةً"؛ أي: أو لفظ: (إنْ) مع المُرتابين (٥) يكونُ لتغليبِ غير المرتابين -ممّن خُوطبوا- على مُرتابيهم (٦).

стр. 432

كـ ﴿إلا إِبْليسَ﴾؛ أي: كالتّغليب الَّذي في قوله -تعالى-: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إلا إِبْلِيسَ﴾ (١)؛ فإنّ إبليسَ (٢) عُدّ من الملائكة؛ مع أنَّه كان من الجنِّ تغليبًا؛ وإن حملَ الاستثناء على المتّصلِ (٣) هو الأَصل. و (للذُّكور)؛ أي: وكالتّغليبِ الَّذي يكونُ للذّكور على الإناثِ، كقوله -تعالى-: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ (٤). و (العُقلاء)؛ أي: وكالتَّغليب الَّذي [يكون] (٥) للعقلاءِ على غيرهم؛ كقوله -تعالى-: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ

стр. 433

أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ (١) فِيهِ﴾ (٢) خِطابًا شاملًا للعقلاءِ والأنعام، فغُلِّب المخاطبون (٣) على الغُيَّبِ (٤)؛ ولهذا جئَ بالكاف لا بالهاء (٥)، وغُلِّبَ العقلاءُ (٦) على غيرهم (٧)، ولهذا جيء بالميمِ دون النُّون (٨). وكـ (الأبوين)؛ للأب والأمِّ. [و (القمرين)؛ للشّمس والقمرِ] (٩)، و (العمرين)؛ لأبي بكر وعمر [﵄] (١٠) تغليبًا [لأخفِّ اللّفظين] (١١). ولو لم يكنُ الواو في (١٢) قوله: "كالأبوين" يكونُ هو والقمرين

стр. 434

مِثالين لتغليبِ الذُّكورِ. وينبغي أن لا يكون حينئذٍ لفظة (١) العُمرين فيه (٢)، كما ليس في المفتاح، وهكذا في بعض النُّسخ. اعلمْ: أنَّ في هذه الصَّفحةِ اختلفت (٣) النُّسخُ بحسبِ تقديمِ بعضٍ وتأخيره، لكنَّ النُّسخة الصّحيحةَ والموافِقة للمفتاح كما شرحناه. و (إذا ما) للتَّعميم في الأزمنة؛ فإنَّ (إذا) بمعنى: وقت، و (إذا ما) بمعنى: كلّ وقت، قال في "المفتاح" (٤): "لا فرق بين (إذا) و (إذا ما) في باب الشّرطِ من حيثُ المعنى إلا في الإبهامِ في الاستقبال" (٥) "وليس فيه (٦) ذكرُ التَّعميم، كما ليسَ في "المختصر" (٧) ذكرُ الاستقبالِ، اللَّهمَّ إلّا أن يُقال: لفظة قوله: "في الاستقبال" في بحث (متى ما) (٨) يتعلّقُ به-

стр. 435

أيضًا، أو يكونُ المراد بالأزمنةِ: الأزمنةَ (١) المتن تدلُّ (إذا) عليها وهي الإستقباليّةُ. و"متى ما" لتعميمِ الأوقاتِ في الاسْتقبال؛ قال في "المفتاح" (٢): و (متى) (٣) لتعميم الأوقاتِ في الاستقبالِ؛ أي (٤): وقتٍ من الأوقات الاستقباليّة، و (متى ما) أعمُّ منه (٥) "؛ أي: كلّ وقت منها (٦)؛ فالأَوَّل: التَّعميمُ على سبيل البدلِ، والثَّاني: على سبيلِ الاستغراق؛ ولهذا قال الفقهاء: لا (٧) يتكرّرُ الطّلاقُ المعلّقُ على (متى)، ويتكرّرُ في (متى ما) (٨).

стр. 436

و "حيثُما" و "أينما" في الأمكنةِ؛ أي: للتّعميمِ في الأمكنة، قال في "المفتاح" (١): و (أين) لتعميمِ الأمكنة، والأحياز (٢)؛ أي (٣): مكان من الأمكنة؛ و (أينما) أعمّ؛ أي: كلّ مكانَ [كان] (٤)، و (حيثما) نظيرُ (أينما) (٥).

стр. 437

و "مَن" في العقلاء؛ أي: للتَّعميمِ فيهم؛ نحو قوله -تعالى-: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا﴾ (١). و"ما" أعمُّ منه؛ أي: للتعيم في العقلاءِ وغيرهم؛ نحو قوله -تعالى-: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ (٢). قال في "المفتاح" (٣): " (من) لتعميمِ أولي العلم"؛ وهو أعمُّ من العقلِ؛ لأنَّ العلمَ يُطلقُ على الله؛ بخلافِ العقلِ؛ فإنَّه لا يُطلق عليه. و"مهما" أعمُّ [منه] (٤)؛ أي: من كلمة (ما)؛ نحو قوله -تعالى-: ﴿مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا﴾ (٥)، وإذا قلنا: أصلُه (ما ما)؛ أي: هي (٦) مرّكّبةٌ من (ما) الشّرطيّة، و (ما) الزَّائدة لتأكيدِ معنى الشّرطيّة، وقلبت الألفُ (٧) هاءً تخفيفًا؛ لاجتماع

стр. 438

المثلين (١)، فظاهرٌ (٢)، وإن قُلنا: إنَّه اسمٌ مفردٌ موضوعٌ للعمومِ؛ فكونه أعمّ أظهر؛ نظرًا إلى أن زيادةَ اللَّفظ تدلُّ على زيادة المعنى؛ كالشُّقُنْدُف والشُّقُنْدَاف (٣). و"أي" فيما تُضاف أليه؛ أي: "أيّ" (٤) لتعميمِ ما تُضاف إليه من أُولِي العِلْم، نحو: (أيُّ رجلٍ)، وغيرهم كانحو (أيُّ شَجرٍ). و"أنَّى" في الأحوالِ؛ أي: للتّعميمِ (٥) في الأحوالِ الرّاجعةِ إلى الشَّرطِ؛ كما تقول: (أَنَّى تقرأ أقرأ) (٦)؛ أي: على أيِّ حالٍ توجدُ القراءة (٧) - من جهرِها وهمسِها، أو غيرِ ذلك - أوجدُها أنا. وكلُّه؛ أي: كلّ واحد من هذه المعمّمات لتركِ تفصيل ممتنعٍ؛

стр. 439

لكونه غيرِ وافٍ بالحصرِ، أو مملٍّ (١)؛ إلى الاجمالِ؛ نحو قوله -تعالىَ-: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (٢). ثمَّ الطّرفانِ (٣) لا ثبوتَ لهما؛ فلا يكونان اسمين ولا ماضيين. لمّا كان الشّرطُ والجزاءُ تعليقَ حصول أمرٍ بحصولِ ما ليسَ بحاصلٍ - أستلزَم ذلك في جُملتيهما إمتناعَ الثّبوتِ؛ فامتنعَ أن يكونا اسمين أو أحدَهما (٤)، وكذا امتناعَ المُضيّ؛ فامتنعَ أن يكونا ماضيين أو أحدهما (٥). قوله: (لا ثبوتَ لهما)؛ معناه: لا ثبوتَ لكلِّ واحدٍ (٦) منهما؛ فلا يكونان؛ أي: لا يكون كلُّ واحدٍ منهما اسمين؛ فيشمل امتناعَ كونهما اسمين. وامتناعَ كونِ (٧) أحدهما كذلك، وكذا في الفعلِ. فإن وقعَ في كلامِ البليغ أن يكونا [اسمين أو ماضيين] (٨) أوْ يكون

стр. 440

أحدُهما اسمًا أو ماضيًا، فللادِّعاء؛ أي: فعلى سبيلِ الادّعاءِ، ولا يُصارُ إليه إلَّا لنكتةٍ؛ مثل: إرادةِ إبرازِ غيرِ الحاصلِ في معرض الحاصل لتأخُّذِ الأسباب، أو لأنَّ المتوقَّع كالواقع؛ أي: إمّا لقوةِ الأسباب المتآخذةِ المتظاهرةِ في وُقوعه، نحو: (إن اشترينا كذا) حال انعقادِ الأسبابِ في ذلك الشِّرَى، وإمّا لأنَّ ما هو للوقوع ومتوقّعٌ (١) كالواقع؛ نحو: (إِنْ (٢) متّ). والفرق بين الصّورتين: أن الأوْلى (٣) بنفسها ليستْ معلومةَ الوقوع بل بالأسباب، والثانيةَ بنفسها معلومة؛ نحو: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ (٤) فإنَّه -أيضًا- ورد على فرض ما هو للوقوع واقعًا؛ لكون هذا النّداءُ ضروريَّ الوقوع كالموتِ، وإلّا يجبُ أنَّ يقال: (يُنادى)؛ لأنه في يومِ القيامةِ. أوْ للتعريض؛ عطفٌ على قوله: "لتآخُذِ" لا على قوله (٥): "للادّعاء"؛ لأنه من أقسامه. وهو أن يكونَ الخطابُ

стр. 441

لواحدٍ والمرادُ غيرُه؛ مثلُ قوله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ (١)؛ تعريضًا بأنَّ قومَه اتّبعوا أهواءهم فيما مضى من الزّمانِ؛ لأنَّ الرّسولَ لم يتّبع، فأبرز غيرَ الحاصل في معرض الحاصل ادّعاءً. والتَّعريضُ يكونُ لدواعٍ منها: أن لا يصرّوا؛ أي: أن لا يصرَّ المعرَّضُون به على ما هم عليه، ولا يزيد غَضَبُهم عند إسْمَاعه (٢) الحقَّ، بخلاف ما لو صُرِّح بنسبتِهم إلى ارتكابِ الباطل. وعليه؛ أي: وعلى التَّعريض للأمرِ المذكورِ. ورد ﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (٣)، وإلّا نحقُّ النَّسقِ من حيثُ الظَّاهر: "لا تُسألون عمَّا عملنا، ولا نُسألُ عما تُجرمون"، وما قبلَه؛ أي: وكذا وردَ عليه ما قبله؛ أي: ما قبل قوله: ﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ ...﴾ الآية، وهو قوله: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (٤)، حيثُ ردَّدَ الضَّلال (٥) بينهم وبين نفسِه. والمرادُ: إنَّا على هدىً وأنتم في ضلالٍ، ولم يُصرِّح به لئلّا يُصِرّوا.

стр. 442

قال شارحُ "المفتاح" (١): "خولف بين (على) و (في) في (٢) الدّخولِ على الحقِّ والباطلِ؛ لأنَّ صاحبَ الحقِّ كأنَّه على فرسٍ جوادٍ يرتكضُ به حيث أرادَ، وصاحبَ الباطل كأنَّه مُنغَمِسٌ في ظلامٍ لا يَدري أين يتوجّه". ويُسمَّى مثلُه؛ أبي: مثلُ هذا الكلام وهو إسماعُ الحقِّ على الوجه المذكورِ؛ كلام (٣) المنصفِ؛ لأنّه يُوجبُ أن يُنصفَ المخاطبُ إذا رجعَ إلى نفسه، [أو لإنصاف المتكلِّم من نفسِه حيث حطّ مرتبته عن مرتبةِ المخاطبِ، ويُسمّى] (٤) -أيضًا- استدراجًا؛ لاستدراجهِ الخصمَ إلى الإذعانِ والتَّسليم، وهو شبيهٌ بالجدلِ؛ لأنَّه (٥) تصرُّفٌ في المغالطاتِ البرهانيّةِ (٦)؛ وهذا في المغالطاتِ الخطابيّةِ (٧).

стр. 443

أو للتفاؤلِ (١)؛ نحو: "إن وصلتُ إلى حبيبي". أو لإظهارِ الرّغبةِ بوقوعهِ؛ نحو: "إن ظفِرتُ بحسنِ العاقبةِ"؛ فإنَّ الطّالبَ إذا عظُمت رغبتُه في حُصولِ أمر، ويبالغ حرصُه فيما يطلب؛ ربَّما انتقشت في الخيَالِ صُورتهُ لكثرةِ ما يُناجي به نفسَه؛ فيخيّلُ إليه غيرُ الحاصلِ حاصلا، وبينهما (٢) عُمومٌ وخُصُوصٌ من وجهٍ. وأمَّا نحو: (إِنْ أكرمتني اليومَ فقد أكرمتك أمس) بدخول (إن) على الفعل (٣) الماضِي لا على سبيل الادّعاءِ لا بدَّ له مِن تأويل؛ فمؤوّلٌ بأنَّ المرادَ به: إن تعتدَّ أو تُخبر بإكرامك إيّاي اليومَ فاعتدَّ أو أخبر بإكرامي إيّاك أمس؛ وإن المقدَّرَ في معرضِ الملفوظِ به حين انصبابِ الكلامِ إلى معناه.

стр. 444

و "لَوْ" لامتناع الشّيءِ لامتناع غيره؛ أي: لامتناع الجزاءِ لامتناع الشَّرطِ (١)؛ كما تقولُ: (لو جئتني أكرمتك) معلّقًا امتناعَ إكرامِك بما امتنعَ من امتناع (٢) مجئِ مخاطبكَ؛ ولهذا امتنعت جُملتاها عن الثّبوتِ، فيغلّب الفعل (٣) الماضي؛ أي: فلزمَ أن يكونا فعليتين (٤) ليخلوا عن الثّبوتِ، والفعلُ يكونُ ماضيًا غالبًا لتناسب معنى لو (٥)؛ اللَّهمَّ إلّا لنكتة؛ فإنَّه

стр. 445

حينئذٍ يجوزُ أن يُصارَ إلى المضارع؛ نحو قوله -تعالى-: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ (١) إدخالًا له في سلكِ المقطوع به؛ لصُدُوره عمَّن لا يكذبُ ولا خلافَ (٢) في إخباره، وتنزيلًا له منزلة الماضي المعلوم، و ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ (٣) أي: يستمرّ امتناعُه؛ أي: إنَّما قال: (يُطعُكُمْ) ولم يقل: (أطاعكم)، لتصويرِ أن إطاعتَه مستمرُّ الامتناع فيما يمضي وقتًا فوقتًا، إذ المعنى: لو استمرّ إطاعته وقتًا بعد وقت لعنتّم؛ لكن يمتنعُ عنتكُم لاستمرارِ امتناعه عن إطاعتكم؛ لا لامتناع استمراره عن إطاعتكم؛ كما ظنَّ بعضٌ (٤)؛ فإنَّه بعضُ الظّنّ (٥).

стр. 446

أو هما (١)؛ أي: الآيتانِ الشَّريفتانِ، يجوزُ أن تكونَا لاستحضار الصُّورةِ؛ أي: صُورةِ رؤيةِ المجرمين ناكسي الرُّؤوس قائلين لما (٢) يقولون في الأولى (٣)، وصورةِ إطاعتِه لهم في كلِّ ما عن لهم في الثَّانيةِ؛ نحو: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ (٤)؛ إذْ لم يقل: "فأثارتْ" كـ "أرسل" (٥)، استحضارًا لتلكَ الصّورةِ البديعةِ الدَّالَّةِ على القدرهّ الباهرة؛ من إثارةِ السَّحابِ مُسخّرًا بينَ السّماء والأرض. ونحو

стр. 447

قوله -تعالى-: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَال لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (١) دون "كن فكان"؛ استحضارًا لصورةِ تكوّنهِ (٢). قال في "المفتاح" بعدَ ذكر الآيتين وبعدَ ذكرِ قوله -تعالى-: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٣)، وقوله: (لو تُحسن إِليّ لشكرت) (٤): "ولك أنَّ تردّ الغرضَ، من لفظ (٥): (ترى) و (يودّ)، و (تحسن) إلى استحضار الصّورةِ"؛ فبتعداده (٦) الألفاظ دون لفظِ (يطيعكم) موهمٌ (٧) بأنّه ليسَ للاستحضارِ. وقد وقعَ في بعض النُّسخ مسألة: (إن أكرمتني اليوم فقد أكرمتك أمس) ها هنا، لكنّ ذلك (٨) الموقعَ الَّذي وقع هو الموقعُ، والموافقُ للمفتاح.

стр. 448

تنبيهاتٌ وهي فوائدُ زائدةٌ على الأصل (١)؛ بل بعضُها ردٌّ عليه. الأَوّل: (إن) لا تدلُّ على الجزمِ (٢) لا أنَّها تدلُّ على عدمِ الجزم. قال السَّكَّاكيّ: الأصلُ فيها عدمُ الجزم (٣) [أي: تدل على عدم الجزم] (٤) بِحسب الأصل، وقال الأستاذ: ليسَ كذلك؛ بل الأصل أنَّها لا تدلُّ على الجزم. والفرقُ بين الدّلالةِ على عدم (٥) الجزمِ وعدمِ الدّلالةِ على الجزمِ ظاهرٌ (٦)؛ بدليل قوله -تعالى-: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ (٧)؛ حيث استعملَ "إنْ" في مقامِ الجزمِ بالعدمِ لتعقيبه بـ "لن

стр. 449

تفعلوا" الدَّالِ على الجزمِ بالعدمِ؛ فصحَّ أنَّه لا يقتضي عدم الجزمِ بأحد الطّرفين. والحقّ: أنَّه بحثٌ لغويّ، والتَّعويلُ على النّقل، فالتَّخصيصُ بدونه تحكّمٌ. الثَّاني: قد تُربطُ النِّسبةُ بالنِّسبة أو صدقُها بصدقها؛ ربطُ النِّسبةِ بالنِّسبة (١)، بأن يكون ثُبوتُ (٢) نسبةٍ على تقديرِ ثبوت نسبةٍ أخرى؛ فيتقارنان في الوجود؛ نحو: (كلَّما طلعت الشَّمس أشرقَ (٣) وجهُ الأرض)، وربطُ صدقها بصدقها؛ بأن يكون صدقُ النِّسبةِ على تقديرِ صدقِ نسبةٍ أخرى؛ نحو: (كلَّما طلعت الشَّمسُ بلغت نصفَ النّهار)؛ فإنَّه إذا صدقَ المقدّم صدقَ التّالي بالإطلاق؛ وليسَ إذا ثبتتْ (٤) هذه النِّسبةُ ثبت تلك النِّسبة. وهذا قريبٌ ممَّا قيل في المنطقِ في تعريف المتّصلة: أنَّها ما حُكِمَ فيها [بصدقِ قضيّةٍ أو صِدقها على تقديرِ صدق أخرى، أو ما حُكِمَ فيها] (٥) بثبوتِ قضيّةٍ على تقديرِ (٦) أُخرى.

стр. 450

وحيثُ يضعفُ الارتباطُ المعنويُّ؛ نحو: (إن تكرمني فأنا أخوك)، أو (فقد أكرمتكَ) - يحتاجُ إلى الفاءِ رابطةً لفظيّةً؛ لمّا كان الجزاءُ مربوطًا بالشَّرط فحيث يقوى (١) الارتباطُ المعنويُّ بحيث يحكمُ العقلُ أو العادةُ بمجرّد سماع اللّفظِ لا يُحتاجُ إلى الارتباطِ اللَّفظي؛ نحو: (إن تكرمني أكرَمك (٢)، وحيث يضعف الارتباطُ المعنويُّ اُحتيج إلى رابطة لفطة، وهي: "الفاءُ المعقّبة"؛ نحو: (إن تكرمني فأنا أخوك)؛ في الجملةِ الاسميّةِ، و (٣) (إِنْ تكرمني فقد أكرمتُك أمس)؛ في الجملةِ الفعليّةِ. الثَّالثُ: "لو" لعدمِ الشَّرطِ جزمًا، ولعدمِ الجزاءِ غالبًا؛ لأنَّ عدمَ الشَّرطِ لا يثبتُ باعتبارِ اللُّزومِ إلَّا به؛ فيُصارُ إليه إلَّا إذا امتنعَ الجزاءُ لترتُّبه (٤) على النَّقيضين؛ أي: "لو" تدلُّ على عدمِ الشَّرطِ جزمًا ووضعًا أعمُّ من أن يكون ذلكَ العدمُ (٥) لعدم الجزاء أو لا. وتدلُّ على عدمِ الجزاءِ -أيضًا- لا وضعًا وجزمًا؛ بل عقلًا وغالبًا (٦)؛

стр. 451

لأنَّ عدمَ الشَّرط في الملازماتِ لا يثبتُ ولا يعلمُ إلّا بعدمِ (١) الجزاءِ؛ كما تقول في قولنا: (لو كانَ إنسانًا لكانَ حيوانًا. لكنّه (٢) ليس بإنسان لأنَّه ليس بحيوانٍ)؛ استدلال بانتفاءِ اللّازمِ على انتفاء الملزومِ، ولمّا لم يتعيَّن انتفاءُ الشّرطِ بهذا الطّريق؛ كما في غير اعتبار اللُّزومِ لم يكن لانتفاءِ الجزاءِ جزمًا وقطعا بلْ غالبًا؛ فيُصارُ إلى ما هو الغالب، ويقال: إنّه لعدمِ الجزاءِ المستلزمِ لعدم الشَّرط، وهو معنى ما يقال: إنه لامتناع الشّيء -أي: الشَّرط- لامتناع غيرِه؛ أي: الجزاء (٣). هذا إذا لم يمتنع نفي الجزاءِ وعدمِه، وأمَّا إذا امتنع نفيُ الجزاء؛ كما لو كان الجزاءُ لازمًا للنَّقيضين - أي: الشّرط وعدمه- ومترتّبًا عليهما، ولم يلزمْ من عدم الشّرطِ عدم الجزاءِ؛ فلا يكونُ لعدمِ الجزاءِ، ولامتناع الشيء لامتناع غيره. وحينئذٍ؛ أي: حين إذ كان الجزاءُ مُترتّبًا على النّقيضين (٤)، يذكرُ الشّرطُ بالواو ليدلَّ على ما لم يُذكر وهو نقيضُه؛ وذلك فيما لمْ يكن المتروك أَوْلَى بترتّب الجزاء عليه؛ نحو: (أحبّكَ ولو كنتَ قاتلي) أي: أُحِبُّك لو لم تكن قاتلي ولو كنت قاتلي (٥).

стр. 452

أو بدونها لكونِ (١) المتروكِ أَوْلَى؛ أي: وقد يذكر بدون الواو، وذلك فيما كان المتروك أَوْلَى بترتّبِ الجزاءِ عليه لدلالةِ العقلِ حينئذ عليه؛ نحو: (نعمَ العبدُ صُهَيْبٌ (٢) لو لم يخفِ الله لمْ يَعْصه) (٣)؛ إذ يلزم منه بالطريقِ الأَوْلَى أنَّه لو خافه لم يعصه- أيضًا.

стр. 453

اعلمْ: أن المشهورَ [أن] (١) "لو" لامتناع الشَّيءِ لامتناع غيره، وقد وقعَ في بعض العبارات: أَنّه لامتناع الثَّاني لامتناع الأوّل (٢)؛ كما يُقال في نحو: (لو جئتني أكرمتك): أن انتفاءَ إكرامك لانتفاءِ مجيءِ مخاطبك، وفي بعضها: إنّه لامتناع الأَوَّل لامتناع الثَّاني؛ كما قال ابن الحاجب في قوله -تعالى-: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (٣): إنّه نفى التعدُّد لانتفاء الفساد (٤). وَالتَّحقيقُ فيه: أنَّه يُستعملُ (٥) في كلا المعنيين؛ لكن بالاعتبارين: باعتبار الوجودِ والتَّعليلِ، وباعتبارِ العلمِ والاستدلالِ؛ فيقول: لَمَّا كان المجيءُ عِلّةً للإكرامِ بحسب الوجودِ فانتفاءُ الإكرامِ لانتفاءِ االمجيءِ (٦) انتفاءٌ

стр. 454

للمعلولِ لانتفاءَ علّته (١). و -أيضًا-: لَمَّا يُعلم انتفاءُ الإكرامِ فقد يُستدل منه على انتفاءِ المجيء؛ استدلالًا من انتفاءِ اللازمِ على انتفاء الملزومِ. وهكذا في الآيةِ الكريمةِ (٢)؛ تقولُ في مقامِ التَّعليلِ: انتفاءُ الفسادِ لانتفاء عِلّته -أي: التَّعدُّد-، وفي مقامِ الاستدلالِ: يُعلم انتفاء التَّعدّدِ لانتفاءّ الفسادِ؛ فمن قال بالأوّلِ (٣) نظرَ إلى الاعتبارِ الأوّلِ، ومن قال بالثاني (٤) نظرَ إلى الاعتبار (٥) الثَّاني؛ هذا إذا لم يمتنعْ نَفيُ الجزاء، أمَّا إذا امتنع فليس لامتناع الشّيءِ لامتناع غيره؛ بلْ لبيان الملازمةِ وإثباتِ الجزاءِ مطلَقًا؛ أمّا عند وجودِ الواو فلاقتضائه معطوفًا عليه؛ كأنه في حكمِ شرطين؛ أي: أحبّك لو لم تكن قاتلي ولو كنت قاتلي، وأمّا عند عدمِ الواو فلأنّه إذا كان المتروك أولى يَدل عليه بمفهومِ الموافقةِ (٦)؛ كما

стр. 455

في: (لو لم يخفِ الله لمْ يعصه)؛ فإن فحوى الخطاب: أنَّه إذا خافَ لم يعصه- أيضًا؛ وذلك بالطّريق الأَوْلَى، ويدلُّ بمفهومِ المخالفةِ (١): أنَّه إذا خافَ عصى؛ لكنّه غير معتبر (٢)؛ لأنَّ شرطَ اعتبارِ مفهومِ المخالفةِ -كما علم في علم (٣) الأصول- عدم مفهوم الموافقة (٤)؛ وهذا تحقيق لم ينقّح إلى السّاعةِ. الرّابع: الظّرفُ؛ نحو: (أين) في المكانِ، و (إذا) في الزّمان. والكيفُ؛ كـ "أنّى". وغيرهما من الأحوالِ؛ أي: ممّا يُفيدُ حالًا للحكم؛ كـ "ما" و "أي" وكسائر الأسماء المُعمّمةِ في الزَّمانِ أو المكان

стр. 456

أو غيرِهما وكغيره (١). قدْ تجمعُ نسبتين في جُمْلتين (٢)؛ وإذا لُحظ فيه جِهةُ ارتباطِ؛ إحداهما بالأخرى وتعلّقها بها (٣)؛ كما يُلاحظ في مثل: (ما تصنعُ أصنع)؛ فتجعلَ صنعكَ مربوطًا بصُنع مخاطبك؛ بل مُسبّبًا له؛ صارَ المجموعُ شرطًا وجزاءً؛ فيُقال: يتضمَّنُ معنى الشّرطِ؛ وهذه قاعدةٌ كليّةٌ فاحفظها. الخامسُ: الاستفهامُ، إذا بُني عليه أمرٌ قبلَ الجواب؛ أي: قبلَ ذكرِ الجواب، فهم ترتُّبه؛ أي: ذلك الأمرُ على جوابهِ أيًّا (٤) كانَ؛ أي: أيّ جوابٍ كان؛ لأنَّ سَبْقَه (٥) على الجوابِ مشعرٌ بأن ذلك حالُ من يُذكرُ في الجوابِ؛ لئلّا (٦) يكون إيراده قَبلَه عبثًا. فأفادَ تعميمًا؛ أي: حينئذ يفيدُ تعميمًا؛ نحو: منْ جاءك؟ فأُكرمَه (٧) بالنَّصبِ، فإنَّه لَمّا قال قبلَ ذكرِ جواب الاستفهام (٨): أكرمه؛ عُلمَ أنَّه يكرم من يقولُ المجيبُ: إنّه جاء؛ أي جاء كان (٩). وكذا حُكمُ: من ذا جاءك؟ أكرمْه بالجزم.

стр. 457

وإنّما جاءَ بمثالين تنبيهًا على عدمِ الفرْقِ بين مجيئه بالفاءِ السَّببيّة وعدمِه، وبين نصبِه وجزمه. وجاء بلفظِ (ذا) بَعْدَ (من) تحقيقًا لعدمِ شرطيَّتها. ثمَّ قدْ يُجرّد المتضمِّنُ لمعنى الاستفهام عن الاستفهام؛ كما جُرِّدَ حرفُ الاستفهامِ (١) في قوله -تعالى- (٢): ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٣) عن الاستفهامِ؛ حيثُ صارَ لمجرّدِ التّسوية؛ مضمحلًّا (٤) عنه بالكُّليّةِ معنى الاستفهام. ومعنى الاستواءِ فيه استواؤُهما في علم المستفهمِ عنهما؛ لأ [نه] (٥) قدْ عُلمَ أن أحدَ الأَمرين كائنٌ؛ إمَّا الإنذار وإمّا عدَمُه؛ ولكن لا بعَيْنِه؛ فكلاهما (٦) معلومٌ بعلمٍ غيرِ مُعيَّنٍ. فإن قيلَ: الاستواءُ يُعلمُ (٧) من لفظة (سواءٌ) لا منه؛ أي: من

стр. 458

حرفِ الاستفهامِ (١)، مع (٢) أنَّه لو عُلم منه -أيضًا- لزِمَ التّكرَار. قُلْنا: هذا الاستواءُ (٣) غيرُ ذلك الاستواءِ المستفادِ من لفظةِ السَّواء. وحاصله: أنَّه (٤) كانَ للاستفهامِ عن مُستويين؛ فجُرِّدَ عن الاستفهامِ فبقي (٥) أنَّه لمستويين (٦)، ولا تكرّر (٧) في إدخالِ (سواء) عليه لتغايرهما؛ لأنَّ المعنى: إن المستويين في العلم مستويان في عدمِ الإيمانِ. وهذا النَّوعُ؛ أي: حذفُ قيدٍ واستعمالُه فيما بقي كثيرٌ في كلامِ العربِ، كما في النّداء، فإنَّه لتخصيص المنادى وطلب إقباله، فيُحذفُ قيدُ الطّلب، ويُستعملُ لمطلقِ الاختصاص، نحو: (اللَّهمَّ اغفِر لنا أيتها العصابة)؛ فإنّهُ منسلخٌ عن معنى الطّلبِ، وإن معناه: مخصوصين من بين العصائبِ. وكالمرسِنِ؛ فإنَّه لأنفِ البعيرِ ويُستعملُ في مطلقِ الأنف؛ [كقوله:] (٨).

стр. 459

......... ... وفَاحِمًا وَمَرْسِنًا مُسَرَّجَا (١). وكم مثلها!. فيصيرُ؛ أي: بعدَ التَّجريدِ عن الاستفهامِ يصيرُ للشّرطِ المحض، وحكمه (٢) حينئذٍ حُكمُه بلا تفاوتٍ. وهو السِّرُّ؛ أي: ما ذكرنا من جوازِ تجريده، وصيرورتِه للشّرطِ المحضِ -هو السِّرُّ في اشتراكهما؛ أي: في (٣) اشتراكِ الاستفهامِ والشّرطِ في كثيرٍ من الأَسماءِ؛ كما في (٤): "مَا" و "مَن" و "متى" وغيرها.

стр. 460

وبالتَّرديد؛ عطفٌ على قوله: "فبالشّرطِ" (١)؛ أي: وأمَّا الرّبطُ بين [غيرهما] (٢) فيَكونُ بالشَّرط (٣)، ويكونُ بالتَّرديد. وأداتُه؛ أي: أداةُ التَّرديد. "أو" و "إما"، وفي بعضِ النُّسخ: (و أدواته) ؛ وذلك باعتبارِ أنَّ أقلَّ الجمع اثنان، أو باعتبارِ ملاحظةِ الانفرادِ والاجتماع؛ نحو: (الجائي زيدٌ، أو عمرو)، و (الجائي إمَّا زيدُ، وإمّا عمرو)؛ منفردين (٤)، والجائي إمّا زيدٌ أو عمرو مجتمعين؛ فإنَّه يجوزُ الاطلاقُ على هذا التَّقدير بأنها ثلاثةٌ. وقوله (٥): (ويفيدان) ينصرُ النّسخةَ الأولى. ويُفيدان؛ أي: "أو" و "إِمَّا" ثبوتَ (٦) أحد الأمرين؛ كقولك: (زيدٌ شاعرٌ أو منجِّمٌ) ردُّا لمن يَنفيهما عن زيد، أَى: يقول (٧):
следующие страницы →