← Адаб

Адаб · id 17458

تحقيق الفوائد الغياثية

الكرماني، شمس الدين

Полный текст (841 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

أو غيرِهما وكغيره (١). قدْ تجمعُ نسبتين في جُمْلتين (٢)؛ وإذا لُحظ فيه جِهةُ ارتباطِ؛ إحداهما بالأخرى وتعلّقها بها (٣)؛ كما يُلاحظ في مثل: (ما تصنعُ أصنع)؛ فتجعلَ صنعكَ مربوطًا بصُنع مخاطبك؛ بل مُسبّبًا له؛ صارَ المجموعُ شرطًا وجزاءً؛ فيُقال: يتضمَّنُ معنى الشّرطِ؛ وهذه قاعدةٌ كليّةٌ فاحفظها. الخامسُ: الاستفهامُ، إذا بُني عليه أمرٌ قبلَ الجواب؛ أي: قبلَ ذكرِ الجواب، فهم ترتُّبه؛ أي: ذلك الأمرُ على جوابهِ أيًّا (٤) كانَ؛ أي: أيّ جوابٍ كان؛ لأنَّ سَبْقَه (٥) على الجوابِ مشعرٌ بأن ذلك حالُ من يُذكرُ في الجوابِ؛ لئلّا (٦) يكون إيراده قَبلَه عبثًا. فأفادَ تعميمًا؛ أي: حينئذ يفيدُ تعميمًا؛ نحو: منْ جاءك؟ فأُكرمَه (٧) بالنَّصبِ، فإنَّه لَمّا قال قبلَ ذكرِ جواب الاستفهام (٨): أكرمه؛ عُلمَ أنَّه يكرم من يقولُ المجيبُ: إنّه جاء؛ أي جاء كان (٩). وكذا حُكمُ: من ذا جاءك؟ أكرمْه بالجزم.

стр. 457

وإنّما جاءَ بمثالين تنبيهًا على عدمِ الفرْقِ بين مجيئه بالفاءِ السَّببيّة وعدمِه، وبين نصبِه وجزمه. وجاء بلفظِ (ذا) بَعْدَ (من) تحقيقًا لعدمِ شرطيَّتها. ثمَّ قدْ يُجرّد المتضمِّنُ لمعنى الاستفهام عن الاستفهام؛ كما جُرِّدَ حرفُ الاستفهامِ (١) في قوله -تعالى- (٢): ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٣) عن الاستفهامِ؛ حيثُ صارَ لمجرّدِ التّسوية؛ مضمحلًّا (٤) عنه بالكُّليّةِ معنى الاستفهام. ومعنى الاستواءِ فيه استواؤُهما في علم المستفهمِ عنهما؛ لأ [نه] (٥) قدْ عُلمَ أن أحدَ الأَمرين كائنٌ؛ إمَّا الإنذار وإمّا عدَمُه؛ ولكن لا بعَيْنِه؛ فكلاهما (٦) معلومٌ بعلمٍ غيرِ مُعيَّنٍ. فإن قيلَ: الاستواءُ يُعلمُ (٧) من لفظة (سواءٌ) لا منه؛ أي: من

стр. 458

حرفِ الاستفهامِ (١)، مع (٢) أنَّه لو عُلم منه -أيضًا- لزِمَ التّكرَار. قُلْنا: هذا الاستواءُ (٣) غيرُ ذلك الاستواءِ المستفادِ من لفظةِ السَّواء. وحاصله: أنَّه (٤) كانَ للاستفهامِ عن مُستويين؛ فجُرِّدَ عن الاستفهامِ فبقي (٥) أنَّه لمستويين (٦)، ولا تكرّر (٧) في إدخالِ (سواء) عليه لتغايرهما؛ لأنَّ المعنى: إن المستويين في العلم مستويان في عدمِ الإيمانِ. وهذا النَّوعُ؛ أي: حذفُ قيدٍ واستعمالُه فيما بقي كثيرٌ في كلامِ العربِ، كما في النّداء، فإنَّه لتخصيص المنادى وطلب إقباله، فيُحذفُ قيدُ الطّلب، ويُستعملُ لمطلقِ الاختصاص، نحو: (اللَّهمَّ اغفِر لنا أيتها العصابة)؛ فإنّهُ منسلخٌ عن معنى الطّلبِ، وإن معناه: مخصوصين من بين العصائبِ. وكالمرسِنِ؛ فإنَّه لأنفِ البعيرِ ويُستعملُ في مطلقِ الأنف؛ [كقوله:] (٨).

стр. 459

......... ... وفَاحِمًا وَمَرْسِنًا مُسَرَّجَا (١). وكم مثلها!. فيصيرُ؛ أي: بعدَ التَّجريدِ عن الاستفهامِ يصيرُ للشّرطِ المحض، وحكمه (٢) حينئذٍ حُكمُه بلا تفاوتٍ. وهو السِّرُّ؛ أي: ما ذكرنا من جوازِ تجريده، وصيرورتِه للشّرطِ المحضِ -هو السِّرُّ في اشتراكهما؛ أي: في (٣) اشتراكِ الاستفهامِ والشّرطِ في كثيرٍ من الأَسماءِ؛ كما في (٤): "مَا" و "مَن" و "متى" وغيرها.

стр. 460

وبالتَّرديد؛ عطفٌ على قوله: "فبالشّرطِ" (١)؛ أي: وأمَّا الرّبطُ بين [غيرهما] (٢) فيَكونُ بالشَّرط (٣)، ويكونُ بالتَّرديد. وأداتُه؛ أي: أداةُ التَّرديد. "أو" و "إما"، وفي بعضِ النُّسخ: (و أدواته) ؛ وذلك باعتبارِ أنَّ أقلَّ الجمع اثنان، أو باعتبارِ ملاحظةِ الانفرادِ والاجتماع؛ نحو: (الجائي زيدٌ، أو عمرو)، و (الجائي إمَّا زيدُ، وإمّا عمرو)؛ منفردين (٤)، والجائي إمّا زيدٌ أو عمرو مجتمعين؛ فإنَّه يجوزُ الاطلاقُ على هذا التَّقدير بأنها ثلاثةٌ. وقوله (٥): (ويفيدان) ينصرُ النّسخةَ الأولى. ويُفيدان؛ أي: "أو" و "إِمَّا" ثبوتَ (٦) أحد الأمرين؛ كقولك: (زيدٌ شاعرٌ أو منجِّمٌ) ردُّا لمن يَنفيهما عن زيد، أَى: يقول (٧):

стр. 461

(زيد لا شاعرٌ ولا منجِّمٌ)؛ أي: لا يخلو عن أحدهما؛ ولهذا يُسمِّي المنطقيّون مثل هذه القضيّة: منفصلةً مانعةَ الخُلُوِّ (١). أو نفيَ؛ أي: ويفيدان نفي أحد الأمرين؛ كقولك: (زيدٌ (٢) شاعرٌ أو منجّم) ردًّا لمن يُثْبتهما لهُ (٣)؛ أي: يقولُ: (إنّه شاعرٌ ومنجِّمٌ معًا)؛ أي: لا جمع بينهُما؛ ولهذا يُسمّونَه: مُنفصلةً مانعةَ الجمع (٤). أو ثبوتَ؛ أي: أو يُفيدان ثُبوتَ أحدِ من الأمرين ونفيَ أحد منهما، كقولك: (زيدٌ شاعرٌ أو منجِّمٌ) ردًّا لمن يرى إمّا ثُبوتهما أو نفيهما؛ أي: يقول: إنّه متَّصِفٌ بهما جميعًا أو ليس (٥) مُتّصفًا بشيءٍ أصلًا؛ أي لا خلوّ (٦) عنهما ولا جمع (٧) بينهما؛ ولهذا يسمّونه: مُنْفصلة حقيقيةً (٨). وهكذا حُكْمُ (إمّا).

стр. 462

وذلكَ الرَّد قد يكونُ لجهل المخاطبِ بالحالِ، أو تجاهلٍ منه به، أو تجهلٍ من المتكلِّم له؛ [ويحتملُ أن يقال: المرادُ جهل المتكلِّم، أو تجاهله، أو تجهيلِه من المخاطب ويحتملُ ذلك] (١) الإشارةُ (٢) إلى المذكورِ من الصّورِ الثلاثة من إثباتِهما، أو نفيهما، وإمّا إثباتهما أو نفيهما (٣). والتَّجاهلُ في البلاغة والي سحْرِها وسلطانُ مملكتها؛ فانظرْ قولَ الخارجيّة -وهي (٤) اسم امرأَة شاعرةٍ (٥) - ترثي (٦) على ابن طريف (٧) تَعْرِفُ أنَّه والي سِحْرها؛ حيث تجاهلت عن إمكانِ كونِ الشّجرِ جزعًا في قولها (٨):

стр. 463

أَيَا شَجَرَ الخابورِ مَالكَ مُورِقًا؟ ... كأنَّكَ لَمْ تَجْزَعْ على ابنِ طرِيفِ!. الخابورُ: موضعٌ من نواحِي (١) ديارِ بكرٍ (٢). ومُورقًا: حالُ عن كاف (مالك)؛ ومعناه: مالك أورقت. والطّريفُ في النّسبِ: الكبيرُ الآباءِ إلى الجدّ الأكبر. وبعده: فَتًى لَا يُحِبُّ الزّاد إلّا مِنَ التُّقَى ... ولا المال إلَّا مِن قَنًا وسُيوفِ (٣).

стр. 464

وتذكّرْ ما قُلنا في قوله -تعالى-: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (١): من عدمِ التّصريح؛ لئلّا يُصِرّوا - تعرف كون التَّجاهُلِ والي سِحْرِها. والسَّكّاكيّ -لرعايةِ الأدبِ، والاحترازِ عن إطلاقِ لفظِ التجاهُلِ على الله تعالى-؛ قال (٢): "لا أحبُّ تسميتهُ بالتَّجاهُل"؛ فعبّر عنه تارةً بـ: (سوقِ المعلومِ مساق غيره) (٣)؛ كما في علمِ البديع، وتارةً بـ: (الاستخبار)، كما قال في قسمِ (٤) المعاني (٥).

стр. 465

المملكة العربية السعودية وزارة التعليم العالي الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة عمادة البحث العلمي رقم الإصدار (٧٩) تحقيق الفوائد الغياثية تأليف شمس الدين محمد بن يوسف الكرماني (ت ٧٨٦ هـ) تحقيق ودراسة د / علي بن دخيل الله بن عجيان العوفي عضو هيئة التدريس في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة الجزء الثاني الطبعة الأولى ١٤٢٤ هـ مكتبة العلوم والحكم المدينة المنورة

стр. 466

النوع الثالث (*): في القصر (**) " وهو (١): عبارة عن تخصيص أحدِ الأمرين بالآخرِ- وحصرِه فيه". وتقديمه على أخواته؛ من نحو: الفصلِ والوصلِ، والإيجاز، وخلافه، هو النّظمُ الطبيعيُّ؛ لأنَّه لا يكون إلّا بالنِّسبةِ إلى جُملة واحدةٍ (٢)، بخلاف ما فعل السَّكّاكيّ؛ فإنَّه أخَّره عنها. وهو -القَصْر- (٣) يَقعُ للموصوف على الصِّفَة فلا يتعدّاها؛ أي: لا يتعدَّى الموصوف (٤) تلك الصِّفة إلى صفة أخرى؛ لأنَّ معناه فيه

стр. 467

تخصيصُ الموصوف بوصفٍ دون وصف ثانِ؛ كقولكَ: (زيدٌ شاعر لا منجِّمٌ) (١). وبالعكسِ؛ أي: يقعُ للصّفة على (٢) الموصوفِ. فلا تتعدَّاهُ؛ أي: لا تتعدَّى الصِّفةُ ذلكَ الموصوف إلى موصوفٍ آخر؛ كقولك: (ما شاعرٌ إلَّا زيدٌ) (٣)، لأنَّ معناه فيه تخصيصُ الوصفِ بموصوفٍ دون موصوفِ آخر. والفرقُ بينهما: أن الموصوفَ في الأَوَّلِ لا يمتنع أن يُشاركَه غيرُه في الوصف، ويمتنع في الثَّاني. وأن الوصفَ في الثَّاني يمتنعُ أن يكونَ لغير الموصوفِ، ولا يمتنعُ في الأَوَّل. والمرادُ بهذه الصِّفة: الصِّفةُ المعنويَّة؛ أي: معنًى قائم بالشَّيءِ خارجٌ عن حقيقته؛ سواء كانَ اللَّفظُ الدَّالُ عليه جَامدًا أو مُشْتقًّا، اسمًا أو فِعْلًا، لا النَّعت (٤)؛ فيشملُ (٥) قصرَ مثل: (ما جاء إلَّا زيدٌ) و (ما في الدَّار إلَّا زيدٌ). وبهذا التَّوجيه سقطَ قولُ من يعْترض: إنَّ مثلَ قصرِ الفعلِ على الفاعل خارجٌ عنه. ولغيرهما كالفعلِ (٦) على مفعولٍ أو حالٍ أو تَمييزٍ؛ أي: يقع

стр. 468

القصرُ لغيرِ الصِّفةِ على الموصوفِ، ولغيرِ الموصوفِ على الصِّفةِ (١)؛ كما للفعلِ علي المفعولِ، أو (٢) الحالِ، أو التَّمييز. وهذه العبارةُ أصحُّ من عبارة "المفتاح" فإنَّه قال (٣): "القصرُ يَجري -أيضًا- بين الفاعلِ والمفعولِ، وبين المفعولين، وبينَ الحالِ وذي الحالِ"؛ لأنَّ القصرَ في إما ضربَ زيدٌ إلّا عمرًا) ليسَ لزيدِ على عمرو، بل لضربِ زيدٍ عليه، وكذا في (ما أعطيتُ زيدًا إلّا درَهمًا)؛ فإنَّه ليسَ لزيدٍ على درهم، بل لإعطاء زيدٍ عليه، وكذا في الحالِ. نعم إنّه ذَكر (٤) في أواخر فصلِ القصرِ ما يُشعرُ بما قُلْنا؛ حيثُ قال في قوله: إما ضربَ زيدٌ إلّا عمرًا) (٥): "الصِّفةُ المقصُورة على عمرو هي (٦) ضَرَبَ زيد" (٧). مثال القصرِ على الحالِ؛ نحو: (ما جاءَ زيدٌ إلَّا راكبًا)، ومثالُه

стр. 469

على التَّمييز، نحو: (ما طابَ زيدٌ إلّا نفسًا). وبحثُه (١) غير مذكور في "المفتاح". وكلُّها؛ أي: كلُّ أقسامِ القصرِ، تنقسمُ إلى: قصر إفراد؛ ردًّا لمن يدّعي أمرين أو أحدهما بلا ترجيح؛ نحو. ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ﴾ (٢)، وهو من قبيلِ قصرِ الموصوفِ على الصِّفة. ومعناه: محمّدٌ مقصورٌ على الرِّسالة لا يتجاوزُها إلى البُعدِ عن الهلاك، كأنّهم أثبتوا له وصفين: الرِّسالة، وعدم الهلاك؛ فخصّص (٣) بوصف الرِّسالة؛ فيكون الوصف الثَّاني مسلوبًا عنه، وهو قصر الإفراد. وقصر قلب ردًّا لمن يعتقدُ نفي ما يثبته أو إثبات ما ينفيه؛ نحو: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ (٤)؛ مثالٌ لقصرِ (٥) الموصوفِ على الصِّفةِ منه؛ لأنَّ عيسى ﵇ (٦) قال في مقامٍ اشتمل على معنى: أنَّكَ يا عيسى تقلْ للنَّاس ما أمرتك (٧) بل قلت غير منها أمرتك، لأنِّي أمرتُك أن تدعو النَّاس إلى أن يعبدوني، ثم إنك دعوتهم إلى أن يعبدوا من

стр. 470

هو (١) دُوني (٢)، وهو قصرُ القلب. أعلم: أنَّ للقصرِ ستّ (٣) صورٍ؛ لأنَّه: إمّا قصرُ الموصوف علي الصِّفةِ، أو العكس؛ وهما إمّا قصرُ إفرادٍ، أو قصرُ قلب. والإفْراديُّ فيهما على قسمين: لأنَّ السَّامع إمّا أن يعتقدَ اتِّصافه بالوصفين: كمَن (٤) بعتقدُ أنّ زيدًا شاعرٌ ومنجِّمٌ؛ فتقول: (زيدُ شاعرٌ لا منجِّمٌ)، فتقطع الشّركة] [وإمّا أن يَعْتقد أنّ زيدًا علي أحد الوصفين: إمّا هذا وإمّا ذاك من غير ترجيح] (٥) فتقول: (زيدٌ هذا لا ذاك)؛ فتُعيِّن أحدهما بالترجيح. وكذا فيما يعتقد السَّامع ثبوت الوصفِ

стр. 471

للموصوفين (١)، أو لأَحدهما من غيرِ ترجيح. وسمّى السَّكَّاكيّ القِسْمين: بقصرِ الأفراد؛ بمعنى: أنَّه يُزيلُ شركةَ الثَّاني في الجملةِ (٢). وخصّصَ صاحبُ "الإيضاح" الأوّلَ به (٣)، والثّاني: بقصرِ التَّعيين (٤). والقلبيُّ: هو قصرُ الموصوفِ على وصفٍ مكانَ الوصفِ الذي يعتقد (٥) السّامعُ ثبوتَه له، كقولك لمن يعتقدُ زيدًا منجّمًا لا شاعرًا: (زيدٌ شاعرٌ لا منجّم). أو قصرُ الوصفِ على موصوفٍ مكان الموصوفِ الَّذي يعتقده السّامعُ. وسُمِّي قصرَ قلبٍ: لأنَّ المتكلِّم يقلِبُ فيه حكمَ السّامع؛ فينفي ما أثبته، ويثبتُ ما ينفيه. ولم يذكر السَّكاكيُّ القسمَ الّذي يعتقدُ السّامعُ فيه ثبوتَ الوصفِ لأحد الموصوفين لا على التَّعيين بلا ترجيح لا بعموم ولا بخصوصٍ؛ لكن (٦) ذكره غيرُه (٧)، كما أن كلامَ المصنِّفِ -أيضًا- شاملٌ له،

стр. 472

وهو كقولك: (زيدٌ شاعرٌ لا عمرو) لمن يعتقدُ أنّ أحدهما لا بعينه -من غير ترجيح- شاعرٌ. وطُرُقُه؛ أي: طرق القصرِ ، أَربعَةٌ: الأوّلُ: العطف (١)؛ كقولك: (زيدٌ شاعرٌ لا منجّم) في قصرِ الموصوفِ على الصِّفةِ؛ إفرادًا أو قلبًا بحسبِ اعتقاد السّامع. أو لا عمرو؛ أي: كقولك: (زيدٌ شاعرٌ لا عمرو) في قصرِ الصّفةِ على الموصوف بالاعتبارين بحسبِ المقام (٢). وإذا كثر المنفيُّ؛ أي: من الصِّفات في قصرِ الموصوفِ على الصِّفةِ، أَوْ من (٣) الموصوفاتِ في قصرِ الصِّفةِ على

стр. 473

الموصوف (١) وريمَ؛ أي: طُلِبَ الاختصارُ قيلَ لا غيرُ (٢)؛ أي: لا غير شاعر (٣)، أَوْ لا غير زيد (٤)؛ بتركِ الإضافةِ لدلالة (٥) الحال عليه؛ وكذلك (٦) ليسَ غيرُ، وليسَ إلّا؛ بتقدير: ليس غير شاعر، وليس إلّا شاعرًا؛ في قصرِ الموصوف على الصِّفة، وبتقدير: زيدٌ شاعرٌ لا غير زيدٍ، وليس شاعرٌ غيرَ المذكورِ، أو إلّا المذكَور؛ فتجعل النَّفي عامًّا ليتناولَ كَلّ شاعرٍ يعتقده (٧) ممن عدا زيدًا (٨)، في قصرِ الصِّفة على الموصوفِ.

стр. 474

الثَّاني: "إلَّا" بعد النّفي (١)؛ أَيّ نفي كان: من: (ما) و (إن) و (ليس)؛ نحو: (ليسَ زيدٌ) أو (ما زيدٌ) إلَّا شاعرًا بالنّصب مع (ليس)، وبالرّفع مع (ما) في قصر الموصوف على الصِّفةِ، إفرادًا وقلْبًا بحسب اعتقاد السّامع، وكذا في قصر الصفة على الموصوف؛ تقول: (ما شاعرٌ إلّا زيدُ) إفرادًا وقلبًا بحسبِ المقام. الثالث: "إنّما" ويتضمّنُ معنى: "ما وإلَّا" بدليلِ صحّةِ انفصالِ الضّميرِ معه؛ نحو: (إنَّما يضرب أنا)؛ كانفصاله معهما (٢)؛ نحو: إما يضرب إلّا أنا)، ققال الفرزدق (٣):

стр. 475

أنَا الذّائدُ (١) الحامِي الذِّمارَ وإِنَّما ... يُدافعُ عَنْ أَحْسَابِهِمْ أَنَا أَوْ مِثْلي والذِّمارُ: ما وراء الرّجل ممّا يجبُ عليه أن يَحْمِيَه. قال الرَّبْعيُّ؛ أي: عليُّ (٢) بن عيسى الرَّبْعيّ، نحويُّ بغداد: (إنّ) للتحقيق [أي: كلمة إنّ للتّحقيق ولتأكيد إثباتِ المسندِ للمسند إليه] (٣) و (ما) مؤكِّدُه (٤)؛ لا نافيةٌ كما قال من لا خبرة له بالنّحو؛ قيل: عَرَّضَ به للإمام الرّازي (٥) [ومن قال مثل قول

стр. 476

الإمام الرّازي] (١). فيزيد (٢) تأكيدها؛ فيتضمّن معنى القصرِ، إذ القصرُ يُقصد به هذا المقصودُ إذا وقع في جوابِ المتردِّد؛ أي: المقصودُ من القصرِ -أيضًا- تأكيدٌ للحكمِ على تأكيدٍ؛ لأنّك إذا قلتَ لمخاطبٍ يُردِّد المجيء الواقع بين زيدٍ وعمرو: (زيدٌ جاء لا عمرو)، ويكون قولُك: (زيدٌ جاء) إثباتًا للمجئ لزيدٍ صريحًا. وقولك: (لا عمرو) إثباتًا للمجئ لزيدٍ ضمنًا مُؤكّدًا لما عُلِمَ صريحًا. والحاصلُ: أنَّ الإمام [وغيره] (٣) قال: إن (٤) (إنّ) تدلُّ على الإثباتِ، و (ما) على النَّفي، والأصلُ بقاؤهما على ما كانا، وليسا متوجهين (٥) إلى المذكورِ، ولا (٦) إلى غير المذكور (٧) للتَّناقضِ؛ بل أحدُهما للمذكورِ، والآخر لغير المذكور، وليسَ (إنّ) لإثباتِ ما عدا المذكور،

стр. 477

و (ما) لنفي المذكور وفاقًا؛ فتعيّن عكسه (١) وهو معنى القصْر (٢). وقال الرّبعيّ: إنها قولُ من لا خبرةَ له بالنّحو (٣)؛ لأنّها لو كانت نافيةً لَاقتضت التَّصدُّر، ولاجتمع حرفُ النّفي والإثبات بلا فاصلةٍ، ولجازَ نصبُ (إنّما زيدٌ قامٌ)؛ لأنَّ الحرفَ -وإن زيدَ- يعملُ، ولكانَ مع: (إنّما زيدٌ قائمٌ) يحقِّقُ عدمَ قيام زيدٍ، لأنَّ ما يلي "ما" النَّفي منفيٌّ؛ لكنَّ التّوالي الأربعةَ باطلةٌ؛ بل الوجهُ أنَّها مُؤكّدة -كما مرَّ. وقال الأستاذُ -نصرةً للإمام-: مرادُه: أنَّ كلمةَ (إنّما) هكذا؛ للحصرِ كسائر الكلماتِ المركّبةِ الموضوعةِ لمعنًى، لا أن لفظة (إِنَّ) ولفظة (ما) رُكِّبتا وبَقَيتا على أصلهما، حتَّى لا يرد عليه الاعتراضات؛ وما ذكره هو بيانُ وجهِ المناسبة، ولئلّا يلزم النّقل الَّذي هو خِلاف الأصلِ (٤).

стр. 478

وأمّا المنقولُ من الرّبعيِّ فهو من باب إيهامِ العكسِ؛ فإنّه لَمَّا رأى أنَّ القصر تأكيدٌ على تأكيدٍ - ظنَّ أنَّ كلَّ ما كان تأكيدًا على تأكيدٍ كان قصرًا، و-أيضًا-: يلزم كون مثل: (والله إن زيدًا لقائم) فصْرًا؛ لأنَّه تأكيدٌ على تأكيد؛ و-أيضًا-؛ يلزم تخصِيص كونه للحَصْر بما وقعَ في جوابِ المتردّد (١)، لكنّه للحصر في جميع المواضع؛ فهو ممّن خَطّأَ فأخطأ؛ ومع إمكان أن يُحْملَ على محملٍ صحيحٍ (٢) لا حاجة إلى مثل هذا التَّشنيع على مثلِ الإمامِ؛ ذلكَ الرَّجلِ الفاضلِ، والفحلِ البازلِ (٣). نعم، يردُ عليهِ في بيانِ وجه المناسبة: إن (٤) قولك: "ما" لنفي غير المذكور؛ كنفي غيرِ قيامِ زيدٍ في قولك: (إنّما زيدٌ قائمٌ) عمّ يتعيّن؟! لِمَ لا يجوزُ أن يكون لنفيِ قيامِ غير زيدٍ؟! الرّابعُ: التَّقديم (٥)؛ نحو: (أنا كفيتُ مهمّك

стр. 479

وحدِي) أو (لا غيري) إفرادًا (١) أو قلبًا (٢) بحسبِ المقام؛ هذا في قصرِ الصِّفةِ على الموصوف. وتقولُ في قصرِ الموصوفِ على الصِّفةِ: (تَمِيميٌّ أنا)؛ قصرَ إفرادٍ (٣) أو قلبٍ (٤) حسبما يقتضيه المقامُ. وبحثُ شرائطِ التَّقديم له قد تقدَّم مرّة (٥). وللقصرِ طريقانِ آخران: توسُّطُ ضميرِ الفصلِ، وإيرادُ المسندين معرفَتين -كما صرّح به (٦)؛ حيثُ قال (٧): "وقد يقصدُ به الحصرَ في المبتدأ" في باب ضميرِ الفصلِ، وحيثُ قال (٨): "مع أنّه إذا أُريد به الحقيقة أفاد حصرها في المبتدأ" في تعريف الطرفين، ولم يذكرهما ها هنا (٩) اقتفاءً بالسَّكاكيِّ. لا يقالُ: إنّما لَمْ يذكرهما السَّكاكيُّ ها هنا لتقدُّمهما. لاستلزامه عدم ذكرِ التَّقديم لتقدُّمِه أيضًا (١٠).

стр. 480

بلى لو قيل في الجوابِ: لأنَّ الأربعةَ لا تكونُ إلّا للحصرِ، وهما قد يكونان لغيره لَاتَّجه. لَكن يندفعُ السّؤالُ عن "المختصر" لا عن "المفتاح"؛ لأنَّ الفصل عنده مُستلزمٌ للتّخصيص -كما قال (١): "وأمّا الحالةُ إلى تقتضي الفصل فهي (٢) إذا كان المرادُ تخصيصَه للمسندِ بالمسندِ إليه (٣)؛ كقولك: (زيدٌ هو المنطلقُ). واعلم (٤): أنَّ الأربعةَ يشملُها أمرٌ واحدٌ يشترك في الأربعة؛ وهو أنَّك للمُخاطبِ تسلِّم صوابًا، وتَرُدُّ (٥) خطأً؛ فالصّوابُ: الحكمُ. والخطأ: التَّخصيصُ؛ وهو أنَّ المخاطبَ في كُلِّ حكمٍ حاكمٌ بحكمٍ مشوب (٦) بخطأٍ وصوابٍ، وأنت تُسلِّمُ صوابه وتردُّ خطأه. فالصّوابُ: الحكم؛ أي: نفسُ الإسنادِ المجرّدِ، والخطا هو: التّخصيص والتَّعيين. أَمّا في قصرِ القلبِ؛ فالصّوابُ حكمُ المخاطبِ بحسبِ الاعتقادِ (٧)

стр. 481

كون الموصوفِ على أحد الوصفين (١)، أو كون الوصفِ لأحد الموصوفين (٢)، والخطأُ تعيين حكمه وتخصيصُه. وأَمَّا في الإفراد؛ فالصَّوابُ مطلقُ الحكم بحسبِ الاعتقاد، والخطأ تعيينُه وتخصيصُه بالكلِّ [و] (٣) في "المفتاح"، لم يتعرّض بالصَّريحِ (٤) للزوم تعين كون الصّوابِ هو الحكم، والخطأ هو التَّخصيص، ولعلّه (٥) لمجالِ (٦) المناقشة في قصر الإفراد من كون الخطأ فيه هو التَّخصيص أو لغيره (٧) - والله أعلم -. هذا على ما في النُّسخةِ الَّتي قرأناها على المصنِّفِ. وفي بعض النسخ: (والخطأ التَّعميمُ أو التَّخصيصُ) فلا حاجةَ (٨) إلى ما

стр. 482

ذكرناهُ (١). ثمَّ يختصُّ كلٌّ من الطُّرقِ الأربعةِ بأمر: فالأوّلُ (٢): بأنَّه نصٌّ نفيًا وإثباتًا (٣)؛ أي: التّعرّض في الطَّريقِ العطفي (٤) للمُثْبت والمنفي منصوصٌ (٥)؛ إمّا بخصوصه؛ نحو: [زيدٌ شاعرٌ لا مُنجِّم)، وإمّا بعمومه؛ نحو: (زيدٌ شاعرٌ لا غير). والطُّرقُ الأخيرة الأصل فيها النّصُّ بما يُثبت دون ما ينفي؛ نحو: (ما أنا إلَّا تَمِيميّ)، و (إِنَّما أنا تميمي)، و (تميميٌّ أنا). والثّاني (٦): بأنَّه لا يجتمعُ مع الأَوَّل بخلافِ الأخيرين (٧)؛ فإنّهما يجتمعان مع الأَوَّل؛ فلَا تقول: (ما زيدٌ إلا قائم؛ لا قاعدٌ)؛ لكن تقول: (إنّما أَنا تميميٌّ لا قيسيٌّ)، و (تميميٌّ أنا لا قيسيٌّ) إذْ "لا"؛ أي: [لا] (٨) العاطفة: لا تدخلُ على ما دخله نفيٌّ لأنَّ من شرط منفيِّها أن

стр. 483

لا يكون منفيًّا قبلها بغيرها من كلمات النّفي (١). قال في "المفتاح" (٢): "الأَوَّلُ: لا يجامعُ الثَّاني"، والأمرُ فيه سهلٌ (٣)؛ لأنَّ المنافاةَ لا تكون إلَّا من الطّرفين، اللَّهمَّ إلّا أن يُقال: لَمّا كان عدمُ الاجتماعِ مع الثَّاني (٤) لا يختصُّ بالأوّل؛ لأنّ الثّالثَ -أيضًا- لا يجتمعُ مع الثَّاني بخلافِ عدم اجتماعه مع الأَوَّل؛ فإنّه يختصُّ بالثّاني - عدلَ عنه إلى هذه العبَارة (٥). و"غير" حُكمُه في هذا حكمُ "إلا"؛ الظّاهرُ أنَّ هذا إشارةٌ إلى عدم اجتماعه -أيضًا- مع الأَوَّل. لكن قال في "المفتاح" (٦): "واعلم: أنّ حكمَ "غَير" حكمُ "إلا" في إفادة القصرين وامتناعِ مُجامعة

стр. 484

"لا" العاطِفة؛ تقولُ: (ما جاءني غيرُ زيدٍ)؛ إمَّا إفرادًا (١)، أو قلبًا (٢)، ولا تقول: (ما جاءني غيرُ زيدٍ لا عمرو) ". بخلاف (إِنَّما)؛ فإنّها تجتمع (٣) مع الأوّل؛ وإن كان -لكونِه (٤) في معنى الثَّاني- مُقْتَضيًا أن لا تجتمع معه؛ لأنَّ النَّفي فيها ضمنيٌّ لا صَريحٌ (٥)؛ كما يجوزُ أن يقال: (امتنعَ عن المجيء زيدٌ لا عمرو) مع عدم جوازِ أن يقال: (ما جاء زيدٌ لا عمرو)؛ لأنّ النَّفي فيه -أيضًا- ضمنيٌّ. وأمّا جوازُ اجتماع التَّقديمِ مع الأوّلِ فظاهرٌ. وهذا إذا لَمْ يكن المذكورُ بعده مُخْتصًا؛ أي: جواز اجتماع (إنّما) مع الأوَّلِ إذا لم يكن الوصفُ المذكورُ بعد (إنّما) ممّا له في نفسه اختصاصٌ بالموصوف المذكور (٦)؛ كقوله -تعالى-: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ (٧)؛ فإنَّ كلَّ عاقلٍ يعلمُ أنَّ الاستجابةَ

стр. 485

لا تكون إلّا ممن يسمعُ ويعقل؛ وهذا (١) عند السَّكاكَيّ (٢)، لكن قال في "دلائل الإعجاز": ذلك شرط الحُسن (٣). فلا يقال: إنّما يَعْجَل من يَخْشَى الفَوْتْ لا مَنْ يَأْمَنُه؛ لأنَّ التَّعجيل له اختصاصٌ بالموصوفِ المذكورٍ؛ أي: خاشي (٤) الفوت لأن من (٥) لم يخشَ الفوت لم يعجل. و"إلَّا"؛ أي: وكلمة "إلَّا" تقابلُ الإصرار؛ أي: تُستعملُ في مقابلةِ اعتقادِ مُخاطبٍ يكون عند المتكلِّمِ مرتكبًا للخطأ مُصِرًّا عليه. إمّا تحقيقًا، وذلك إذا أُخرج الكلامُ على مُقتضى الظَّاهر؛ ﴿مَا أَنْتُمْ إلا

стр. 486

بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إلا تَكْذِبُونَ﴾ (١)، فإنّه ما قال الكفّارُ للرُّسل؛ ﴿إِنْ أَنْتُمْ إلا بَشَرٌ﴾ (٢) إلّا والرُّسلُ عندهم في معرض المنتفي (٣) عنهمُ البشريّة، والمُنْسَلخ عنهمم حكمها؛ بناءً على جَهْلهم أنَّ الرّسولَ يمتنعُ أن يكون بشرًا؛ فجعلوا الرُّسلَ كأنَّهم بادِّعائهم النُّبوة قد أخرجُوا أنفسهم عن أن يكونوا بَشرًا مثلهم، فإصْرارهم على دعوى الرِّسالة: -بناءً على اعتقادِ الكُفَّار- إصرارٌ (٤) على أن لا يكونوا بشرًا؛ فَقَلَبوا (٥) وقالوا: ﴿مَا أَنْتُمْ إلا بَشَرٌ﴾، وكذا في قوله: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إلَّا تَكْذِبُونَ﴾. وأمَّا [نحو] (٦) ﴿إِنْ نَحْنُ إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ (٧) فمن باب المجاراة (٨)

стр. 487

مع الخصمِ للتَّبْكيت (١) في المَعْثر (٢)؛ كط تقول: (أنت صادقٌ في كلِّ ما تقولُ؛ لكن ما حيلتُك في دعواي هذه)؛ هذا جواب سؤالٍ، تقديرُ السُّؤالِ: إنّه اسْتُعملُ حرفُ النَّفي، و (إلّا) هاهنا - لا في مُقابلةِ الإصرارِ؛ لأنَّ الكُفّارَ لا يقولون: إنهم ليسوا ببشر فضلًا عن الإصرارِ. الجوابُ: إنّه من باب المجاراة والتَّماشي مع الخَصْمِ، وإرخاءِ العنانِ معه؛ لتَبْكِيتِه؛ أي: إلزامه وإسكاتِه في المَعْثَر (٣)؛ كما قد يقولُ من يخالفك فيما ادّعيت: أنَّك من شأنكَ كيت وكيت؛ فأنت تقول: نعم؛ إنِّي من شأني كيت وكيت، وأنت (٤) صادقٌ في كلِّ ما تقول، لكن (٥) ما حيلتُك في دعواي هذه؟؛ وكيف يقدحُ ذلك فيها؟ (٦).

стр. 488

وفي "المفتاح" بدل قوله: "للتّبكيت في المعثر": "ليعْثُر حيثُ يُراد تبكيته" (١)، وبين العبارتينِ فرقٌ (٢). وإمَّا ادِّعاءً، قسيمٌ لقوله: إمّا تحقيقًا. وهذا فيما أُخرجَ الكلامُ لا على مُقتضى الظاهر، نحو: ﴿إِنْ أَنْتَ إلا نَذِيرٌ﴾ (٣) كأنّه للمُبالغةِ؛ أي: لمبالغتِه عليه [السّلام] (٤) وشدّةِ حرصه على هدايتهم، وتهالُكه عليهم؛ حتَّى قيل: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ (٥) جُعل مِمَّن يظنُّ أنّه يملكُ هدايتَهم مصرًّا عليه، ونُزِّلَ ﷺ منْزلته (٦)؛ فجئَ بالنَّفي والإثبات؛ أي: أنت نذيرٌ لا هاد. ثمَّ الأصلُ: ما ضربَ زيدٌ إلا عمرًا؛ بعدَ الفراغِ عن القصرِ بين

стр. 489

الصِّفة والموصوفِ شرعَ في غيرها، ولم يذكرْ منه إلَّا قصر الفعل على المفعول؛ لظهورِ الباقي. والأصلُ في قصرِ الفعل [على المفعول] (١) أن (٢) تقول: (ما ضربَ زيدٌ إلا عمرًا)؛ أي: لم يقع ضربُه إلّا على عمر؛ فلا يمتنعُ (٣) كونُ عمرو (٤) مضروبًا لغيره، ويمتنعُ كونُ زيدٍ ضاربًا لغيره (٥). ويجوزُ: (ما ضربَ إلّا عمرًا زيدٌ)؛ بتقديم (إلّا عمرًا) علي (زيدٍ)؛ لكنه قليلٌ؛ لأنَّه قصرَ الشَّيءَ وهو الضَّرْب قبل تمامه؛ أي: قبل؛ تقييده بالفاعلِ؛ وهو خلافُ المرادِ؛ لأنَّ المقصورَ علي عمرو فيه هو الضّربُ المقيّدُ؛ أي: ضرب زيدٍ دون المطلقِ؛ أي: لا (٦) الضّرب مُطلقًا، وعلى هذا.

стр. 490

خاتمةٌ: لا بدّ في الاستثناء من المستثني منه، لكون (إلّا) للإخراج، واستدعاء الإخراج مُخرجًا منه: ومن عمومِه، أي: المستثنى منه، لعدمِ المخصّصِ وامتناعِ التَّرجيحِ؛ أي: ترجيج أحدِ المُتَساويين، بلا مُرجِّحٍ. ومن المناسبةِ؛ بين المستثني والمستثنى منه في الجنس؛ أي: كونه بحيث يتناولُه ويدخلُ فيه وفي الوصفِ؛ أي: في مثل: الفاعليّةِ، المفعوليّة، والحاليَّةِ، وغيرها. فيُقدّر إذا قُدِّر؛ وذلك في الكلامِ النّاقصَ -أي: فيما لا يكون والمستثنى منه مَذكورًا- وهو الاستثناء المفرّغُ. أعمّ عامٌّ يتناولُ المستثنى، فـ (ما ضريتُ إلّا زيدًا)، أي: "أَحدًا"، أي: يُقَدَّر "أحدًا" مفْعولًا لقوله: "ضربتُ"؛ لأنَّه عامٌّ مُناسبٌ للمستثنى في الجنسِ والوصفِ، و (إلا راكبًا)؛ أي: "على حال"؛ أي: ما ضربتُ على حال إلا راكبًا، والمقدّر فيه ذلك لمناسبته (١) له، و (إلا تأديبًا)؛ أي: لغرضٍ (٢)؛ أي: ما ضربتُ لغرضٍ إلَّا تأديبًا. وهذا ليسَ في "المفتاح" (٣).

стр. 491

وبه (١) يُعرفُ الفرقُ بين: (ما اختارَ إلّا منكم فارسًا)، و (إلّا فارسًا منكم)؛ فإنَّ معنى الأوّلِ: ما اختارَ فارسًا من قوم إلّا منكم؛ فقصرَ اختيارَ الفارسِ عليهم. ومعنى الثَّاني: ما اختارَ منكم أحدًا متّصفًا (٢) بأي وصفٍ كان إلّا فارسًا؛ فقصرَ الاختيارَ منهم على الفارس. والأوّلُ أبلغُ في المدح؛ كما في قول الشّاعر (٣): لَوْ خُيِّرَ المِنْبَرُ فُرْسَانَهُ ... مَا اختارَ إلّا مِنْكُمُ فَارِسًا (٤) لاقتضائه انحصار الفرسانِ فيهم (٥)، بخلاف الآخر، فإنّه لا يدلُّ على هذا الانحصار؛ بل على انحصار المختارِ مِنْهم في الفُرسَان.

стр. 492

والثّالثُ: ويختصُّ الطّريقُ الثَّالث (١) بأنّه يفيدُ الحصْرَ في الجزءِ الأخيرِ من الكلامِ، فالحصرُ في (إنّما أعطيتُ زيدًا درهمًا) على الدِّرهم، وفي (إنّما أعطيتُ درهمًا زيدًا) على زيد. فلا يجوزُ فيهِ من التَّقديمِ والتأخيرِ ما جاز في الثَّاني، أي: في الطّريق الثَّاني؛ وهو: "ما وإلّا" للإلباسِ؛ لأنَّ الحصرَ فيه (٢) دائمًا في الجزءِ الأخيرِ، لأنّه بمنْزلةِ المستثنى، فإذا قُدِّمَ أو أُخِّرَ تَغَيَّرَ القَصْرُ والْتَبَسَ الأمر، بخلافِ "ما وإلّا"؛ فإنَّ الحصرَ دائمًا فيه فيما بعد (إلّا) سواءٌ (٣) أُخِّر ما قبل (إلا) عمّا بعدها، أو خُلِّي في مكانه؛ فلا إلباس (٤)، ولأنّ ذلكَ هو الأصل دون هذا؛ أي: ولأنَّ الطّريقَ الثَّاني هو الأصلُ في بابِ القصر؛ وهذا الطّريقُ فرعٌ (٥) عليه، ويجوزُ في الأصلِ ما لا يجوز في الفرعِ تحقيقًا لمزيّةِ (٦) الأصلِ، وحَطًّا لمرتبةِ (٧) الفرعِ.

стр. 493

والرَّابعُ: ويختصُّ الطَّريقُ الرّابعُ، بأنَّه ذوقيٌّ لا وضعيٌّ؛ أي: بأنّ دلالته على القصرِ دلالةٌ (١) ذوقيّة لا وضعيّةٌ لُغَويّةٌ؛ لأنّ التَّقديمَ لم يوضع لمعنىً؛ بل ما يُفهم منه بواسطةِ الفحْوى.

стр. 494

الفنُّ الرّابعُ (*): في وضعِ الجملتينِ، والكلامِ في الوصلِ والفصل، وفي الإيجازِ والإطنابِ، وفي جعلِ إحداهما حالًا . النّوعُ الأوّلُ: في الفصلِ والوصلِ . وفي: تركُ العاطف (١) وإيرادُه (٢) ويختصُّ، أي (٣): الكلام في باب الفصلِ والوَصْل، بالواو؛ لأنّها للرّبطِ المْحضِ، والجمع المطلقِ بين المعطوفين. والرّبطُ [لا] (٤) يكونُ بينَ كلِّ شيئين، مع كثرةِ جهاتِ الرّبطِ وخفائها واختلافها قُرْبًا وبُعْدًا، بخلافِ مواضع استعمالِ سائرِ الحروفِ العاطفةِ (٥)، فإنّها متميِّزةٌ معلومةٌ؛ لدلالةِ كلٌّ منها (٦) على معنًى مُحصَّلٍ مستدعٍ من الجمل بَيْنًا (٧) مخصوصًا بالوضع، فالمشكلُ موضعُ الواو،

стр. 495

ولهذا قصرَ بعضُ أئمّةِ الفنِّ البلاغةَ في معرفة الفصلِ والوصلِ بها (١). فإن قيلَ: الاجتماعُ لا يُستفادُ مَن الواو (٢)؛ بل هو معلومٌ في (٣) نفسِ الكلام؛ كما تقولُ: (زيدٌ قائمٌ عمرو قاعدٌ)، بلا واو؛ فإنّه يعلمُ منهما اجتماعهما في الثُّبوتِ. قلتُ: الفرْدقُ: أنّ في صُورةِ الواو قُصِدَ به إعلامُ ثبوتِ الاجتماعِ؛ فجئَ بلفظٍ يدلُّ عليه؛ بخلافِ صورةِ عدمه (٤)؛ فإنّه فيها لم يقصد به الإعلامُ به وإن لزم الاجتماع منه عقلًا. فالأوّلُ بالوضع، والثَّاني بالعقل، وكان (٥) الأوّلُ ثبوت الاجتماع، والثَّاني اجتماع الثُّبوتِ، وهما وإن تلازما لكنّهُما متغايران بحسبِ المفهومِ. فحيثُ لا معطوفَ عليه، أي: لَمّا كان الوصلُ إيرادَ العاطفِ ولا بدَّ للموصولِ من موصولٍ به وللمعطوفِ من معطوفٍ عليه، فحيثُ
следующие страницы →