← Адаб

Адаб · id 17458

تحقيق الفوائد الغياثية

الكرماني، شمس الدين

Полный текст (841 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وبه (١) يُعرفُ الفرقُ بين: (ما اختارَ إلّا منكم فارسًا)، و (إلّا فارسًا منكم)؛ فإنَّ معنى الأوّلِ: ما اختارَ فارسًا من قوم إلّا منكم؛ فقصرَ اختيارَ الفارسِ عليهم. ومعنى الثَّاني: ما اختارَ منكم أحدًا متّصفًا (٢) بأي وصفٍ كان إلّا فارسًا؛ فقصرَ الاختيارَ منهم على الفارس. والأوّلُ أبلغُ في المدح؛ كما في قول الشّاعر (٣): لَوْ خُيِّرَ المِنْبَرُ فُرْسَانَهُ ... مَا اختارَ إلّا مِنْكُمُ فَارِسًا (٤) لاقتضائه انحصار الفرسانِ فيهم (٥)، بخلاف الآخر، فإنّه لا يدلُّ على هذا الانحصار؛ بل على انحصار المختارِ مِنْهم في الفُرسَان.

стр. 492

والثّالثُ: ويختصُّ الطّريقُ الثَّالث (١) بأنّه يفيدُ الحصْرَ في الجزءِ الأخيرِ من الكلامِ، فالحصرُ في (إنّما أعطيتُ زيدًا درهمًا) على الدِّرهم، وفي (إنّما أعطيتُ درهمًا زيدًا) على زيد. فلا يجوزُ فيهِ من التَّقديمِ والتأخيرِ ما جاز في الثَّاني، أي: في الطّريق الثَّاني؛ وهو: "ما وإلّا" للإلباسِ؛ لأنَّ الحصرَ فيه (٢) دائمًا في الجزءِ الأخيرِ، لأنّه بمنْزلةِ المستثنى، فإذا قُدِّمَ أو أُخِّرَ تَغَيَّرَ القَصْرُ والْتَبَسَ الأمر، بخلافِ "ما وإلّا"؛ فإنَّ الحصرَ دائمًا فيه فيما بعد (إلّا) سواءٌ (٣) أُخِّر ما قبل (إلا) عمّا بعدها، أو خُلِّي في مكانه؛ فلا إلباس (٤)، ولأنّ ذلكَ هو الأصل دون هذا؛ أي: ولأنَّ الطّريقَ الثَّاني هو الأصلُ في بابِ القصر؛ وهذا الطّريقُ فرعٌ (٥) عليه، ويجوزُ في الأصلِ ما لا يجوز في الفرعِ تحقيقًا لمزيّةِ (٦) الأصلِ، وحَطًّا لمرتبةِ (٧) الفرعِ.

стр. 493

والرَّابعُ: ويختصُّ الطَّريقُ الرّابعُ، بأنَّه ذوقيٌّ لا وضعيٌّ؛ أي: بأنّ دلالته على القصرِ دلالةٌ (١) ذوقيّة لا وضعيّةٌ لُغَويّةٌ؛ لأنّ التَّقديمَ لم يوضع لمعنىً؛ بل ما يُفهم منه بواسطةِ الفحْوى.

стр. 494

الفنُّ الرّابعُ (*): في وضعِ الجملتينِ، والكلامِ في الوصلِ والفصل، وفي الإيجازِ والإطنابِ، وفي جعلِ إحداهما حالًا . النّوعُ الأوّلُ: في الفصلِ والوصلِ . وفي: تركُ العاطف (١) وإيرادُه (٢) ويختصُّ، أي (٣): الكلام في باب الفصلِ والوَصْل، بالواو؛ لأنّها للرّبطِ المْحضِ، والجمع المطلقِ بين المعطوفين. والرّبطُ [لا] (٤) يكونُ بينَ كلِّ شيئين، مع كثرةِ جهاتِ الرّبطِ وخفائها واختلافها قُرْبًا وبُعْدًا، بخلافِ مواضع استعمالِ سائرِ الحروفِ العاطفةِ (٥)، فإنّها متميِّزةٌ معلومةٌ؛ لدلالةِ كلٌّ منها (٦) على معنًى مُحصَّلٍ مستدعٍ من الجمل بَيْنًا (٧) مخصوصًا بالوضع، فالمشكلُ موضعُ الواو،

стр. 495

ولهذا قصرَ بعضُ أئمّةِ الفنِّ البلاغةَ في معرفة الفصلِ والوصلِ بها (١). فإن قيلَ: الاجتماعُ لا يُستفادُ مَن الواو (٢)؛ بل هو معلومٌ في (٣) نفسِ الكلام؛ كما تقولُ: (زيدٌ قائمٌ عمرو قاعدٌ)، بلا واو؛ فإنّه يعلمُ منهما اجتماعهما في الثُّبوتِ. قلتُ: الفرْدقُ: أنّ في صُورةِ الواو قُصِدَ به إعلامُ ثبوتِ الاجتماعِ؛ فجئَ بلفظٍ يدلُّ عليه؛ بخلافِ صورةِ عدمه (٤)؛ فإنّه فيها لم يقصد به الإعلامُ به وإن لزم الاجتماع منه عقلًا. فالأوّلُ بالوضع، والثَّاني بالعقل، وكان (٥) الأوّلُ ثبوت الاجتماع، والثَّاني اجتماع الثُّبوتِ، وهما وإن تلازما لكنّهُما متغايران بحسبِ المفهومِ. فحيثُ لا معطوفَ عليه، أي: لَمّا كان الوصلُ إيرادَ العاطفِ ولا بدَّ للموصولِ من موصولٍ به وللمعطوفِ من معطوفٍ عليه، فحيثُ

стр. 496

لا معطوفَ عليه لفظًا (١). يؤوّل بأنّه مقدّرٌ؛ كقوله: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ (٢) وتقديرُه: (وإيَّاي ارْهَبُوا فَارْهَبُونِ). وإنّما ساغَ ذلكَ لكونِ المعطوفِ عليه في حُكْمِ الملفوظِ به (٣)؛ لكونه مُفسَّرًا (٤)؛ وكقوله: ﴿أَوَ كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا﴾ (٥) تقديرُه:؛ (أكفروا وكلّما)؛ إذ حرفُ الاستفهامِ يستدعي فعلًا، فيقدّرُ فعلٌ يناسبُ المقام؛ وهو ما يدلُّ على معناه مساقُ الآية؛ وذلك مثل (كفروا).

стр. 497

وإنّما يَحسُنُ بينَ متناسبين (١) لا مُتّحدين ولا مُتباينين؛ أي: شرطُ كون العطفِ حسنًا مقبولًا أن لا يكون بين المعطوفين كمالُ الاتِّحادِ والاتِّصالِ؛ لامتناع عطفِ الشَّيء على نفسِه، ولا كمالُ الانقطاع؛ لعدمِ الارتباطِ والتَّعلّق بينهُما (٢)؛ بل يكون بينهما مناسبةٌ حتى تكون مُتوسِّطةً بيْن كمالِ الاتِّصالِ وبيْن (٣) كمالِ الانقطاعِ؛ كما ترى في نَحو: (الشَّمسُ والقمر، والسّماءُ والأرضُ، والجنُّ والإنسُ) (٤) كلُّ ذلك محدثة؛ بخلافه في نحو: (الشَّمسُ ومرارةُ الأرنبِ والرِّجْلُ اليُسرى من الضِّفدع ودينُ المجوسِ وألف باذنجانة) (٥)

стр. 498

كلّها محدثة (١). ولذلك (٢)، أي: ولأنَّ الوصلَ بالواو لا يحسنُ إلّا بين المتناسبين، حُرِّم ومُنع في الصِّفة والبيانِ والتَّأكيد، لأنَّ التَّابعَ فيها هو المتبوعُ بعينهِ، وحُرّم في البدلِ؛ لأنَّ المبدل في حكمِ المطروح المنحّى؛ وإذ هو كالعدمِ فليس هناك شيئان فضلًا عن متناسبين. والنّحاةُ صرّخوا به في الغلطِ؛ أيّ: بأنَّ البدلَ في حكم تنحية المبدل مطلَقًا في بدلِ الغلطِ (٣). وفي بعضِ النُّسح: ولهذا صرّحوا بِبَلْ في الغلطِ؛ وهذا المعنى أَوْلَى بالمقامِ وأوفقُ لِمَا في "المفتاح" (٤).

стр. 499

ف الوصلُ بين الجملتين إِنَّما يحسُن إذا اتّحدتا طلبًا وخبرًا بأن تكونا طَلَبَّيتَين (١) أو خَبَرِيَّتين (٢)، مع ارتباطٍ يجمعُ بينهما جمعًا من جهة: العقل، أَو الوهم، أو الخيال. ويُسمّى الجهة الجامعة (٣)، وهي: إمّا عقليّ؛ كاتِّحادٍ بينهما في مسندٍ؛ نحو: (زيدٌ كاتبٌ وعمرو) (٤)، أو في (٥) مسندٍ إليه؛ نحو: (زيدٌ يصلُ ويَقْطع)، أو في (٦) قيدٍ لأحدهما؛ أي: المسند، والمسند إليه؛ نحو: (زيدٌ الكاتبُ شاعرٌ، وعمرو الكاتبُ منجّمٌ)، أو تماثلٍ (٧)؛ أي: كتماثل بينهما، فيهما؛ أي: في المسند والمسند إليه. وفي بعض النُّسح: (أو (٨) فيها)، أي: في المسند أو المسند إليه أو

стр. 500

القيدِ، وكلاهما مقروآن على المُصَنِّف (١). ومرجعهُ؛ أي: التّماثل الاتِّحادُ؛ إذ العقلُ يحذفُ الْمُشَخّصات؛ أي: يُجردُ المثلين عن الشّخصِ (٢)؛ فيرتفعُ التَّعددُ عن البين؛ فتبقى الحقيقةُ [المتّحدة] (٣). أو تضايفٍ؛ أي: لتضايفٍ (٤) بينهما؛ وهو بأن لا يُعقل (٥) أحدُهما بدون تعقلِ الآخر؛ سواء كان بين الأمور المعقولة؛ كما بين العلّةِ والمعلول، أو بين المحسوسةِ؛ كما بين العُلُوّ والسُّفل، أو بين ما يعمُّهما؛ كما بين الأقلِّ والأكثرِ؛ لأنَّ الكمَّ (٦) المنفصل (٧) يعمّ المعقولات والمحسوساتِ (٨).

стр. 501

وأمّا وهميّ (١)؛ كتشابه؛ وهو بأن يكون بين تصوُّراتهما (٢) شبهُ تماثلٍ؛ نحو: أن يكون المُخْبَرُ عنه في إحداهما لون بياض، وفي الثّانيةِ لون (٣) صفرةٍ؛ فإنَّ الوهمَ يحتالُ في أن يبرزهما في معرض المثلين (٤). أو تضادٍّ، أي: أو كتضادٍّ (٥). بالذّات؛ كالسّوادِ والبياضِ، فإنّ السَّوادَ لذاته يُضادُّ البياضَ، أو بالعرض؛ كالأسودِ والأبيض فإنّه ليس بين ذات الأسود من حيثُ هي، وذاتِ الأبيضِ من حيثُ هي تضادٌّ؛ إنَّما عرض لها (٦) ذلك بواسطةِ السّوادِ والبياضِ. أو ما يُشبهه (٧)؛ أي: أو كشبه (٨) التَّضادِ، كالسّماءِ والأرضِ؛ فإنَّ الضِّدين هما الوُجوديّان المتعاقبان على

стр. 502

محلٍّ واحدٍ؛ بينهما غايةُ الخلافِ، وإذ بينهما قيدُ التَّعاقبِ عليه (١) منتفٍ؛ فلا يتضادّان حقيقة، ولكونهما وجوديين بينهما غايةُ الخلافِ تشابهما (٢) بهما (٣). وإمَّا خياليّ (٤) للتقارنِ (٥) فيهِ بسببٍ اتِّفاقي؛ وهو أن يكون بين تصوّراتهما تقارنٌ في الخيالِ بأسبابٍ اتفاقيّةٍ مؤدِّيةٍ إلى ذلك. فإنَّ جميعَ ما يثبت (٦) في الخيالِ ممّا يصل إليه من الخارج يثبتُ فيه على نحو ما يتأدّى إليه ويتكرّرُ لديه. والخياليّاتُ تختلفُ فيما بين معشرِ البشرِ بالأسبابِ؛ لاختلافها (٧) وعدمِ كونهما على وتيرةٍ (٨) واحدةٍ، من صناعةٍ خاصّةٍ، أو عُرفٍ عامٍّ، فكم من صورٍ تتعانقُ في خيالِ أهلِ صنعة أو عُرفِ وَهي (٩) في آخر لا

стр. 503

تتراأي ناراهُما!، وكم [من] (١) صورةٍ لا تكادُ (٢) تلوحُ في خيالٍ، وهي في غيره نارٌ على عَلَم!. فتتفاوتُ بالأممِ والطّوائفِ؛ كتعانقِ السَّطلِ والحمَّام في خيال الحمَّامِي، والْقَدُوم (٣) والمنشار في خيال النَّجّار، ولو غيّرته إلى نحو السّطل والمنشار جاء الاستبداعُ والاستنكارُ. فلا يَسْتَنكرُ قوله - تعالى -: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ الآية (٤). إلَّا من يَجهل؛ هذا فاعلٌ لقوله: (لا يستنكرُ). أنّ الخطابَ مع العرب، وما في خيالهم؛ أي: والحال أَنَّه ليسَ في خيالهم إلَّا الإبلُ فإنّ العربَ وَأهل الوَبرِ (٥) لَمّا كان مطعمهم ومشربهم وملبسهم من المواشي كافي عنايتُهم مصروفةً إلى أكثرها نفعًا؛ وهي الإبلُ؛ وإذا كان انتفاعُهم بها لا يتحصّل إلَّا بأن تَرعى وتشرب، فجلُّ مرمى غرضهم أرضٌ

стр. 504

ترعاها، وبعد ذلكَ أهمّ مسارح النَّظر عندهم سَمَاءٌ تسقيهم وإيّاها، أي: الآبال (١). وإذا كانوا مضطّرّين (٢) إلى مأوى يؤويهم، وإلى حصنٍ يتحصّنون فيه عند شنِّ الغاراتِ، ولا مأوى ولا حِصْن لهم إلّا الجبال، لا بدَّ وأن يكون خاطرُهم ملتفتًا إلى (٣) جبالٍ هي معاقلُهم عند شنّ الغارات. والمعاقِل: جمع معقل، وهو: الْمَلْجأ. فتعانقُ هذه الصُّورِ في خيالِ البدويِّ ممّا لا كلام (٤) فيه، بخلاف الحضريّ، فإنّه حيثُ لم تتآخذ عنده تلك الأمورِ ظنَّ النّسق - قبل أن يقفَ على ما ذكرنا - معيبًا؛ وَكَمْ مِنْ عَائِبٍ قَولًا صَحِيحًا ... وآفَتُهُ (٥) مِنَ الفَهْمِ السَّقِيمِ (٦) ولاستحبابِ التَّنَاسُب، أي: ولتحسين الوصلِ استحبَّ أن تكونَ

стр. 505

الجُملتانِ متناسبتين؛ ككونهما: اسميّتين (١)، أو فعليّتين. فإذا كانَ المرادُ من الإخبار مجرّد نسبةِ الخبر إلى المخبرِ عنه من غير التّعرّضِ (٢) لقيدٍ زائد عليه؛ كالتَّجدّدِ والثُّبوتِ لا يُخالفُ بينهما، ويُراعى ذلك؛ تقول: (قامَ زيدٌ وقعد عمرو) إلَّا لغرضٍ؛ كملاحظةِ تجدُّدٍ وثباتٍ، فيُخالف؛ كما إذا كان زيدٌ وعمرو قاعدين؛ فقامَ زيدٌ دون عمرو، تقول: (قامَ زيدٌ وعمرو قاعدٌ بعدُ) إذ مُراعاةُ المعنى أَوْلَى من المناسبةِ اللّفظيّةِ؛ نحو قوله - تعالى -: ﴿سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ (٣)؛ أي: سواء عليكم (٤) أَأَحدثتم الدَّعوةَ لهم أم أستمرَّ عليكُم صمتكُم عن دعائهم (٥)؛ لأنّهم كانوا إذا حزَبهم أمرٌ دعوا اللهَ دون أصنامهم؛ فكانتْ حالُهم المستمرّةُ أن يكونوا عن دعوقم صامتين. ونحوَ قوله - تعالى -: ﴿أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ﴾ (٦)؛ أي:

стр. 506

أجدَّدْت (١) عندنا تعاطي (٢) الحقِّ فيما نسمعه منك أم اللِّعب؛ أي: أحوال الصِّبا بعدُ (٣) على استمرارها عليك، استبعادًا منهم أن تكون عبادةُ الأصنامِ من الضّلالِ. ثم قد يُصارُ إلى الفصل (٤)؛ و (قد) للتَّحقيق. في هذا الحال؛ أي: حالِ عدمِ الاختلافِ ووجودِ التَّناسُب لوجهين: الأوّلُ: وجودُ سابقٍ يُحْذَرُ التَّشريك، أي: تشريكِ الثَّاني معه فيه؛ في ذلك الحكم فإنْ سبق آخرِ؛ أي: كلام آخر يُسْتحسنُ التَّشريك، أي: تشريك الثَّاني معه فيه؛ أي (٥): في حكمه، فاحتياطًا؛ أي: فيُفصلُ ويقطع احتياطًا، نحو: وَتَظُنُّ سَلْمى أَنَّنِي أَبْغِي بِهَا ... بَدَلًا أُرَاهَا في الضّلالِ تَهيمُ (٦) لمْ يعطفْ (أُراها) كي لا يحسبَ السّامعُ العطفَ على (أبغي)

стр. 507

دُون (تَظُنُّ)، ويَعُدّ (أراها) من مظنوناتِ سَلْمى في حقِّ الشّاعر (١)، وليس هو بِمُرادٍ؛ إنّما المرادُ: أنّه حُكْمُ الشّاعرِ بذلك عليها (٢). وإلَّا فوجوبًا؛ أي: وإن لم يَسْبِق كلامٌ آخر يُسْتحسنُ التَّشريك فيه -فيقطع وجوبًا؛ نحو: ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ (٣) للمانع عن العطف؛ لأنَّه لو عُطِفَ على ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُستهْزِءُونَ﴾ (٤) لشاركه في حكمه؛ وهو كونه من قولهم، وهو (٥) ظاهرُ البطلان. ولو عُطِفَ على ﴿قَالُوا﴾ (٦) لشاركه في اختصاصه بالظَّرف (٧) المُقَدّم، وهو ﴿إِذَا خَلَوا﴾ (٨)، لكنَّ استهزاءَ اللهِ بهم لا ينقطعُ مُتَّصلٌ في كلِّ حال؛ خلوا إلى شياطينهم أو لم يخلوا. وهذا؛ أي: هذا النَّوع من الفصلِ -وهو ترك العطفِ- حذرًا من التشريك يُسَمّى قطعًا.

стр. 508

الثَّاني (١): أن يُنوى الجوابُ عن سُؤالٍ مقدَّرٍ، وذلك فيما إذا كانَ الكلامُ السّابقُ لفحواه كالموردِ للسُّؤالِ؛ فينَزّل ذلك منْزلة الواقع ويُطلب بهذا الثَّاني وُقوعه جوابًا له؛ فيُقطع عن الكلامِ السّابقِ لذلك. للتَّنبيه عليه؛ أي: جعله جوابًا عن سُؤالٍ مقدَّرٍ للَطِيفة، إمّا لتنبيهِ السّامع على موقع السُّؤال، أو ليُغني السَّامعُ عنه؛ عن السُّؤالِ، أو لئلّا يُسمع منه؛ من السّامع شيئًا تحقيرًا له، أو لئلّا يَنْقطع كلامُك بكلامه، أو للاختصار (٢)، والقصدِ (٣) بتقليلِ اللّفظِ إلى تكثيرِ المعنى وهو تقديرُ السُّؤالِ وتركُ العطفِ (٤). وهذا؛ أي: هذا النَّوعُ من الفصْل، يُسمّى: استينافًا؛ نحو: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ (٥) بأن تُقدِّر تمامَ الكلام هو: (المُتَّقِيْنَ) (٦)،

стр. 509

ولا تجعلَ ﴿الَّذِينَ﴾ صفته فتقدِّر السُّؤال عنده (١) وتستأنف ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيبِ﴾ إلى ساقةِ الكلامِ (٢)، أو ﴿أُلَئكَ﴾، أي: أو تقول: الاستينافُ في قوله: ﴿أُلَئكَ عَلَى هُدًى﴾ (٣) كأنَّه قيل: ما للمتّقين الجامعين بين الإيمانِ بالغيبِ -في ضمن إقامةِ الصَّلاةِ والإنفاقِ ممّا رزقهم الله- وبين الإيمان بالكتب المنَزّلة؛ في ضمنِ الإيقانِ (٤) بالآخرة، اختُصُّوا بهدًى لا يُكتنه كُنْهه ولا يُقادرُ قدرُه، مقولًا في حقّهم ﴿هُدًى للْمُتَّقِينَ ... الَّذِينَ ... وَالَّذِينَ ...﴾ بتنكير (هُدًى) (٥)؟، فأُجيبَ بأنّ: أولئك الموصوفين غير مستبعدٍ أن يفوزوا دون مَنْ عداهم بالهدى عاجلًا، وبالفلاح آجلًا. والفرْقُ بينهما: أنّ (المُتَّقِينَ)

стр. 510

في الوجهِ الأوّلِ ليسَ موصوفًا، وفي الثاني موصوفٌ (١) بالموصولين. و الفصلُ ؛ هذا بيانُ مقام الفصْلِ لعدمِ إمكانِ الوصل (٢)؛ بخلافِ الفصلِ للوجهين المذكورين؛ فإنَّه (٣) فيهما بالنّظرِ إلى وُجودِ التَّناسُبِ وعدم التَّخالُفِ صالح للوصلِ (٤)؛ لكن بواسطة محذورٍ قد يُصارُ إلى الفصلِ. إمَّا للاتِّحادِ؛ أي: لاتِّحادِ لجملتين، بأن يُقْصدَ البَدلُ؛ أي: بأن يُقصدَ بالثّانية أن تكونَ بدلًا عن الأولى (٥)؛ لأنّ نَظْمَه أوفى بالمقصودِ تأديةً، وذلك فيما يكون الكلامُ السّابقُ غيرَ وافٍ بتمام المراد، أو كغيرِ الوافي، والمقامُ مقامُ اعتناء بشأنه؛ إمّا لكونه مطلُوبًا في نَفْسه، أو غيرَ ذلك؛ [من كونه: لطيفًا، أو فظيعًا، أو عجيبًا، أو غريبًا؛ فيعيده المتكلّم بنظم أوفى منه ليظهر بمجموع القصدين مزيدُ اعتناءٍ بالشّأن] (٦) كقوله - تعالى -: ﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَال الأَوَّلُونَ * قَالُوَا

стр. 511

أإذَا مِتْنَا﴾ (١) فَصلَ (٢) ﴿قَالُوا أإذَا مِتْنَا﴾ عمَّا قبله لقصد البدل (٣)، وكونه أوفى بتأديةِ (٤) المقصود للتّصريح (٥) بالمقولِ (٦) واضحٌ. وفي أنّ (٧) الفصلَ في البدلِ (٨) من بابِ الاتِّحادِ نظرٌ؛ لأنّه فيه ليس للاتِّحاد؛ بل لأنّه في حُكمِ الجملةِ العارية عن المعطوفِ عليه -كما مرّ (٩) -؛ اللَّهمَّ إلّا أنْ يقال: ذلك الحكمُ في المفرداتِ والتّوابعِ الحقيقيّة (١٠)؛ بخلافِ هذه؛ فإنّها كالتّوابع. أو البيانُ؛ أي: [أو بأن] (١١) يُقصدَ بالثّانية أن تكون بيانًا، وذلك فيما يكونُ في الكلامِ السّابقِ نوعُ خفاءٍ، والمقامُ مقامُ

стр. 512

إزالته، نحو: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَال يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾ (١) لم يعطفْ، (قال) على (وَسْوَسَ)، لكونه تفسيرًا أو تبيينًا له. أو التَّأكيدُ؛ أي: [أو] (٢) بأن يقصدَ بالثّانية التَّأكيدُ، وذلك إذا أُريدَ تقريرُ الأولى (٣) مع دفع توهّمِ التَّجوّز، نحو: ﴿ذَالِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيه هُدًى لِّلْمُتًقِيْنَ﴾ (٤) لم يعطف ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ على ﴿ذَلِكَ﴾ (٥) حين كان وزانه في الآية وزان (نفسه) في: (جاءَ الخليفةُ نفسُه)، لأنه حين بولغ في وصفِ الكتاب ببلوغه الدَّرجةِ القصيا (٦) من الكمال؛ حيث جُعلَ المبتدأُ لفظةَ ﴿ذَلِكَ﴾، وأُدْخِل على الخبرِ حرفُ

стр. 513

التَّعريف أُتبع بقوله: ﴿لَا رَيْبَ﴾ تقريرًا له ونفيًا للتَّجوّز وعدمِ التَّحقُّق؛ وكذلك فُصِل ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ لمعنى (١): التّقرير فيه للّذي قبله؛ لأنَّ قوله: ﴿ذَالِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهَ﴾ مَسُوقٌ لوصفِ التَّنْزيلِ بكمالِ كونه هاديًا؛ لأنَّ شأنَ الكمّبِ السَّماويّةِ الهدايةُ لا غير، وبحسبها تتفاوتُ في درجاتِ الكمال. و ﴿هُدًى﴾ أي: هو هدىً، ومعناه: نفسُه هدايةٌ محضةٌ بالغةٌ درجةً لا يكتنه كنهها. هذا؛ وإنّما (٢) لم يذكر الصِّفةَ لأنّ الجملة لا تقعُ صفةً لجملةٍ أُخرى؛ لأنَّ الموصوف لا يكونُ إلّا ذاتًا، وما يقعُ موصوفًا في الجملةِ ليست بذات، بل نسبة؛ ولهذا لم يقع - أيضًا - محكومًا عليه. وإمّا للتَّبايُنِ؛ أي: الفصلُ إمّا للاتِّحادِ، وإمّا للتّبايُن وكمال الانقطاع بينهما. فتارةً يكونُ ذلك لاختلافهما؛ أي: الجملتين، خبرًا وطلبًا، وتارة يكونُ لعدمِ (٣) الرّبط بينهما. فالأَوَّل، كقوله (٤):

стр. 514

وَقَال (١): إِنِّي في الهَوَى كَاذِبٌ ... انْتَقَمَ الله مِنَ الكَاذِبِ. لم يعطفْ (انتقم) على ما قبله، لأنّه دعاءٌ وما قبله خبَرٌ، إلَّا أن تُضمّن إحداهما، أي: إحدى الجملتين المختلفتين، معنى الأُخرى بأن ضُمِّنَ الخبرُ معنى الطّلب (٢) أوْ بالعكس، فإنّه مع ذلك الاختلافِ لا يُفْصَل، إذ يصيرُ حينئذٍ -لاشتماله على ما يُزيلُ الاختلافَ- متوسِّطًا بين كمالِ الاتِّصالِ وبين (٣) كمالِ الانقطاع، نحو قوله: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ (٤) عطفًا (٥) على ﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾، المُضَمَّنة معنى: (لا

стр. 515

تعبدوا) (١)؛ في قوله - تعالى - (٢): ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾. وقوله: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٣) بعد قوله: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (٤)؛ فإنّ قوله ﴿بَشِّرِ﴾ ضُمِّنَ معنى الخبر؛ فكأنّه قال: أُعدّت وبُشِّر؛ بلفظ المبني للمفعول؛ كما هو قراءة (٥) زيدِ (٦) بن عليٍّ ﵄ (٧). وهذا

стр. 516

الوجهُ (١) ما قال (٢) في "المفتاح"، وقال: وعُدَّ عطفًا عَلى ﴿فَاتَّقُوا﴾ (٣)؛ وهو إشارةٌ إلى قولِ الزَّمخشريِّ في "الكشّافِ" (٤): "ولكَ أن تقولَ: هو معطوفٌ على ﴿فَاتَّقُوا﴾؛ كما تقول: (يا بنِي تميمٍ احذروا عقوبةَ ما جنيتم، وبَشِّر -يا فلان- بني أسدٍ بإحساني إليهم!) ". والأظهرُ؛ أي: عند السَّكّاكيِّ (٥)، أنَّه على (قُلْ)؛ أي: أنّه معطوفٌ على (قُل) مُقَدّرًا ومُرادًا قبل: ﴿يَا أَيُّهُا النَّاسُ اعْبُدُوا﴾ (٦)؛ لكون إرادةُ القولِ بواسطةِ انصبابِ الكلام إلى معناه غير

стр. 517

عزيزةٍ في القرآن؛ كما قال (١). وتقديرُ القولِ كثيرٌ، أي: في القرآن وغيرِه، منه، أي: ممّا قُدِّرَ فيه القول قوله -تعالى-: ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ (٢)، أي: قلنا أو قائلًا أنتَ يا موسى: كُلُوا. وقوله (٣): ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الْطُّور خُذُوا﴾ (٤)، أي: قلنا أو قائلين: خذوا. وتارةً بأن لا ربط، هذا هو الثَّاني من قسمي التَّباين (٥). إمّا معنًى، أي عدمِ الرَّبطِ بينهما على نوعين -أيضًا-: إمّا بحسبِ المعنى، وإمّا بحسبِ سياقِ الكلامِ. فالأوّلُ ما لا يكونُ بينهما جهةٌ جامعة، كما تقولُ لجوهريٍّ: فلانٌ يقرأ ثمَّ تتذكّرُ أنَّ لك خاتمًا، أي: يخطُرُ ببالك أنّ صاحبَ حديثك جوهريٌّ ولك خاتم (٦) لا تعرفُ قيمَته تريد تقويمه؛ تقولُ: لي خاتمٌ، أي: تُعْقِبُ كلامكَ بأنّ لي خاتمًا لا أعرف قيمتَه، فهلْ أُرِيكَهُ لتُقَوِّمَ؟، فتَفْصلُ عمّا قبلَه.

стр. 518

وإمّا سياقًا (١) إشارةٌ إلى القسم الثاني من القسم الثَّاني؛ نحو: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ (٢) قطع ﴿إِنَّ الَّذِيْنَ﴾ عمّا قبلَه؛ لأنَّه لبيانِ حالِ الكفّار، وما قبله لبيانِ حال الكتاب دُون المؤمنين. إنّما ذكَرَ قوله: (دونَ المؤمنين) دفعًا لتوهُّم من يتوهّمُ (٣) أنّ بينهما جامعًا هو التَّضادُّ؛ إذْ ما قبله لبيانِ حالِ المؤمنين. والقسمُ السِّياقيّ هو الَّذي عَبَّرَ عنه السَّكاكيُّ بقوله (٤): "أو يكونُ بينهما جامعٌ، لكن غير مُلتفتٍ إليه لبُعدِ مقامِك عنه".

стр. 519

المملكة العربية السعودية وزارة التعليم العالي الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة عمادة البحث العلمي رقم الإصدار (٧٩) تحقيق الفوائد الغياثية تأليف شمس الدين محمد بن يوسف الكرماني (المتوفى سنة ٧٨٦ هـ) تحقيق ودراسة د. علي بن دخيل الله بن عجيان العوفي عضو هيئة التدريس في الجامعة الإسلامية - المدينة المنورة [الجزء الثاني]

стр. 520

النوعُ الثَّاني (*): في الإيجاز والإطناب ؛ وهما نسبيّان؛ إذ لا يُعقلُ معناهما إلَّا بالإضافة [إلى غيره] (١) ولهذا يختلفان؛ فكمْ من وجيزٍ بالنِّسبةِ إلى شيءٍ؛ طويلٌ (٢) بالنِّسبة إلى آخر!. فَلِنَنْسِبُهُما إلى متعارفِ الأوساطِ؛ أي: كلامهم في مجرى عرفهم في تأَديةِ المعنى. وإِنَّه؛ أي: متعارف الأَوساطِ. لا يُمدحُ منهم، ولا يُذمّ. لَهُما؛ للإيجازِ والإطنابِ مراتبُ لا تُحصى من وجيزٍ، وأَوْجز، وأَوْجز، ومطنبٍ، وأَطْنبَ، وأطنبَ. وإذا صادفا المقامَ حَسَّنا الكلامَ وصيَّراه محمودًا ممدوحًا، وإلّا؛ أي: وإن لم يصادفا [المقام] (٣) صارَ الإيجازُ عيًّا (٤) مَذْمومًا وتَقْصيرًا، والإطنابُ إِكْثَارًا مَلُومًا وتَطويلًا.

стр. 521

فعلى هذا: الإيجازُ هو: أداءُ المقصودِ بأقلِّ من عباراتِ متعارفِ الأوساطِ، والإطنابُ أداؤه بأكثرَ من عباراتِه. فالإيجازُ؛ أي: مثالُ الإيجاز؛ كقوله تعالى: ﴿فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ (١) كان أوجزُ كلامٍ عندهم [أي: العرب] (٢) في هذا المعنى قولهم (٣): (القتلُ أَنفَى للقَتْلِ). وهذا؛ أي: قوله - تعالى -. أَوْجزُ منه؛ أي: مِمّا عندهم وأفضلُ لوجوهٍ عشرةٍ: الأوّلُ: لقلّةِ حروفه بالنِّسبةِ إلى ما يناظرُه، لأنَّ حروفَه عشرةٌ (٤)، وحروفَ مناظره أربعة عشر. الثَّاني: لأنَّ (٥) حصولَ الحياةِ -وهو الْمَقْصُود (٦) الأصليّ- مَنصوصٌ عليه. الثّالثُ: لاطِّرادِ قولهِ دُون قولهم، فإنَّ القتلَ الَّذي يُنْفي به القتلُ هو

стр. 522

ما كان على وجه القصاصِ لا غيره، كالَّذي يقتصّ (١) به. الرَّابعُ: لخلَوّهِ عن التَّكرارِ الَّذي هُو عَيْبٌ. الخامسُ: فيه صَنْعةُ الطِّباقِ الَّتي من محسِّناتِ الكلامِ (٢)؛ فإنَّ القصاصَ ضدُّ الحياةِ معنًى؛ بخلافِ قولهم. السَّادسُ: لسلامةِ أَلْفاظِه عمّا يوحشُ السّامعَ، بخلافِ لفظ (القتل). السَّابعُ: لبُعدِه عن تكرارِ قَلْقَلة القافِ الوجبِ للضَّغطِ والشِّدَّةِ. الثَّامنُ: لاشْتمالِه لحُكمِ الجرحِ والأطرافِ -أيضًا-. التَّاسعُ: لجَعلِ القصاصِ ظَرْفًا للحياةِ الموجب للمبالغةِ. العاشر: لدلالةِ تنكيرِ ﴿حَيَاةٌ﴾ على التَّعظيمِ؛ لمنعهِ عمّا كانوا عليه من قتلِ جماعةٍ بواحدٍ. وكقوله (٣): ﴿هدًى لِلْمُتَّقِيْنَ﴾ (٤)؛ إذ المعنى: هُدًى للضَّالّين الصّائرين إلى التَّقوى؛ لأنَّ الهدايةَ إِنَّما تكون للضّالِّ لا للمُهْتدي (٥). وعندَ مَن يَرى القُدْرة مع الفعل (٦)؛ فالهدى إنّما هو حال الاهتداءِ، فتقول الهدايةُ

стр. 523

للمُهتدي (١)؛ لكن لا بهدايةٍ قَبْل هذه؛ بل المُهْتدي بهذه الهدايةِ، كما قيلَ في علمِ الكلامِ على سبيل المغلطةِ (٢) لا يمكنُ أَنْ يُوجِدَ موجود؛ لأنَّ الموجدَ إمّا أن يوجده حال الوجودِ، وإيجادُ الموجودِ محالٌ، وإمّا حال العدمِ، فيلزمُ اجتماع النَّقيضين؟. وأُجيبَ: بأنَّ المحال: إيجادُ ما هو موجودٌ بوجودٍ قبل؛ لا بهذا الوجودِ ولا يلزمُ محالُ. وفيه؛ أي: في قوله - تعالى -: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقَينَ﴾ نوعان آخران من الحُسن (٣): تسميةُ الشَّيءِ باسم ما يَؤُول إليه مجازًا؛ أي: على

стр. 524

سبيلِ المجازِ. والمجازُ أبلغُ من التَّصريح. وتصديرُ أُولى الزَّهراوين (١) وهُما سورتا البقرةِ وآلِ عمران بذكرِ الأولياءِ المتّقين (٢). و الإطنابُ كقوله - تعالى -: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (٣) بدلًا مِنْ أَنْ يُقَال: إنَّ في (٤) وقوع كلِّ ممكنٍ مع تساوي طَرفيه لآياتٍ للعقلاء؛ إذ الخطابُ؛ أي: التخاطُب. مع الكافّةِ؛ أي: كافّة الخلائق. وفيهم الذَّكيُّ والغَيُّ والمُقَصِّرُ في باب النّظرِ والاستدلال، والقويُّ الكاملُ فيه؛ فلا يكون مقام أَدعى إِلى الإِطنابِ منه.

стр. 525

ومنه؛ أي: [من] (١) الإطنابِ بابُ نعم وبئس؛ نحو: (نعم الرّجل زيد) وإلّا لكفى: (نعم زيد). وفيه؛ أي: في هذَا البابِ. اختصارٌ بحذف المبتدأ على قولِ من يرى أصله: (نعمَ الرّجلُ هو زيدٌ)؛ فيحصل التَّعادُلُ الموجبُ لحُسْنه؛ ولا يخفى حُسنُ موقعه مع ما فيهِ من لطائف أُخرى، ولو لم يكن فيه شيءٌ سوى أنَّه يُبرِزُ الكلامَ في معرض الاعتدالِ؛ نظرًا إلى إطنابهِ من وجه، وإلى اختصاره من وجهٍ آخر - لكفى. ومنه؛ أي: من [باب] (٢) الإطنابِ بابُ التَّمييزِ. ولم يتعرّض في "المفتاح" أنَّه من قبيل الإطناب، ولعلَّه (٣) لأنّه لا إطناب في بعض أمثلته؛ وعبارته هكذا (٤): "اعلم: أنَّ باب التّمييز كلّه سواء كان (٥) عن مُفردٍ أو جملة (٦) بابٌ مزالٌ عن أصله لتوخِّي الإجمال والتَّفصيل؛ ألا تراك تجد الأَمثلة الواردةَ من نحو: (عندي منوان سمنًا)، و (عشرون درهمًا)، و (ملء الإناء عسلًا)، و (طابَ زيدٌ نفسًا) (٧)، و (طارَ عمرو فرحًا)، و (امتلأ

стр. 526

الإناءُ ماءً) - مناديةً على أنَّ الأصل:؛ (عندي عن منوان)، و (دراهم عشرون)، و (عسل ملء الإناء)، و (طابت نفسُ زيدٍ)، و (طيّر الفرح عمْرًا)، و (ملأ الإناء ماء) " (١). وفيهما (٢)؛ أي: في بابِ نعمَ وبئسَ وباب التَّمييزِ تفصيلٌ بعد إجمال ألا تراك إذا قلتَ: (نعم الرَّجلُ) مُريدًا باللَّام الجنسَ دون العهدِ كيف تُوجِّه المدحَ إلى زيدٍ أوّلًا على سبيل الإجمال، لكونه من أفرادِ ذلك الجنسِ، ثمَّ إذا قلتَ: (زيدٌ) كيفَ تُوجّهه إليه (٣) ثانيًا على سبيل التَّفصيل. وفي التَّمييز كما إذا قلتَ: (طابَ زيدٌ)؛ فإن فيه إجمالًا لطيبه، ثمَّ إذا قلتَ: (نفسًا) صارَ مُفصّلًا. قال [تعالى] (٤): ﴿قَال رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ (٥) مقامَ شِخْتُ، وفيه انتقالاتٌ لطيفةٌ، لأنَّ أصلَ معنى الكلامِ ومرتبته الأُولى: (قدْ شِخْت)، فإنَّ الشَّيخُوخةَ مُشتملةً على ضعف البدنِ وشيبِ الرأسِ المتعرَّض لهما في الآية - تُركتْ لتوخِّي مزيدِ

стр. 527

التَّقريرِ إِلى تَفْصيلها؛ في: ضَعُف بَدَني، وشابَ رأسي، ثم لاشْتماله على التَّصريح تُركتْ إلى ثالثةٍ أبلغ؛ وهي الكناية في: (وهنتْ عظامُ بدني)، ثم لقصدِ مرتبةٍ رابعةٍ أبلغ في التَّقرير بُنيت الكنايةُ على المبتدأ؛ لإِفادتها تقوِّي الحكمِ؛ فحصلَ: (أنا وهنتْ عظامُ بدني)، ثمَّ لقصدِ خامسةٍ أَبْلغ أدخلت (إِنَّ) على المبتدأ؛ فحصلَ: (إِنِّي وهنتْ عظامُ بدني)، ثم لسُلوكِ (١) طريقي الإجْمال والتَّفصيلِ قُصدت سادسةٌ وهي: (إِنِّي وهنت العظامُ من بدني)؛ ثمَّ لمزيدِ اختصاصِ العظامِ به قُصِدتْ سابعةٌ؛ وهي تركُ تَوْسيطِ البدنِ؛ فَحَصَل: (إنِّي وهنتْ العظامُ مني) ثم لشمولِ الوهنِ العظامَ فردًا فردًا قصدتْ ثامنةٌ؛ وهي: تركُ جمع العظم (٢) إلى الإفرادِ لصحّةِ حصولِ وهنِ المجموع بالبعضِ دُون كلِّ فرد (٣) فرد؛ فحصلَ ﴿إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾. وهكذا تُركت الحقيقةُ في (شابَ رأسي) إلى أبلغ؛ وهي: الاستعارةُ؛ فحصلَ: (اشتعل شيبُ رأسي)، ثم تُركت إلى أبلغ؛ وهي: (اشتعلَ رأسي شيبًا)؛ للإجمالِ والتَّفصيل، ثم تُركت لتوخِّي مزيد التَّقرير؛ إلى: (اشتعلَ الرأسُ مِنِّي شيبًا)، ثم تُركت لفظةُ: (منِّي) بقرينةِ (٤)

стр. 528

عطفِه على ﴿إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ لمزيدِ مزيدِ التَّقرير؛ وهي إيهامُ حوالةِ تأديةِ مفهومه على العقل دون اللّفظِ. وفي اختصارِ (ربِّ) بحذفِ حرف النِّداءِ وياءِ المتكلِّم (١). وهو كالأساسِ للكلامِ ومن حقِّه؛ أي: الأساسِ. أن يُقَدرَ بقدر ما يُنْوَى من البناءِ عليه- تحسينٌ له. قوله: (تحسينٌ) مبتدأ، وخبرُه الظّرفُ المقدَّمُ عليه؛ وهو قوله: (وفي اخْتصار). والإيجازُ قد يُعتبرُ بما هو خَليقٌ بمقامِ (٢) الإطناب (٣)؛ وهذا شأنُ القولِ في انقراضِ الشبابِ وإلمامِ الشَّيبِ المرِّ الأمَرّ المُغَيّبِ؛ لأن مغيبَ المشيبِ الموتُ؛ أي: لبيانِ شأنِ انقطاع الشَّباب، ونزول الشّيبِ مقامٌ خليقٌ إطنابُه. وعبارةُ المفتاح -في هذا المقامِ- تنقله بعينه؛ لأنه أبسط وأدلُّ على المرادِ؛ قال (٤):

стр. 529

"اعلم: أنَّ الّذي فَتَّقَ أكمامَ هذِه الجهاتِ عن (١) أزاهير القبولِ في القلوبِ؛ هو أن مقدِّمة هاتين الجملتين وهي: (ربِّ) اختُصرت ذلك الاختصارُ؛ بأن حُذِفت كلمةُ النِّداءِ وهي: (يا) وحُذفت كلمةُ المضافِ إليه، وهي: ياءُ المتكلِّم، واقتُصر من مجموع الكلماتِ على كلمةٍ واحدةٍ [فحسب] (٢) وهي: المنادى. والمقدِّمةُ للكلامِ -كما لا يخفى على من له قدمُ صدقٍ في نهج البلاغةِ- نازلةٌ منْزلة الأساسِ للبناءِ؛ فكما أن البنّاءَ الحاذقَ لا يرى الأساسَ إلّا بقدر ما يُقدِّرُ من البناء عليه، كذلكَ البليغ يَصنعُ بمبدأ كلامه، فمتى رأيته اختصر المبدأ فقد آذنك باختصارِ ما يُورد (٣). ثُمَّ إنّ الاختصار -لكونه من الأمور النِّسبيّة- يُرجَعُ في بيانِ دعواه إلى ما سبق تارةً (٤)، وإلى كونِ المقامِ خليقًا (٥) بأبسطِ ممّا ذُكر أُخرى. والذي نحنُ بصددِه من القَبِيل الثاني؛ إذْ هُو كلامٌ في معنى انقراضِ الشّبابِ و (٦) إلمامِ المشيبِ، وهلْ معنى أحقُّ بأن يَمتري (٧) القائلُ

стр. 530

فيه (١) أفاويقَ (٢) المجهودِ، ويستغرقَ في الإنباءِ عنه كل حدٍّ معهود؛ من انقراضِ أيامٍ ما أَصدق مَنْ يَقُول فِيها (٣): وقد تَعَوَّضْتُ من (٤) كُلٍّ بِمُشبهه ... فما وَجدتُ لأيامِ الصِّبا عِوضًا! ومن إلمامِ المشيبِ المعيبِ المرِّ الطّلوع الأمرِّ المَغيب؟!. [تَعِيبُ الغَانِيَاتُ عليَّ شَيْي ... ومَن لِي (٥) أَنْ أمتِّعَ بالمعِيبِ!!] (٦) ".
следующие страницы →