← Адаб

Адаб · id 17458

تحقيق الفوائد الغياثية

الكرماني، شمس الدين

Полный текст (841 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

الإناءُ ماءً) - مناديةً على أنَّ الأصل:؛ (عندي عن منوان)، و (دراهم عشرون)، و (عسل ملء الإناء)، و (طابت نفسُ زيدٍ)، و (طيّر الفرح عمْرًا)، و (ملأ الإناء ماء) " (١). وفيهما (٢)؛ أي: في بابِ نعمَ وبئسَ وباب التَّمييزِ تفصيلٌ بعد إجمال ألا تراك إذا قلتَ: (نعم الرَّجلُ) مُريدًا باللَّام الجنسَ دون العهدِ كيف تُوجِّه المدحَ إلى زيدٍ أوّلًا على سبيل الإجمال، لكونه من أفرادِ ذلك الجنسِ، ثمَّ إذا قلتَ: (زيدٌ) كيفَ تُوجّهه إليه (٣) ثانيًا على سبيل التَّفصيل. وفي التَّمييز كما إذا قلتَ: (طابَ زيدٌ)؛ فإن فيه إجمالًا لطيبه، ثمَّ إذا قلتَ: (نفسًا) صارَ مُفصّلًا. قال [تعالى] (٤): ﴿قَال رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ (٥) مقامَ شِخْتُ، وفيه انتقالاتٌ لطيفةٌ، لأنَّ أصلَ معنى الكلامِ ومرتبته الأُولى: (قدْ شِخْت)، فإنَّ الشَّيخُوخةَ مُشتملةً على ضعف البدنِ وشيبِ الرأسِ المتعرَّض لهما في الآية - تُركتْ لتوخِّي مزيدِ

стр. 527

التَّقريرِ إِلى تَفْصيلها؛ في: ضَعُف بَدَني، وشابَ رأسي، ثم لاشْتماله على التَّصريح تُركتْ إلى ثالثةٍ أبلغ؛ وهي الكناية في: (وهنتْ عظامُ بدني)، ثم لقصدِ مرتبةٍ رابعةٍ أبلغ في التَّقرير بُنيت الكنايةُ على المبتدأ؛ لإِفادتها تقوِّي الحكمِ؛ فحصلَ: (أنا وهنتْ عظامُ بدني)، ثمَّ لقصدِ خامسةٍ أَبْلغ أدخلت (إِنَّ) على المبتدأ؛ فحصلَ: (إِنِّي وهنتْ عظامُ بدني)، ثم لسُلوكِ (١) طريقي الإجْمال والتَّفصيلِ قُصدت سادسةٌ وهي: (إِنِّي وهنت العظامُ من بدني)؛ ثمَّ لمزيدِ اختصاصِ العظامِ به قُصِدتْ سابعةٌ؛ وهي تركُ تَوْسيطِ البدنِ؛ فَحَصَل: (إنِّي وهنتْ العظامُ مني) ثم لشمولِ الوهنِ العظامَ فردًا فردًا قصدتْ ثامنةٌ؛ وهي: تركُ جمع العظم (٢) إلى الإفرادِ لصحّةِ حصولِ وهنِ المجموع بالبعضِ دُون كلِّ فرد (٣) فرد؛ فحصلَ ﴿إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾. وهكذا تُركت الحقيقةُ في (شابَ رأسي) إلى أبلغ؛ وهي: الاستعارةُ؛ فحصلَ: (اشتعل شيبُ رأسي)، ثم تُركت إلى أبلغ؛ وهي: (اشتعلَ رأسي شيبًا)؛ للإجمالِ والتَّفصيل، ثم تُركت لتوخِّي مزيد التَّقرير؛ إلى: (اشتعلَ الرأسُ مِنِّي شيبًا)، ثم تُركت لفظةُ: (منِّي) بقرينةِ (٤)

стр. 528

عطفِه على ﴿إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ لمزيدِ مزيدِ التَّقرير؛ وهي إيهامُ حوالةِ تأديةِ مفهومه على العقل دون اللّفظِ. وفي اختصارِ (ربِّ) بحذفِ حرف النِّداءِ وياءِ المتكلِّم (١). وهو كالأساسِ للكلامِ ومن حقِّه؛ أي: الأساسِ. أن يُقَدرَ بقدر ما يُنْوَى من البناءِ عليه- تحسينٌ له. قوله: (تحسينٌ) مبتدأ، وخبرُه الظّرفُ المقدَّمُ عليه؛ وهو قوله: (وفي اخْتصار). والإيجازُ قد يُعتبرُ بما هو خَليقٌ بمقامِ (٢) الإطناب (٣)؛ وهذا شأنُ القولِ في انقراضِ الشبابِ وإلمامِ الشَّيبِ المرِّ الأمَرّ المُغَيّبِ؛ لأن مغيبَ المشيبِ الموتُ؛ أي: لبيانِ شأنِ انقطاع الشَّباب، ونزول الشّيبِ مقامٌ خليقٌ إطنابُه. وعبارةُ المفتاح -في هذا المقامِ- تنقله بعينه؛ لأنه أبسط وأدلُّ على المرادِ؛ قال (٤):

стр. 529

"اعلم: أنَّ الّذي فَتَّقَ أكمامَ هذِه الجهاتِ عن (١) أزاهير القبولِ في القلوبِ؛ هو أن مقدِّمة هاتين الجملتين وهي: (ربِّ) اختُصرت ذلك الاختصارُ؛ بأن حُذِفت كلمةُ النِّداءِ وهي: (يا) وحُذفت كلمةُ المضافِ إليه، وهي: ياءُ المتكلِّم، واقتُصر من مجموع الكلماتِ على كلمةٍ واحدةٍ [فحسب] (٢) وهي: المنادى. والمقدِّمةُ للكلامِ -كما لا يخفى على من له قدمُ صدقٍ في نهج البلاغةِ- نازلةٌ منْزلة الأساسِ للبناءِ؛ فكما أن البنّاءَ الحاذقَ لا يرى الأساسَ إلّا بقدر ما يُقدِّرُ من البناء عليه، كذلكَ البليغ يَصنعُ بمبدأ كلامه، فمتى رأيته اختصر المبدأ فقد آذنك باختصارِ ما يُورد (٣). ثُمَّ إنّ الاختصار -لكونه من الأمور النِّسبيّة- يُرجَعُ في بيانِ دعواه إلى ما سبق تارةً (٤)، وإلى كونِ المقامِ خليقًا (٥) بأبسطِ ممّا ذُكر أُخرى. والذي نحنُ بصددِه من القَبِيل الثاني؛ إذْ هُو كلامٌ في معنى انقراضِ الشّبابِ و (٦) إلمامِ المشيبِ، وهلْ معنى أحقُّ بأن يَمتري (٧) القائلُ

стр. 530

فيه (١) أفاويقَ (٢) المجهودِ، ويستغرقَ في الإنباءِ عنه كل حدٍّ معهود؛ من انقراضِ أيامٍ ما أَصدق مَنْ يَقُول فِيها (٣): وقد تَعَوَّضْتُ من (٤) كُلٍّ بِمُشبهه ... فما وَجدتُ لأيامِ الصِّبا عِوضًا! ومن إلمامِ المشيبِ المعيبِ المرِّ الطّلوع الأمرِّ المَغيب؟!. [تَعِيبُ الغَانِيَاتُ عليَّ شَيْي ... ومَن لِي (٥) أَنْ أمتِّعَ بالمعِيبِ!!] (٦) ".

стр. 531

النوعُ الثّالثُ (*): في جعلِ إِحدى الجُملتين حالًا . الحالُ (١): إما مُؤكِّدة، نحو (زيدٌ أبوك شفيقًا) أي: أَحقه. وأحكامُها وحالُها عُلمت من النَّحو، [فلا واو] (٢) لأنها إنّما هي (٣) للرّبطِ، والمُؤكّدةُ لا تحتاجُ إلى الرّبطِ، للّاتحاد (٤) بينها وبين ذِي الحالِ، وارتباطها به بحسبِ المعنى؛ لأنها هي المقررّة لمضمونِ الجُملةِ المذكورة (٥) وإمّا مُنْتقلةٌ؛ وهي ما يُقابِلُها، وإذا أُطلقَ الحالُ فهي المرادُ. فالمفردة؛ أي: في الحالِ المنتقلةِ المفردةِ. صفةٌ في المعنى لِذي الحال، وحكمٌ عليه، كالخبر. فلا واو؛ أي: فلا يجوزُ الواوُ، لأنها للرّبطِ وللدّلالة على الحاليَّة. والتَّعلُّقُ المعنويُّ والإعرابُ مغنٍ عنها.

стр. 532

والجملةُ (١) أصلُها التَّجدُّدُ حال النّسبةِ الحاصلةِ بين ذي الحال وعامله؛ وذلك لتُشابه الحال المفردةَ التي هي الأصلُ؛ لأن المفردةَ تدلَّ على حصولِ صفةٍ غير ثابتةٍ مُقارنة لما جُعلت قيدًا له. فمُضارعٌ مُثبتٌ؛ أي: فأصلُها (٢) مضارعٌ مُثْبتٌ (٣)؛ لأنه -أيضًا- (٤) يدل على حصولِ صفةٍ غير ثابتةٍ؛ أي: مُتجدِّدة مقارنةٍ لما جُعلت قيدًا له. وهذا مرتبطٌ معنًى؛ لما ذكرَنا. فلا واوَ؛ أي: فلا حاجةَ إلى الرابطةِ اللّفظيَّة التي هي الواوُ؛ نحو: ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (١٦)﴾ (٥). وإلا؛ أي: وإِنْ لم يرتبط معنًى؛ بأن لا يكون مضارعًا مُثْبتًا (٦) -مثلًا-. أُتِيَ بها للرّبطِ؛ أي: بالواو؛ لتربطها بذِي الحالِ، وذلك؛ أي: الإتيانُ بها (٧) بحسَبِ قُوَّة البُعدِ عن الرّبطِ المعنويِّ؛ فتختلف وُجُوبًا، وجوازًا، ورُجحانًا؛ بحسبِها. وأبعدُها الاسميَّةُ؛ فإن دلالتها على الثُّبوتِ وحُصولِ الصِّفةِ الثابتة

стр. 533

فقط؛ لا على التَّجدُّدِ، ولا على المقارنةِ؛ فهي أكثرُ مخالفةً للمُفْردة من غيرها. فالتُزِمتْ الواوُ فيها؛ أي: في الاسميَّة (١)، إلا نادرًا نحو: (كَلِّمتُه فُوْهُ إلى فِيّ) بأن يكون (فوه) مبتدأً، و (إلى فيّ) خَبَرَه، والجملةُ حالٌ بلا واوٍ نادرًا. ومعناه: كلمته مُشافهًا. و (رجعَ عَوْدُه على بدئهِ)؛ بالرَّفع على أنهُ مُبتدأ و (على بدئه) خبرُه؛ ليصحَّ مثالا؛ لا بالنَّصب على الظّرف -كما ذكره الجوهريُّ (٢) في الصِّحاح (٣) -؛ أي: رجع في عوده، ولا على الحالِ؛ كأنه

стр. 534

قيل: يرجعُ (١) عائدًا، ومعناه: رجع والحالُ أن عودَه في الطّريقِ الذي جاءَ منه (٢). ثم الماضي؛ أي: أبعدُها بعدَ الاسميَّة الماضي. للتجدُّدِ في غيرِ حالِ النِّسبةِ، أي: أنه (٣) يدلّ على حُصولِ صفة غير ثابتة، لكنَّه ليس حال النِّسبةِ ومقارنًا لِمَا جُعلت قيدًا له. فالتُزم فِيها [أي] (٤) في الجملة الماضية (قد) تحقيقًا، نحو: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾ (٥)، أو تقديرًا؛ نحو: ﴿جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ (٦)؛ أي: قد حَصِرت. لتُقربه؛ أي: الماضي من الحالِ، حتَّى يصحَّ وقوعُه حالًا، فَتُنَزَّل المُقاربة الحاصلة من لفظِ (قد) منْزلةَ المقارنةِ، أي: مُقَارنتها (٧) لما جُعَلتْ قيدًا له.

стр. 535

أوْ تُجعلَ (١) مقاربَةُ الفعلِ (٢) هيئةً للفعل الذي جُعلت هي حالًا له؛ وحينئذ (٣) يُسْتحبُّ (٤) الواو، ويكونُ أَوْلَى وأرجحَ لعدمِ المقارنةِ؛ لكن (٥) يجوزُ تركها -أيضًا- نظرًا إلى التَّنْزيل والجَعل (٦). قوله (٧): (هيئةً للفعلِ)؛ أي: لمعمولِ الفعلِ الذي هو ذو الحالِ، وإنّما قال: (هيئةً للفعل) ولم يقل: (هيئة (٨) لمعموله) تنبيهًا على أن الحال وإن كان بيان هيئة المعمولِ لكنّه باعتبارِ الفعلِ ونسبته إليه؛ فلملاحظةِ ذلك الاعتبار اختار هذه العِبارة، وهو -كما قيل-: الحالُ قيدُ العاملِ، أو تقول: عرّفَ السَّكاكيُّ الحال -في قسم النَّحو بأنَّه (٩) -: "بيانُ هيئةِ وقوع الفعل"؛ فهو جارٍ على اصطلاحِه.

стр. 536

ثم النّفيُ، أي: بعد الجملةِ الماضية أبعدُها المنفيّة؛ ماضيةً كانت أو مضارعة؛ لأن له (١) الدّلالة على المقارنة؛ أما في المضارع [فظاهر] (٢) وأمّا في الماضي فهو لأن (٣) النَّفي مُسْتَمرٌّ غالبًا إلى وقتِ التَّكلّم؛ فيكون مقارنًا قوله، وليس هيئةً للفعلِ إلّا بالعرضِ؛ إشارةٌ إلى أن النَّفي هيئةٌ -أيضًا- لكن بالعرض؛ لأن (جاءني زيدٌ ليسَ راكبًا) في قُوّةِ (جاءني زيدٌ ماشيًا) (٤)؛ فيدلُّ على نوع من الحُصولِ والتَّجدُّدِ، فجاز فيه تركُ الواو للمقارنةِ والتَّجدُّد، وجازَ دخولها لأن المقارنةَ بحسبِ الغالبِ لا على سبيلِ القطع، والتَّجدُّد بالعرضِ لا بالذّاتِ، وكأنهما لا يتحقّقان، والتَّركُ أَوْلَى لوُجود الأمرين (٥) في الجملةِ (٦)؛ كما قال في المفتاح: إنّ ترك الواو أرجح (٧). والمصنِّفُ قال: فيجوز من غيرِ تعرّضٍ لرُجحان جانبِ التَّرك؛ لكن بالنَّظر إلى التَّعليلِ يُفْهم رُجحانُه. فإن قيلَ: الجملةُ الاسميّةُ -أيضًا- تستمرّ (٨) غالبًا؛ لأن الشَّيءَ إذا

стр. 537

ثبتَ فأصلُه بقاؤه على ما كان استصحابًا؛ فيدلُّ على المقارنة -أيضًا-. قلنا: استمرارُ العدمِ لا يفتقرُ إلى سببٍ، بخلافِ استمرارِ الوجود فلا يدلُّ بلا تجدُّد سبب الوجود على بقائه. وكذا في الظّرف؛ [أي] (١): يجوزُ دخولُ (٢) الواو في الظّرفِ إذا وقعَ حالًا لجواز الأمرين (٣)؛ يُقدّرُ (٤) الاسمُ المفردُ؛ فلا تدخل الواو؛ نحو: (رأيته على كَتفه سَيف)؛ أي: حاصلًا (٥) على كتفه، ويُقَدّرُ الفعلُ الماضي فيكونُ حكمُه حُكمَه؛ فيدخل الواوُ؛ نحو: (رأيته وعلى كتِفه سيف)؛ أي: وحصلَ على كتفِه سيف (٦)، ولم يُقَدَّر بالمضارع؛ لأنه لو قُدِّرَ به لامتَنَعَ مجيئُها بالواو. نعم بين الظرفِ وبين النَّفي (٧) فرق؛ وهو أن في النَّفي (٨) التَّركَ أَوْلَى، وفي الظّرفِ لا أولويَّة؛ بل الظَّرفان متساويان.

стр. 538

فعُلم أن الجملةَ بالنِّسبةِ إلى الواو لها الأحكامُ الخمسة: ما يجبُ دخولها فيها كالجُملةِ الاسميّةِ، وما يُستحبُّ كالماضِية، وما يَحرُمُ ويمتنعُ كالمُضَارع المثبَتِ، وما يكره دخولُها ويكونُ تركُها أَولى كالجملة المنفيَّةِ، وما يَسْتوي الأمران فيها كَمَا في الظرفيَّةِ. ويجبُ دخولُ الواو على الجملةِ الّتي وقعتْ حالًا في النَّكرةِ؛ أي: إذا كانَ ذو الحالِ نكرةً، تمييزًا للحالِ عن الصِّفةِ، ودفعًا لالتباسها بالصِّفة (١)؛ نحو: (جاءني رجلٌ ويَسْعى)؛ هذا في الجملةِ؛ لأنّ الحال المفردة عند تنكيرِ ذي الحالِ واجبُ التَّقديمِ، وإنّما أَتَى بالجملةِ المُضَارعةِ لأنه إذا عُلم وُجوبُ الواو فيما يمتنعُ دخولُها عليه يلزمُ في سائرِ الجملِ بالطّريقِ الأَوْلَى.

стр. 539

القانونُ الثاني (*): في الطّلبِ قد سبقَ أن حقيقةَ الطلبِ حقيقةٌ معلومةٌ مستغنيةٌ عن التَّحديدِ (١)؛ فالكلامُ في مقدّمةٍ يَسْتدعيها المقامُ؛ من بيانِ ما لا بدَّ للطّلبِ منه، ومن تَنوُّعِه؛ والتَّنبيهِ على أبوابِه في الكلامِ (٢). وكَيْفِيَّةِ توليدِها لِمَا سِوى أصلِها. وهو لِمُتصوَّرٍ، أي: لمطلوبٍ مُتصوّرٍ، غيرِ حاصلٍ؛ في الخارج، حينئذ؛ حينَ الطلبِ. أمَّا أنه لمطلوبٍ؛ فلأن الطّلبَ بدونِ المطلوب لا يُتَصَوَّرُ. وأمّا أنه لمتصوّر؛ فلأن الطلبَ من غير تَصَوُّرٍ -إمّا إجمالِيّ كشيءٍ مَا، أو تفصيليّ بالنِّسبةِ إلى شيءٍ ما، كإنسانٍ (٣) -لا يصحّ (٤) وإلا يلزم منه طَلب المجهولِ المطلَق؛ وهو مُمتنع. وأمّا أنه غيرُ حاصلٍ؛ فلامتناع تحصيلِ الحاصلِ وطلبِه عقلًا (٥).

стр. 540

فإمّا أن لا يستدعي الإمكان (١)؛ أي: لا يَسْتدعي في مطلُوبِه إمكانَ الحصولِ؛ لا أنه يستدعي أن لا يمكن. والأَوَّلُ أعمُّ؛ لأنّه كُلّما صدقَ: (يستدعي أنْ لا يُمكن) صدق: (لا يَسْتدعي أن يُمكن) وإلّا لصدقَ (٢): (يستدعي أن يُمكن)، فيجتمعُ النَّقيضان. وليسَ كلّما صدق (٣): (لا يستدعي أن يُمكن) صدق: (يستدعي (٤) أن لا يُمكن)؛ لأن الأَوَّلَ يحتملُ أن يُجامع الإمكانَ وعدمه؛ لاحتمالِه منهما، بخلافِ الثاني فإِنَّه لا يُجامعُ الإمكانَ لاستلزامه عَدَمه (٥). وهو التَّمنِّي يقولُ: (ليتَ الشّبابَ يعُود) فيما لا يُمكن؛ لامتناع عودِ الشّبابِ. و (ليت لي مالًا أنفقه) فيما يمكن. أو يَسْتدعيه؛ أي: إِمكان حُصولِ المطلوب.

стр. 541

وهو إمَّا للحصولِ في الخارج (١) فلإثباتِ؛ أي: فلحُصولِ إثباتِ أيَّ تَصورٍ؛ لأن التَّصديقَ لا يُطلَبُ كَونه في الخارج؛ لأن النِّسبةَ لا تكون خَارجيّة. أمرٍ؛ نحو (قُم)، أو نِداءٍ؛ نحو: (يا زيدُ)؛ فإنّك تطلُبُ بهذين الكلامين حُصُولَ قيامِ صاحبك، وإِقْباله عليك في الخَارج. ولنفي؛ أي: لحصولِ نَفْي أيِّ تصوُّر في الخارج (٢). نَهْي؛ نحو: (لا تتحرّك)؛ للمُتحرّك؛ فإنّك تطلُبُ به (٣) انتفاءَ الحركةِ في الخارج. أو في الذِّهنِ فاستفهام؛ أي: وإمّا للحُصولِ في الذِّهنِ؛ وهو الاستفهام. وهو (٤) إما لطلبِ حصولِ ثُبوتٍ أو نفي؛ للتَّصوّر (٥) أو للتَّصديق (٦)؛ فأقسامُه ستّةٌ: لأنَّ الطلب إمّا: لحصولِ ثبوتٍ متصوّرٍ (٧)، أو انتفاءٍ مُتَصوَّرٍ؛ وكلاهُما إِمَّا: ذهنيٌّ أو خارجيٌّ، ثم في الذّهنيِّ يزيد قسمان

стр. 542

آخران: حصولُ ثبوتِ تصديقٍ، وحصولُ (١) انتفاءِ تصديق. قال الأستاذُ: ولعل مخالفةَ السَّكاكيِّ للقوم (٢) فيما جعل التَّمَنِّي والنِّداء من الطلب، وهم جعلوهما من أقسامِ التَّنبيه- فرعٌ على أن عند المعتزلةِ (٣) لا تغايرَ بين الإِرادةِ والطّلبِ (٤)، وعندَ غيرهم مُتَغايران؛ فالتَّمنيِ عند غيره (٥) الإرادةُ؛ وفيه تنبيهٌ على الطلبِ؛ لا أن الطلبَ مدلُوله وذاتِيَّه [وعنده الطّلبُ مدلوله وذاتيّته] (٦)؛ كالإرادة، وكذا في النِّداء. فإنّ عند غيره (٧): الطّلبُ فيه بالعرضِ؛ لأنه غرضٌ منه ومُرادٌ عنه، ويلزم منه عَقْلًا لا وضعًا؛ لأنه قيلَ: معنى (يا): "صوتٌ يَهتفُ به الرّجلُ". قال [به] (٨) الزّمخشريُّ في الكشّافِ (٩). ويلزمُ منه طلب الإقبالِ،

стр. 543

والفعل وهو: (أدعوا) و (أنادي) من لوازمه، كما أن الحركةَ من لوازمها التّحركُ (١) بخلافِ ما عنده (٢)؛ وقد مرّ (٣) ما يقرُب منهُ في صدرِ الكتابِ (٤). تنبيهٌ: الاستفهام ليحصلَ في الذِّهنِ نقشُ الخارج، والبواقي ليحصلَ في الخارج ما نقشُه في الذِّهن. قال في المفتاح (٥): "الفرقُ بين الطّلبِ في الاستفهامِ، والطّلبِ في الأمرِ والنَّهي والنِّداءِ واضحٌ؛ فإنّك في الاستفهام تطلُبُ ما هو في الخارج ليحصلَ في ذهنك [نقشٌ] (٦) له مُطَابق، وفيما سواه تنقشُ في ذهنك، ثم تطلبُ أن يحصلَ له في الخارج مطابقٌ؛ فنقشُ (٧) الذّهنِ في الأَوَّلِ تابعٌ، وفي الثاني متبوعٌ". ومن عبارةِ المختصر يُعرفُ حُكمُ التَّمني -أيضًا-؛ لشمول

стр. 544

قوله: (البواقي) إيّاه، بخلافِ عبارةِ (١) أصلِه (٢) فإنّه لا يُعرَفُ منه حُكْمه (٣). ثم هذه؛ أي: الأبواب الخمسة، قد تُزالُ عن مواضعها لمانعٍ يمنع من (٤) إجرائها على الأصلِ إلى غيرها بحسب ما يُناسبُ المقام؛ فتقول لمن همّكَ همّه (٥): (ليتك تحدّثني)؛ سؤالا؛ أي: على سبيل السُّؤال؛ لأنّ هذه الحالةَ -أي: الاشتراك [في الهمَّيْن] (٦) - تقتضي المحادثةَ لإزالةِ الشّكوى (٧) لا على سبيلِ التَّمنّي، لامتناع إجراءِ التَّمنّي على أصله؛ وهو كونُه غيرَ مطموعٍ في حُصوله؛ فتولّد بمعونةِ قرينةِ الحالِ منه معنى السّؤالِ (٨). وإنّما استعمل فيه (ليت)؛ لأنه لَمّا استبطأَ حديثَ صاحبه شَبَّه (٩) حاله بحالةِ (١٠) من لا يُطْمع في حديثه (١١).

стр. 545

هكذا قالوا، لكن في كوْن أصلِه ما ذكر (١) حزازةٌ. [و] (٢) ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ﴾ (٣) حيثُ يمتنعُ التصديقُ؛ أي: في مقامٍ لا يسع إمكانَ التَّصديقِ بوجودِ الشَّفيع. تمنّيًا؛ أي: يقول (٤) على سبيل التَّمني؛ إذْ يمتنعُ إجراءُ الاستفهامِ على أصله؛ فيتولّدُ (٥) بمعونةِ (٦) قرائنِ الأحوالِ معنى التَّمنّي (٧).

стр. 546

وكذا تقول تمنّيًا: (لو تأتيني فَتحَدِّثَنِي) بالنَّصب؛ لأن نصبَه بإضمار (أَنْ)، و (أن) لا تُضْمر إلّا بعدَ الأشياءِ الستة (١). وتَقْديرُ غير التَّمنّي مُتعذّرٌ. فيقدّر (لو) مُولّدًا للتّمنِّي وإلا امتنع (٢) النّصبُ. فإنّ (لو) تُقَدِّرُ غيرَ الواقع واقعًا في الشَّرط؛ وكذلكَ التَّمنّي؛ [لأنّ الطّلبَ وقوع ما لم يقع فإذا شارك التَّمني] (٣) في هذا المعنى ناسبَ أن يُضَمَّن معناه. وكذا تقولُ لعل تمنيًا كَمَا في قولهم: (لعلِّي أَحُجّ فأَزُورَكَ) بالنّصب؛ لأنّه لو لم يكن للتّمنِّي لما جازَ النّصبُ. وعليه قراءةُ عاصمٍ (٤): ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ﴾ (٥) بالنَّصب (٦) لبُعدِ المرجوِّ؛ أي: سبب توليده للتَّمنِّي بُعد المرجوِّ

стр. 547

عن الحصول؛ وذلك يُشبه معنى التَّمنّي. وصَدَّرَ الكلامَ بقوله: (وكذا) إشارةً إلى تشبيهِ غيرِ الأبوابِ الخمسة بها في التَّوليدِ وعدم اختصاصِه بها. وأَلا تَنْزلُ (١)؟!، أي: وتقولُ لمن تراه لا ينْزلُ: (ألا تنْزلُ) (٢)، أي: ألا تُجِبّ (٣) عَرضًا؛ فإنَّه لَمَّا امتنع أن يكون المطلوبُ بالاستفهامِ التَّصديقِ بحالِ نُزولِ صَاحبك؛ لكونِ عدمِ نزوله مَعلومًا لظهورِ أماراتِ أنَّه لا ينْزلُ -توجَّه بمعونةِ قرينةِ الحالِ إلى نحو ألا تُجبّ النّزول مع محبّتنا إيّاه؛ فولَّدَ (٤) معنى العَرضِ؛ أي: كأنك تعرض عليه محبّتك نزوله. وأَتَشْتِمُ أباك؟!، أي: تقول: (أتشتمُ أباكَ)؛ لمن تراه يشتمُ أباه (٥)؛ فإِنَّه لَمَّا امتنع توجّهُ الاسْتفهامِ إلى فعل الشَّتمِ لعِلْمك بحاله- توجَّه إلى ما لا يُعلم ممّا (٦) يُلابسُه، أي: أتَسْتَحسِنُ (٧) الشَّتمَ، لأن الغالبَ من أحوال الفاعلين أَنْ يَسْتحسنوا أفعالهم، فولدَ استهجانًا وزجرًا، أي: أستَهْجِنُ شَتْمك، وأزجرُكَ عن الشَّتْم!، وتقول لمن يهجو أباه مع

стр. 548

حكمك (١) بأن هجو الأبِ ليسَ شيئًا غير هجو نفسه: (أتهجو نفسك؟!) امتنعَ منك إجراءُ الاستفهامِ عَلَى ظَاهره؛ لأنه معلومٌ أنه لا يهجو إلا نفسة بحكمك به فولّد تقريعًا، [وتوبيخًا] (٢). و (ألم أؤدِّب فلانًا بإزائك ومقابلتك)؛ لمن يُسيءُ الأَدبَ، امتنعَ أن تطلبَ العلمَ بتأديبك فلانًا وهو حاصلٌ؛ فولّد وعيدًا. وتقولُ: (أما ذهبتَ بعدُ)، لمن بَعَثْتَه إلى مُهمّ (٣) وتراه عندك؛ امتنع توجُّه الاستفهام إلى الذهاب لكونه معلومَ الحال؛ فاسْتدعى شَيئًا مَجْهُولًا ممّا يُلابسُ الذهابَ؛ مثل: ([أي] (٤) أما تيسّر (٥) لك الذّهابُ)؛ فولَّد استبطاءً وتَحضيضًا (٦). وتقولُ: (أما أعرفُك)؛ لمن يَتَصلَّفُ (٧) عندك وتعرفه (٨)؛ فلامتناع

стр. 549

الاستفهام عن المعرفة توجّه إلى مثل: (أتظُنّني لا أعرفك)؛ فولد إنكارًا على تصلُّفِه وتعجّبًا منه (١)، وتعجيبًا للسّامعين. وتقول: (أجئتني)، لمن جاءك؛ فلامتناع الاستفهام عن المجيءِ ولّد مع القرينةِ تقريرًا للمجئ. وكذا تقول: (اشتم (٢) مولاك)؛ لمن أدَّبته، أي: لعبدٍ (٣) شتم مولاه وأدّبته حقَّ التَّأديب امتنعَ أن يكون الأمرُ (٤) بالشَّتمِ والحالُ ما ذُكرَ؛ فتوجّه بمعونةِ قرينةِ الحالِ إلى مناسبٍ؛ أي: اعرفِ (٥) لازمَ الشّتمِ -مثلًا

стр. 550

-؛ فولّدَ منه تهديدًا. وتقول: (لا تمتثل أمري) (١)؛ لمن لا يمتثل. امتنع طلبُ تَرك الامتثالِ بحصولِه (٢)؛ فتوجّه النّهيُ إلى غير حاصلٍ مُناسبٍ له؛ نحو: لا تبالِ به ولا تلتفت إليه؛ فإنّه مُوجب للعقابِ؛ فولّدَ تهديدًا. وكذا تقولُ: (يا مظلوم) لمقبلٍ عليك يتظلمُ (٣)، فامتنعَ توجُّهُ النِّداءِ إلى طلبِ الإقبال لحصوله؛ فتوجَّه إلى غيرِ حاصلٍ؛ مثل: زيادة الشَّكوى بمعونةِ قرينةِ الحالِ -وهي التَّظلُّمُ-، فولّدَ (٤) إغراءَ المتظلِّم وتحريضه. ثم أنواعُه؛ أي: الطلب. خمسةٌ بحسبِ الاسْتقراءِ: الأَولُ: التمنِّي . ولفظه (لَيْتَ)؛ أي: اللفظة الموضوعةُ له (ليت) وحدَها. وأما (لَوْ) و (هلْ) فَلِمَا مرّ؛ أي: فإفادتهما (٥) معنى التَّمنِّي لما مرَّ في باب التّوليدِ (٦). وأما (لولا) و (لوما) و (هلَّا) و (ألا) أي: حُرُوف التَّنديم

стр. 551

والتَّحضيضِ؛ فهي: (لو)، و (هل)، أو معَ قلبِ الهاءِ؛ أي: من هلْ همزة، بزيادةِ (ما) في نحو (١) (لوما)، و (لا)؛ أي: بزيادة (لا) [في لو؛ نحو: لولا أو] (٢) في (هل)؛ نحو: (هلَّا)، و (ألّا) بقلب (٣) الهاء همزة- لتَعيين التمنّي الذي يتولّدُ من (لَوْ) و (هلْ)؛ أي: زيادتهما ليتعيّنا في معنى التَّمني بلا احتمال بقاءِ معنى (٤) الشَّرطِ و الاستفهام . ففي الماضي للتنديم نحو: (هلا أكرمتَ زيدًا)؛ أي: لَيْتكَ أَكْرمتَه. وفي الْمُسْتقبلِ للتحضيضِ؛ نحو: (هلَّا تَقُومُ)؛ أي: لَيْتكَ تَقُوم. الثاني: الاسْتِفْهام. وكَلِمَاتُه؛ وهي: (الهمزةُ)، و (أم)، و (هلْ)، و (مَا)، و (مَنْ)، و (أَيْ)، و (كَم)، و (كَيْفَ)، و (أينَ)، و (أنَّى)، و (مَتَى)، و (أيَّان) تختصُّ بالتَّصوّرِ أو بالتصديقِ أَوْ لا؛ أي: ثلاثة أنواع: أحدها: يختصُّ بطلبِ حصولِ التَّصوّر (٥)، وثانيها: يَخْتصُّ بطلبِ حُصولِ التَّصديق، وثالثها: لا يختصُّ بواحدٍ منهما؛ بل يعمّهما.

стр. 552

فالمطلوبُ في التصوّرِ: تفصيلُ مُجملٍ؛ كما تَقُول (١): (ما الشَّيء؟) -مثلًا-. أو مُفَصَّلٍ؛ أي: أو تفصيل مُفَصَّلٍ بالنِّسبةِ إلى شيء مّا (٢)؛ كما تقولُ: (ما الإنسانُ؟)؛ فإن الإنسانَ مُفَصَّلٌ بالنِّسبةِ إلى (٣) الجسمِ -مثلًا- (٤). وفي التَّصديقِ: تفصيلُ مُجْمل؛ وهو (٥) الحُكْم؛ أنفيٌ هو أم إثباتٌ؛ فهو لطلبِ تفصيلِ الحكم وتعيِين أَحدِهما. فمنَ الْمُشْتركِ (٦) بين [طلب] (٧) التَّصوُّرِ والتَّصديقِ: الهمْزةُ؛ نحو: (أَقامَ زيدٌ؟)، و (أزيدٌ منطلقٌ؟) في طلبِ التَّصديق؛ فإن السُّؤال فيهما عن ثُبوتِ النِّسبةِ لا غير. و (أزيدٌ قائمٌ أم عمرو)، في طلب التَّصوّر في طرف المسند إليه، فإِنَّك (٨) تطلُب فيه تفصيل المسند إليه. [وأقائم زيد

стр. 553

أم قاعد، في طلب التَّصوُّر في المسند؛ فإنّك تطلب فيه تفصيل المسند] (١). ومما يختصُّ بالتَّصديقِ (هلْ)؛ فلا (٢) تقولُ: (هل زيدٌ عندك أم عمرو)، أي: باتّصال (أَم)؛ لأَنَّ (أم) إذا كانت مُتّصلة فلطلبِ التعيين؛ فيجبُ أن تكونَ النِّسبةُ حاصلةً لتأخير طلبِ التَّعيينِ عن وجودِ النِّسبةِ، و (هل) لطلبِ التَّصديق، فلا تكون النِّسبةُ حاصلةً؛ لاستدعاءِ الطّلبِ عدم (٣) حصولِ المطلوب؛ فالجمعُ بينهما كالجمع بين المتنافيين. ويصحُّ (أم عندك عمرو)؛ بانقطاع (٤) (أمْ)؛ فإن المنقطعةَ ليست لطلبِ التَّصوّر؛ بل لطلبِ الوجودِ الموافق لطلبِ (٥) (هلْ) (٦) فتصحّ، ولكن (٧) بتكرارِ لفظة (عِنْدك) حتَّى تصيرَ جملةً؛ لأن محلَّها بينَ الجملتين؛ فتقولُ: (هلْ زيدٌ عندك أم عندك عمرو) أو (أم عمرو عندك)؛ وإنّما مثّلَ بالأوَّلِ؛ لأنه أظهر في كونها منقطعة؛ لأنّه لَمْ يلها المستويان، بخلافِ

стр. 554

الثاني فإنَّه يليانها (١)؛ لكن إِنَّما أُخرجت (٢) عن المتَّصلة لكونِ ما بعدها جملةً؛ هكذا قال شارحُ المفتاح (٣). وإنّما لم يقيّد بقوله: باتّصالِ (أَمْ) كما في المفتاح (٤) لعدمِ الاحتياج إليه؛ فإنَّ المنقطعةَ لا تقع عند عدم الهمزةِ إلَّا بين الجملتين؛ وهذه وقعت بين المفردين فلم تكنْ إلّا مُتّصلة. قال في شرح المفتاح (٥): "فإن قلتَ: شرطُ كونِ (أَمْ) مُتّصلةً أن يَليها أحدُ المسْتويين والآخر الهمزة أو ما يقوم مقامها؛ وعلى هذا لا يكون (هلْ (٦) عندك زيدٌ أمْ عمرو) من صور اتّصالِ (أَمْ)؟. قلتُ: لا نسلِّمُ أن الشّرطَ أن يلي الآخر ما يقومُ مقامَ الهمزة، بل الشّرطُ في كون (أَمْ) متّصلةً من حيثُ اللّفظ إذا لم يكن همزةٌ أن يَكون ما بعدها مفردًا (٧) وهو أحدُ المستويين؛ سواء وَلِي الآخر ما قامَ مقام الهمزةِ أم لا، ولانحصارِ الفرْقِ اللّفظي بينهما عند عدمِ الهمزةِ في كون ما بعد المتّصلةِ مفردًا وما

стр. 555

بعد المنقطعةِ جُملة فرّقَ بينهما بذلك؛ وقال (١): (أمْ عمرو)؛ باتّصالها دون (أم عندك عمرو)؛ بانقطاعها". وإنّما عدلَ المصنِّف عن المثالِ الذي أورده السَّكاكيُّ وهو: (هل عندك زيدٌ أَمْ عمرو) (٢) لإمكان أن يُقال -كما ذكرنا-: إن امتناعه لعدمِ شرط الاتّصال وهو الدّخولُ على أحد المستويين لا لما ذُكر؛ بخلافِ هذا المثال؛ فإنّ امتناعه متعيِّنٌ (٣) لذلك. ويقبُحُ (هل زيدًا عَرَفت) لإشعارِه، أي: التَّقديم بثبوتِ التَّصديق بنفس الفعلِ، وإِشْعار (هلْ) بعدمِ ثبوتِ التّصديقِ؛ لأنّه لطلبِ التَّصديق. وإنّما قال: (يقْبُحُ) ولم يقل: (يمتنِع) لأنَّه كان احتملَ التَّقديمَ المنافي؛ كذلك يحتملُ عدمَ التَّقديمِ؛ وإنْ كان مَرجوحًا بالنِّسبةِ إلى احتمال التَّقديم؛ وذلك بأن يُقدّر: عرفتَ آخر قبل زيدٍ، أو تجعل مفعول (عرفت) المذكورَ مَحْذوفًا؛ والتَّقدير: (هل عرفت زَيْدًا عرفته). بخلاف عرفته؛ أي: بخلافِ (زيدًا عرفته) فإنّه لا يَقْبُح؛ لأنَّ زيدًا

стр. 556

لا يحتملُ التَّقديم، لأَن (عرفته) قد أخذَ مفعوله، وإذا لم يحتمل التَّقديم لا يستدعي ثُبوتَ التَّصديق بنفسِ الفعل، فلا يُنَافي (هل). هذا على ما هو كذلك (١) لفظ المختصرِ وأَصله، وعلى ما شرحه الشَّارح للأَصل، لكن الحقَّ: أن (زيدًا عرفته) -أيضًا- يحتملُ التَّقديم؛ بأن يُقدَّرُ المُفَسَّرُ بَعْد (زيدًا)، نحو: (هل زيدًا عرفت عرفته) [-كما مرّ-] (٢) فلا يخرُج عن بابِ القُبح. ويختصّ (هلْ) بالاستقبالِ، أي: يدخُلُ المضارِعَ ويُخَصِّصُه بالاستقبالِ، لأنها لطلبِ التَّصديقِ؛ وهو (٣) يستدعي عدمَ الحصولِ في الحال؛ لأن الطلبَ إِنَّما يتوجَّهُ إلى غيرِ الحاصلِ فلا تقلْ لمن يباشرُ الضرب: (هل تضرب)، بل: (أَتَضرب). فلاستدعائه (٤) الإثبات والنفي، لكونه لطلبِ التَّصديقِ، والتَّصديقُ حُكمٌ بالثّبوتِ والنَّفي، وهما يتوجّهانِ إلى الصّفاتِ لا إلى الذّواتِ؛ لأنَّ الذَّواتِ من حيثُ هي ذواتٌ؛ فيما مضى، وفي الحالِ، وفي الاستقبالِ؛ فلا تُثبت ولا تُنفى؛ اللهمَّ إلّا باعتبار الوُجودِ والعدمِ؛ وهما -أيضًا

стр. 557

- صِفَتان (١) [ولهذا] (٢) اختصَّ بالصفات. ولاقتضائِه الاستقبال اختصَّ بالزمانيّة؛ لأَنَّه لا يُتصوّر إلا فيها فاقْتَضى الفِعل؛ قال في المفتاح (٣): "اختصَّ بما يكونُ كونُه زمانيًّا أظهر". وقيل: قال ذلك احترازًا عن اسم الفاعلِ لأنه -أيضًا- زماني (٤)؛ لكن فيه (٥) أظهر لأنه موضوعٌ لزمانٍ مُعيّنٍ، بخلاف اسم الفَاعلِ فلا وَجْه (٦) له؛ لأنّ كونَ اسم الفاعل موضوعًا للزّمانِ ممنوعٌ؛ فإن المرادَ ما كان زمانيًّا بالوضع. فعبارة المختصرِ أسدُّ وأَخْصر؛ على أن اقتضاءه الاستقبال لا يوجِب الاختصاص بما زمانيّته أظهر، نعم يُوجبُ الاختصاص بما هو زمانيّ فقط. فإذا عدل عنه عن الفعلِ، كان أدخل في الثّباتِ، لأنه لمّا كان أدعى للفعلِ من الهمزة يكون تركُ الفعل معها لغرضٍ أقوى، فيكون أدخل في الثباتِ؛ كما قيل في قوله -تعالى-: ﴿فَهل أَنتُم شَاكِرُونَ﴾ (٧)، فإنَّه أدخلُ في الإنباءِ عن (٨) طلب الشُّكرِ من: (فهل تَشْكُرون؟)؛ لأنّه مُفيدٌ

стр. 558

للتَّجدّد، وكذا من: (فهلْ أنتم تشكرون؟!) (١)، أو (أفأنتم شاكرون؟!)؛ لأن الأَوَّلَ مفيدٌ للتّجدّد، لأنّ تقديرَه: (هل تشكرون أنتم؟!). والثاني: وإن كان يُنبئ عن عدمِ التَّجّددِ لكنّه دون: (فهل أنتم شاكرون؟)، لأنّ (هل) لمّا كان أدعى للفعل من الهمزة، فتَرْكُ الفعل معه يكونُ أدخل في الإنباءِ عن استدعاءِ المقام عدم التجدّدِ. ولا يحسُن العُدولُ عن الفعل بأَنْ يُقَال: (هلْ زيدٌ منطلقٌ)، إلا من البليغ، لأنَّه لا يستعمل إلّا إذا عرف أنّ تركه معها أدخلُ في الثبات؛ كقوله، كما لا يحسُن نظير قول الشَّاعر (٢):

стр. 559

لِيُبْكَ (١) يَزيدُ ضِارِعٌ (٢) لِخُصُومَةٍ وَمُختبِطٌ (٣) مِمَّا تُطِيحُ الطَّوائِحُ (٤) إلَّا من البليغ؛ لأنّه يعرفُ أن ارتفاعَ مثل (ضارعٌ) مبنيٌّ على أنه جوابُ سؤالٍ (٥)، وأَن بناء (لِيُبْك) للمفعول، ورفع (يزيد) أبلغ من بنائه للفاعلِ ونَصبه على ما سبق. ومما يختصُّ بالتَّصوُّر تِسعة: الأَوَّلُ: ما للجنس، أي: للسُّؤالِ عنه، نحو: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي﴾ (٦)، أي: أيّ جنسٍ من الموجُودَاتِ تُؤثرونه في العبادةِ من بعدي. وسلكَ المصنِّفُ مسلكَ السَّكاكيِّ في تفسير (ما) بـ (أيّ)، وفيه ما فيه؛ لأن (أيا) للسّؤال عمّا يُميّز أحد الْمُتَشاركين عن الآخر، و (ما)؛ للسُّؤالِ عن الجِنْس؛ فكيف يصحُّ تفسير أحدهما بالآخر؟! (٧).

стр. 560

أو للوصفِ؛ أي: أو للسُّؤالِ عن الوصفِ؛ نحو: (ما زيدٌ؛ أكريم، أم شجاعٌ، أم عالمٌ)، ونحوها؛ مثل: (أم فاضل أم عدل) (١). ولتردُّدها بين الأَمرين؛ أَي: الجنس والوَصْفِ لَمَّا قال فِرعونُ: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالمِينَ﴾ (٢)؛ أَي: أَيّ جنسٍ (٣) من الأَجْسامِ لاعتقادِ الْجُهّالِ (٤): أن كُلَّ موجودٍ قائمٍ بنَفْسهِ جِسْمٌ ولا موجودَ مستقلا بِنَفْسِه سِوى أَجْناس الأَجْسام. أَجَابَ موسَى بالوصفِ (٥)؛ لأَنَّه كانَ عالمًا بأن السُّؤال عن حقيقتِه (٦) الخاصَّةِ التي هي فوق العقول سُؤالٌ عمَّا لا سبيل إِليه؛ لامتناع تعريفِ البسائطِ بالحدودِ تَنْبيهًا على النَّظرِ المؤدِّي إلى معرفته. تعريضًا بتغليطه (٧)، وتخطئَته في السُّؤالِ عن الحقيقةِ؛

стр. 561

لأنَّه مِمَّا لا يعقل؛ وهذا قَريبٌ مِمَّا يُسَمَّى بأسلوبِ الحكيمِ (١). فَلَم (٢) يتفطَّنْ فرعونُ له وعجَّب من حَولَه من جماعة الجهلَةِ (٣)، فقال لهم: ألا تَسْمعون!، سألتُه عن حقيقته، وهو يذكر أوصافَه، ثم لمّا وجده (٤) مُصِرًّا على الجوابِ؛ إذْ قال في المرَّة (٥) الثانية: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ (٦) استهزاءً بموسى وجَنَنه (٧)؛ فقال: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ (٨). فغلظ بقوله: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٩) حين لم يرهم يَفْطُون لما نبَّههم عليه (١٠) في الكرَّتين من فسادِ مسألتهم

стр. 562

[الحمقاء] (١)، واستماع جوابه الحكيم، وقال: ﴿قَال رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٢). هذا: [على] (٣) ما هو في المفتاح، لكن يُمكنُ أن يُقال: فيه مقدّمةٌ زائدة لتمامِ الكلام؛ بأن يُقال: ولتردُّدها بين الأمرين؛ لمّا قال فِرعون: ﴿وَمَا رَبُّ العالميْنَ﴾ (٤) سائِلًا عن الحقِيقة -أجابَ موسى بالوصفِ تعريضًا .. إلى آخره، فلا حاجةَ إلى قوله: (أي: [أيّ] (٥) جنس من الأجسامِ لاعتقادِ الجُهَّال أنَّ كُل موجودٍ قائم بنفسه جسمٌ)؛ اللَّهمَّ إلَّا أن يُقال: لَمَّا علم اعتقاد فرعون أن لا موجود [مستقلًا] (٦) بنفسه سوى أجناس الأجسام اعتقاد كلِّ جاهلٍ لا نظرَ له- علم أَن سُؤاله من أجناس الأجسامِ، فلهذا بَنَى عليه ما بني (٧).

стр. 563

و (مَنْ) لِذَوي العلم؛ أي: للسُّؤالِ عن الجنسِ من ذويه؛ نحو قولِ الله -تعالى- حكايةً عن فرعون: ﴿فَمَن ربكمَا﴾ (١)، أملكٌ هُو، أم جنّيٌّ، أم بشرٌ. منكِرًا لأَن (٢) يكون بها ربٌّ سِواه، لادِّعائه الربوبيّةَ لنفسِه؛ فقال في الجوابِ: ﴿ربُّنا الذي أَعطَى كُل شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾، أي: صورَته وشَكْلَه الذي يُطابق كماله، ﴿ثُمَّ هدَى﴾ (٣)؛ كأنه قال: لنا ربٌّ سِواك، وهُو الذي إذا سلكتَ طريقَ العقلِ لزمك الاعترافُ بكونه ربًّا، وأن لا ربَّ سواه؛ وهو معنى قوله؛ لَأنه يُوجبُ للعاقلِ الاعترافَ. و (أيّ) لما يُميِّزُ أحدَ المتشاركَينِ في أمرٍ عام لهما عن الآخر، سواء كان ذلك ذاتيًّا أو عرضيًّا، كقوله -تعالى- حكايةً عن سليمانَ: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾ (٤) أيُّها الحاضرون في مجلسي المنقادون لأمري أيّكم؛ أي:

стр. 564

الإنسيّ أَم الجنِّيّ يأتيني بعرشها. و (كَم) للعددِ [أي: للسُّؤال عنه؛ فإذا قلتَ: كَمْ درْهمًا لك؟، فكأنك قلتَ: أعشرونَ أمْ ثلاثون] (١) قال [الله تعالى] (٢): ﴿قَال كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ (٣). و (كيفَ) للحالِ؛ أي: للسّوالِ عنه إذا قيل: (كيفَ زيدٌ؟)؛ فجوابُه: صحيحٌ أو (٤) سَقيمٌ. و (أين) للمَكان؛ أي: للسُّؤالِ عنه (٥) إذا قيلَ: (أينَ زيدٌ؛) فجوابُه: في الدَّارِ، أَوْ في المسجد. و (أنَّى) تستعملُ تارةً (٦) بمعنى: (كيفَ)؛ قال الله -تعالى-: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (٧)؛ أي: كيفَ شئتُم وأُخرى بمعنى: (من

стр. 565

أين)؟، قال الله -تعالى-: ﴿أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ (١) أي: منْ أينَ لك؟. و (مَتى) للزمانِ؛ أي: السُّؤالِ عنه (٢) إذا قيلَ: (متى جئت؟) قيل: يومَ الجمعة، أو يومَ (٣) الخميسِ، أو شهرَ كذا، أو سنة كذا. ولو اختلجَ في وهمكَ أن في بيان معاني بعضِ هذه الحروف كـ (متى) نوعَ تكرار -لِمَا مرَّ في باب الشَّرطِ (٤) - فادفعه بأن ما مضى باعتبارِ معناها الشّرطيِّ، وهذا باعتبارِ معناها الاستفهاميِّ. والحقُّ: أن بيان الأمورِ الوَضْعيّةِ من حيثُ هي وضعيةٌ لا تَعلُّقَ لها أصلًا بالفنِّ؛ فينبغي أن لا تُذكر في هذا الوضع، ولا في غيره من الكتاب، ولا شيء (٥) منه على المصنِّفِ؛ لأنه يحذو حَذو السَّكَّاكيِّ. وكذا (أيّان)؛ فإنه -أيضًا- للسّؤال عن الزَّمانِ؛ كـ (متى). قال عليُّ (٦) بنُ عيسى الربعي: وفيها، أي: (أيان) تعظيم، ولا تُستعملُ إلا في مواضع التَّفْخيم (٧)؛ هو قوله -تعالى-: ﴿يسْئلُ
следующие страницы →