← Адаб

Адаб · id 17458

تحقيق الفوائد الغياثية

الكرماني، شمس الدين

Полный текст (841 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

لأنَّه مِمَّا لا يعقل؛ وهذا قَريبٌ مِمَّا يُسَمَّى بأسلوبِ الحكيمِ (١). فَلَم (٢) يتفطَّنْ فرعونُ له وعجَّب من حَولَه من جماعة الجهلَةِ (٣)، فقال لهم: ألا تَسْمعون!، سألتُه عن حقيقته، وهو يذكر أوصافَه، ثم لمّا وجده (٤) مُصِرًّا على الجوابِ؛ إذْ قال في المرَّة (٥) الثانية: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ (٦) استهزاءً بموسى وجَنَنه (٧)؛ فقال: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ (٨). فغلظ بقوله: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٩) حين لم يرهم يَفْطُون لما نبَّههم عليه (١٠) في الكرَّتين من فسادِ مسألتهم

стр. 562

[الحمقاء] (١)، واستماع جوابه الحكيم، وقال: ﴿قَال رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٢). هذا: [على] (٣) ما هو في المفتاح، لكن يُمكنُ أن يُقال: فيه مقدّمةٌ زائدة لتمامِ الكلام؛ بأن يُقال: ولتردُّدها بين الأمرين؛ لمّا قال فِرعون: ﴿وَمَا رَبُّ العالميْنَ﴾ (٤) سائِلًا عن الحقِيقة -أجابَ موسى بالوصفِ تعريضًا .. إلى آخره، فلا حاجةَ إلى قوله: (أي: [أيّ] (٥) جنس من الأجسامِ لاعتقادِ الجُهَّال أنَّ كُل موجودٍ قائم بنفسه جسمٌ)؛ اللَّهمَّ إلَّا أن يُقال: لَمَّا علم اعتقاد فرعون أن لا موجود [مستقلًا] (٦) بنفسه سوى أجناس الأجسام اعتقاد كلِّ جاهلٍ لا نظرَ له- علم أَن سُؤاله من أجناس الأجسامِ، فلهذا بَنَى عليه ما بني (٧).

стр. 563

و (مَنْ) لِذَوي العلم؛ أي: للسُّؤالِ عن الجنسِ من ذويه؛ نحو قولِ الله -تعالى- حكايةً عن فرعون: ﴿فَمَن ربكمَا﴾ (١)، أملكٌ هُو، أم جنّيٌّ، أم بشرٌ. منكِرًا لأَن (٢) يكون بها ربٌّ سِواه، لادِّعائه الربوبيّةَ لنفسِه؛ فقال في الجوابِ: ﴿ربُّنا الذي أَعطَى كُل شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾، أي: صورَته وشَكْلَه الذي يُطابق كماله، ﴿ثُمَّ هدَى﴾ (٣)؛ كأنه قال: لنا ربٌّ سِواك، وهُو الذي إذا سلكتَ طريقَ العقلِ لزمك الاعترافُ بكونه ربًّا، وأن لا ربَّ سواه؛ وهو معنى قوله؛ لَأنه يُوجبُ للعاقلِ الاعترافَ. و (أيّ) لما يُميِّزُ أحدَ المتشاركَينِ في أمرٍ عام لهما عن الآخر، سواء كان ذلك ذاتيًّا أو عرضيًّا، كقوله -تعالى- حكايةً عن سليمانَ: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾ (٤) أيُّها الحاضرون في مجلسي المنقادون لأمري أيّكم؛ أي:

стр. 564

الإنسيّ أَم الجنِّيّ يأتيني بعرشها. و (كَم) للعددِ [أي: للسُّؤال عنه؛ فإذا قلتَ: كَمْ درْهمًا لك؟، فكأنك قلتَ: أعشرونَ أمْ ثلاثون] (١) قال [الله تعالى] (٢): ﴿قَال كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ (٣). و (كيفَ) للحالِ؛ أي: للسّوالِ عنه إذا قيل: (كيفَ زيدٌ؟)؛ فجوابُه: صحيحٌ أو (٤) سَقيمٌ. و (أين) للمَكان؛ أي: للسُّؤالِ عنه (٥) إذا قيلَ: (أينَ زيدٌ؛) فجوابُه: في الدَّارِ، أَوْ في المسجد. و (أنَّى) تستعملُ تارةً (٦) بمعنى: (كيفَ)؛ قال الله -تعالى-: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (٧)؛ أي: كيفَ شئتُم وأُخرى بمعنى: (من

стр. 565

أين)؟، قال الله -تعالى-: ﴿أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ (١) أي: منْ أينَ لك؟. و (مَتى) للزمانِ؛ أي: السُّؤالِ عنه (٢) إذا قيلَ: (متى جئت؟) قيل: يومَ الجمعة، أو يومَ (٣) الخميسِ، أو شهرَ كذا، أو سنة كذا. ولو اختلجَ في وهمكَ أن في بيان معاني بعضِ هذه الحروف كـ (متى) نوعَ تكرار -لِمَا مرَّ في باب الشَّرطِ (٤) - فادفعه بأن ما مضى باعتبارِ معناها الشّرطيِّ، وهذا باعتبارِ معناها الاستفهاميِّ. والحقُّ: أن بيان الأمورِ الوَضْعيّةِ من حيثُ هي وضعيةٌ لا تَعلُّقَ لها أصلًا بالفنِّ؛ فينبغي أن لا تُذكر في هذا الوضع، ولا في غيره من الكتاب، ولا شيء (٥) منه على المصنِّفِ؛ لأنه يحذو حَذو السَّكَّاكيِّ. وكذا (أيّان)؛ فإنه -أيضًا- للسّؤال عن الزَّمانِ؛ كـ (متى). قال عليُّ (٦) بنُ عيسى الربعي: وفيها، أي: (أيان) تعظيم، ولا تُستعملُ إلا في مواضع التَّفْخيم (٧)؛ هو قوله -تعالى-: ﴿يسْئلُ

стр. 566

أيَّانَ يوم القِيَامة﴾ (١)، ﴿يسئلونَ أيَّانَ يَومُ الدِّينِ﴾ (٢). و (أيَّان) جاء بفتح الهمزةِ، وبكسرِها (٣). قال (٤) السَّكاكي: وكسرُ (٥) همزتها يمنعُ أن يكونَ أصلها (أَيُّ أَوانٍ) (٦)؛ كما قال بعضهم: حُذفت الهمزةُ من (أوان)، والياءُ الثانيةُ من (أيّ)؛ فبعد قلبِ الواو اللَّازم (٧) ياءً أُدْغِمت (٨) الياءُ السّاكنةُ فيها (٩). وقال في الكشَّافِ -أُفيض (١٠) على مُصَنِّفه سجال (١١) الألطافِ- في

стр. 567

أواخر سُورَة الأعرافِ (١): "وقيلَ: اشْتقاقُه من أي فعلان منه؛ لأن معناه: أَي وقت، وأَي فعلٍ؛ من أويتُ إليه؛ لأن البعضَ آوٍ إلى الكلِّ مُتَساندٍ إليه" (٢)، وهو بعيد. والأقربُ أَنْ يُقال (٣): أصله؛ (أي آن)؛ لكن ما وجَدنا عليه نقلًا، ونعما هو لَوْ ساعَده النَّقلُ. وهذه [أَيْ] (٤) الكلمات (٥) قد يتولَّدُ منها عند امتناع إِجْرائِها على معانيها الأصليّةِ أمثالُ ما سبق؛ من المعاني عند امتناع إجراء الأبواب الخمسة على أصولها. بالقرائن؛ بمعونةِ قرائن الأحوالِ؛ فيُقالُ: (ما هذا؟)، و (مَن هذا؟) للتحقير والاستخفافِ؛ لا للاستفهامِ لعلمهِ بالمشارِ إليه، ولا يُنافي ما مَرّ (٦)؛ من إمكانِ كونِ الإشارةِ نفسِها للتَّحقير، واستفادته منها لعدمِ منع الجمع.

стр. 568

و (مَا لي) للتَّعجُّبِ؛ نحو قوله -تعالى-[حكايةً عن سُليمانَ] (١): ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدهُدَ﴾ (٢)، كأنه لَمَّا لم يره ظنَّ أنَّه حاضر ولا يَراه؛ فتعجّبَ وقال: ما لي لا أراه. و (أيُّ رَجُلٍ)، و (أيُّما رَجُلٍ [هو!]) (٣) للتَّعجّبِ؛ إذْ معناه: هو رَجُلٌ عظيمٍ من شأنه أن يُتَعَجَّبَ منه؛ فيكونُ للتَّعجّبِ؛ لا أيَّ رجلٍ من الرِّجال؟ فيكونُ استفهامًا. و (كمْ دعوتُك!) للاسْتبطاء، أي: كَثِيرًا من المرَّاتِ دعوتُك فتأَخّرتَ، وهو شكايةٌ عن البطءِ، ونهيٌ عن تأخيرِ إيجادِ الفعلِ. وليسَ للاستفهام، إذْ ليسَ معناهُ: كم مرّة دعوتُك؟. و (كَمْ تَدعوني!) للإنكارِ؛ إذْ ليس معناه: كشف مرّة تدعوني؟ ليكون للاستفهام؛ بلْ معناه: كثيرًا من المرَّات تدعوني (٤) وتُكرِّرُ دُعائي بلا ضرورة وفائدةٍ؛ فيكون للإنكارِ. و (كَم أَحلُم!) للتَّهْديدِ؛ إذْ ليس معناه: كمْ مرّة أحلم؟؛ بل معناه: كثيرًا من المرّاتِ أحلمُ، ويزداد سخطي عليك؛ فيكون للتّهديد.

стр. 569

و (كيف تؤذي أباك!)، ليس للسّؤالِ عن الحالِ، وهو أنك في أيَّة حالةٍ تُؤذيه؟، بلْ مَعناه: كيف يجوزُ ذلك، فيكون بحسبِ الاعتقادِ (١) للإنكارِ، والتَّعجُّبِ، والتوبيخ. ومنه؛ أي: من البابِ الذي (كَيْف) فيهِ للإنكارِ والتَّعجّبِ والتَّوبيخ قولُه -تعالى-: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ (٢)؛ إذْ ليسَ معناه: السُّؤال عن الحالِ؛ بَلْ معناه: كيف يجوز ذلك، والحال أنكم كنتم كذا وكذا!. وصدورُ الكُفْر عن العاقل العالم مع أن علمَه بذلك مانعٌ قويٌّ منه -مظنّةُ التَّعجُّب [والتّعجيب] (٣) والإنكارِ والتَّوبيخ. و (أينَ مُغِيثُكَ) للإنكارِ والتَّقْريع حال تذليلِ المُخَاطبِ، إذ ليسَ معناه السّؤال عن مكانِ المغيث. والتَّقريعُ لكونه (٤) سُؤالًا في وقتِ الحاجةِ إلى الإغاثةِ عمَّن كان يَدَّعي أنه يغيث، وهو نحو: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ (٥) فإنَّه ليس استفهامًا عن مكانِ الشُّركاءِ؛ بلْ

стр. 570

هو توبيخٌ للمخاطبين عن زعمهم لهُ شُركاء (١)؛ وكذا: ﴿فَأَيْنَ تَذْهبونَ﴾ (٢)؛ فإنَّه ليس استفهامًا عن مكانِ الذاهبين (٣)، بل هو (٤) استضلالٌ لهم فيما يسْلُكونَه (٥) في أَمْر الرَّسولِ، وكذا قَوْلك لتاركِ الجادَّةِ: (أين تَذهبُ؟).

стр. 571

خاتمةٌ لا يَخْفى عليكَ مقامُ (أَأنت ضربتَ زَيدًا) بِنِيَّة التقديمِ، أَوْ بغيرها. فإنَّك في مقامِ كنتَ سائلًا عن حالِ وقوع الضَّربِ، ونويتَ التَّقديمَ لا يجوزُ هذا التَّركيبُ؛ لأن الاستفهامَ عن حالِ وقوع الضَّربِ يَسْتَلْزِمُ الشَّك فِيه، والتَّقديمُ يستلزمُ اليقين بِه. ولَوْ لَمْ تَكن سائلًا عن حالِ وقُوع الضَّربِ أو لم تَنْو التَّقديمَ جازَ. ولا يَخْفى [مَقام] (١) (أَزَيْدًا (٢) ضربتَ)؛ فإنَّه يُسْتعملُ في مقامٍ يُرادُ تقرير أن زيدًا مضرُوب المخاطبِ، ولا يَجُوز استعماله في مقامٍ (٣) يسألُ عن حالِ وقوع الضَّربِ؛ لمنافاته التَّقديم المُسْتلزِم لليَقِين (٤). ولا يخفى مقامُ (أضربتَ زيدًا) فإنّه يُسْتعمل في حالِ تقريرِ الفعل. فلا يحملُ ﴿أأَنتَ قُلْتَ لِلناسِ﴾ (٥) على التقديم، لأَنه يَستلزمُ تعيُّنَ وقوع الفعل، والاستفهام عن نفسِ الفعل يَسْتلزمُ الشَّكَّ فيه. ولا يُقال: [إنّ] (٦) الاستفهام (٧) فيه ليس عن نَفْس الفعل؛ بلْ

стр. 572

عن (١) أنَّ القائلَ هو أو غيره. لأنا نقولُ: المقامُ يأباهُ؛ يُعلم من سياقِ الآية وسباقها (٢). الثالثُ (٣): الأمرُ . ولهُ اللَّامُ؛ أي: ولهُ حرفٌ واحدٌ هو اللَّامُ الجازمةُ في قولك: (لِيَفْعَلْ) وصيغٌ مَخْصُوصةٌ؛ نحو: (اضْرب) و (اسْتخرج) وأسماءٌ؛ نحو: (نزالِ) و (صه)؛ [و] (٤) قد تبيّنتْ كُلُّها في [علم] (٥) النَّحو. قال السَّكاكيُّ (٦): "وصيغٌ مخصوصةٌ سبقَ الكلامُ في ضبطِها في علمِ الصّرفِ، وعدّةُ أسماءٍ ذُكرت في علم النَّحو". والمصنّفُ جرى على اصطلاح الْمُتقدِّمين في عدمِ تَمييزِ علم الصَّرفِ عن النَّحو وإطْلاقه عليه- أَيْضًا. والأمرُ اقتضاءُ الفعلِ بالقولِ المخصوصِ من ذي اللّامِ والصّيغ والأسماءِ استعلاء. وذِكْرُه هذا القَيْد (٧) من حيثُ متابعته السَّكاكيّ؛ وإلا فعنده -كما هو مذهبُ أهلِ السُّنَّةِ (٨) - لا دخْل للاستعلاءِ في

стр. 573

مفهوم الأمر (١). وأمَّا الصِّيغُ فللاسْتعلاءِ؛ أي: موضُوعة لذلك حَقِيقة فيه، عَلَى الأَظْهر لإطباقِ النُّحاة؛ أي: لاتِّفاقِهِم [على] (٢) أنها صيغةُ الأمر، ومثالُه؛ أي: وأَنَّها مثالُ الأمرِ لا صيغة الإباحةِ- مَثَلًا، ومثالها، والاستعلاء داخلٌ في مفهومِ الأمرِ -كما قال- فعُلمَ أَنها للاستعلاء، وكون مثل (ليَفْعل) حقيقة للاستعلاء لا يُعلمُ من عبارتِه.

стр. 574

وقَال في المفتاح (١): "وإطباقُ أئمةِ اللُّغةِ على إِضافتهم نحو (٢): ([قُمْ] (٣) وليَقُم) إلى الأمرِ بقولهم: صيغةُ الأمر، ومثالُ الأمر، ولامُ الأمر يُمدُّ (٤) ذلك"؛ أي: كونها حقيقة في الأَمر، كما أَن من عبارة المفتاح -أيضًا- نظرًا إلى الدَّليلِ لا يُعلم حكمُ الأسماءِ كـ (صَهْ) أَأَنها حقيقة للاستعلاءِ أم لَا (٥). والأَشبهُ أَن ذلك؛ أي: اقْتضاء الفعلِ بالقولِ استعلاء إيجابٌ على المطلوب منه بالإتيانِ به؛ كان صدَرَ من أَعلى؛ أي: ممّن هُو أعلى مرتبة

стр. 575

من المأمور حقيقة، أفادَ الوُجوب؛ أي (١): وجوب الفعل المطلوب، وإِلا (٢) فلا يُفيدُ الوُجوبَ؛ بل لا يُفيدُ إلا الطلبَ وحينئِذٍ؛ أي (٣): حين لَمْ يُفد إلا الطلب تولَّد بحسبِ القرائنِ ما يُلائمُ المقامَ؛ من دعاءٍ إن استعملَ (٤) على سبيلِ التَّضَرّع؛ نحو: (اللهمَّ اغفِر)، أو سُؤالٍ إن استعملَ على سبيل التَّلطّفِ؛ كقولِ كُلِّ أحدٍ لمن يُسَاويه في المرتبة: (اسقني مَاءً)، أو إذنٍ إن استُعمل في مقامِ الإباحةِ؛ نحو: (جالِس الحسن (٥) أو ابن سِيرين) (٦)؛ لمن يَسْتأذن في ذلك، أو تَهْدِيدٍ إِن استعملَ في مقامِ تَسَخُّط المأمورِ به، وعدم رِضَى الآمرِ بما أمر به نحو: ﴿اعمَلُوا مَا شِئتم﴾ (٧)، أو تمنٍّ إن

стр. 576

استعملَ في مقام يقتضِي ذلك، نحو: (ألا أَيُّها الليلُ الطّويلُ ألا انْجِلي) (١). أو إكرامٍ، نحو: ﴿ادخُلُوها بسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ (٢)، أو إهانة، نحو: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ﴾ (٣). وهذِه الثلاثةُ (٤) لَمْ يذكرها السَّكاكيُّ، وقد يُولّدُ غيرُ ذلك إلى ستَّة عشَرَ وجْهًا، كما هو مذكورٌ في متون دفاترِ الأصولِ (٥).

стр. 577

الرّابعُ (١): النَّهيُ (٢). وحرفه (لا) الجازمةُ؛ نحو: (لا تَفْعلْ)؛ وهو كالأَمر في أحكامه؛ كما في (٣) كونِ أصلِ استعمالِ صيغتِه للاستعلاءِ, وفي إفادةِ الوجوبِ وعدمِها, وفي توليدِه بحسبِ القرائن ما يُناسبُ المقامَ؛ كالدُّعاءِ (٤) - مثلًا - في قول الْمُبتهلِ إلى الله: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا﴾ (٥)، وغير ذلك ممّا عَرفته (٦) في الأمرِ (٧).

стр. 578

وهُمَا للفَور أو التَّراخي اخْتُلف في أنَّ الأمرَ والنّهيَ لأيٍّ منهما (١)، اختيارُ (٢) المصنِّف أن الحال لا يخلُو من وجودِ القرينةِ الدَّالةِ على أَحدهما أَوْ لا؛ فَإِن قامت القَرينةُ على الفَوْريّةِ أو على التَّراخِي (٣) فيعتمدُ القَرينةَ، ويكونُ (٤) كلُّ واحدٍ منهما لما قامت القَرينةُ عليه. وإن لم تقمْ قرينةٌ وهو المراد بقوده: ودونها؛ فالظّاهرُ أنَّهُما للفورِ؛ كالنِّداءِ والاستفهامِ؛ فإنّهُما بالاتّفاقِ يدلّان على الفورِ (٥). وللعُرفِ (٦)؛ أي: ولأَنَّ العرفَ يستحسن الْمُبادرة؛ أي: مبادرة

стр. 579

المأمورِ؛ كالعبدِ إذا أَتى فعلَ المأمورِ به فيما إذا قال له سيِّدُه (١): (اسْقني ماءً)؛ فإنَّه يَسْتحسن العرفُ سقيَه على الفَوْرِ، ولوْ لَمْ يكن ظاهرًا للفورِ لما كان كذلك. ويذمُّ العرفُ بعدمها؛ أي: بعدمِ المبادرةِ إليه، ولهذا لو أَخَّرَ العبدُ السَّقي عُدَّ عاصيًا، ولولا أَنَّه للفورِ لَما عُدَّ. ويَسْتَهجنُ النَّهيَ قبل الفعل؛ كـ (لا تَسْقني) بعد (اسقني) قبلَ السّقي؛ فإن العرفَ يَسْتهجنه؛ وذلك لتَبادر الفهم إلى التَّنافي بين الحكمين، ولولا أنَّه للفور لا فُهم التَّنافي. ويُعَدُّ؛ أي: وَيَعُدُّ العرفُ النَّهي قبل الفعلِ إبطالًا، للأمر، ولولا أنّه للفورِ لما كان كذلك؛ لجوازِ الإِتيانِ به فيما بعدُ. قال في المفتاح (٢): "الأمرُ والنَّهيُ حقُّهما الفور. والتَّراخي مَوْقُوفٌ على قرائن الأحوال"، ومغايرتُه لِمَا في المختصر ظاهرةٌ (٣). ثُمَّ اعلم: أنَّ التَّعلّق بالاستحسان والاستهجانِ ممّا زادَ على المفتاح. وهُمَا؛ أي: الأَمرُ والنَّهي، للمَرَّةِ أو للاسْتِمرار (٤)؛ اختلفَ فيه

стр. 580

على مذاهبَ، والوجهُ أنّه [أي: الطّلب بهما] (١) إمّا لقطعِ الواقع؛ فللمرِّةِ، أو لاتِّصاله؛ فللاسْتمرارِ؛ أي: يُنظرُ إنْ كان الطّلبُ بهما راجعًا إلى قَطْع الواقع؛ كقَولِك في الأمرِ للسَّاكنِ: (تحرَّكْ)، وفي النَّهي للمُتحرِّك: (لا تتحرَّك)؛ فللمرَّةِ، وإِنْ كانَ راجعًا إلى اتِّصالِ الواقع واستدامته؛ كقولك في الأَمر للمتحرِّك: (تحرَّك)، وفي النَّهي للمتحرّكِ: (لا تَسْكُن)؛ فللاستمرار؛ وليس أمرًا لتحصيل الحاصل؛ لتوجّهِه إلى المستقبل؛ إشارةٌ إلى سؤالٍ وجوابٍ؛ أي: فإن قُلْتَ: قولك في الأمر للمتحرِّك: (تحرَّك)، أمرٌ بتحصيل الحاصل؛ قلتُ: ليسر كذلك؛ لأنَّ الطَّلبَ حال وقوعه يتوجّهُ إلى الاستقبالِ، ولا وُجودَ في الاستقبالِ قبلَ صَيْرورتهِ حالًا.

стр. 581

خاتمةٌ: هذه الأربعةُ، أي: التَّمنِّي، والاسْتفهام، والأَمر، والنَّهي، تُعين (١) على تقدير الشَّرط بعدها؛ بعدَ كلِّ واحدٍ من هذه الأربعة؛ لكونها قرائنَ صالحةً لإضمار الشَّرطِ بعدها؛ نحو: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي﴾ (٢) بالجزمِ (٣) في صورة الأَمر، نحو: إنْ تهبْ لي وليًّا رثْني. والرّفع بالاستئناف، أي: قراءة رفع (٤) ﴿يَرِثُنِي﴾ على الاستئناف (٥). دون الوصف لئلَّا يلزم منه أنَّه لم يُوهب (٦) له وليٌّ يرثه، إذْ ماتَ يحيى قبله، أي: قبلَ [موتِ] (٧) زكريَّا (٨).

стр. 582

وقَال: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (١)؛ أي: إن قُلْتَ لهم أقيموا يُقيموا، ونحو: (ليتَ لِي مالًا أُنْفِقه) في التَّمنِّي؛ أي (٢): إِنْ أُرْزَقْهُ (٣) أُنفقه، وفي: (أين بَيْتُك أزُرك) في الاستفهام؛ أي: إن أعرفه أزركَ؛ ونحو: (لا تكفر تَدْخُل الجنَّةَ) في النَّهي؛ أي: إن لا تكفُر تدخل الجنّة. وقد يُقدَّرُ الجزاءُ؛ أي: كما يجوزُ تقديرُ الشَّرط يجوزُ تقديرُ الجزاءِ بقرائنِ الأَحوال بعد الشَّرط؛ نحو قوله - تعالى -: ﴿إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ (٤)؛ أي: ألسْتُم ظالمين، وقد تُركَ بدليلِ ذكرِ الظُّلمِ عُقيبه؛ كما قال بدليلِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٥).

стр. 583

الخامسُ (١): النِّداءُ . وقد سبق ذكرُه وما يتعلَّقُ به من حُروفه، وتفصيلِ الكلامِ في إعرابه ومعانيها (٢). في النَّحو (٣)؛ وهنا شيءٌ يُشْبهُه؛ أي: هُنا نَوعٌ من الكلامِ صُورتُه صُورة النِّداء. وليس به؛ أي (٤): بالنِّداء؛ نحو: (اللَّهمَّ اغفر لَنَا أيّتُها العِصَابةُ) (٥)؛ فإنَّ صُورَته صورةُ النِّداءِ، ولكن هو للاختصاص؛ أي: اللَّهمَّ اغفر لنا مخصوصين من بين العصائبِ؛ كقولهم: (أمَّا أنَا فأفعلُ كذا أيّها الرَّجلُ)؛ أي: أنا أفعل كذا متخصّصًا بذلك مِنْ بين الرِّجالِ. والسِّرُّ فِيه: أنَّ في كلامهم ما هُو لمعْنى (٦)؛ ثمَّ يَنْقلون إلى معنى آخر بحذفِ قيدٍ لغرضٍ؛ كما أنَّه لتخصيصِ المنادى بطلبِ الإِقبالِ؛ فنُقِل إلى مَعْنى الاخْتِصاصِ مَحْذوفًا منه قيد طلبِ الإقبالِ، وكما أَنَّ الهمزةَ للاستفهامِ عن المستويين فيُحذفُ قيدُ الاستفهام ويبقى لمستويين (٧)؛ نحو: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ (٨) الآية كما مَرَّ (٩).

стр. 584

تذنيبٌ قد يوضعُ الخبرُ مَوْضعَ الطَّلبِ (١) إخراجًا للكلامِ لا على مُقْتضى الظَّاهرِ؛ كما أُخرج (أيُّهَا (٢) الرَّجلُ) من الطّلبِ إلى الخبرِ عن الاختصاصِ؛ وذلك لوُجوهٍ من الأَغْراضِ: الأَوَّل: التَّفاؤُلُ بالوقوعِ؛ كما إذا قيلَ لك في مقامِ الدُّعاء: (وفَّقك الله للتَّقوى) بدل قوله: (اللَّهمَّ وفِّقه له)، كأنَّه يتفاءلُ بلفظِ المُضيِّ على عدّه (٣) من الأمورِ الحاصلةِ الَّتي حقُّها الإخبارُ عنها بأفعالٍ ماضيةٍ. ومنه؛ أي: من التَّفاؤُل: تسميةُ المفازةِ للفلاةِ المهْلكةِ، والنَّاهلِ -وهو الرَّيّان- للعَطْشانِ، والسَّليم -وهو ذُو السَّلامة - للَّديغِ؛ إطلاقًا للضدِّ على الضِّدِّ تفاؤُلًا به، واحْتِرازًا عن التَّلفُّظِ بالفلاةِ، والعطشانِ، واللَّديغِ. ورُوعِي التَّفاؤلُ حتَّى (٤) لَمْ يكتب المترسّلون (٥) للمُخَدَّراتِ (٦) في

стр. 585

مكاتبتهنَّ: أدِامَ اللهُ حراستها (١)؛ احترازًا عن لفظي (٢) الحِر؛ وهو: الفرجُ، والاستِ؛ وهو: الدُّبُر؛ بل عن تَصْحِيفهما. وكذلك لَمْ يُكتبْ لَهُنَّ (٣): أدام الله أيّامها إلى قيامِ السّاعة وساعة القيامِ؛ لمثل ما ذكرنا (٤). بلْ لم يُهدِ الظُّرفاءُ السَّفَرْجَلَ إلى الأحبَّاءِ لاشْتِماله على حُروفِ سَفَرٌ جَلَّ، أي: عَظُم. وإذا راعُوا في أمثالِ [ذلك] (٥) هذه (٦) -ممّا هو بعيدٌ- ففي بابِ التَّفاؤلِ إلى الَّذي هو أقربُ منها بالطّريق الأَوْلَى. ومنه؛ أي: من التَّفاؤُلِ قولُ نائبِ (٧) هارون (٨) الخليفة وقد سأَلَه؛ أي:

стр. 586

هارونُ إيّاه عن شيءٍ: لا وأيد الله الأميرَ؛ تاركًا عبارةً عليها الأغبياءُ؛ وهو قولهم: لا، أيَّد اللهُ؟ بتركِ الواو الموهم لانسحاب النَّفي على الفعلِ. قيل: لمّا سمع الصَّاحبُ (١) بن عبَّادٍ: لا وَأَيّدك (٢) اللهُ؛ قال: هذه الواوُ أحسنُ من واواتِ الأصداغِ (٣) في خدودِ المبردِ الملاحِ. وآخر لِغَيْره؛ أي: ومنه قولُ شَخْصٍ آخر لغيرِ. هَارون، وقد سأَلَه

стр. 587

عن شجرةٍ رآها من بعيدٍ: (ما هذه الشَّجَرةُ؟) والحالُ أنَّها شجرةُ الخلافِ (١): (هي (٢) شجرةُ الوفاقِ)؛ تفادِيًا عن التَّلفُّظِ - في حضرته - بلفظِ الخلاف. فخلعَا؛ أي: هارونُ وغيُره عليهما؛ أي: كسواهُما حُلَّة التَّشريف. حُكي (٣) أنَّ هارونَ سأل مأمونًا (٤) عن جَمْع المِسْوَاك؛ فَقَال: مَحاسِنُك يا أمير المؤمنين؛ فجعله وليَّ عهدِه، وقدّمَه على مُحَمِّدٍ الأمين (٥)

стр. 588

بهذه النُّكتةِ. الثَّاني: إظهارُ الحرصِ على وُقوعه؛ كأنّه لكثرةِ ما ناجى بهِ نفسَه (١) انتقشَ صورتُه؛ لأنَّ الطَّالبَ متى تبالغَ حرصُه فيما يطلُبُ ربَّما انتقشتْ في الخيال صورته - لكثرةِ ما ناجى (٢) به نفسَه - فخاله واقعًا؛ فتخيَّلَ إليه غيرُ الحاصلِ حاصلًا. الثّالثُ: الكنايةُ. لحُسْنها؛ أي: لحُسْنٍ فيها ليس في التَّصريحِ؛ كقول العبْد للمولى إذا حوَّلَ عنه الوجه: (ينظر المولى إليَّ ساعة). أمَّا كونه كنايةٌ؛ فلأَنّ (ينظر) مُستلزمٌ لقوله: أَطلبُ أن ينظر المولى إليَّ ساعةً. أو للتَّأدبِ لاحْتِرازِه عن صُورةِ الأمرِ فيه. أو لهما؛ أي: للحسنِ والتَّأدُّب معًا. الرّابعُ: حملُ المخاطبِ على الْمَذْكور أَبْلغ حملٍ، بأَلطف وجهٍ؛ نحو: (تأتيني غدًا) إذا صَدَر. مِمَّن تَكْره أَنْت أن يُنْسبَ ذلك الصَّادر عنه إلى الكَذبِ؛ فإِنَّه إذا قال لك ذلك وأَنْت تكره نسبته إلى الكذبِ - لزمك إتيانه غَدًا وإِلَّا صار مَنْسوبًا إليه؛ بخلافِ ما لو قال: (ائتني غدًا) فإنّه لا يَلْزمُك ما لَزِمك في صورةِ الخبر. أو غيرِ ذلك المذكورِ من الوجوه الأربع حسب المقامات والمناسبات.

стр. 589

فاعتبِره في القرآنِ وتأمّل قال- تعالى -: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إلا اللَّهَ﴾ (١) في موضِع (لا تعبدوا) (٢)، وهو أبلغُ من صريح النَّهي؛ لِمَا فيه من إيهامِ أنَّ المنهيَّ مُسارعٌ إلى الانتهاءِ؛ فهو يُخبر عنه؛ كما تقول: (يذهبُ فلان يقول لزيدٍ كذا) تريدُ الأمر، وتُظْهر أَنَّه مسارعٌ إلى الامتثال؛ فأنت تُخبرُ عنه؛ وقال: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ (٣) في موضع (لا تسفكوا) (٤) على نحو ما سبق. ومنه؛ أَي: من قَبيلِ وضع الخبرِ موضع الطَّلبِ قولُ البلغاءِ في الدُّعاءِ: ﵀. وقد يُوضع الأمرُ موضعَ الخبر (٥). وفي المفتاح وإن عَمَّم وضع الطَّلبِ موضع الخبرِ (٦)، لكنَّ الأمثلة خصّصتهُ (٧) بالأمر. للرِّضا بالواقع. إظهارًا إلى درجةِ حتَّى كأنه؛ أي: [كأنَّ] (٨) ذلك الشَّيء المَرْضِيّ.

стр. 590

مطلوبٌ، قال كُثَيِّر (١) -بضمِّ الكافِ، والثَّاءِ المثلَّثة المَفْتوحةِ، والياءِ المشدّدةِ المكسورةِ -: أَسِيئي بِنَا أَوْ أَحْسِنِي لا مَلُومَةٌ (٢) ... لَدَيْنا ولا مَقْلِيّةٌ (٣) إِنْ تَقَلَّتِ (٤) وعليه ورد قوله - تعالى -: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ

стр. 591

إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ (١). وهو للتّسويةِ للمخاطبِ بين أن يفعلَ الإِسَاءَة والإِحْسَان؛ لأَنَّ المرادَ بالأَمر الإيجابُ المانعُ عن التَّركِ، لكن مع مَيْلٍ [أيْ: مع ميلِ المتكلّم] (٢) إلى كلِّ اختارَه؛ أي: لكن مع إِظْهار مزيدِ الرِّضا والْمَيلِ بأَي ما اختارَ المخاطبُ في حقِّه من الإساءةِ أو الإحسانِ، ولولا ذلك لكان مُقْتضى المقامِ أن يقول: (أنا راضٍ بما تفعلين ولا أَلُومك أحسنتِ إلينا أو أَسأتِ) على سَبيل الإخبار. وكذا في الآية الكريمة؛ المرادُ: التَّساوي بين الأَمرين في عدمِ الإفادةِ لهم؛ وكانَ حَقُّه أَنْ يُقال: (لنْ يغفر الله لهم استغفرت لهم أو لم تستغفرْ). أو ميلِ المخاطبِ إليه؛ عطفٌ على قوله: (للرِّضا بالواقع)؛ أي: قد يوضعُ الأمرُ موضعَ الخبرِ لميلِ المخاطبِ إلى الوقوع؛ نحو: (إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ) (٣)؛ أي: صنعتَ ما

стр. 592

شئت (١)؛ وذلك لميلِ المخاطبِ إلى صُنْعه؛ فكأَنَّه مَصْنوعٌ؛ فيُخبر (٢) عنه؛ وهذا الوَجْهُ قد زِيدَ على المفتاح. تَمَّ علمُ المعاني بعون الله تعالى ختمَ الله عاقبة أمرنا بالخيرِ والحسنى.

стр. 593

الفصل الثّانِي: في عِلْمِ البَيَان

стр. 594

الفصلُ الّثاني: في علمِ البيانِ وقدْ مَرَّ ما يحتاج إليه؛ من الحدِّ (١)؛ والغَرضِ؛ وغيرِ ذلك (٢). ولَمَّا كان علمُ البيان معرفةَ مراتبِ العبارات في الجلاءِ -أرادَ أن يُبيِّن أنّ تفاوتَ العباراتِ [الدّالّة على مَعْنى واحدٍ] (٣) واختلافَ الطُّرقِ المؤدِّية إليه (٤) في الجلاءِ والخفاءِ لا يُمْكنُ بالدّلالة الوضعيّة (٥)؛لأنّك إذا أردتَّ تشيبهَ الخدّ بالورد في الحُمْرة - مثلًا - وقلتَ: (خَدٌّ يُشْبهُ الورد فيها) (٦) - لا يُمكن أنَّ يكون كلامٌ مؤد لهذا المعنى بالدّلالة الوضعيّة أكملَ منه في الوضوحِ (٧) أو أنقص (٨)؛ لأنه؛ أي: لأَنَّ السَّامعَ حين استعمل بإزاءِ كلِّ كلمةٍ منها ما يُرادفها. إنْ علم الوضعَ؛ أي: وضع المرادفات لتلك المفهومات المدلول عليها فهِم بلا تفاوتٍ؛ أي: كان فهمُ السّامعِ من الْمُرادفاتِ كفَهمِه من الكلماتِ الأُولى؛ من غير تفاوُتٍ في

стр. 595

الوُضوح، وإِلَّا لَمْ يَفْهم منها شيئًا أَصْلًا (١). لا يُقالُ: رُبّما يُزادُ على هذه الألفاظِ [شَيءٌ] (٢) أو يُنقصُ منها فيزدادُ الوُضُوحُ أو ينقصُ. لأَنَّا نقولُ: إن زيدَ على تلك الألفاظِ شيءٌ؛ فقد زيد في المعنى لا محالة، والكلامُ في تأدية المعنى الواحد (٣) لا المعاني المختلفة؛ وكذا إن نَقَص نَقَص. بل بالعَقْليَّةِ؛ أي: بل التَّفاوُتُ بالدّلالة العقليّةِ (٤)، لتفاوتِ الْمُتعلّقاتِ في جلاءِ التَّعلُّقِ. كما كان لشيءٍ تعلُّقَ بأمورٍ مختلفةٍ، وأُريد التَّوصُّل بواحد من المتعلّقات إلى المتعلّق بِهِ، وتفاوتت تلك المتعلّقات في جلاءِ التَّعلُّقِ وخفائِه (٥) فصحَّ (٦) في طريق إفادته الجلاءُ والخفاءُ. فدلالةُ اللَّفظِ لاحتياج صاحبِ علمِ البيانِ إلى مَعْرفةِ أَنواعِ الدّلالاتِ بَيَّنها بأن قال: دلالتُه على تمامِ مُسَمّاهُ، أي: مَعْنَاه من غير زيادةٍ ونُقْصانٍ، وضعِيّةٌ؛ لكونها لمحضِ الوضعِ؛ بخلافِ غيرها، فإِنَّها

стр. 596

بشركةِ الوضع. وهي المطابقةُ؛ إنّما سَمَّاهُ بدلالةِ (١) المطابقةِ: لمطابقةِ اللَّفظِ المعنى بحسبِ الوضعِ. وعلى غيره؛ أي: دلالتُه على غير تمامِ مُسَمَّاه؛ وهذا مُتَناولٌ لدلالتي التَّضمُّن (٢) والالتزامِ (٣)؛ لأنَّ انتفاءَه إمَّا بانتفاءِ التَّمام، وهو التَّضمُّنُ، وإمَّا بانتفاءِ المُسَمَّى؛ وهو الالتزامُ. عَقْلِيّةٌ، لكونها بوساطة العقلِ. فعلى جُزْئِه؛ أي: فدلالتُه بواسطة العقل على ما هو داخلٌ في مفهومِه ومُسَمَّاه؛ كدلالةِ الإِنسانِ على الحيَوان (٤) تضمّنٌ؛ لتضَمُّن مفهومِ اللَّفظِ إيَّاهُ، واشْتماله عليه. وعلى خارجه، أي: ودلالتُه على ما هو خارجٌ (٥) من مفهوم اللَّفظ؛ كدلالة الإنسانِ على قابلِ صنعة الكتابة، التزامٌ؛ لكونه لازمَ المفهومِ الأَصْلي. هذا على ما هو في المفتاح (٦)، لكنَّه مُخْتلفٌ فيه.

стр. 597

فإِنَّ ابن الحاجب قال في مختصره (١): تكونُ دلالةُ التَّضمُّن لفظيّةً وضعيَّةً، وعبارتُه هذه (٢): "ودلالته اللّفظيِّة في كمالِ معناها (٣) دلالةُ مطابقةٍ، وفي جزئِه تضمّنٍ، وغير اللفظيَّة دلالةُ التزام". [و] (٤) الحقُّ أنَّ نظرَه أَدقُّ؛ لأنَّ الدّلالةَ الوضعيّةَ هي "أن ينتقلَ الذِّهنُ من اللّفظِ إلى المعنى ابتداءً؛ وهي واحدة (٥)، ولكن رُبّما تضمَّنَ المعنى الواحدُ جُزْئين، فيُفْهمُ الجزءآن، وهو بعينِه فَهْم الكلِّ؛ فالدّلالةُ على الكُلِّ لا تُغَاير الدّلالةَ على الجزئين مغايرةً بالذَّاتِ، بل بالاعْتبارِ والإِضافةِ. وهي بالنِّسبةِ إلى كمالِ معناها تُسمَّى: مُطابقةً، وإلى جُزْئِه: تضمُّنًا"؛ صَرَّحَ به (٦) الأستاذُ -أيضًا- في شرحه للمختصرِ (٧). والسَّكاكيُّ نظر إلى ظاهرِ أنَّ الدّلالةَ على الكُلِّ غيرُ الدّلالة على الجُزءِ، واللَّفظُ موضوعٌ للأوّل.

стр. 598

والْمَنْطقيّون قالوا: تكونُ الثَّلاثةُ وضعيّةً تارةً؛ كما قال صاحبُ المطالع: الدّلالةُ الوضعيّةُ للّفظِ (١) على تمامِ ما وُضع له: مُطابقة, وعلى جزئه: تضمُّن؛ وعلى الخارج عنه: التزام. وتكونُ الأولى وضعيَّة؛ والأخريان عقليَّتين تارةً (٢)؛ وذلك في [مَسْألة] (٣) بيان مهجوريَّة دلالة الالتزام؛ حيثُ قال -أيضًا- فيه: احتجّوا عليه؛ أي: على كونها مهجورةً بأنّها عقليّةٌ؛ ونقضه الغزاليُّ (٤) بالتَّضمُّن. والإطلاقاتُ صحيحةٌ؛ لأنَّ لكلٍّ من العقلِ والوضع مدخلًا فيهما؛ فلكلٍّ أن يصطلحَ باعتبار أيٍّ منهما على ما شاء. نعم للفارق بينهما -كابنِ الحاجبِ- لا بدّ للفرقِ (٥) , وقد عُلِم من المذكورِ؛ مع أنَّ ذلك كُلَّه

стр. 599

فرعُ تفسيرِ الوضعيّة يختلفُ باختلافِه. وشَرْطُه؛ أي: شَرْطُ الالتزام، اللُّزوم بينهما (١) ذهنًا؛ لينتقل الذِّهنُ منه إليه، وإلّا لامتنع فهمُه من اللّفظِ؛ لا خارجًا لحصولِ الفهم دونه؛ كدلالةِ لفظِ العمى على البصرِ مع عدمِ الملازمةِ بينهما في الخارج. أي: تعلّقٌ؛ أي: اللّزوم تعلُّق. يوجبُ الانتقال؛ انتقال الذّهن عن الشّيءِ إليه؛ بحسبِ اعتقادِ المخاطبِ؛ لعقلٍ؛ كانتقالِ الذّهن من الإنسانِ إلى قابل صنعةِ الكتابة. أو عُرف عامٍّ؛ كقولك: (رَعَينا الغَيْثَ)؛ والمرادُ: لازمُهُ، وهو النَّبْتُ، وليسَ عقليًّا؛ لأن النَّبتَ ليس لازمًا للغيثِ عقلًا؛ ولهذا قد يتخلَّفُ عنه؛ بل لازمًا له اعتقادًا بحسبِ العرفِ العامِّ. أو غيرهما، من اصطلاحٍ, أو ادِّعاءٍ، ونحوه. والحاصلُ: أنَّ اللُّزومَ لا يَجبُ أن يكون عقليًّا؛ بل إن كانَ اعتقاديًّا إمّا لعُرفٍ أو لغير عُرفٍ؛ صَحَّ البناء على (٢) ذلكَ اللُّزومِ. قال: لَمَّا كان مدارُ علم البيانِ على اعتبارِ الملازماتِ بين المعاني؛ لأنّه لا يتأتّى إلّا في الدّلالاتِ العقليّةِ - قال السَّكاكيُّ: فالانتقالُ من الملزومِ إلى اللَّازمِ مجازٌ؛ نحو: (رعينا غَيْثًا)؛ والمرادُ: لازمُه؛ وهو النّبْتُ. وهو؛ أي: الانتقال المذكور. بالذّاتِ لا يُحْتاج فيه إلى الغير؛ لاستلزامِ الملزوم اللَّازم ضَرورةً. والانتقالُ من اللَّازمِ إلى الملزومِ كنايةٌ؛ نحو:

стр. 600

(طويلُ النِّجادِ)؛ والمرادُ منه: طولُ القامةِ؛ الَّذي هو ملزومُ طولِ النّجادِ (١). وهو؛ أي: هذا الانتقالُ، بمعونةِ الانتقالِ الأوّلِ (٢)، إذْ لا يمكن الانتقالُ من اللَّازمِ إلّا عند التَّساوي بين اللَّازمِ والملزوم، حتَّى يكونَ كُلٌّ منهما لازمًا وملزومًا بالحقيقة؛ فيكونُ حينئذٍ الانتقال من الملزومِ -أيضًا-، ولولا ذلكَ فلا انتقال؛ لجوازِ كون اللَّازمِ أَعمَّ (٣). وأمّا الانتقالُ من لازمٍ إلى لازمٍ؛ أي: من أحدِ لازميِّ الشَّيءِ إلى الآخر، مثل: ما إِذا انتقلَ من بياضِ الثَّلج إلى البُرودة فيرجعُ إليهما، لأنّه ينتقلُ من البَياضِ إلى الثَّلج، ثُمَّ من الثّلجِ إلى البُرودة، لا أَنَّه نوعٌ آخر. ومِن المجازِ نوعٌ يُسَمَّى الاستعارةَ؛ وهو ما تكون العلاقةُ فيه
следующие страницы →