← Адаб

Адаб · id 17458

تحقيق الفوائد الغياثية

الكرماني، شمس الدين

Полный текст (841 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

بشركةِ الوضع. وهي المطابقةُ؛ إنّما سَمَّاهُ بدلالةِ (١) المطابقةِ: لمطابقةِ اللَّفظِ المعنى بحسبِ الوضعِ. وعلى غيره؛ أي: دلالتُه على غير تمامِ مُسَمَّاه؛ وهذا مُتَناولٌ لدلالتي التَّضمُّن (٢) والالتزامِ (٣)؛ لأنَّ انتفاءَه إمَّا بانتفاءِ التَّمام، وهو التَّضمُّنُ، وإمَّا بانتفاءِ المُسَمَّى؛ وهو الالتزامُ. عَقْلِيّةٌ، لكونها بوساطة العقلِ. فعلى جُزْئِه؛ أي: فدلالتُه بواسطة العقل على ما هو داخلٌ في مفهومِه ومُسَمَّاه؛ كدلالةِ الإِنسانِ على الحيَوان (٤) تضمّنٌ؛ لتضَمُّن مفهومِ اللَّفظِ إيَّاهُ، واشْتماله عليه. وعلى خارجه، أي: ودلالتُه على ما هو خارجٌ (٥) من مفهوم اللَّفظ؛ كدلالة الإنسانِ على قابلِ صنعة الكتابة، التزامٌ؛ لكونه لازمَ المفهومِ الأَصْلي. هذا على ما هو في المفتاح (٦)، لكنَّه مُخْتلفٌ فيه.

стр. 597

فإِنَّ ابن الحاجب قال في مختصره (١): تكونُ دلالةُ التَّضمُّن لفظيّةً وضعيَّةً، وعبارتُه هذه (٢): "ودلالته اللّفظيِّة في كمالِ معناها (٣) دلالةُ مطابقةٍ، وفي جزئِه تضمّنٍ، وغير اللفظيَّة دلالةُ التزام". [و] (٤) الحقُّ أنَّ نظرَه أَدقُّ؛ لأنَّ الدّلالةَ الوضعيّةَ هي "أن ينتقلَ الذِّهنُ من اللّفظِ إلى المعنى ابتداءً؛ وهي واحدة (٥)، ولكن رُبّما تضمَّنَ المعنى الواحدُ جُزْئين، فيُفْهمُ الجزءآن، وهو بعينِه فَهْم الكلِّ؛ فالدّلالةُ على الكُلِّ لا تُغَاير الدّلالةَ على الجزئين مغايرةً بالذَّاتِ، بل بالاعْتبارِ والإِضافةِ. وهي بالنِّسبةِ إلى كمالِ معناها تُسمَّى: مُطابقةً، وإلى جُزْئِه: تضمُّنًا"؛ صَرَّحَ به (٦) الأستاذُ -أيضًا- في شرحه للمختصرِ (٧). والسَّكاكيُّ نظر إلى ظاهرِ أنَّ الدّلالةَ على الكُلِّ غيرُ الدّلالة على الجُزءِ، واللَّفظُ موضوعٌ للأوّل.

стр. 598

والْمَنْطقيّون قالوا: تكونُ الثَّلاثةُ وضعيّةً تارةً؛ كما قال صاحبُ المطالع: الدّلالةُ الوضعيّةُ للّفظِ (١) على تمامِ ما وُضع له: مُطابقة, وعلى جزئه: تضمُّن؛ وعلى الخارج عنه: التزام. وتكونُ الأولى وضعيَّة؛ والأخريان عقليَّتين تارةً (٢)؛ وذلك في [مَسْألة] (٣) بيان مهجوريَّة دلالة الالتزام؛ حيثُ قال -أيضًا- فيه: احتجّوا عليه؛ أي: على كونها مهجورةً بأنّها عقليّةٌ؛ ونقضه الغزاليُّ (٤) بالتَّضمُّن. والإطلاقاتُ صحيحةٌ؛ لأنَّ لكلٍّ من العقلِ والوضع مدخلًا فيهما؛ فلكلٍّ أن يصطلحَ باعتبار أيٍّ منهما على ما شاء. نعم للفارق بينهما -كابنِ الحاجبِ- لا بدّ للفرقِ (٥) , وقد عُلِم من المذكورِ؛ مع أنَّ ذلك كُلَّه

стр. 599

فرعُ تفسيرِ الوضعيّة يختلفُ باختلافِه. وشَرْطُه؛ أي: شَرْطُ الالتزام، اللُّزوم بينهما (١) ذهنًا؛ لينتقل الذِّهنُ منه إليه، وإلّا لامتنع فهمُه من اللّفظِ؛ لا خارجًا لحصولِ الفهم دونه؛ كدلالةِ لفظِ العمى على البصرِ مع عدمِ الملازمةِ بينهما في الخارج. أي: تعلّقٌ؛ أي: اللّزوم تعلُّق. يوجبُ الانتقال؛ انتقال الذّهن عن الشّيءِ إليه؛ بحسبِ اعتقادِ المخاطبِ؛ لعقلٍ؛ كانتقالِ الذّهن من الإنسانِ إلى قابل صنعةِ الكتابة. أو عُرف عامٍّ؛ كقولك: (رَعَينا الغَيْثَ)؛ والمرادُ: لازمُهُ، وهو النَّبْتُ، وليسَ عقليًّا؛ لأن النَّبتَ ليس لازمًا للغيثِ عقلًا؛ ولهذا قد يتخلَّفُ عنه؛ بل لازمًا له اعتقادًا بحسبِ العرفِ العامِّ. أو غيرهما، من اصطلاحٍ, أو ادِّعاءٍ، ونحوه. والحاصلُ: أنَّ اللُّزومَ لا يَجبُ أن يكون عقليًّا؛ بل إن كانَ اعتقاديًّا إمّا لعُرفٍ أو لغير عُرفٍ؛ صَحَّ البناء على (٢) ذلكَ اللُّزومِ. قال: لَمَّا كان مدارُ علم البيانِ على اعتبارِ الملازماتِ بين المعاني؛ لأنّه لا يتأتّى إلّا في الدّلالاتِ العقليّةِ - قال السَّكاكيُّ: فالانتقالُ من الملزومِ إلى اللَّازمِ مجازٌ؛ نحو: (رعينا غَيْثًا)؛ والمرادُ: لازمُه؛ وهو النّبْتُ. وهو؛ أي: الانتقال المذكور. بالذّاتِ لا يُحْتاج فيه إلى الغير؛ لاستلزامِ الملزوم اللَّازم ضَرورةً. والانتقالُ من اللَّازمِ إلى الملزومِ كنايةٌ؛ نحو:

стр. 600

(طويلُ النِّجادِ)؛ والمرادُ منه: طولُ القامةِ؛ الَّذي هو ملزومُ طولِ النّجادِ (١). وهو؛ أي: هذا الانتقالُ، بمعونةِ الانتقالِ الأوّلِ (٢)، إذْ لا يمكن الانتقالُ من اللَّازمِ إلّا عند التَّساوي بين اللَّازمِ والملزوم، حتَّى يكونَ كُلٌّ منهما لازمًا وملزومًا بالحقيقة؛ فيكونُ حينئذٍ الانتقال من الملزومِ -أيضًا-، ولولا ذلكَ فلا انتقال؛ لجوازِ كون اللَّازمِ أَعمَّ (٣). وأمّا الانتقالُ من لازمٍ إلى لازمٍ؛ أي: من أحدِ لازميِّ الشَّيءِ إلى الآخر، مثل: ما إِذا انتقلَ من بياضِ الثَّلج إلى البُرودة فيرجعُ إليهما، لأنّه ينتقلُ من البَياضِ إلى الثَّلج، ثُمَّ من الثّلجِ إلى البُرودة، لا أَنَّه نوعٌ آخر. ومِن المجازِ نوعٌ يُسَمَّى الاستعارةَ؛ وهو ما تكون العلاقةُ فيه

стр. 601

الْمُشابهةَ؛ وهو فرعُ التَّشبيهِ؛ لأَنَّه لا بُدَّ فيها منه. فههنا أُصُولٌ أربعةٌ: المجازُ (١)، والكنايةُ، والاستعارةُ، والتَّشبيه. واعترفَ السَّكاكيُّ أَنَّه تَكلُّفٌ للضّبطِ؛ قال بهذه العبارة (٢): " [و] (٣) الْمَطْلوبُ بهذا التَّكلُّف هو (٤) الضَّبطُ" ولعمري أَنَّه ضبط، ولكن لم يَنْضبط؛ ولهذا قال (٥): (قال) (٦)، لأنَّه (٧) لم يُعْلَم [منه] (٨) أَنَّ الانتقال من أَحدِ اللَّازمين إلى الآخر أَمجازٌ أم كنايةٌ، ثمَّ يلزمُ منه في الكِنَايةِ -لأَنَّها انتقالٌ من اللَّازمِ إلى الملزومِ، ثُمَّ من ذلك اللزوم إِلى لازمه؛ بحكمِ الْمُلازمةِ الْمُساوية- أن يكونَ مَجَازًا وكنايةً كِلَيهما معًا. ثُمَّ يلزمُ عدم الفرْقِ بين المجاز والكنايةِ؛ لأَنَّه إذا شرط التَّساوى فيها (٩) فالانتقالُ -في الحقيقة-

стр. 602

[فيهما] (١) من (٢) الملزومِ، ثمَّ إِنَّه ما جعل التَّشبيهَ من المحسِّناتِ، ومن البيانِ بالذَّاتِ؛ بل على سبيل التَّبعيّة والعرضِ؛ مع أنَّ التَّشبيه النَّادر من أركانِ البلاغةِ؛ بالغًا في تحسين الكَلامِ الدَّرجة القصْيا، وفي الكَثْرةِ مرتبةً لْم يبلغا حدَّها (٣)؛ بل الصَّحيحُ المندفعُ عنه الأسئلةُ ما ضبطَ أُستاذُنا؛ وهو أن يُقال (٤): اللَّفظُ المرادُ به غير ما وضع له لا بدَّ له من العلاقةِ؛ فهي إِمَّا المشابهةُ أَوْ غيرها، وعلى التَّقديرين: إِمَّا أن يُلحظَ معناهُ الأَوَّلَ أَوْ لا؛ فهذه أَرْبعةٌ: ما يُلحظ معناه؛ والعلاقةُ (٥) هي المشابهةُ: التَّشبيه. ما يُلحظُ؛ والعلاقةُ غيرُ المشابهة: الكنايةُ. ما لا يلحظُ؛ والعلاقةُ المشابهةُ: الاستعارةُ. ما لا يُلحظُ؛ والعلاقة غيرُها (٦): المجازُ.

стр. 603

الأولُ؛ نحو: (وجهٌ كالبدرِ). والثَّاني [نحو] (١): (طويلُ النِّجادِ). الثّالثُ؛ نحو: (أسدٌ في الحَمَّام). الرّابع؛ نحو: (فارَ القدرُ). لأنّه حَصر فانحصرَ (٢). والمرادُ بهذا المجاز: المجازُ الَّذي يُبادرُ (٣) إلى الذّهنِ عند إطلاقِه؛ أي: المجاز الْمُرسل، وهو غيرُ متناولٍ للاستعارةِ؛ فلا يردُ أنّها قِسْمٌ من المجازِ؛ فكيفَ تكونُ قَسِيمًا له؟!.

стр. 604

الأصلُ الأَوَّل: في التَّشْبيه . إِنَّمَا قدَّمهُ في الوضع على الأخوات؛ لأنَّ الكنايةَ بالنِّسبةِ إلى المجاز نازلةٌ منْزلةَ المركَّبِ من الفردِ؛ لتوقُّفِ المجازِ على الملزومِ واللَّازمِ فقط، وتوقّفِ الكنايةِ عليهما وعَلَى التَّساوي بينهما، ثمَّ نوعٌ من المجازِ (١) موقوفٌ على معرفة التَّشْبيه (٢)؛ والموقوفُ عليه مُقَدَّمٌ على الموقُوفِ طبعًا (٣). وعرَّفه شارحُ المفتاح بأَنَّه (٤): "هو الدّلالةُ على اشْتراكِ شيئين فِي وصف هو من أَوْصافِ أحدهما في نفسه". وصاحبُ الإيضاح بأَنَّهُ (٥): "الدّلالةُ على مُشاركةِ أمرٍ لأَمر في معنى". والسَّكاكيُّ وإنْ لم

стр. 605

يصرّحْ بتعريفه لكن يلزمُ من كلامه أنّهُ: وصفٌ للشَّيءِ بمشاركته شيئًا آخر في أمرٍ (١). ولا بُدَّ فيه (٢) من طرفين؛ مُشَبَّه، ومشبَّه به. مُخْتَلفين (٣)؛ كأَنْ يشتركا في الحقيقةِ، ويختلفا في الصِّفة، أو بالعكس. ووجه شبهٍ مشتركٍ (٤)؛ كالشَّجاعة المشتركةِ بين الشُّجاع والأَسد. وغرضٍ فِيه (٥)؛ كبيانِ الإمكانِ، أَوْ الحَال، أَوْ مِقْداره. وحالٍ له (٦)؛ ككونه قريبًا أَوْ غريبًا، مَقْبولًا، أو مَرْدودًا. وصيغةٍ (٧)؛ كـ (كاف) التَّشبيه، و (كأَنَّ) المُشَبّهة (٨). فالكلامُ في (٩) خَمْسةِ أنواعٍ: الأَوَّلُ: في الطَّرفين. الثَّاني: في الوَجْه.

стр. 606

الثَّالثُ: في الغَرَض. الرَّابعُ: في الحَال. الخَامسُ: في الصِّيغة. والسَّكاكيُّ قال (١): "فلننوّعه أربعةَ أنواع"؛ لأنّه لَمْ يذكرْ الصِّيغة. النَّوعُ الأَوَّل: في طرفيه ؛ وهما المشبّهُ والمشبّهُ به. وهما إمَّا حسيّان (٢)؛ كالخدِّ عند التَّشبيهِ بالورد. أَوْ عقليَّان (٣)؛ كالعِلْمِ عند التَّشبيهِ بالحياة؛ قال (٤): أَخُو العِلْمِ حَيٌّ خِالِدٌ بَعْدَ مَوْتِه ... وَأَوْصَالُهُ تَحْتْ التُّرَابِ رَمِيْمُ وَذُو الجَهْلِ مَيْتٌ وَهُوَ مَاشٍ عِلى الثَّرَى ... يُظنُّ مِن الأَحْياءِ وَهُو عَدِيْمُ أوْ مُخْتلفان؛ بأَنْ يكونَ المُشبَّه مَعْقولًا، والمُشَبّه به مَحْسُوسًا؛ كالعدلِ إذا شُبِّه بالقسطاسِ، أو بالعكسِ؛ كالعِطرِ إذا شُبِّه بِخُلُق الكَريمِ؛

стр. 607

قال (١): يَا أَيُّها (٢) القاضِي (٣) الَّذِي (٤) نَفْسِي لَهُ ... -مَعَ (٥) قُرْبِ عَهْدِ لِقَائِه- مُشْتَاقَةْ أَهْديتُ عطْرًا مِثْلَ طِيبِ ثَنَائِهِ ... فَكَأنَّمَا (٦) أُهْدِى لَهُ أَخْلاقَهْ والخياليَّاتُ (٧)؛ أي: ما يستندُ إلى خيالٍ؛ كما في التَّشبيه بالأعلامِ

стр. 608

الموْصوفة (١)؛ كما في البيت (٢): وكَأَنَّ مُحْمَرَّ الشَّقَيْـ (٣) ... ـقِ إذا تَصَوَّبَ (٤) أَوْ تَصَعَّدْ (٥) أَعْلامُ يَاقُوتٍ (٦) نُشِر .... نَ عَلَى رِمَاحٍ مِنْ زَبَرْجَدْ (٧) تُلحقُ بالحِسِّيَّاتِ؛ لأنَّ مبادئها حِسِّيَّةٌ؛ لأن الخيال هو (٨): ما

стр. 609

يحفظُ الصُّورَ الْمُرْتَسِمة في الحسِّ المُشْترك كالخزانةِ له (١). والْوَهْمِيَّاتُ (٢)؛ كما إذا قدَّرنا صُوْرةً وهميّةً مَحْضةً مع المنيَّة مثلًا، ثم شبَّهناها بالمخلبِ المحقّق؛ فقُلنا: افترست المنيّةُ فُلانًا بشيءٍ هو لها شبيهٌ بالمِخْلب -تُلحقُ بالعَقْليَّاتِ. وكذا الوجْدانِيَّاتُ؛ وهي الْمُدْركةُ بالقُوى البَاطنةِ؛ كاللَّذةِ، والأَلَم؛ عِنْد تَشْبيههما (٣) برُؤيةِ العينِ ما يلائمها وغير مَا يُلائمها- تُلحقُ بالعقليّات. وأُلحقَ الخياليُّ بالحسِّيِّ (٤)؛ لاشْتراكِ الحسِّ والخيالِ في كونِ الحاصلِ فيهما صُورًا لا معاني، والوَهْميُّ والوجدانيُّ بالعَقْليِّ؛ لاشْتِراكهما في كون الحاصلِ [بها] (٥) مَعَاني لا صُورًا. وهذا الإلحاقُ لتقليلِ الاعتبارِ وتَسهيلِ الاسْتِحضَارِ.

стр. 610

النُّوعُ الثَّاني: في وجهِ التَّشبيه ؛ وهو: ما يَشْتركُ المشبّهُ والمشبّهُ به فيه، وهو إِمَّا صفةٌ لحقيقَتَين؛ وذلك فيما يكونُ الاشتراكُ في الصِّفة (١)، والاختلافُ في الحقيقة (٢)؛ مثل: طولين: جسم، وخطّ أو حقيقةٌ لصفتين؛ وذلك فيما يكونُ الاشتراكُ في الحقيقة، والاختلافُ في الصِّفةِ (٣)؛ مثل: إِنسانين: أسود، وأبيض. والوصفُ إمّا: حسِّيٌّ؛ أي: مُدرَكٌ بالحسِّ [؛كالكيفيَّاتِ الجسْمَانِيَّة الَّتي تُدْركُ بإحدى الحواسِّ كالأَلوانِ، والأَشْكالِ، والطّعومِ، والرَّوائح، والحرارة والبرودة] (٤). أَوْ عقليٌّ؛ أي: يُدركُ بالعقلِ؛ وهذا [على] (٥) ثلاثةِ أقسامٍ: حقيقيِّ؛ أي: ما له تقرُّر (٦) في ذات المَوْصوف [كالكيفيَّات النَّفْسَانيَّة؛ مثل: الاتِّصافِ بالذَّكاءِ، والتَّيقُّظ، والمعرفة، والعلمِ، والقدرةِ، والكرمِ] (٧). واعتباريّ؛ أي: ما ليس له تقرُّر في ذات الموصوف؛ لكن يعتبره العقلُ؛ كاتِّصَافِ الشَّيءِ بكونِه مَطْلوبَ الوجود عند النَّفسِ. فإِنَّ مطلوبيَّته (٨) ليست

стр. 611

وصفًا مُتقرِّرًا في ذات المطلوبِ؛ بلْ هو وصفٌ اعتبره العقل بالنِّسبة إلى الطَّلبِ القائمِ بالنَّفْس. أَوْ وَهْمِيٌّ؛ أي: ما ليسَ له تقرّرٌ، ولم يَعْتبرْهُ العقلُ - أيضًا؛ كاتّصاف المنيَّة بالمخلبِ؛ فإنَّه وهميٌّ مَحْضٌ؛ بلا تقرّرٍ، واعتبارٍ للعقلِ لهُ. والسَّكَّاكَيُّ حصرَ العقليَّ على الحقيقيِّ والاعتباريِّ، وقسَّمه (١) قسمةً ثنائيّةً؛ وجعلَ اتِّصافَ الشَّيءِ بشيءٍ تصوُّريٍّ وهميٍّ محضٍ من الاعْتباريِّ (٢). والظّاهرُ أولويّةُ التَّثْليث كَمَا فعلَ المصنّفُ. والذَّاتُ إِمَّا بسيطةٌ؛ أي: لَا تكون ذاتَ أجزاءٍ مُختلفة؛ وهي إِمَّا بأن لا جُزْء له أصلًا؛ كالنُّقطة، أَوْ لا جُزْءَ له يخالف كلَّه (٣)؛ في الاسمِ، والرَّسمِ؛ كالعناصر. أَوْ مُركّبةٌ من أجزاء مُخْتلفةٍ. وكذا الصِّفةُ؛ إِمَّا مفردةٌ، أَوْ مركَّبةٌ؛ فتقولُ: وجهُ التَّشبيه إمّا واحدٌ؛ كالحُمْرة في تشبيه الخدِّ بالوَرْد. وإِمَّا في حُكْمه؛ أَيْ: حُكمِ الواحد؛ كذاتٍ مُرَكّبة؛ كالمشترك بين سقْط النَّارِ (٤) وعينِ الدِّيكِ (٥)، وهو الأمرُ الحاصلُ من الحُمْرة، والشَّكَلِ الكُرِّيِّ

стр. 612

والمقدارِ المَخْصُوصِ. أَوْ صفاتِ يُقْصدُ بمجموعها هَيْئَةٌ واحدةٌ؛ كما في قوله (١): كَأَنَّ مُثَارَ النَّقْع (٢) فَوْقَ رُؤوسِنَا ... وَأَسْيَافَنَا لَيْلٌ تَهَاوَى (٣) كَوَاكِبُهْ فإنَّ المرادَ تشبيهُ الهيئةِ الحَاصلةِ من النَّقع الأَسْود والسّيوفِ البيضٍ مُتفرِّقاتٍ (٤) فيه بالهيئةِ الحَاصِلةِ من اللَّيلِ المُظْلمِ والكَواكبِ المُشْرقةِ في جَوانبَ منه. وإِمَّا كثيرٌ (٥)؛ كاللَّونِ والطَّعمِ والرِّيحِ؛ في تشبيهِ فاكهةٍ بأُخْرى. والأَوَّلُ؛ أي: ما يكونُ أَمرًا واحدًا. إِمَّا حسيٌّ فكَذَا (٦) طَرَفاه لا

стр. 613

بُدَّ أَنْ يكُونا حِسِّيّين؛ إذ لا محسوسَ من غَيْر المحسوس جِهةً؛ أي: جهةً ما؛ سواء كانت وجهَ التَّشبيهِ أَوْ لم تكن؛ لأنَّه لا يدرك إِلَّا مَا كان مَحْسوسًا، ويمتنعُ قيامُ المحسوسِ بالمعقولِ؛ فيمتنعُ إدراكُ الحسِّ من المعقولِ شيئًا البَتَّة. قوله (١): (جهةً) منصوبًا (٢): تمييزٌ أَوْ صفةٌ، ومرفوعًا (٣): صفةٌ. كالخدِّ بالوردِ في الحُمْرةِ؛ فإِنَّ وجهَ الشَّبهِ وهو الحُمْرة، والطَّرَفَين وهو الوَرْدُ، والخدُّ - حِسَّيّةٌ. وإمّا عقليٌّ (٤) [و] (٥) يَحتملُ الأقسامَ الأربعة (٦)؛ أي: ما يكونان (٧) عقلييّن، أَوْ حسِّيَّين، أَوْ يكون أحدُهما حسيًّا والآخرُ عقليًّا؛ لصحّةِ إدراكِ العقلِ من المحسوسِ وجهًا. فالمعقُولُ بالمعقولِ؛ كَعَديمِ النَّفعِ بالمعدومِ؛ في العراءِ عن الفائدة. والْمَحْسوسُ بالمحسوسِ؛ كالرَّجل بالأَسدِ، في الجُرأة.

стр. 614

والمعقولُ بالمحسوسِ؛ كالعدلِ بالقِسْطاسِ؛ في تحصيلِ ما بين الزِّيادةِ والنُّقصانِ، أي: المساواة. والمحسوسُ بالمعقولِ؛ كالعِطْرِ بخُلُقِ الكَرِيم؛ في التَّرويحِ، واستطابةِ النَّفسِ إيّاهُما. والثَّاني: وهو ما (١) يكونُ وجهُ الشَّبهِ (٢) غيرَ واحدٍ؛ لكنَّه في حُكمِ الواحدِ، وهو على قسمين: إمّا مَحْسُوسٌ، كسقْطِ النَّارِ، أي: ما سَقَطَ منها عند القَدْح؛ الَّذي شُبِّه بعينِ الدِّيك في الهيئة الحاصلةِ من الحُمْرةِ، والشَّكلِ الكُرِّيِّ والمقدارِ المُعيَّن. والثُّريَّا (٣) الَّذي شُبِّه بعُنْقُودِ الكرمِ المنوّر - على [لفْظِ] (٤) اسمِ الفاعلِ، أي: المُظهِر للنُّور (٥)؛ الَّذي هو الضِّياءُ، أَوْ للنَّور الَّذي هو الزَّهر؛ في الهيئةِ الحاصلةِ من تقارُبِ الصُّورِ البيض المُسْتديرة الصِّغار المَقَاديرِ في المرأى على كيفيّةٍ مُعيّنةٍ، ومِقْدارٍ مُعَيّن، وهو إِشَارةٌ إلى هذا

стр. 615

البيت (١): وَقَدْ لاحَ فِي الصُّبْحِ الثُّرَيَّا -كَمَا تَرَى- ... كَعُنْقُودِ مُلّاحِيَّةٍ (٢) حِينَ نَوَّرَا وإِمّا معقولٌ؛ كالحَسْناءِ؛ أي: كتَشبيهِ المرأَةِ الحَسْناءِ الحاصلةِ من مَنْبتِ السُّوء؛ أي: من أصل رَدِئ بخضرَاء الدِّمَنِ، كما قال ﵇: (٣) "إيَّاكُم وخَضْراءَ الدِّمن"، والمرادُ: المرأةُ

стр. 616

الموصوفةُ في حُسْنِ المَنْظر، وسوءِ المخبَر. والأكفَاءِ؛ وكتشبيهِ الأكفاءِ المتناسبة في الخصالِ؛ الممتنعةِ لذلك (١) عن تَعْيِين فاضلٍ بينهم (٢) ومفضولٍ بالحلقةِ المفرغةِ؛ أي: المُصْمتةِ الجَوانب؛ في عدمِ تميّز (٣) جُزْءٍ بالوسطيّة؛ أي: لا يتعيَّن بعضه طرفًا وبعضه وسطًا؛ كالدَّائرة. وهو إشارةٌ إلى قولِ فاطمة الأنماريةِ (٤) حين سُئلت: عمَّن هُو أَفْضلُ من أولادها؟ (٥): "هم كالحلقةِ المفَرغةِ لا يُدرى أين طرفاها"؛ هذا على ما قال به الزَّمخشريُّ (٦). لكن الشّيخَ عبد القاهر نَسَبَهُ إلى مَنْ وصَفَ بني المُهَلَّبِ (٧).

стр. 617

والثَّالثُ: وهو أن لا يكونَ وجهُ الشّبه [أَمْرًا] (١) واحدًا، ولا منَزّلًا منزلةَ الواحدِ؛ فهو على ثلاثةِ أنواع؛ لأَنَّ تلكَ الأمور إمّا: حِسَّيّةٌ؛ كفاكهةٍ شُبهت بفاكهةٍ أُخرى في الأوصافِ الثَّلاثةِ: اللَّونِ، والطَّعمِ، والرِّيحِ (٢). أَوْ عقليّةٌ؛ كطائرٍ شُبِّه بالغُرابِ؛ في حدَّةِ النَّظرِ، وكمالِ الحذرِ، وإخفاءِ السِّفَادِ؛ أي: نُزُوّ الذَّكرِ على الأُنثى؛ وفي المثل (٣): "هو أخفَى سِفَادًا من الغُراب". أَوْ مُخْتلفةٌ؛ بأَن يكون البعضُ حِسِّيًّا، والبعضُ عَقْليًّا؛ كإنسانٍ شُبِّه بالشَّمسِ؛ في الحُسْنِ؛ أي: حُسْن الطَّلعةِ؛ وهو حِسِّيٌّ، والبهاءِ والعُلُوِّ؛ أي: عُلوِّ القَدْر والمرتبةِ؛ وهُمَا عقليَّان. وفي المفتاح بدل قوله (والبهاءِ) (٤): "ونباهةِ الشَّأنِ".

стр. 618

تَذنيباتٌ: الأَوَّلُ: قدْ يُتَسامحُ؛ أي: في وجه الشَّبه، إذا ذُكرَ وجهُ الشَّبهِ. وهو أمرٌ اعتباريٌّ لا حقيقيٌّ؛ كما يُقالُ: كلامٌ كالماءِ في السَّلاسَةِ، والعسلِ في الحلاوة، والنَّسيمِ في الرِّقَّة، فتذكر الحلاوةَ والسَّلاسةَ والرِّقةَ لوجه الشّبهِ؛ مع أن وجهَ الشّبه: لازمُ الحلاوةِ؛ وهو ميْلُ الطَّبع إليها، ومحبّةُ النَّفس ورودها عليها، ولازمُ السَّلاسةِ والرِّقَّةِ؛ وهو إفادةُ النَّفسِ نشاطًا والقلبِ رَوْحًا؛ لأَنَّ شأنَ النَّفسِ مع ذلك الكلامِ كشَأنها مع العَسلِ الشَّهيِّ في ميلِ الطَّبع إليه، ومحبّةِ ورودِه عليها، أَوْ مع الماءِ الَّذي يَنْساغُ في الحَلْقِ (١). وينحدر فيه أَجْلب انحدارٍ للرَّاحة، أَوْ مع النَّسيم الَّذي يَسْري في البَدَنِ؛ فيتخلّلُ السالِكَ اللَّطيفةَ منه في إفادتهما للنَّفسِ نشاطًا والقلبِ روحًا (٢). الثَّاني: ومن التَّسامح ما قُلْنا: إِنَّ وجهَ الشَّبه منه (٣) حسّيٌّ؛ حيثُ قلنا: وجهُ الشَّبه إِمَّا حسِّيٌّ، وإمّا عقليٌّ؛ مع أنّ المحسوسَ لا يكونُ إلّا

стр. 619

جُزْئيًّا، وأنَّ الكُلِّيَّ (١) يمتنعُ إحساسُه؛ بل يمتنعُ وجودُه في الخارج؛ لأنَّ كلَّ موجودٍ له تعيّنٌ. وهذا أي: وجه الشَّبهِ كلِّيٌّ لوقوعِ الشّركةِ. مُشْتركٌ بين الطَّرفين، وهو قياسٌ من الشَّكل الثَّاني. هكذا المحسوسُ ليس بكلِّيٍّ ووجهُ الشَّبه كُلِّيٌّ؛ فالمحسوسُ لا يكونُ وجه الشّبهِ، وينعكسُ بعكسِ المستوى إلى أَنَّ وجهَ الشَّبهِ لا يكونُ مَحْسُوسًا؛ فَيَكون عقليًّا؛ فالتَّقسيمُ إليهما تسامحٌ؛ لأَنَّه لا يكون إِلَّا عقليًّا (٢). الثَّالثُ: حقُّ وجْه التَّشبيهِ أن يَشملَ (٣) الطّرفين؛ وإلَّا فسدَ. واعتبره (٤) في قولهم: "النَّحوُ في الكلامِ؛ كالملحِ في الطّعامِ"؛ إذْ هو باعتبارِ الصَّلاح [به] (٥)؛ أي: بالملحِ، والفساد بعدمه؛ وذلك بهذا المعنى شاملٌ للطّرفين؛ كالنَّحو إذا استُعْمل في الكلام برفع الفاعلِ ونصبِ المفعولِ صَلُح الكلامُ للانْتفاع به في فهم المرادِ، وإن لم يُستعمل بهما فسدَ بخروجه عن الانْتفاع به (٦)؛ لا الفَسَاد؛ أي: لَيْس وَجْه الشّبهِ (٧) باعتبار

стр. 620

الفسادِ بكَثْرته؛ أي: الملح، والصَّلاح بقلَّته، إذ ليس بهذا المَعْنى شَاملًا للطرّفين. إذ لا يُعقل التَّضعيفُ فيه؛ أي: لا (١) يُتَصوّر التَّقليل والتَّكثير (٢) في النَّحو؛ لامتناعِ جعلِ رفع الفَاعلِ -مثلًا- مُضَاعفًا أَوْ منصفًا.

стр. 621

النَّوعُ الثالثُ: في غرض التَّشبيه [و] (١) يعودُ غالبًا إلى المُشَبَّه؛ وهو: لبيانِ حاله؛ أَيْ: المُشبَّه؛ كسَواده أَوْ بيَاضِه؛ كما إذا قيل لك: ما لونُ عمامتك؟ [وقلتَ: كلون هذه] (٢) وأشرتَ إلى عمامةٍ لديك (٣). أَوْ مقْدارِ حالهِ؛ كمَا إذا قُلْتَ: هو في سَوادِه كحَلَكِ (٤) الغُرابِ. أَوْ لإمكانِ وجُودِه، عطفٌ على قوله: (لبيانِ)؛ فهو قَسِيمٌ له. وعبارةُ المفتاح تُشعرُ بأَنّه قسمٌ من البَيان؛ لأنَّه قال (٥): "أَوْ لبيانِ إمكانِ وجوده"؛ وذلك إِنَّما يكونُ إذا كان المدَّعِي يدَّعي شيئًا لا يكونُ إمكانُه ظاهرًا؛ فيحتاج إلى التَّشبيهِ لبيانِ إمكانه؛ كما في قوله (٦): فإنْ تَفُقِ الأَنامَ وأَنْتَ مِنْهُم ... فإِنَّ المِسْكَ بَعْضُ دَمِ الغَزَالِ

стр. 622

فإنّه أرادَ أَنْ يقولَ: فُقْتَ الأنامَ بحيثُ لم يبقَ بينك وبينهم مشابهةٌ؛ بل صِرْتَ أصلًا برأسه؛ وهذا كالممتنع في الظَّاهر، فإِنَّه بَعيدٌ أَنْ يتناهى بعضُ آحادِ النَّوع في الفضائل إلى أَنْ يصيرَ كأَنَّه ليس من ذلك النَّوع (١)؛ فلمَّا قال: (فإِنَّ المسكَ) فقد (٢) بيَّن إِمكانَه [و] (٣) وجودَه، لأنَّ المسكَ قد خرجَ عن صفةِ الدَّم؛ حتَّى لا يُعدُّ من جِنْسه. أَوْ لزيادةِ تقريرِه؛، أي: المشبَّه، وتقويةِ شأنِه عند السَّامعِ؛ كما إذا كنتَ مع صاحبكَ في تقرير أنّه لا يَحْصُل من سعيه على طايلٍ، ثُمَّ أخذت تَرْقُم على الماءِ؛ وقُلْتَ: هلْ أفاد رقمي على الماء نَقْشًا ما؟ إِنَّكَ في سَعْيك هذا كَرَقمي عَلَى الماءِ؛ فإنّك تَجِدُ لتمثيلكَ هذا زيادةَ تقرير. أَوْ لتَزْيينِ المُشَبَّهِ؛ كما إذا شَبَّهْتَ وجْهًا أسودَ بمقلةِ الظَّبي؛ إِفراغًا له في قالب الحُسْن؛ طلبًا (٤) لتزيينِه. أَوْ تَشْويةِ المشبَّه؛ كما إذا شبَّهتَ وجْهًا مَجْدورًا بعذرةٍ جامدةٍ قد نقرتها الدِّيكةُ؛ إظهارًا [له] (٥) في صورةٍ أَشْوه؛ إرادة ازْديادِ (٦) القُبْح.

стр. 623

أَوْ لاسْتِطرافٍ؛ وهو عدُّ الشَّيء طريفًا؛ أَيْ: حَديثًا، وهو إِمَّا لبُعدِه في الواقع؛ بحيثُ يُتصوّرُ امتناعُه عادةً؛ كقولك في الجمرةِ: بَحْرٌ من المِسْكِ مَوْجُهُ الذَّهبِ. وقال في المفتاح (١): "كما إذا شبَّهتَ الفحمَ فيه جَمْرٌ موقدٌ ببحرٍ من المسكِ موجُه الذَّهب" (٢). أَوْ في الذّهن؛ أي: وإمّا لبُعدِه في الذِّهنِ؛ أَيْ: يكونُ المشبّهُ به نادرَ الحضورِ في الذِّهنِ. وهو إِمَّا مُطلَقًا، أَوْ حين التَّشبيهِ. الأَوَّلُ: كالمثالِ المذكورِ من الجَمرةِ والبحرِ. والاستطرافُ -كاستطراف النَّوادر عندَ مُشاهدتها- موجِبٌ للاسْتِلْذَاذ؛ لِجِدَّتِها كما قيل: (ولِكُلِّ جديدٍ لذّةٌ (٣)؛ كما أنَّ لكلِّ عتيق حُرمة).

стр. 624

والثّاني؛ أي: أَوْ حينئذٍ؛ كنُدْرةِ حُضُورِ النَّار والكبريتِ عندَ ذِكْرِ البَنَفْسج وحديثِ الرِّياض؛ كقوله في البَنَفْسَج (١):

стр. 625

ولا زَوَرْديَّة (١) تَزْهو (٢) بِزُرْقَتِها ... بَيْنَ الرِّياضِ عَلَى حُمْرِ اليَواقِيتِ (٣) كَأنهَا (٤) فَوْقَ قَاماتٍ ضَعُفْنَ بِهَا ... أَوائلُ النَّارِ في أَطْرافِ كِبْريتِ لأن صورةَ اتِّصالِ النَّارِ بالكِبْريتِ ليست ممّا يُمْكن أَنْ يُقال: إنَّها نادرةُ الحضورِ في الذِّهنِ؟ نُدْرةَ صورةِ البحرِ من المسكِ مُوْجُه الذّهب، وإنّما النّادرُ حضورُها مع حديثِ البَنَفْسَج. ومنه، أي: ومن هَذَا البابِ (٥)، قولُ عديِّ (٦)

стр. 626

ابن الرَّقَاع (١): تُزْجِي أَغَنَّ كَأَنَّ إِبْرَةَ رَوْقِهِ ... قَلَمٌ أَصَابَ مِن الدَّواةِ مِدَادَها يُحْكى أن جريرًا قال: أَنْشَدني عديٌّ هذه القصيدة، فلمَّا بلغَ إلى قوله: (كأنَّ إبرةَ رَوْقهِ) رَحِمتُه، وقلتُ: قد وقع في مُعْضِلةٍ، ما عساهُ يَقُول وهو أَعرابيٌّ جِلْف جافٍ؛! فلمَّا قال: (قلمٌ أَصَابَ من الدَّواةِ مدَادَها) اسْتَحالت الرَّحمةُ حَسَدًا (٢). وذلك لأن جريرًا ما كانَ يحسبُ أنَّ عديًّا يَحضرُ في ذهنه المشبَّه به مع المشبّه؛ لكَونه نادرَ الحضورِ مَعَه، لكونِ عديٍّ جِلْفًا؛ فلَمَّا حضر حَسَدَه بعدما كانَ رحمَه. تُزْجِي؛ أي: تَسُوق. وأغنَّ: هو الذي يَتَكلّمُ من قبَل (٣) خياشيمه؛ من الغُنّة؛ وهي: صوتٌ في الخيشوم؛ يقالُ: (طَيْرٌ (٤) أغَنٌّ). والمرادُ هنا: ولدُ ظَبْي أغنّ

стр. 627

له صوتٌ ضعيفٌ. وإِبرةُ رَوْقه: طرفُ قَرْنِه وحدَّتُه. الجِلْفُ: الدنّ الفارغ. وأجلافُ الشّاةِ؛ هي: المَسْلُوخةُ بلا رأسٍ ولا قوائمَ ولا بطنٍ. والجافي: الغليظُ. وإنّما فَصَله ممّا (١) قبلَه بلفظ: (مِنْه)؛ لأن بُعْدَه بالنِّسبةِ إلى القائلِ الخاصِّ بخلافِ غيرِه. وقدْ يعودُ؛ أي: غرضُ التَّشبيه إلى المشبَّهِ به. إمَّا لإيهامِ أَنَّه؛ أي: المُشبّه به أتمُّ من المُشَبَّه في ذلك؛ أي: وجه التَّشْبيه؛ إذْ حقُّ المشبّهِ به أن يكونَ كَذَلك؛ أيْ: أعرفُ بجهة (٢) التَّشبيهِ من المشبَّهِ، وأَخصُّ وأقوى حالًا معها؛ ليُفيدَ ما ذكرنا من الأَغْراضِ؛ من بيانِ مقدارِ المُشبّه، وإمكانِ وجودِه، وزيادةِ تقريرِه، وإيرادِهِ (٣) في مَعْرض (٤) التَّزين، والتَّشْويه، والاستطرافِ؛ كقوله (٥):

стр. 628

وبَدَا الصَّباحُ كَأن غُرَّتَهُ (١) ... وَجْهُ الخَلِيفةِ حِينَ يُمْتَدحُ فإنّه تعمُّدَ (٢) إيهامَ أن وجهَ الخليفةِ في الوضوح أتم من الصّباح، ويُسمّى بالتَّشبيهِ المقلوبِ (٣). ومنه؛ أي: ممّا يعودُ الغرضُ إلى المشبّه به: ﴿إنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ (٤)؛ في مقام إنّمَا الرِّبا مثلُ البيع؛ لأنَّ الكلامَ في الرِّبا لا في البَيْع؛ ذهابًا منهم (٥) إلى جعل -الرَّبا في بابِ الحلِّ- أَقْوى حالًا، وأعرفَ من البيع. و ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ﴾ (٦)؛ أي: ومنه: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾؛ دون أن يقولَ بعَكْسه (٧) مع اقْتِضاءِ المقامِ بظَاهره إِيَّاه؛ لأنَّ عَبَدةَ الأصنامِ

стр. 629

لَمَّا جعلوها كالخالق؛ فاقتضى المقامُ أَنْ يُجعلَ الخالقُ مُشَبَّهًا به، وغيرُ الخالقِ مُشَبّهًا؛ لكنّ في عكسِه مزيدَ توبيخٍ؛ إذ المعنى يصيرُ: أن غيرَ الخالِق عندهم في وجه الشَّبهِ أقوى من الخالقِ وأَوْلَى باسمِ الألُوهيَّةِ (١).

стр. 630

وإمّا لإِظْهارِ الاهتمامِ؛ عَطْفٌ على قوله: (إِمَّا لإيهامِ)، وذلك كما إذا أُشير لكَ إلى وجهٍ كالقمرِ في الإشْراقِ والاسْتدارةِ؛ وقيلَ: هذا الوجهُ يُشبهُ ماذا؟؛ فقلتَ: الرَّغيفَ!، إظهارًا لاهتمامكَ بشأنِ الرَّغيف؛ وهذا يُسمَّى بإظهارِ المطلوب، ولا يُصارُ إليه إلّا في مقامِ الطَّمع بحصولِ المطلوبِ؛ وذلكَ كما أمرَ الصَّاحبُ (١) ابنُ عبّادٍ نُدَماءَه أن يُجيزُوا قولَه (٢): وعَالِمٌ يُعْرَفُ بالسِّجْزِيّ (٣)؛ مِمَّا مدحَ (٤) به قاضي سجستان (٥) حِين دخلَ عليه فوجدَه عالمًا مُتَفنِّنًا؛ فقال شريفٌ بينهم انتهت النَّوبةُ إليه بعدما نَظَمُوا على أُسلُوبِه واحدًا بَعْد واحدٍ: .................... ... أَشْهَى إلى النّفْسِ من الخُبْزِ؛ ففَهمَ الصّاحبُ اهتمامَه بشأنِ الخُبْزِ؛ فأمرَ أن تُقدَّمَ له مائدة.

стр. 631

والإجازةُ [تتميمُ] (١) مصراع الغيرِ. وإذا تساوى الطرفانِ؛ أي (٢): المُشبَّه والمشبَّه به في جهةِ التَّشبيه، ولَمْ يَخْتلفا بكون أَحدِهما ناقصًا والآخر كاملًا. فتشابه؛ ليكونَ كلُّ واحدٍ من الطرفين مُشبَّهًا ومشبَّهًا به، لا تَشْبيه؛ حتَّى يكونَ أحدُهما مشبّهًا، والآخر مشبَّهًا به؛ احْتِرازًا عن تَرجِيع أحدِ المتساويين (٣)؛ قال الشّاعرُ (٤): رَقَّ الزُّجُاجُ ورقَّت الخمْرُ ... فَتَشابَهَا فَتَشاكَلَ الأَمْرُ فَكَأنَّهُ خَمْرٌ ولا قَدَحٌ ... وَكَأنَّهُ قَدَحٌ ولا خَمْرُ

стр. 632

تنبيهان: الأَوَّلُ: إذا كان وجْهُ التَّشبيه وصْفًا غيرَ حقيقيّ؛ أي: اعتباريًّا مُنْتزعًا من أمورٍ متعدِّدَةٍ -سُمِّي [أي] (١) التَّشبيه: تَمْثيلًا، وخُصَّ بذلك الاسم (٢)، قال -تعالى-: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ (٣)، فإن وجهَ تَشبيهِ المنافقين بالذين شُبِّهوا بهم فِي الآيَة، هو: تَوَجُّه الطلبِ إلى تَيْسِير مطلوبِ بسبب مُباشرةِ أسبابِه القريبةِ مع تعقُّبِ الحِرْمانِ والخَيْبَةِ لانقلابِ الأَسبَابِ، وأَنَّه أمرٌ اعتباريٌّ لا وصفٌ حقيقيٌّ منتزعٌ من أمورٍ كثيرةٍ. ومنه وإنما فصل بلفظ (٤): (منْه) عمَّا قبلَه؛ لأن كُل واحدٍ من الشبَّه والمشبَّه به مذكورٌ صريحًا في الآية الأُولَى؛ دون هذه: قوله -تعالى-: ﴿كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَال عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ (٥)، شَبَّه كون المؤمنين أنصار الله بقولِ عيسى لهم: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّه﴾ من حيثُ الظاهرِ، لكنّ المراد: كونُوا أنصار الله مثل كون الحواريِّين أَنصاره وقْت قول عيسى -عليه

стр. 633

السَّلام (١) -: ﴿مَنْ أَنْصَارِي﴾؛ لعدم صِحَّةِ تشبيه الكون بالقولِ، ولجوازِ حذفِ المضافاتِ. وإِنَّما جاز ذكرُ مستلزمِ المُشَبَّه به مَكانه (٢)؛ كما جازَ ذكرُ مستلزمِ وجهِ الشَّبه مكانه؛ إذْ كما أنَّه ليس بمستلزم التَّصريح بوجهِ الشّبهِ؛ بل قد يُذْكرَ ما إذا أَمْعَنْتَ فِيه النَّظر لَمْ تجده إلّا شيئًا مُسْتتبعًا لما يكون وجهُ الشّبه (٣) في المآل؛ كذلك ليس (٤). بمستلزم التَّصريح بالمشبَّه به؛ بلْ قد يُذْكر ما إذا أمعنت في النَّظر لم تجده إِلَّا شيئًا مُسْتتبعًا (٥) لما يكونُ المشبّهُ به في المآلِ ثم التّقريب ظاهر. الثاني: لا تَغلَطْ في مثلِ قَوْلِ الشَّاعرِ (٦):

стр. 634

كَمَا أبْرَقَتْ؛ -أي: صَارت داتَ بَرْقٍ- قَوْمًا عِطَاشًا غَمَامةٌ فلمَّا رأوها أقْشَعَتْ؛ -انْكَشَفت. وقشَعتُه: كَشَفْتُه وهو مثل: أكبَّ، وكبّ؛ لزُومًا وتعدِّيًا -وتَجَلَّت؛ أي: ظهرت (١). لكَثْرةِ التباسِ الوَصْفِ الحَقِيقيِّ بالاعْتِباريّ، وانْتزاعه من أَمْرين -مثلًا- مع وجوب الانْتزاع من أكثر؛ فتنْزع الوَصْفَ؛ الذي هو وجهُ التَّمثيل، مما لا يتمُّ المرادُ به؛ كالمصراع الأوّل، فتَقع عن غَرضِ الشَّاعر بمَعْزلٍ؛ لوجُوبِ (٢) انْتزاع وجهِ الشَّبهِ من مَجْموع البيتِ؛ وهو وصْلُ الابتداءِ المُطْمع بالانْتهاءِ المؤيسِ؛ لا الإطماع فقط. النَّوعُ الرَّابعُ: في حالِ التَّشبيهِ ؛ من كونهِ قَريبًا أَوْ غَريبًا، مَقْبولًا أَوْ مَرْدُودا. مُقدِّماتٌ لا بدَّ مِن ذِكْرِها لتُرْشدك (٣) إلى كَيْفِيَّةِ سُلوكِ الطريقِ هُنَالك (٤):

стр. 635

الأُوْلى: إِدراكُ الشَّيءِ مُجْمَلًا، كإدراكِ الإنسانِ من حيثُ إنَّه: شيءٌ، أَوْ جسمٌ أسهلُ من إدراكه مُفَصّلًا، كإداركه من حيثُ إِنَّه: جسمٌ نامٍ حسَّاسٌ مُتحرِّكٌ بالإرادةِ ناطقٌ. الثَّانية: المتكرِّرُ على الحسِّ الحاضِرُ صورَتُه مرّةً بعد أُخرى، كحضورِ صُورةِ القَمر غير مُنْخَسفٍ. أقربُ حُضُورًا من شيءٍ يقل حضورُه (١) على الحسِّ، كحضورِ صورته مُنْخَسِفًا. الثالثُ: الشَّيءُ مع ما يُنَاسبُه (٢) أقربُ حُضُورًا منه مع ما لا يُناسبه، كالحمَّامِ والسَّطل دُونَ السَّخْلِ (٣)، فإن الحمَّامَ معَ السَّطلِ أقربُ حُضُورًا منه مع السَّخْلِ. الرّابعةُ: اسْتِحضارُ الواحدِ أيسرُ من اسْتِحضارِ غيرِ الواحدِ، كاسْتحضارِ القَمرِ في الذِّهنِ؛ فإِنَّه أيسرُ من اسْتِحضاره والمشترِي على تَثْلِيثه، والمرِّيخ على مُقابلته. الخامسة: ميلُ النَّفْسِ إلى الحسِّيَّاتِ أتمُّ من مَيْلها إلى العَقْليَّات، بناءً على أنَّها -أي: الحسِّيَّات- مجعُولةٌ لها (٤)، أي: للنَّفسِ (٥)، بالتَّجريدِ
следующие страницы →