← Адаб

Адаб · id 17458

تحقيق الفوائد الغياثية

الكرماني، شمس الدين

Полный текст (841 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

والإجازةُ [تتميمُ] (١) مصراع الغيرِ. وإذا تساوى الطرفانِ؛ أي (٢): المُشبَّه والمشبَّه به في جهةِ التَّشبيه، ولَمْ يَخْتلفا بكون أَحدِهما ناقصًا والآخر كاملًا. فتشابه؛ ليكونَ كلُّ واحدٍ من الطرفين مُشبَّهًا ومشبَّهًا به، لا تَشْبيه؛ حتَّى يكونَ أحدُهما مشبّهًا، والآخر مشبَّهًا به؛ احْتِرازًا عن تَرجِيع أحدِ المتساويين (٣)؛ قال الشّاعرُ (٤): رَقَّ الزُّجُاجُ ورقَّت الخمْرُ ... فَتَشابَهَا فَتَشاكَلَ الأَمْرُ فَكَأنَّهُ خَمْرٌ ولا قَدَحٌ ... وَكَأنَّهُ قَدَحٌ ولا خَمْرُ

стр. 632

تنبيهان: الأَوَّلُ: إذا كان وجْهُ التَّشبيه وصْفًا غيرَ حقيقيّ؛ أي: اعتباريًّا مُنْتزعًا من أمورٍ متعدِّدَةٍ -سُمِّي [أي] (١) التَّشبيه: تَمْثيلًا، وخُصَّ بذلك الاسم (٢)، قال -تعالى-: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ (٣)، فإن وجهَ تَشبيهِ المنافقين بالذين شُبِّهوا بهم فِي الآيَة، هو: تَوَجُّه الطلبِ إلى تَيْسِير مطلوبِ بسبب مُباشرةِ أسبابِه القريبةِ مع تعقُّبِ الحِرْمانِ والخَيْبَةِ لانقلابِ الأَسبَابِ، وأَنَّه أمرٌ اعتباريٌّ لا وصفٌ حقيقيٌّ منتزعٌ من أمورٍ كثيرةٍ. ومنه وإنما فصل بلفظ (٤): (منْه) عمَّا قبلَه؛ لأن كُل واحدٍ من الشبَّه والمشبَّه به مذكورٌ صريحًا في الآية الأُولَى؛ دون هذه: قوله -تعالى-: ﴿كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَال عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ (٥)، شَبَّه كون المؤمنين أنصار الله بقولِ عيسى لهم: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّه﴾ من حيثُ الظاهرِ، لكنّ المراد: كونُوا أنصار الله مثل كون الحواريِّين أَنصاره وقْت قول عيسى -عليه

стр. 633

السَّلام (١) -: ﴿مَنْ أَنْصَارِي﴾؛ لعدم صِحَّةِ تشبيه الكون بالقولِ، ولجوازِ حذفِ المضافاتِ. وإِنَّما جاز ذكرُ مستلزمِ المُشَبَّه به مَكانه (٢)؛ كما جازَ ذكرُ مستلزمِ وجهِ الشَّبه مكانه؛ إذْ كما أنَّه ليس بمستلزم التَّصريح بوجهِ الشّبهِ؛ بل قد يُذْكرَ ما إذا أَمْعَنْتَ فِيه النَّظر لَمْ تجده إلّا شيئًا مُسْتتبعًا لما يكون وجهُ الشّبه (٣) في المآل؛ كذلك ليس (٤). بمستلزم التَّصريح بالمشبَّه به؛ بلْ قد يُذْكر ما إذا أمعنت في النَّظر لم تجده إِلَّا شيئًا مُسْتتبعًا (٥) لما يكونُ المشبّهُ به في المآلِ ثم التّقريب ظاهر. الثاني: لا تَغلَطْ في مثلِ قَوْلِ الشَّاعرِ (٦):

стр. 634

كَمَا أبْرَقَتْ؛ -أي: صَارت داتَ بَرْقٍ- قَوْمًا عِطَاشًا غَمَامةٌ فلمَّا رأوها أقْشَعَتْ؛ -انْكَشَفت. وقشَعتُه: كَشَفْتُه وهو مثل: أكبَّ، وكبّ؛ لزُومًا وتعدِّيًا -وتَجَلَّت؛ أي: ظهرت (١). لكَثْرةِ التباسِ الوَصْفِ الحَقِيقيِّ بالاعْتِباريّ، وانْتزاعه من أَمْرين -مثلًا- مع وجوب الانْتزاع من أكثر؛ فتنْزع الوَصْفَ؛ الذي هو وجهُ التَّمثيل، مما لا يتمُّ المرادُ به؛ كالمصراع الأوّل، فتَقع عن غَرضِ الشَّاعر بمَعْزلٍ؛ لوجُوبِ (٢) انْتزاع وجهِ الشَّبهِ من مَجْموع البيتِ؛ وهو وصْلُ الابتداءِ المُطْمع بالانْتهاءِ المؤيسِ؛ لا الإطماع فقط. النَّوعُ الرَّابعُ: في حالِ التَّشبيهِ ؛ من كونهِ قَريبًا أَوْ غَريبًا، مَقْبولًا أَوْ مَرْدُودا. مُقدِّماتٌ لا بدَّ مِن ذِكْرِها لتُرْشدك (٣) إلى كَيْفِيَّةِ سُلوكِ الطريقِ هُنَالك (٤):

стр. 635

الأُوْلى: إِدراكُ الشَّيءِ مُجْمَلًا، كإدراكِ الإنسانِ من حيثُ إنَّه: شيءٌ، أَوْ جسمٌ أسهلُ من إدراكه مُفَصّلًا، كإداركه من حيثُ إِنَّه: جسمٌ نامٍ حسَّاسٌ مُتحرِّكٌ بالإرادةِ ناطقٌ. الثَّانية: المتكرِّرُ على الحسِّ الحاضِرُ صورَتُه مرّةً بعد أُخرى، كحضورِ صُورةِ القَمر غير مُنْخَسفٍ. أقربُ حُضُورًا من شيءٍ يقل حضورُه (١) على الحسِّ، كحضورِ صورته مُنْخَسِفًا. الثالثُ: الشَّيءُ مع ما يُنَاسبُه (٢) أقربُ حُضُورًا منه مع ما لا يُناسبه، كالحمَّامِ والسَّطل دُونَ السَّخْلِ (٣)، فإن الحمَّامَ معَ السَّطلِ أقربُ حُضُورًا منه مع السَّخْلِ. الرّابعةُ: اسْتِحضارُ الواحدِ أيسرُ من اسْتِحضارِ غيرِ الواحدِ، كاسْتحضارِ القَمرِ في الذِّهنِ؛ فإِنَّه أيسرُ من اسْتِحضاره والمشترِي على تَثْلِيثه، والمرِّيخ على مُقابلته. الخامسة: ميلُ النَّفْسِ إلى الحسِّيَّاتِ أتمُّ من مَيْلها إلى العَقْليَّات، بناءً على أنَّها -أي: الحسِّيَّات- مجعُولةٌ لها (٤)، أي: للنَّفسِ (٥)، بالتَّجريدِ

стр. 636

بسببِ تَجْريدِها إِيَّاها، أي: حذفها التَّعيّناتِ والتَّشَخّصاتِ الخارجيّةِ عن الحسِّيَّاتِ؛ فلها زيادةُ تعلُّقٍ بها، هذا على مذهب مَنْ يقولُ: النَّفسُ لا تُدْرِك الجُزْئيّات؛ بل المشتركَ المنتزعَ عنها التَّشَخُّصات (١). ولوَ قُلْنا: بأَن مُدْرِكَ الكُلِّيَّات وَالجُزئيّاتِ هو النَّفسُ -كما هو مذهبُ الحكيم-؛ لكنَّها تُدْرِكُ الكليَّات بذاتها، وهي المُسَمَّاةُ بالعقلِيَّات، والجزئيَّاتِ بالآلاتِ، أي: بواسطةِ الحواسِّ؛ وهي المسمَّاةُ: بالحسِّيَّاتِ، لَمَّا كان مَيْلُها إلى إحداهما أتم منه إلى الأخرى؛ ولهذا قال: "ميلُ النّفسِ إلى الحسِّيَّات أتمّ بناءً على أنَّها ... " إلى آخره. ولإِلْفِها، عطفٌ على قوله "بناءً"، أي: مَيْلُها إليها أتمُّ لزيادةِ إِلْفِها (٢)، أَيْ (٣): إِلف النَّفسِ بها، بالحسِّيّاتِ؛ لكثرةِ وُرُودها، أي: الحسِّيَّات بِحَسَبِ جِنْسها عليها (٤)، لاختلافِ الطُّرق، طُرُقِ الوُرُود، أَعْني: الحواسَّ المُختلفةَ المؤدِّية لها، بخلافِ العقليّاتِ؛ فإن طريقها واحدٌ. السادسةُ: النفسُ لما تعرفُ أَقْبلُ مِنها لما لا تعرف، لمحبَّةِ النَّفسِ العِلْم طبعًا؛ ولهذا أكثرَ النُّاسِ يُقبلون على استماع الحكاياتِ، ولا

стр. 637

يُقبلون على المسائلِ العويصةِ (١). وقد سقطت (٢) هذه المقدِّمةُ في بعضِ النّسخ عن القَلَمِ. السابعةُ: الجديدُ أحبُّ إلى النَّفسِ وألذُّ لديها من المُعَاد؛ لاستكراهِ النَّفس التّكرار بالذاتِ؛ كما قيل (٣): (أَكْره من مُعَاد) واسْتِحبابه الجِدَّة، كما قيل (٤): (لكلِّ جديد لذةٌ). وههنا نظرٌ؛ كَمَا قَال السَّكاكيُّ (٥): "التَّوفيقُ بين حكم الإلف وبينَ [حكم] (٦) التّكرارِ أحوَجُ شيءٍ إلى التَّأمُّل"، فإن الإلف بالتّكرارِ يَحْصُلُ فكيف يَتَنافَى حُكْمُهمما؟!؛ أي: حكمُ الإلف والتّكرارِ، حتَّى يكونَ

стр. 638

المأَلوفُ غيرَ مُسْتكره، والمكرَّرُ مُسْتَكرَهًا؛ بل يجبُ على هذا أن يكون المألوفُ أكرهَ شيءٍ عند النَّفس!. والمصنّفُ ينقلُ كلامَ السَّكاكيَّ، وإلَّا (١) فالحقُّ عنده على طرفِ التَّمامِ؛ وهو: أن كل تَكْرارِ لا يورثُ الكراهة؛ بل الذي يُورثُها تكرارُ شيءٍ منه بدٌّ؛ وهو مُنافٍ للإِلف؛ وأمَّا تكرارُ شيء لا بدَّ منه؛ كتكرارِ الشَّبه الضُّروريّة (٢) عند الطيبِ؛ فهو غيرُ مُنافٍ للإِلفِ؛ بل موجبٌ لهُ (٣). فالحاصلُ: أن الجديدَ ألذُّ من المعاد الغيرِ المألوف. ثم قربُ التَّشْبيه، وسقوطُه عن درجةِ الاعتبارِ؛ لوحدةِ الجهةِ؛ أي: جهة التَّشبيه بأن يكونَ أمرًا واحدًا؛ كالسَّوادِ في نحو: (زِنجيٌّ كالفَحْمِ)، أَوْ (٤) لتَجانُسِ الطرفين وقُرب المناسبة بَيْنهما؛ نحْو: تشبيه عنَبة كبيرة سودَاء بأنَّها (٥)؛ كإجَّاصَة (٦)، أَوْ كونه؛ أَي: المشتبه أَكْثريُّ الحضورِ لجهةٍ من الجهاتِ؛ كتكرُّرِه على الحسِّ، أَوْ غيره؛ كالبَدْرِ [في] (٧) نحو: (وجهٌ كالبدرِ).

стр. 639

وبُعدُه؛ أي: بُعدُ التَّشبيه وعدمُ سُقُوطِه؛ أي: غرابتُه وحُسنه. بحلافه؛ أي: ما ذكرنا في قُرْبه بأَنْ لا يكونَ واحدًا بل كثيرًا (١)؛ إِمَّا في حُكمِ الواحدِ أَوْ لا، أَوْ (٢) لا يكونُ المشبّهُ به مُجَانسًا ومُشَابِهًا للمُشَبّهِ (٣)، أَوْ لا يَكُون كثيرَ الحضورِ مَشْهورًا؛ كقوله (٤): نَارِنجُها بين الغُصُون كأَنَّها ... شُمُوسُ عَقيقٍ (٥) في سَمَاءِ زَبَرْجدِ فإنّه شبَّه النَّارنجَ -في الهيئةِ الحاصلةِ من اجْتَماع صورٍ حُمْرٍ وخُضْرٍ- بشُمُوسِ عقيقٍ في حماءِ زَبَرْجَدٍ؛ وهي لَيْست مُجَانسةً ولا قريبةَ المناسبة للمشبَّهِ، مع أَنَّها نادرةُ الحضور؛ ولهذا جاء تَشْبيهًا نادرًا في غايةِ الحُسنِ والبُعدِ. وكُلَّما كان التَّركيبُ، أي: في وجه الشَّبهِ أكثرَ فهو؛ أي: التَّشبيه (٦) أَغْرب؛ كما أَنَّه إذا كان المُشَبّهُ به أَبعد من التَّجانُسِ والتَّناسبِ

стр. 640

أَوْ أَنْدرَ في الحُضُورِ في الذِّهْن (١) كان أغرب، فتأَمل قوله -تعالى-: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (٢)؛ "أي: حالها العَجِيبة، في سُرْعة تَقَضِّيها، وانقراضِ نعيمها (٣) بعد إِقْبالها واغْترارِ النَّاسِ بها. ﴿كَمَاءٍ﴾ ليس لفظُ (٤) الماءِ المشبَّه بهِ، وإِنْ وَلِيَه حرفُ التّشبيه، لأَنَّه من التَّشْبيه المُرَكب؛ وإِنَّما المُشَبَّهُ به مَضْمُونُ الحكايةِ، وهو زَوالُ خُضرةِ النَّباتِ فجأة، وذهابُه حُطَامًا بَعْدما كان غَضًّا والْتَفّ وزيَّنَ الأرض بخُضْرَته، حتَّى طَمِع فيه أهلُه، وظنُّوا (٥) أنَّه سَلمَ من الجَوائِح" (٦). وتمامُ الآية ﴿أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ [يونس: ٢٤] (٧). - تَعْرِف حُسنه لِمَا ذَكَرْنَا.

стр. 641

وتأمَّل قوله -تعالى- (١): ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ﴾ (٢) الآية؛ فإن وجهَ الشّبهِ (٣) بين المُنَافقين وبين ذوي الصَّيِّب؛ هو (٤) أنهم في المقامِ المُطْمع في حصولِ الْمطَالبِ لا يَحْظونَ إلا بضدِّ المطموع فيه؛ من مجرّد مُقَاساةِ الأَهْوال؛ حتَّى تَرَى أنَّه لتَركيب فيه وقع تشبيهًا حَسنًا. وقبوله؛ أي: التَّشبيه بأَن يكونَ وجهُ الشبه -كمَا مَرَّ- (٥)؛ حيث قال: حقُّ وجه التَّشْبيه أن يشملَ (٦) الطرفين صحِيحًا؛ أي: يَكُونُ شاملًا للطرفين مُتناولًا لهما. مُعْطيًا للغرضِ؛ أَيْ: لغرضِ التَّشبيهِ كَمْلًا؛ أي: تَمَامًا (٧)؛ والمرادُ: أَن يكونَ وجهُ الشّبهِ (٨) كاملًا في تحصيل ما عُلِّق به من الغرضِ (٩)؛ من بيانِ حالِ المُشَبَّه، أَوْ بيانِ مِقْدارِ

стр. 642

حاله، أَوْ إِمْكانِ وجُوده، إلى غيرِ ذلك. غيرَ مُبْتذلٍ؛ أي: غيرَ مُمْتَهنٍ مشهورٍ مُتداولٍ يَسْتَعْملُه الجُمْهورُ (١)؛ بلْ يكونُ خاصًّا مُسْتَعمَلًا للخواصِّ. ورَدُّه بِخلافِه بأن لا يكون صحيحًا، أَوْ لا يكون مُعْطيًا (٢)، أَوْ لا يكون غيرَ مُبْتذَلٍ (٣). وإذا عرفتَ أسبابَ القبُول عرفتَ أَسْبابَ الرَّدّ؛ لِتُقابل أَسْبابهما، واستعلام أَسْبابِ أحدهما من أسبابِ الآخر. النّوعُ الخامسُ: في صيغةِ (٤) التَّشبيه، وأداوتِه؛ وهي: مثل: (كأَنَّ) و (الكاف)، و (المثل). ولا يجبُ ذكرُ صيغته صريحًا؛ بل قد يُصَرحُ بالتَّشبيه بأَن تُذكر أداتُه، وقد لا يُصَرَّحُ بأَنْ لا تُذْكرَ؛ نحو: (زيدٌ أَسدٌ) (٥)، ويتعيّنُ المرادُ وهو أوَل تَشْبيه؛ لامتناع الحَمْل؛ حمل الأسدِ على زيد؛ لأَن زيدًا ليس بعينه هُو الأسدُ؛ فَيَلزم المصيرُ إلى أَنَّه تشبيهٌ بحذفِ كَلِمتِه، وفيه (٦) مبالغة؛ لأنَّه لَمَّا حَذَف (٧) كلمةَ التَّشبيهِ فكأنه ادّعى أنَّه

стр. 643

نفسُ حقيقةِ الأَسد ومن جِنْسه. وقد يتركُ (١) المشبّهُ لفظًا مُرادًا معنى (٢)، إذ لَوْ لَمْ يُرد معنًى ولم يكن منويًّا فيكون استعارة (٣)، إذ لا معنى للاستعارة إلا ذلك. وهذا فيه [أي: في الموضع الّذي يُتْرك المشبهُ لفظًا ويُرادُ مَعنى] (٤) دعوى التعيُّن (٥) للتَّشبيهِ والإِخبارِ عنه بذلك، كما مر (٦) أَن المُسْندَ إليه [يحذفُ] (٧) عند تعيّنه للخبر. فقوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْر﴾ (٨) تشبيهٌ لا استعارةٌ لذكرِ (٩) الطرفين: الخيطِ، والفجر.

стр. 644

توضيحُه: أن الخيطَ الأَبيضَ وهو أَوّلُ ما يبدو من الفَجْرِ المُعْترضِ في الأُفق كالخيطِ الممدود، والخيطَ الأسودَ وهو ما يمتدُّ معه من غسق الليل -شُبّها بخَيْطين: أبيضَ، وأسودَ، وبُيِّنا بقوله ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾؛ والفَجْرُ -وإنْ كان بيانًا للخيط الأبيض- لكن لَمَّا كان بيانُ أحدهما بيانَ الآخر لدلالته عليه اكتفى به عنه، ولولا البيان لكانا من باب الاستعارةِ؛ كما أن قولك: (رأيتُ أسدًا) استعارةٌ؛ فإذا زدت (١) من فلان صار تشبيهًا. وأمّا أنَّه لِمَ زيد (من الفجر) حتَّى صار تشبيهًا وهلَّا اقتصر به على الاستعارةِ التي هي أبلغُ؛ فلأن شرطَ الاستعارةِ أن يدُلٌ عليه الحالُ، ولو لم يذكر من الفجرِ لم يُعلم أن الخيطين مُسْتعاران فَزيدَ (الفجر) وصَارَ (٢) تَشْبيهًا. وقد يُتركُ وجهُ التشبيه إذا عُلم بالقرائنِ؛ استغناءً (٣) عن ذكرهِ، وفيه قُوَّةٌ ومبالغةٌ لإِفَادتِه (٤) تعميم المُشَابهة (٥).

стр. 645

والمراتبُ (١)، أي: مراتبُ التَّشبيه باعتبارِ المُشَبّه، وكلِمةِ التشبيهِ، ووجهِهِ، ذكرًا وتَرْكًا ثمانيةٌ لا يَخْفى حُكْمُها، من تَضُمُّنها المبالغة والقوَّة، وعدم تضمَّنها إِيّاهما، بما (٢) ذكرناه، من أنَّ تركَ المشبّه فيه مبالغةٌ، لإفادته التَّعيين، وترك كلمة التَّشبيه، لأَنَّه الحكمُ على المشبَّه بأنه نفسُ المشبَّه به، وترك وجه التّشبيه، لأن فيه قوّةً لعمومِ وجهِ التَّشبيه (٣). أَمَّا انحصارُه في ثمانية، فلأنَّه لَمَّا امْتَنع حذفُ أَحدِ الأركانِ الأَربعة وهو المشبَّه به، فالمذكورُ إِمَّا كل الأربعة أَوْ لا. الأَوَّل: قِسْمٌ (٤). والثاني: إمَّا أن يُذكر ثلاثةٌ أَوْ لا. الأَوَّل: ثلاثةُ أَقسامٍ، لأن (٥) مع الشبّه به إمّا المُشبَّه وكلمة التَّشبيه (٦)، وإمّا المشبّه والوجه (٧)، وإمّا الكلمة

стр. 646

والوجه (١). والثاني: إمَّا أن يُذكر اثنان، أَوْ لا. الأَوَّل: ثلاثةٌ -أيضًا؛ لأَنَّ مع المشبَّه به إِمَّا المشبَّه (٢)، وإِمَّا الكلمة (٣)، وإمّا الوجه (٤). والثاني: قسمٌ واحدٌ (٥). وأمّا التَّفاوُتُ بحسبِ القوَّةِ والمبالغة وعدمه؛ فهو بحسب ذكرِ الوجهِ والكلمة وعدمِه، فمتى (٦) ذُكِرا فلا قُوَّة له (٧)، ومتى يُذْكَرَا فهو أَقْوي الكُلِّ (٨). [ومتى تُرك أحدُهما ففيه نوعٌ من القوَّة، فعليك بالأمثلة وتَطْبيقها عليه] (٩).

стр. 647

تنبيهٌ: قد يُعْتبرُ التشبيهُ في التَّضادِّ؛ لأنَّ الضِّدَّين مُتَشابهان؛ من حيثُ أن كل واحدٍ منهما ضدٌّ لصاحبه، فيُجعلُ التَّضادُّ وجْهًا تنْزيلًا له مَنْزلة المُشَابهة. يقال للجبانِ: "أسدٌ"، وللبخيلِ: "حاتم"، لتمليحٍ أَوْ تَهَكُّم؛ أي: استهزاء. وفي الكلام لفٌّ ونَشْرٌ (١)، والظاهر [أنَّه] (٢) على غير التَّرتيبِ (٣). والتَّمليحُ: أن يُشارَ في فَحْوى الكلامِ إلى مَثَلٍ سائرٍ، أَوْ شِعْرٍ نادرٍ، أَوْ قِصَّةٍ مشهورةٍ، على معنى أَنْ (٤) يكون في الكلامِ ما يَنْتقلُ الذِّهنُ منه إلى شيء من ذلك، كقوله (٥):

стр. 648

المُسْتَجِيرُ بعمرٍو عند كُرْبَتِه ... كَالْمُسْتجيرِ مِن الرَّمْضَاءِ بالنَّارِ. [وقيل: إنَّه بلفْظِ التَّلميح؛ بتقديم اللام على الميمِ. ولكل وجهة (١)] (٢).

стр. 649

الأَصلُ الثاني: في المجاز . وقدَّمه السَّكاكيُّ على الكناية، لِمَا ذكرنا (١): أنَّه بالنِّسْبةِ إِليها بمنْزلةِ المفردِ من المركب. وعلى الاستعارةِ؛ لتقدُّمِ الجِنْسِ على النَّوع طبعًا. ويتضمّن التَّعرُّضَ للحقيقةِ، لأن النَّظر في الدَّلالةِ العقليَّةِ موقوفٌ على الدّلالة الوَضْعيّة، والكلامُ في ذلك مُفْتَقرٌ إلى بيان وجهِ دلالاتِ الكلم على مفهوماتِها، أَهي بحسبِ ذواتِ الكلمِ والألفاظِ -كما قال عَبَّادُ (٢) بن سُلَيمان الضَّمري-، أَوْ بحسب تخصيص مُخَصِّصٍ خارج عن تلك الألفاظِ يُخَصِّصها بتلك المعاني التِي تدلُّ عليها ويضعها له (٣). لكنَّ دلالةَ الأَلفاظ على المعاني بيِّنٌ أنها بالوضع والتَّخصيصِ، لأن الأَوَّل -وهو دلالة اللَّفظِ بالذاتِ على مسمَّى دون مُسمَّى مع استواءِ نسبتِه إليهما- ترجيحٌ بلا مُرَجِّحٍ.

стр. 650

وقولُ عبّادٍ: إن ذاتَ اللّفظ مُخصِّصةٌ لنفسها بالمعنى، موجبةٌ لفهمه منها؛ لأنَّه لا بدّ أن يكون (١) بين اللّفظِ والمعنى من مُنَاسبةٍ ذاتيّةٍ وإلَّا لَزِمَ التَّخصيص بلا مُخَصّصِ (٢): محمولٌ على ما يَدَّعيه الاشتقافيون (٣) منْ رعايةِ الواضع (٤) مناسبةً ما، كما يقولون: إن للحروفِ [في أنفْسها] (٥) خواصّ بها تَختلفُ؛ كالجهر والهمسِ، والشِّدَّةِ والرَّخاوة و (الفصم) (٦) بالفاء؛ الذي هو حرفٌ رخْوٌ؛ لكسرِ الشَّيءِ من غير أن يُبين، و (القصم) بالقاف؛ الذي هو حرفٌ شديدٌ؛ لكسرِ الشّيءِ حتَّى يُبين. [وأَن] (٧) للتَّركيبات، -أيضًا- خَواصّ كاختصاصِ حركةِ (٨) عين

стр. 651

مثلِ الفعلان بحركةِ مُسمَّاهُ؛ نحو: الحيوان، والنَّزوان (١)، ولأَجل رعايتها خُصِّص كلٌّ: بما يناسبها؛ لا على ما هو الظاهرُ منه (٢). وإِلَّا (٣) لامْتَنع نقله إلى المجاز، لأَن ما بالذاتِ لا يزول بالغير، ولامْتَنع [اشتراكُ] (٤) اللفظِ بين متنافيين (٥)؛ لأن الشَّيءَ الواحدَ لا يقتضي أمرين بينهما تنافٍ. ثم الحقُّ؛ أي: بعد تحقُّقِ كونِ المخُصِّصِ غيرَ أَنْفسِ الكلمِ وذواتِ الألفاظ؛ الحق: إِما التَّوقيف؛ وذلك بأَنْ يضعها الله (٦)، ويُوقفَ عباده عليها بالوحي- مثل أ. أَوْ الإلهام (٧)؛ وذلك بأن يُلْهمَ عبادَه بالتَّخْصِيص؛ حتَّى يضَعُوها ويَصْطَلحوا عليها.

стр. 652

والأَوَّل مذهبُ الأَشْعريَّة (١). والثاني: مذهبُ البهشميَّهّ (٢).

стр. 653

ولفظُ المختصرِ وإن كان مُشْعرًا بمخالفةِ (١) السَّكاكيّ، لكن من جهة المعنى لا مُخَالفة، قال السَّكاكيُّ (٢): "والحقُّ بعدُ: إِمَّا التَّوقيفُ والإلهام، قولًا بأنّ المخصّصَ هو اللهُ - تعالى، وإمَّا الوضعُ والاصطلاحُ؛ قولًا بإسنادِ التَّخْصيصِ إلى العُقلاءِ". ومرجعهما؛ أي: المذهبين: الوضعُ (٣)، والتَّخْصِيصُ من الخَارج من ذَوات [اللفْظِ] (٤). وهو، أَيْ: الوضعُ، تعيينُ لفظة بإزاءِ معنى بنفسها، ويُحْتَرز بـ (نفسها) عن المجازِ إذا عَيَّنته بإزاءِ ما أردته بقرينةٍ؛ فإن ذلك التَّعيين لا يُسمّى وضعًا. وقد يُطلبُ بها، باللفظة معناهَا الموضوع لها، كما أريد بالإِنْسان الحيوان النَّاطق، وبالعَشرةِ مجموع آحادها، وهي الحقيقة. أَوْ يُطلب (٥) معنى معناها كما أريدَ بالإنسانِ معنى لازم [لمعناه] (٦)، كمعنى الحيوانِ اللازمِ له، أَوْ معنى الخمسة اللازم لمعنى العشرة، وهو المجاز وأنت تعلمُ أن دلالة معنى على معنى (٧) [ليس] (٨) من الممتنعاتِ.

стр. 654

وقد يُقْصَد للمعنى معنىً، كما أريدَ بطولِ النَّجاد طُول القامةِ، وهو الكنايةُ. والفرقُ بين المجازِ المعبَّر عنه بقوله: (يُطْلَبُ بها معنى معناها) وبين الكناية المُعبَّرِ عنها بقوله: (يُقْصَد (١) للمعنى [معنى]) (٢): أنَّ المطلوبَ في الأَوَّل معنى معناها لا معناها، أي: مع عدم كون المعنى الأَوَّل مَقْصودًا، وفي الثاني يُقْصدُ معنى المعنى لا مع عدم كونِ (٣) المعنى الأَوَّل مَقصُودًا، كما أن العبارةَ مُشعرةٌ بالفرقِ. وأقربُ الحدودِ على كثرتها، للحقيقةِ والمجاز حدودٌ كثيرةٌ -كما ذكرَ ثلاثة منها في المفتاح- (٤)، لكنَّ أقربها إلى الحقِّ ما ذكره المصنّف؛ مخترعًا له (٥):

стр. 655

أن الحقيقة: لفظٌ أُفيد به معناه (١) في اصطلاح التَّخاطبِ؛ أَيّ اصطلاحٍ كان؛ لُغة، أَوْ شرعًا، أَوْ عُرفًا عامًّا، أَوْ خاصًّا، وهو ما يُسَمَّى اصْطلاحًا. بمجرَّدِ وضع أَوَّل؛ أي: بلا مَعُونة قرينةٍ وعلاقةٍ واحتياجٍ إلى وضع آخر، فخرج عنه: المجاز، والاستعارةُ، والمنقولُ. والمجازُ بخلافِ الحقيقةِ فهو: لفط أفيد به في اصطلاح التَّخاطبِ لا بمجرّدِ وضع أوَّل؛ وذلك ظاهر. والحدَّانِ قريبان ممّا قال ابنُ الحاجبِ في مختصره (٢): الحقيقة هو: "اللّفظُ المستعملُ في وَضْح أوّل"؛ إذ المراد: "بحسبِ وضع أوّل"، كما بيّنه في شرحه له (٣). والمجاز هو (٤): (اللفظُ المستعملُ في غير وضع أوّل على وجهٍ يَصِحُّ). ولا حاجة؛ أي: في التَّعريف (٥) إلى ذكر العلاقةِ؛ وهي اتِّصال ما للمعنى المستعمَل فيه بالمعنى الموضوع له؛ كالسَّببية، والمجاورة، والجُزْئيّةِ، وغيرها؛ ممّا ذُكِر في الأصول (٦). والقرينةِ؛ وهي: ما تدل على المراد

стр. 656

وعلى امتناع إِرادة معناها الحَقِيقيّ؛ إذْ لا إفادة (١) فيه (٢)؛ في المجازِ دونهما؛ أي العلاقة والقرينة (٣). وكلاهما؛ أَيْ: الحقيقةُ والمجازُ، لُغويٌّ؛ كـ (الصَّلاة) في الدُّعاءِ (٤). والأَركانِ المَخْصُوصة (٥)؛ إذا استعملها اللُّغويُّ. وشرعيّ؛ كـ (الصَّلاة) في الأَركانِ المَخْصوصة (٦)، والدُّعاء (٧)؛ إذا استعملها المتشرِّع. وعُرفي؛ كـ (الدَّابة) في ذوات الحوافِر (٨)، والفرسِ خاصَّة (٩)؛ إذا استعملها أَهْلُ العُرفِ العامِّ. واصطلاحيٌّ؛ كلَفْظِ (المجازِ) فيما هو مُصْطلحٌ عليه عِنْد

стр. 657

عُلَماءِ البيانِ (١)، والمَعْبَر (٢)؛ إذا اسْتعمله البَيانيُّ؛ بحسبِ الناقل إلى ذلك المعنى من المعنى الأَوَّل؛ فإنْ كان [الناقل] (٣) أهلَ اللغةِ فمجازٌ لغويٌّ، وإنْ [كان] (٤) شَرْعًا فَشرعيٌّ، وإن [كان] (٥) عُرفًا فعُرفيٌّ، وإِنْ [كان] (٦) اصطلاحًا فاصطلاحيٌّ. وكذا في الحقيقة، لكن بحسبِ الواضع. ولظهوره لم يتعرّض له. قال في المفتاح (٧): "الحقيقةُ تنقسمُ عند العلماءِ إلى: لغويَّةٍ، وشرعيَّةٍ، وعُرفيَّة". والانتهاءُ عن التَّثليث، والقصدُ إلى التَّربيع خيرٌ، لأن إطلاقَ العُرْفيِّ على العامِّي: عرفيّ عامِّيّ، وكُلَّما يُرادُ الخاصيُّ يقالُ: اصطلاحيّ. قيل (٨): والمرادُ به قولُ السَّكاكيِّ: تَدُلُّ (٩) الحقيقةُ التي ليست بكناية (١٠) بنفسها، وقوله: (بنفسها) مُتَعلِّقةٌ بقوله: (تدلّ)، أي:

стр. 658

يُسْتغني في الدّلالةِ على المراد منها بنفسها عن الغير؛ أي: القرينة، لتعيُّنها له بجهة الوضع، والمجازُ، أي: يدلّ المجازُ بقرينةٍ، لعدمِ استغنائه عن الغير في الدّلالةِ على ما يراد منه. وأَمّا المشتركُ فهو موضوع (١) لأحدهما (٢)؛ جوابٌ لقائل (٣) يقول: المشتركُ حقيقةٌ ليست بكنايةٍ، ومع ذلك لا يَدُل بنفسه، [بَلْ هُوَ مُحْتاجٌ إِلَى القَرينة في دلالته على ما هو مَعْناه] (٤) وتوجيهه: أنَّه موضوعٌ [لأحدهما] (٥) غير مَعيَّن، كـ (القُرء) -مثلًا- فإنّه لا يتجاوز الطهر والحَيْضَ، غير مجموعِ بينهُما، وفي ذلك لا يحتاج إلى القرينةِ، بل يدلّ بنفسه. وفيه (٦) حزازةٌ، أي: ما يُدَغْدُغُ في القلْب، ويحكّ في الصّدرِ -[-بالحاء المهملة-] (٧)، وهي أنه لو كان موضوعًا لأحدهما غير مُعيّن- لكان استعماله في مُعيّن منهما مجازًا؛ وذلك باطل؛ هكذا سمعتُ من الأستاذ.

стр. 659

ولأجل هذه الحَزازةِ قال: (قيل). فإن قُلت: استعمالُه في مُعيَّن منهما مجازٌ (١) يحتاجُ إلى القرينةِ، ولا يعنِي بكونه مجازًا [إلّا ذلك. قُلْتُ: ليس كل ما احتاج إليها مجازًا، بل المحتاجُ إلى قرينةٍ تكونُ صارفة] (٢) عن الظّاهر، أي: المعنى الحقيقيّ، وهذه القرينة ليست صارفةً بل معيّنةٌ للمُراد. وحاصلُ (٣) الفرقِ بين القرينتين: أن قرينةَ المجازِ قرينةٌ للدّلالةِ، وقرينةُ المُشْترك قرينةٌ لتعيين الدّلالة؛ لأن له دلالةً إجماليّةً، وبالقرينة يتبيّن المرادُ. وها هنا تنبيهٌ: وهو أَن حاله بحسب الوضع: أَنَّه موضوعٌ لهذا مُعيّنًا، ولذلك (٤) مُعيّنًا. وبحسبِ الاسْتعمال: أنّه مختلفٌ فيه أيجوزُ استعماله في مَعْنييه أَمْ لا؟. وبحْسب الفهمِ: أن المتبادرَ إلى الذهن مفهومُ أحدِهما غير مُتعيِّن (٥)؛ كما تَصوّرَه السَّكاكيُّ في الوضع -أَيْضًا (٦). واللفظان، أي: لفظ (الحقيقةِ) ولفظ (المجاز)، في مَعْنَييهما (٧)

стр. 660

المذْكورين مجازان لُغويَّان لمكان التَّناسُب، إذ الحقيقةُ فعيلة من الحقِّ، بمعنى الفاعل، من حقَّ الشَّيءُ (١) يَحِقُّ، إذا وجبَ وثبتَ، أي: الثابتِ لثباتها في مَوْضعها الأَصلي، والموضوع له الأَوَّلي. أَوْ بمعنى المفعولِ من حقِّقتُ [الشّيء] (٢) أُحِقّه، إذا أثبتّه، أي: المثبتِ، لكونها مُثبتةً في موضعها الأَصلي؛ غير منقولةٍ عنه إلى غيره. ولَمَّا كانَ الفعيلُ الذي بمعنى المفعول مستويًا فيه المُذكرُ والمؤنّثُ؛ مُسْتغنيًا عن التَّاءِ- قال: والتَّاءُ لتقديرها، أي: لفظة الحقيقة. و (التَّاءُ لتقديرها) مُبتدأ وخبرٌ، قَبْل، أي: قبل التَّسْمِية، وإطلاقها على المَعنى الاصطلاحيِّ غير مُجْراةٍ على موصوفٍ، أي: غير مذكُور مَوْصُوفها، وهو: (الكَلِمة)، لأن الفعيلَ المفعُوليّ لا يستوي فيه المُذكّرُ والمؤنّثُ، إِلَّا إذا كان موصوفُه مذكورًا معه، نحو: (رجلٌ قتيلٌ، وامرأةٌ قتيلٌ). أمَّا إذا كان غير مذكورٍ فلا يستوي؛ بل يُذكّرُ للمُذكرِ، ويؤنّثُ للمؤنّثِ؛ نحو: (مررتُ بقتيلِ بني فُلان، وقتيلة بني فلانٍ)، وإذًا (٣) هذا على تقديرِ كَوْنها بمعنى المفعولِ؛ فكأنه (٤) قال: والتَّاءُ على هذا الوجهِ الأخيرِ المتّصلِ بحث التّاء به (٥)؛ لأن على الوجه الأَوَّل لا حاجة إلى هذا التَّوجيه للزومُ كونها

стр. 661

مؤنّثة مُطْلقًا؛ لعدمِ استوائهما فيه، وإن كان لفظُ (١) المفتاح مُشْعرًا بكونه علّة للوجهين (٢). وقال الأصوليّون: التَّاء لنقلِ اللّفظِ من الوصفيّة إلى الاسميّة (٣). والمجازُ مَفْعَلٌ من الجوازِ؛ أي: العُبُور (٤)؛ لأنّه [أي: اللفظ المجازيّ] (٥) عَبَر عن معناه إلى غيره؛ فالمناسبةُ (٦) مرعيّةٌ. ولفظه (٧) مُشعرٌ بأنَّهما مجازان بمرتبة.

стр. 662

لكن ذكر أهلُ الأصولِ: أن الحقيقةَ مجازٌ بثلاث مراتب؛ لأنّهم قالوا: الحقيقةُ بمعنى: الثابت، أَوْ المثبت، ثم نُقلَ إلى العَقْدِ المطابق، ثُمَّ إلى القولِ المطابق، ثمَّ إلى المعنى الاصطلاحيِّ. والمجازُ مجاز (١) بمرتبتين؛ لأَنَّه مَفْعَلٌ من الجواز؛ بمعنى المصدرِ، أَوْ المكان، ثم نُقِل (٢) إلى الفاعل؛ أي: الجَائِز، ثُمَّ نُقل إلى المَعْنى الاصطلاحيِّ. واعلم: لَمَّا بَيَّن المناسبة بين اللفظين (٣) ومَعْنييهما، وكان محل أن تَلتبس المناسبة بالوصفِ؛ أَراد أن يبيّنَ أن المناسبةَ غيرُ الوصفِ؛ أي: الاسم الموضوع للشَّيءِ لمناسبة؛ كالأحمر [إذا سُمِّي به إنسانٌ لحمرته غير الاسم الّذي هو الوصفْ كالأحمر] (٤) الذي يُوصف به ذو الحُمرةِ. فالمناسبةُ تصحّحُ الوَضْع؛ أي: اعتبار المعنى في التَّسميةِ لتَصْحيح الوضع، وتَرْجيح ذَلك الاسْم على غيره (٥) حال الوضع. والوَصْفُ يصحِّحُ الإِطْلاقَ؛ أَيْ: اعتبار المَعْنى في (٦) الوصفِ لصحّة إطلاقه عليه. وَلهذا يُشترطُ بقاءُ المعنى في الوَصف دون التَّسمية؛ فإذا (٧) زالتِ

стр. 663

الحُمْرة زال وصْفُه بها، ولَمْ تزل تَسْمِيتُه (١) بـ"أَحمر". والغرضُ أَنَّ اعْتبار المعنيين المَذْكورين في اللفْظَين ليس لصحَّة تسمِيتهما بِهما، وإطلاقِهما عليهما؛ بل لترجيح تَسْميتهما (٢) [على تسميتهما] (٣) بغيرِهما (٤) من الأَسماء. فاعتبر ما قُلنا بالقارُورةِ؛ فإنَّها لمناسبة اسْتقرارِ الشَّيء فيها وضعت لتلك الزُّجاجةِ المخصُوصة (٥)، ورُجِّح ذلك الاسمُ إطلاقًا عليها لأَجْلها؛ ولهذا لم يُزل عنها اسمُها لو لم يكن شيءٌ فيها مُسْتقرًّا، ولم يصِحّ إطلاقُها على الدَّنِّ (٦) -مثلًا، وإِن استقرَّ فيه الشَّيءُ؛ بخلافِ ما لو كانت وصْفًا. وبالجنِّ؛ فإنّه لاسْتِتاره واجتنانه عن النَّظرِ وُضع لذلك النَّوع؛ ولهذا لم يُزل عنه ذلك الاسمُ، على تقديرِ عدم الاجتنانِ، ولم يصحّ إطلاقُه على الملَك؛ وإن كان مُجْتنًّا عن النَّظرِ (٧).

стр. 664

ونحوهما؛ كالْمُرعَّثِ (١)، وتأبَّطَ شَرًّا (٢)، والدَّبَران (٣)، والعيُّوق (٤). ولقد عبّرَ الأستاذُ عن المسألةِ، بعبارةٍ في غاية الحسنِ (٥)؛ في شرحه

стр. 665

لمختصرِ (١) ابن الحاجبِ (٢)؛ وهي: أن وُجود المعنى [في] (٣) محلِّ التّسميةِ قد يُعْتبر من حيثُ إنَّه مُصَحِّحٌ للتَّسميةِ مُرجِّحٌ لها من بين الأسماء؛ من غير دخُوله في التَّسميةِ. والمراد: ذاتٌ مخصوصةٌ فيها المعنى؛ لا من حيث هو فيه؛ بل باعتبار خصوصها؛ وهذا لا يطردُ، وقد يعتبر من حيثُ إنّه داخلٌ في التَّسمية؛ والمرادُ: ذاتٌ ما باعتبار نسبة له إليها؛ وهذا يطرد في كلِّ ذاتٍ كذلك. وحاصلُه: الفرْقُ بين تسمية الغيرِ لوجوده فيه، أَوْ بوجوده فيه (٤). لا تَزِلَّ (٥)، فإنَّه مزلةٌ للأقدام، مضلَّةٌ للأفهام، فإن (٦) كثيرًا إذا سمعوا قولَ القائل: وُضِع هذا الاسمُ لهذا المعنى بهذه المُناسبةِ، ظنَّ أنَّه قال: إن هذا الاسمَ (٧) صفةٌ.

стр. 666

ثُمَّ اللّفظُ بعد الوضع، وقبل الاستعمالِ ليس حقيقةً، ولا مجازًا (١). ولا بُدَّ في المجاز من تصَرُّفٍ، إذ ما لم يتصرَّفْ نوع تصرُّفٍ؛ بل يُستعمل كما يقتضيه وضع اللّغةِ والعقل لا يكون مجازًا؛ بل حقيقةً. وذلك التَّصرف [إمَّا] (٢) في لفظ أَوْ معنى؛ وكلُّ واحدٍ منهما إِمَّا بزيادةٍ أَوْ نقصانٍ أَوْ نقلٍ؛ والنَّقلُ لمفردٍ (٣) أَوْ لتركيب؛ فهذه ثمانيةُ أقسام، الحاصلة من مسطح ضرب الإِثنين؛ أي: التَّصرّف اللفظي، والتصّرُّف المعنويّ؛ في الأربعةِ: الزِّيادة، والنُّقصان، والنَّقلِ الإفراديِّ، والنَّقل التَّركيبيِّ؛ فتكونُ أربعةً في اللفظِ، وأربعةً في المعنى، والمصنِّفُ غَيَّر وضع المفتاح في هذا البابِ تقريبًا إلى الضَّبط (٤)؛ ولعمري إنَّه انضبط كما ضبط. أمّا وجوهُ التصرُّفِ في اللّفظِ فأربعةٌ: الأَول: تصرُّفٌ بالنُقصانِ، نحو: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (٥)؛ أي: أهلها.

стр. 667

الثاني: مجازٌ بالزِّيادة؛ نحو: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (١)؛ فإن الأَصلَ: ليسَ مثْله شيء؛ بزيادة الكاف، ونُقل في لبابِ الإعرابِ القولَ بزيادةِ المثل (٢)؛ وعلى القَوْلين يصحُّ (٣) مثالًا للمجازِ بالزِّيادة. على أَنَّ الأَشبه بالحقِّ: عدمُ كون الزِّيادة، وجَعْلَه؛ أي: الكلام مَسُوقًا لنفي مَنْ يُشبه أَنْ يكون مثلًا فضلًا عن المثل حقيقةً؛ وهذا مِمَّا زاد [المصنِّف] (٤) على المفتاح، مخترعًا من تِلقاءِ نَفْسِه. وقال الزَّمخشريُّ في الكشَّافِ (٥): "قالوا: مثْلُك لا يبخل؛ فَنَفوا البُخْلَ عن مثله وهم يريدون نفيه عن ذاته؛ قصدوا المبالغةَ في ذلك؛ فسلكوا به طريق الكنايةِ؛ لأنّهم إذا نفوه عمّن يسدُّ مسدَّه، وعمّن هو على أخّصِّ أوصافه؛ فقد نفوه عنه؛ ... فإذا عُلم أنه من بابِ الكناية لم يَقَعْ فرقٌ بين قوله: (ليس كاللهِ شيءٌ) وبين قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ إلَّا ما تُعطيه الكنايةُ من فَائِدتها؛ وكأنهما عبارتان مُعْتقِبتان (٦) على معنى واحد؛ وهو نفي المماثلةِ عن ذاتِه". قال ابنُ الحاجبِ في المُنْتهى: قولهم: أُتي بالكافِ لنفي التَّشبيه؛ أي:

стр. 668

أتى بها لأن الآية مسوقةٌ لنفي التَّشبيه، أي: إثبات التَّتريه لا لنفي الشّريكِ، أي: إثبات التَّوحيد كما هو المتبادرُ إلى الذِّهن -غلطٌ؛ إذْ يصير المعنى: ليس مِثْلَ مثله شيءٌ؛ فَيَتناقض؛ لأنَّه -تعالى- مثل مثله؛ فيلزم نفي ذاتِه مع ظهور إثبات مثله؛ المُسْتلزم لإثبات ذاتِه (١). والمغلّطُ غالطٌ؛ لأن نفي مثل المثل إِنَّما هو بِنَفْي المِثْل؛ لا بنفي مِثل المِثل (٢)، لئلّا يلزم التَّناقض؛ فهو تصريحٌ ينفي التَّشبيه؛ مستلزمٌ لنفي الشَّريك. ولا نُسلِّمُ ظهورَه في إثبات مثله، بل قاطعٌ في نفيه لدفع لزوم التَّناقُض -كما ذكرنا. والأشبهُ بالحقِّ من بين الثلاثِ ما قال الأستاذُ: أنَّه أشبه بالحقِّ؛ وهو أنَّه للتَّوحيد، والتَّوجيهُ التَّوجيهُ: إِذَا قَالتْ حَذَامِ (٣) فَصَدِّقُوهَا ... فَإِن القَوْلَ مَا قَالتْ حَذَامِ (٤).

стр. 669

وقد جَعَلهُما؛ أي: المجاز بالزِّيادة والمجازَ بالنُّقصان، القدماءُ مجازًا في حكمِ الكلمةِ؛ أي: إعرابها (١)؛ وهو فيما يَكْتسي الكلمة حركة لأجل حذفِ كلمةٍ لا بدَّ من معناها، أَوْ لأَجل إثباتِ كلمةٍ مُسْتغنى عنها استغناءً واضحًا، إذ الأصل جَرُّ ﴿الْقَريةَ﴾ (٢) بإضافة (الأَهل) إليها،

стр. 670

والنَّصبُ مجازٌ، وإذ الأصل نصبُ (المثل) (١) بحذف (الكاف)، والجرُّ مجازٌ. وقد جعلَ السَّكاكيُّ هذا النَّوعَ من المُلحق بالمجازِ، لِمَا بَيْنَهما من المُشَابهة، وهو اشتراكها في التَّعدِّي عن الأَصْل إلى غيرِ أَصل، فكما (٢) أن الأصلَ في الأسد الحيوانُ المفترس، وقد عُدِّي به عنه إلى غيره، وهو [الشّجاعُ؛ كذلك الأصلُ في ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ وقد عُدِّي به عنه إلى غيره، وهو] (٣) النّصب. لا منه، أي: من [الملحق بالمجاز] (٤) لا من المجاز (٥). وأنتَ تعلمُ (٦) الحال إذا قُلْتَ: (عليك بسؤالِ القَريةِ) فإِنَّه لا يُعتبرُ التَّعدِّي في حكمِ الكَلمةِ وإِعرابها، إذ القريةُ على تقدير ذكرِ الأهل على هذا الوجه -أيضًا- مجرورٌ. أَوْ إذا قلتَ (٧): (ما من شيء كمثله)، على أن تكون (كمثله) صفةً لشيءٍ، وخبرُ (ما) محذوفًا (٨)، أي:
следующие страницы →