← Адаб

Адаб · id 17458

تحقيق الفوائد الغياثية

الكرماني، شمس الدين

Полный текст (841 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

ثُمَّ اللّفظُ بعد الوضع، وقبل الاستعمالِ ليس حقيقةً، ولا مجازًا (١). ولا بُدَّ في المجاز من تصَرُّفٍ، إذ ما لم يتصرَّفْ نوع تصرُّفٍ؛ بل يُستعمل كما يقتضيه وضع اللّغةِ والعقل لا يكون مجازًا؛ بل حقيقةً. وذلك التَّصرف [إمَّا] (٢) في لفظ أَوْ معنى؛ وكلُّ واحدٍ منهما إِمَّا بزيادةٍ أَوْ نقصانٍ أَوْ نقلٍ؛ والنَّقلُ لمفردٍ (٣) أَوْ لتركيب؛ فهذه ثمانيةُ أقسام، الحاصلة من مسطح ضرب الإِثنين؛ أي: التَّصرّف اللفظي، والتصّرُّف المعنويّ؛ في الأربعةِ: الزِّيادة، والنُّقصان، والنَّقلِ الإفراديِّ، والنَّقل التَّركيبيِّ؛ فتكونُ أربعةً في اللفظِ، وأربعةً في المعنى، والمصنِّفُ غَيَّر وضع المفتاح في هذا البابِ تقريبًا إلى الضَّبط (٤)؛ ولعمري إنَّه انضبط كما ضبط. أمّا وجوهُ التصرُّفِ في اللّفظِ فأربعةٌ: الأَول: تصرُّفٌ بالنُقصانِ، نحو: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (٥)؛ أي: أهلها.

стр. 667

الثاني: مجازٌ بالزِّيادة؛ نحو: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (١)؛ فإن الأَصلَ: ليسَ مثْله شيء؛ بزيادة الكاف، ونُقل في لبابِ الإعرابِ القولَ بزيادةِ المثل (٢)؛ وعلى القَوْلين يصحُّ (٣) مثالًا للمجازِ بالزِّيادة. على أَنَّ الأَشبه بالحقِّ: عدمُ كون الزِّيادة، وجَعْلَه؛ أي: الكلام مَسُوقًا لنفي مَنْ يُشبه أَنْ يكون مثلًا فضلًا عن المثل حقيقةً؛ وهذا مِمَّا زاد [المصنِّف] (٤) على المفتاح، مخترعًا من تِلقاءِ نَفْسِه. وقال الزَّمخشريُّ في الكشَّافِ (٥): "قالوا: مثْلُك لا يبخل؛ فَنَفوا البُخْلَ عن مثله وهم يريدون نفيه عن ذاته؛ قصدوا المبالغةَ في ذلك؛ فسلكوا به طريق الكنايةِ؛ لأنّهم إذا نفوه عمّن يسدُّ مسدَّه، وعمّن هو على أخّصِّ أوصافه؛ فقد نفوه عنه؛ ... فإذا عُلم أنه من بابِ الكناية لم يَقَعْ فرقٌ بين قوله: (ليس كاللهِ شيءٌ) وبين قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ إلَّا ما تُعطيه الكنايةُ من فَائِدتها؛ وكأنهما عبارتان مُعْتقِبتان (٦) على معنى واحد؛ وهو نفي المماثلةِ عن ذاتِه". قال ابنُ الحاجبِ في المُنْتهى: قولهم: أُتي بالكافِ لنفي التَّشبيه؛ أي:

стр. 668

أتى بها لأن الآية مسوقةٌ لنفي التَّشبيه، أي: إثبات التَّتريه لا لنفي الشّريكِ، أي: إثبات التَّوحيد كما هو المتبادرُ إلى الذِّهن -غلطٌ؛ إذْ يصير المعنى: ليس مِثْلَ مثله شيءٌ؛ فَيَتناقض؛ لأنَّه -تعالى- مثل مثله؛ فيلزم نفي ذاتِه مع ظهور إثبات مثله؛ المُسْتلزم لإثبات ذاتِه (١). والمغلّطُ غالطٌ؛ لأن نفي مثل المثل إِنَّما هو بِنَفْي المِثْل؛ لا بنفي مِثل المِثل (٢)، لئلّا يلزم التَّناقض؛ فهو تصريحٌ ينفي التَّشبيه؛ مستلزمٌ لنفي الشَّريك. ولا نُسلِّمُ ظهورَه في إثبات مثله، بل قاطعٌ في نفيه لدفع لزوم التَّناقُض -كما ذكرنا. والأشبهُ بالحقِّ من بين الثلاثِ ما قال الأستاذُ: أنَّه أشبه بالحقِّ؛ وهو أنَّه للتَّوحيد، والتَّوجيهُ التَّوجيهُ: إِذَا قَالتْ حَذَامِ (٣) فَصَدِّقُوهَا ... فَإِن القَوْلَ مَا قَالتْ حَذَامِ (٤).

стр. 669

وقد جَعَلهُما؛ أي: المجاز بالزِّيادة والمجازَ بالنُّقصان، القدماءُ مجازًا في حكمِ الكلمةِ؛ أي: إعرابها (١)؛ وهو فيما يَكْتسي الكلمة حركة لأجل حذفِ كلمةٍ لا بدَّ من معناها، أَوْ لأَجل إثباتِ كلمةٍ مُسْتغنى عنها استغناءً واضحًا، إذ الأصل جَرُّ ﴿الْقَريةَ﴾ (٢) بإضافة (الأَهل) إليها،

стр. 670

والنَّصبُ مجازٌ، وإذ الأصل نصبُ (المثل) (١) بحذف (الكاف)، والجرُّ مجازٌ. وقد جعلَ السَّكاكيُّ هذا النَّوعَ من المُلحق بالمجازِ، لِمَا بَيْنَهما من المُشَابهة، وهو اشتراكها في التَّعدِّي عن الأَصْل إلى غيرِ أَصل، فكما (٢) أن الأصلَ في الأسد الحيوانُ المفترس، وقد عُدِّي به عنه إلى غيره، وهو [الشّجاعُ؛ كذلك الأصلُ في ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ وقد عُدِّي به عنه إلى غيره، وهو] (٣) النّصب. لا منه، أي: من [الملحق بالمجاز] (٤) لا من المجاز (٥). وأنتَ تعلمُ (٦) الحال إذا قُلْتَ: (عليك بسؤالِ القَريةِ) فإِنَّه لا يُعتبرُ التَّعدِّي في حكمِ الكَلمةِ وإِعرابها، إذ القريةُ على تقدير ذكرِ الأهل على هذا الوجه -أيضًا- مجرورٌ. أَوْ إذا قلتَ (٧): (ما من شيء كمثله)، على أن تكون (كمثله) صفةً لشيءٍ، وخبرُ (ما) محذوفًا (٨)، أي:

стр. 671

موجودًا (١)، فإنَّه لا يُعتبر التَّعدّي في إعراب مثله على تقديري (٢) وجودِ الكافِ وعدمِه. ثم النقلُ فِيهما بِيِّنٌ ظاهرٌ، من سؤالِ القَرية إلى سُؤال أَهْلها، فإنَّه أطلق اللَّفظَ الدَّالَّ على سؤالِ القريةِ وأرادَ سؤال أهلِها. ومن نَفْي مِثْل المِثْل إلى نفي المِثْل؛ فَهُما مجازان؛ ولا فرْق بينهما وبين ما غَيَّر الإعرابُ فيهما في المعنى، وأنَّهما من نوع واحدٍ بحسب التَّصرّفِ، فكيف يكون (٣) أحدُهما مجازًا في الإعراب، أَوْ مُلْحقًا به دون الآخر؟!. وهذا ردٌّ أورده المصنِّفُ عليهم (٤) وتحكمهم (٥) إلزامًا لهم. الثّالثُ من وجوهِ التَّصرُّفِ، وهو: ما يسمِّيه السَّكاكي بـ: "المجاز (٦) اللّغويِّ الرَّاجع إلى المعنى، المفيدِ الخالي عن المبالغةِ فِي التَّشبيه": التَّصرّفُ بالنَّقل لمفردٍ (٧)، وهو: إطلاقُ لفظِ الشّيءِ لمتعلّقه، أي: لما يتعلّقُ بذلك الشّيء بوجهٍ من الوجوه.

стр. 672

كاليد، وهي موضوعةٌ للجارحة المخصوصة، تطلقُ: للقدرةِ أَوْ النِّعمةِ، لأنها -أي: اليد- مَظْهَرَهُما (١) -أي: القدرة، والنِّعمة-؛ فإن القُدْرة أكثرُ ما يَظْهرُ سلطانُها في اليدِ، وبها يكونُ (٢) البطْش، والضَّرب، والوضع، والرَّفع، وأنَّ النِّعمة (٣) تصدر عن اليدِ، ومن اليد تصلُ إلى المُنْعَمِ عليه. والراوية، وهي: اسمٌ للبعير الذي (٤) يحملُ المزادة، أي: الطرف الذي يُجْعَل فيه الزّادُ (٥)، للمزادة، لأنها، أي: الرَّاوية، حاملها؛ أي: المزادة، وهو التَّعلُّق الحاصلُ بَيْنهما (٦).

стр. 673

والحَفض -بالحاء المهملة وتحريكِ الفاء-: متاعُ البيتِ إذا هُيِّءَ ليُحمل [يطلَق] (١) للبعير لمثله؛ أي: لمِثل المذكورِ، وهو أنها (٢) حاملُها (٣)؛ فالعلاقَةُ في الصُورتين الحَمْل؛ لكن هذا في الإطلاق بعكس ذلك، لأنَّه إطلاقٌ لاسم المحمولِ على الحاملِ (٤). وليْت شعري كيفَ جعله السَّكاكيُّ من المجازِ؛ والحفضُ جاء -أيضًا- حقيقةً للبعير الحاملِ للمتاع (٥)؟!، قال [في] الصِّحاح (٦): "الحفضُ -بالتَّحريكِ-: البعيرُ الذي يحمل خُرْثِيَّ (٧) البيتِ". والعين للرَّبِيئةِ؛ أي: الطَّلِيعة، وهي الذي يَرْبَأ القومَ؛ أي: يَرْقُبُهم. لأَنَّها؛ أي: العين المقصودُ منه؛ من الرَّبيئة؛ فصارت كأنَّها الشَّخص كُلّه (٨).

стр. 674

ورَعَينا غَيثًا؛ أي: نبْتًا، لأَنَّه؛ أي: النَّبت مُسَبِّبه؛ أي: الغَيث (١). وأَصابتنا السَّماءُ، أي: الغيث؛ لكونِه؛ أي: الغيث من جِهَتِها؛ أي: السَّمَاء (٢). وأَمْطرت السَّماءُ نباتًا؛ أي: غيثًا، لأنَّه؛ الغيثَ سَببُه، أي: النَّبات؛ إِطْلاقًا لاسم المُسبَّبِ للسَّبب (٣)؛ عَكْس الأولى (٤). ومنه؛ أي: من إطلاق المُسبَّب للسَّبب؛ لكن بمرتبتين؛ قولهم (٥): أَسنِمةُ -جمعُ: السَّنام- الآبالِ (٦) في سَحَابةٌ. لأن السَّنام مُسبَّبُ النَّباتِ (٧)، والنَّبات مُسبَّبُ الغيث (٨).

стр. 675

وأوله: أقبلَ في المسْتَنِّ (١) من رَبَابِه (٢). وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ (٣)؛ أي: يملأونها (٤)؛ يقالُ: أَكل في بطنه؛ إِذا ملأَه نارًا؛ لأنَّ أكلَ أموالِ اليتامى سببٌ للنَّار. وقوله -تعالى-: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ (٥)؛ أي: أردت قراءة القرآن لكون القراءةِ مُسبّبةً عن إرداتها. وحُمِل على المجازِ؛ لأن الفاءَ تدلّ على تعقُّب الاستعاذة عنها؛ لكنّها مُتقدِّمةٌ عليها؛ كما عليه العملُ والسُّنَّةُ المستفيضةُ، وإذا حُمل على الإرادة فتعقّب الاستعاذةِ عنها ظاهرٌ. وقوله (٦): ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَال رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ (٧)؛ أي

стр. 676

: أرادَ نداء ربِّه بقرينة: ﴿فَقَال﴾، فإن قوله: ﴿رَبِّ﴾ هو النِّداءُ؛ فلو لَمْ يُحمل على (أراد) لزِم تأخُّرُ الشَّيءِ عن نفسه. وقوله: ﴿وَكَم مِّن قَريةٍ أَهْلَكْنَاها فَجَآَءها بَأْسُنَا﴾ (١)؛ أي: الإهلاك؛ أي: أردنا إهلاكها؛ وإلَّا يلزمُ تأخيرُ الإهلاك (٢) عن الإِهْلاك (٣). وقوله -تعالى-: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ (٤)؛ أي: ما دعاك إلى أن لا تسجُد؛ لأَن الصَّارفَ عن الشَّيءِ داعٍ إلى تَركهِ، فمشتركان في كونهما من أسبابِ عدمِ الفعل، فتكون (لا) على هذا الوجه غيرَ زائدةٍ؛ كما قال في الكَشَّاف: إِنَّها زائدةٌ (٥). وقال الأُسْتاذُ: الحملُ على أن التَّقديرَ: ما منعك في أن لا تسجد؛

стр. 677

مع إبقاءِ المنع على أَصلِه وعدم زيادتها أَوْلَى؛ لأَن حذفَ حرفِ الجرّ مع (أن) كثيرٌ مستمرٌّ كثرة لا يصلُ المجازُ والزِّيادةُ (١) درجتَها (٢). والقرآنُ مملوء منه؛ من المجاز؛ كما تشهد بذلك (٣) الآياتُ المذكورة؛ فلا تَلْتَفت إلى قول من يَنْفيه؛ أي: المجاز، فيه؛ في القرآن؛ وهم الظاهريَّة، كان مَبْنى وهمه، أي: وهمِ النّافي: إمَّا عدمُ جوازِ إطلاقِ اسمِ المتجوِّز على الله -تعالى-. ولكن (٤) ذلك، أي: عدم الإطلاق لِوَجْهين: لعدم التوقف، فإنّ أسماءَ الله -تعالى-[الحسنى] (٥) توقيفيّة. أَوْ لإيهامه، أَيْ: إطلاق التَّجوّز عليه -تعالى- التَّوسُّعَ فيما لا ينبغي، يقالُ: فلانٌ متجوِّز، أي: متوسِّع فيما لا ينبغي. وإمّا؛ قسيمٌ لقوله: (إِمَّا عدم)، كونه -المجاز- يوجبُ الإلباسَ؛ إذ لا يُعلمُ المرادُ عنه بالوضع وبذاتِه؛ ولكن (٦) لا التباسَ (٧) مع القرينةِ

стр. 678

الدَّالّةِ على المرادِ. وهذا من المزيداتِ على الأصلِ (١). ومنه؛ من المجازِ بالنَّقل لمفردٍ: قولك للحَفَّارِ: (ضيِّق فمَ الركِيَّة)؛ وهي البئرُ، أي: توسعته (٢)، المُتَوهم لك (٣)؛ لأَنَّه إِنَّما يُقال ذلك للحفارِ ولَم يَشْرع بَعدُ في الحَفْر؛ فكان مُجرَّد مجوّز إرادة الحفّارِ التَّوسعةَ يُنَزله (٤) منْزلةَ الواقع؛ فيأمره بتغْييره إلى الضّيق. وإنّما فُصل عمَّا سبقه بلفظ (منه) لأنّه نوعٌ آخر منه. وعشرةٌ إلّا ثلاثة؛ فإنها تُطلق للباقي من العشرةِ بعدَ الثلاثة، أي: للسَّبعة. قال السَّكاكيُّ في [باب] (٥) الاستدلالِ (٦): "ولْنتكلم في فصلٍ كنّا أَخَّرناه لهذا الموضع، وهو بيان [حال] (٧) المستثى منه؛ في كونه حقيقةً أَوْ مجازًا، فنقول: إِن أصحابنا في علم النَّحو حيث يصلّون الاستثناءَ بأنه: إخراجُ الشَّيءِ عن حُكْم دخل فيه غيرُه، ويعنون أنّ ذلك الإخراجَ يكونُ

стр. 679

بكلماتٍ مخصوصة يُعَيِّنونها، وأنك لتَعلم (١) أَن إخراج ما ليس بداخلٍ غيرُ صحيح؛ فيظهر لك من هذا (٢) أنّ حقَّ المستثنى عندهم كونه داخلًا في حكم المستثنى منه، وأن قولهم: (لفلانٍ عليَّ عشرة دراهم إلّا واحدًا) يستدعي دخولَ الواحدِ في حكمِ العشرة قبل (إلّا)؛ لكن دخُول الواحدِ في حكم العشرة متى قُدِّر من قبَل المتكَلِّم ناقضَ آخرُ الكلامِ أوّله؛ كما يشهد له (٣) الحالُ، وقد سبق الكلامُ في التَّناقض؛ فيلزمُ تقدرُه من قبل السّامِع، وأَنْ يكونَ استعمالُ المُتكلم للعشرةِ مجازًا في التِّسْعةِ، وأن يكونَ قوله: (إلا واحدًا) قرينة المجازِ". وفي هذه المسألةِ مذاهبُ، ولها حُجَجٌ ومعارضاتٌ، نقَّحَها الأستاذُ في شرح مختصر المنتهى (٤). الرّابع (٥): بالنَّقل؛ أي: التَّصرّف بالنّقل لتركيبٍ نحو: (أنبتَ الرّبيعُ البقلَ)؛ أي: أنبت الله البقلَ في الرَّبيع، و (ليصنَع الدهرُ بي ما شاء مُجْتهدًا)؛ أي: ليصنَع الله بي (٦) في الدَّهْر؛ إذا صدَر الكلامُ ممن لا

стр. 680

يعتقده (١)؛ أي: ذلك القول كما قال؛ أي: حقيقةً واقعًا في نفس الأمر؛ حسبما أسند إلى ما أسند؛ أي: لا يعتقد أنَّ المنبتَ هو الرَّبيعُ، والصَّانع هو الدَّهرُ، وإِلَّا كان حقيقةً لا مَجَازًا. ولا يَدَّعِيه مبالغةً في التَّشبيه (٢)، وإلّا صارَ حينئذٍ من الاستعارة بالكناية. وهذا يُسَمّى: مجازًا في التَّركيب لأن مُفْرداتِه (٣)؛ كلها مُبْقَاةٌ على حقيقتها، ومجازًا حُكميًّا؛ لتَعَلّقه بالحكمِ والإسنادِ. وتَحقيقُه: إِن دلالةَ هيْئةِ التَّركيباتِ بالوضعِ؛ لا بالعقلِ؛ لاختلافها باللُّغاتِ؛ أي: بحسبِ اختلافِ اللُّغاتِ في تقدُّمِ الفاعل في بعض دون بعضٍ؛ كرامي الحجارة (وسنك اذراز) (٤). وهذه الهيئة (٥) وضعت لملابسةِ الفاعلِ؛ وإذا أُفيدَ بها ملابسةً غيرها (٦)؛ أي: غير مُلابسةِ الفاعل كان مَجَازًا لُغَة؛ كما قاله الإمامُ عبد القاهرِ (٧)؛ وأنه قال

стр. 681

في موضع من دلائل الإعجازِ بكونه عقليًّا (١). وملابسةُ غير الفاعلِ في الفعول؛ كقولهم: عيشةٌ راضيةٌ (٢)؛ لأنها مرضيّة، وفي المصدر؛ نحو: (شِعرٌ شَاعرٍ)، وفي الزّمان، نحو: (نهارُهُ صائمٌ)، وفي المكان؛ نحو: (نهر جارٍ)، وفي السَّبب؛ نحو: (بن الأميرُ المدينة). ومَن ظنَّ أن مثل: أنبتَ، وخَلَقَ، وأَحيَا، وأشاب، موضوعٌ للصُّدور عن القادر، واستعماله فيما له اختيارٌ وقدرةٌ؛ حتَّى إذا استعمل في غير القادرِ؛ هو: (أنبتَ الرَّبيعُ) يكون مجازًا- كذبة غيرُ وجه واحد؛ بل وجوهٌ كثيرةٌ (٣)؛ كلزومِ النَّقلِ عن أحدٍ من رُواة اللّغة تقييده بأن وضعه لاستعماله في القادر له؛ لكن اللّازمَ مُنْتفٍ؛ وذلك دليلٌ في العُرفِ على الإطلاق. ولُزومِ كون المصادر- كقولنا: (فعلُ النَّارِ في كذا وكذا) - مجازًا؛ لأن التَّفاوُت بين الفعلِ والمصدَرِ ليس إلا بمجرّدِ الاقتران بالزَّمان (٤). ولُزُوم كونِ (شغل الحيّز)؛ و (قبل العرض) موضوعًا

стр. 682

لاستعماله في غير القادر، لأنَّه ليس بالاختيار؛ كما أن نحو: (أنبت) ليس إلَّا بالاختيار، لكن ادِّعاء وجودِ اللازمين بمعزلٍ عن الإنصافِ. وقيل (١)، والقائلُ الإمام الرّازيُّ (٢): إنَّه (٣) مجازٌ عَقْليٌّ لا لغويٌّ، إذْ أَثْبَتَ المتكلِّمُ حُكْمًا غير ما عنده، ليتصوّرَ فيُفهم عنه، عن غير ما عنده. ما عنده، أي: ينتقل الذِّهنُ من غير ما عنده (٤) -أي: المجاز- إلى ما

стр. 683

عنده -أي: الحقيقة-. ويتميّزُ هذا المجازُ عن الكذبِ بالقرينةِ؛ إذ الكاذبُ لا ينصبُ قرينةً على أنه ليس كذلك عنده. [و] (١) قال، أي: السَّكاكيُّ، إنه استعارة بالكناية؛ كأنَّه، أي؛ المُتكلم، ادَّعى الرَّبيعَ فاعلًا حقيقيًّا، وتصوَّره بصورته، والقرينةُ إسنادُ ما هو من لوازم الفاعل الحقيقيِّ؛ أي: الإِنْبات إليه؛ وذلك للمبالغةِ في التَّشبيه (٢).

стр. 684

وابنُ الحاجبِ جعلَ المجازَ في (أَنْبت)، وقال: معناه: تَسبّب الرَّبيع عادة لإنبات البَقْل. والمصنِّفُ ضَبَطَ المذاهبَ في شرح المختصر بقوله (١): "واعلم (٢): أنَّهم قد اختلفوا في نحو: (أنبتَ الرَّبيعُ البقلَ)؛ لعدمِ كونِ الرَّبيع هُو الفاعلُ حقيقةً، فلا بُدَّ (٣) من تأويلٍ في اللَّفظِ، أَوْ في المعنى؛ وإِلَّا لكانَ كذبًا. والتَّأويلُ في اللفظ إِمَّا في الإنباتِ، أَوْ في الرّبيع، أَوْ فِي التَّركيبِ؛ فهذه احتمالات أَرْبعة: الأَوَّل: التَّأَويلُ في المعنى؛ وهو أنَّه أورده ليتصوّرَ فينتقل الذِّهنُ منه إلى إنبات الله -تعالى- فيه؛ فيصدق به، وهو قولُ الإمام الرَّازيِّ: إِن

стр. 685

المجازَ عقليٌّ لا لغويّ. الثاني: أن التَّأويلَ في (أَنْبت)، وهو للتسبّب (١) العادي؛ وإنْ كان وضعه للتَّسبّب (٤) الحقيقي، وهو قول ابنُ الحاجب؛ صرَّح به في المنتهى. الثّالثُ: أن التَّأويل في (الرَّبيع)، فإنَّه تُصُوِّر بصورة فاعل حقيقي؛ فأسند إليه ما يُسند إلى الفاعل الحقيقيّ، مثل فِعْلهم في قوله (٢): صبحنا الخَزْرَجيَّة مُرهفَاتٍ ... أَباد ذَوي أَرُومَتِها ذَوُوها. حيثُ جعلوا (٣) (المُرْهَفَات) شَرَابًا، وهو قولُ السَّكاكيِّ: إِنَّه من الاستعارة بالكنايةِ (٤). الرّابعُ: أن التأويلَ في التَّركيب، وهو أنَّ (٥) كل هيئة تركيبيّةٍ وُضِعت بإزاءِ تأليفٍ معنويٍّ؛ وهذه وُضعت لملابسة (٦) الفاعليّة، فإذا

стр. 686

استُعملت لملابسةِ (١) الظَّرفيَّة أَوْ نحوها كان مجازًا؛ وذلك نحو: (صامَ نهارُه) (٢) و (قامَ ليلُه)؛ وهذا مختارُ عبد القاهر". وتوهّمَ صاحب الإيضاح ذهابَ السَّكاكيِّ إلى أنّ المراد بـ (الرّبيع) الفاعلُ الحقيقيُّ حقيقةً؛ لا أنه متصوّرٌ بصورة فاعل حقيقيّ؛ فأوردَ عليه اعتراضات؛ حاصلُها: أنَّه يَسْتلزم أن يكونَ المرادُ (بعيشةٍ) في قوله: ﴿فَهُو فِي عِيشَةٍ رَّاضيَة﴾ (٣): صاحبَها -كما سيأتي- (٤). وأن لا تصحّ الإضافةُ في نحو: (نهارُه صائمٌ)؛ لبُطلانِ إضافةِ الشيءِ إلى نفسه (٥). وأن لا يكونَ الأمرُ بالبناءِ لهامان (٦).

стр. 687

وأن يتوقّفَ؛ نحو: (أنبتَ الرّبيعُ البقل) على السَّمع (١). واللّوازمُ كلّها مُنْتَفية. ولأنَّه يَنْتَقِضُ بنحو: (نهارُه صائم)، لاشتماله على ذكر طرفيَ التَّشبيه (٢). لكن لا ترِد (٣) بعد تصوُّر كلامه (٤): أنّ المراد بالرَّبيع: المُتَخيَّلُ بصورةِ فاعلٍ حقيقي حتَّى كأَنه فرد من جنس الفاعلين؛ لا أنه هو الفاعلُ

стр. 688

الحقيقيُّ بعينه؛ أي: الله -تعالى-. ولفظه -حيثُ قال (١): "المنيَّة تدخل في جنس السِّباع لأجل المبالغة في التَّشبيه"- صريحٌ به. والحاصلُ منه: الفرقُ بين المفهومِ وما صدقَ عليه؛ فتقول: المرادُ (بعيشة): أمر متخيّل (٢) بصورة من يصحّ له الرِّضا وعدمه؛ لا صاحبها؛ حتَّى لا يصحّ. و (النَّهار) مُتخيّل بصورة صوّامٍ، مبالغةً في التَّشبيه، وهو المراد منه، لا زيدٌ بعينه، حتَّى يكون إضافة الشَّيءِ إلى نفسه. و (هامان) متصوّرٌ بصورة فردٍ من جنس البُناةِ، فيكون الأمرُ له لا لغيره. والمراد بـ (الرّبيع) مُتصوّر (٣) بفاعل حقيقيّ لا الفاعلِ الحقيقيّ الذي هو الله- تعالى، وإن لم يكن في الواقع إلّا هو، حتَّى يُتوقّف على السّمع. والمرادُ بـ (النّهار) إذا كان أمرًا يُتخيّل بصورة صَوَّام؛ فلا يكونُ المشبَّه مذكورًا [و] (٤) لا ينتقض به.

стр. 689

وقلت (١): لها أجوبة أُخرى؛ لكن في كل منها حزازةٌ. وأمّا وجوهُ التَّصرّفِ في المعنى فأربعةٌ -أيضًا-: الأَول: بالنُّقصان؛ أي: التَّصرُّف بالنُّقصان، وهو: أن تكونَ الكلمةُ موضوعةً لحقيقةٍ مع قيدٍ؛ فتستعملها لتلك الحقيقةِ لا مع ذلكَ القيْد بمعونة القرينة (٢)؛ كالمسفر؛ أي: كاستعمال المشفر -وهو موضوعٌ للشَّفةِ مع قيْد أن يكون شفةَ بعيرٍ-: للشّفةِ مُطلَقًا؛ أي: بلا قيْدِ كونها للبعيرِ (٣). والمرسِنُ -وهو موضوعٌ للأنف مع قيد أن يكون أنفَ مرسون-: للأنف بلا قيد كونه للمَرسُون (٤). المرسِنُ مكانُ الرَّسنِ من أنف البعيرِ. وهو (٥) من باب إطلاق اسم العام للعامِّ. وسَمَّوه [أي] (٦) الأصحابُ (٧) مجازًا لغويًّا؛ فإنّه هُجِر فيه وضعُ اللّغة؛ لا حكمُ العقل.

стр. 690

غير مفيدٍ؛ لقيامِه مبهام أحدِ المترادفين؛ نحو: (ليثٌ وأسدٌ) عند المصير إلى المراد منه (١). الثاني: التَّصرُّف بالزِّيادة؛ نحو: ﴿وَأُوتِيَتْ مِن كُل شَىْءٍ﴾ (٢)؛ أي: مما يُؤتى مثلها؛ لأنه عُلِم بالضَّرُورة أنها لم تؤت كُلّ ما يَصدُق عليه اسم الشَّيء، فأطلق الكُل وأراد البعض. وهو؛ أي: هذا النّوعُ من المجاز عكسُ ما قبله؛ لأنّه إطلاقُ اسم العامّ للخاصِّ، وما قبله إطلاقُ اسم الخاصِّ للعامِّ. ومنه (٣) بابُ التَّخصيص بأسره؛ لأَنَّه كلّه (٤) كما عُرف في علمِ الأصول من إطلاقِ العامِّ وإرادة الخاصِّ. وفي كون التَّصرُّفِ فيهما بحسب المعنى لا مساس للبيان حاجة إليه. الثّالثُ: التَّصرُّفُ بالنّقل لمفرد؛ نحو (٥): (في الحمَّام أسدٌ)؛ فإِنَّه

стр. 691

نقل معنى الأَسدِ إلى الشُّجاع، لا أنَّه تصرّفَ في اللفظ؛ بأن أَطْلق لفظة. (الأسد) وأراد: (الرَّجل الشُّجاع)؛ كان احتمل ذلك التصرّف -أيضًا- كما مرَّ (١). وقوله في: (الحمَّام) قرينةٌ للنّقل (٢). الرّابعُ: التصرُّفُ بالنقل لتركيبٍ؛ نحو: (أنبت الربيعُ البقلَ) (٣) مِمّن يدّعيه مبالغةً في التَّشبيه، وإلّا كان (٤) من المجازِ الحُكميّ؛ إذ (٥) كان حينئذٍ التَّصرُّف في اللّفظ (٦). واعلم: أن في جميع الاستعارات يأتي هذان الاحتمالان: أن يكونَ النَّقلُ في المعنى؛ كأَن يتصرّفَ في معنى الأسد؛ بأن يقول: إن له صورتين: مُتعارفةً؛ كالحيوانِ المفترسِ، وغيرَ متعارفةٍ؛ كالرّجلِ الشُّجاع؛

стр. 692

فكأنه (١) يَدَّعى أن الرّجلَ الشُّجَاعَ أَسدٌ - أيضًا؛ وعلى هذا فلفظُ الأسدِ فيه حقيقةٌ. وأن يكونَ النَّقلُ في اللّفظ، كأَن يتصرّف في لفظ الأسد، بأَن ينتقلَ من معناه إلى الرّجلِ الشُّجاع، وعلى هذا فلفظُ الأسدِ فيه (٢) مجازٌ. وهكذا في (أنبت الرّبيعُ)، بأن يُقال: إِمَّا أن يدَّعي أنَّه من جِنْسِ الفاعلين بالحقيقة (٣)، أَوْ يُنْتقل منه إلى الفاعلِ الحقيقيِّ. وكذا في (فارَ القِدرُ)، فإِنَّه إِمَّا أن يدَّعِي أنَّه الفائرُ؛ من جِنْس الفورةِ، أَوْ ينتقل منه إلى ما في القدر (٤). وهذا؛ أي: النَّقلُ للتَّركيبِ بحسبِ المعنى؛ أي: الاستعارة في التّركيب، لم يُذكر في كتب القوم، نعم ذُكرَ المجازُ في التَّركيب، كما مرَّ، وهو بصدد الحلافِ المتقدِّم في النَّقل التَّركيبيِّ اللفظيّ، أمجازٌ (٥) لُغويٌّ؛ كما نقل (٦) عن الشَّيخ عبدِ القاهر، أَوْ مجازٌ عقليٌّ، كما عن الإمامِ الرّازيّ، أَوْ استعارة بالكناية؛ كما هو مذهبُ السَّكاكيِّ؟ هذا مضى.

стр. 693

وقال الأستاذُ: الأَوجهُ (١) في تَوْجيه تسمية (٢) الاستعارةِ بالكنايةِ ما قال (٣) البحرانيُّ (٤) في رسالته في هذا الفنِّ، المُسمَّاة: بـ "التَّجريد" (٥)؛ وهو أن يقال: إذا أراد المتكَلِّمُ أن يستعير الفاعلَ الحقيقيَّ للرّبيع؛ فلو أطلق الفاعلَ وأراد به الرَّبيعَ لكان استعارةً مُصرّحة؛ فلمّا لم يتلفّظ به، بل كنَّى عنه بأن أطلق لازمًا من لوازمه الذي هو الإنباتُ؛ لينتقلَ الذِّهنُ منه إلى ملزومه الذي هو الفاعلُ الحقيقي، المرادُ به الرَّبيعُ [المشبّهُ] (٦) كانت بالكناية، فهي -بالحقيقة- كنايةٌ صريحةٌ عن استعارةٍ مُقدَّرةٍ غير مذكورةٍ لا ما ذكره السَّكاكيُّ، وهو أنَّه لَمَّا كان

стр. 694

المنيةُ بحسب الادِّعاءِ من جنس السِّباع كان استعارةً، ولَمَّا لم يُطْلق عليه لفظ السَّبع صريحًا؛ بل اسم المنيّة التي هي مُرادفة للسَّبع بحسب دعواه [تكون] (١) بالكناية، وكذا في الرَّبيع والفاعلِ الحقيقيِّ؛ لعدم كنايةٍ فيه، ووجودِ تكلُّفاتٍ -كما ترى-. وأَمَّا من يعتقده؛ أي: نحو (الرَّبيعُ) فاعل حقيقةً؛ فهو منه حقيقةٌ كاذبةٌ؛ لعدم مُطَابَقته للواقع (٢). ولذلك لَا يُحكمُ فيه؛ في نحو (٣): (أنبت الرَّبيعُ البقلَ)، بحكمٍ؛ من نحو: كونه مجازًا، أَوْ حقيقةً إلا بثبتٍ؛ أي: بِحُجَّةٍ يُعلم منها اعتقادُ المُتكلِّم؛ حتَّى إنْ كان ما أَدَّاه في الظّاهر معتقدًا له كان حقيقةً كاذبةً، وإِلَّا كان مجازًا؛ فلم (٤) يُحمل على المجازِ قولُ أبي النّجم (٥):

стр. 695

قَدْ أصبَحَتْ أُمُّ الخِيَارِ تَدَّعِي عَلَيَّ ذَنْبًا كُلّهُ لَمْ أصنَع مِنْ أَنْ رَأَتْ رَأسِي كَرَأسِ الأَصلَع مَيَّزَ عَنْهُ قُنْزُعًا عَنْ قُنْزُعِ جَذْبُ الليالِي أَبْطِئِي أَوْ أَسْرِعِي حينَ أسندَ تَمييز القنازع إلى الجذْب -أي: انحسار الشَّعر عن الرأس- إلى الزمان؛ حتَّى قال: أَفْنَاهُ قِيلُ اللهِ للشَّمسِ: اطْلُعِي. فإنّه الشَّاهدُ؛ لنَزاهته أَنْ يعتقد: أن الذي مَيَّز هو جذْبُ اللّيالي؛ بل الإسناد إليه على (١) خلافِ مُعتقده: حتَّى إذا واراكِ أُفقٌ فارجعي. و (كلُّه) مرفوعٌ بالابتداءِ. و (لَمْ أصنع) خبرُه؛ حتَّى كانَ النَّفي عامًّا، واستقام غرضُ الشَّاعرِ في تَنْزيه نَفْسه عن (٢) جُملة الذّنوبِ.

стр. 696

و (القُنْزعةُ): شعرٌ حوالي الرَّأسِ. و (أَبْطئي): صفةُ الليالي، أي: المَقُول لها: أَبطئِي؛ أَوْ حال عنها، أي: اللَّيالي مقولًا في حقِّها: أبطئي. (قيل الله)، أي: حُكْمُه.

стр. 697

الأصلُ الثالثُ: في الاستعارة إِنَّما عَنْوَنَ باب الاستعارةِ بـ (الأَصل) لا بـ الفَصْل) -كما في المفتاح- (١) بناءً على ما عنده من كونها أصلًا مُستقلا من الأصولِ، وركنًا مُعتبرًا من الأَركان البَيانِيَّة -كما عُلِم منَ التَّقْسيم (٢) صدر الفصل البيانيِّ- (٣). وفيه مقدِّمة، وتقسيماتٌ، وخاتمةٌ؛ أي: هذا الأصلُ مُنكسرٌ عَلَى هذه. المُقدِّمة: وإنّما جعل لهذه المباحا مقدِّمةً؛ لتوقّفِ الأبحاثِ الآتيةِ عليها. قيل والمرادُ به: قول السَّلفِ؛ لأَنّها عند السَّكاكيِّ: عبارةٌ عن (٤) "أن تذكر أحدَ طرفي التَّشبيه وتُريد به الطرف الآَخر؛ مُدَّعيًا دخولَ المُشبَّه في جنسِ المشبَّهِ به؛ دالًّا على ذلك بإِثباتك للمُشَبّهِ ما يَخُصُّ المشبّه به"-: الاستعارةُ: جعلُ (٥) الشَّيءِ الشيءَ، أَوْ للشيء؛ مبالغةً

стр. 698

في التشبيه؛ كأنه من ذلك الجنسِ. وقوله: (مبالغةً) يتعلقُ بالقسمين؛ نحو: (في الحمام أسدٌ)؛ مثالٌ للأوّلِ (١)؛ فإنّه جعل الشُّجاعَ نفسَ الأسد. و (إِذَا المنيّةُ أنشَبَتْ أَظْفارَها) ... أَلْفَيْتَ كُل تَمِيمة لَا تَنْفَعُ (٢). مثالٌ للثاني (٣)؛ فإنَّه جعلَ الأَظفارَ والأَنْشابَ للمنيَّة. يقالُ: قرأَ الحسن (٤) بن علي ﵄ البيتَ حين عادَ معاوية (٥)؛

стр. 699

فتجلَّدَ، وقرأ (١): (٢) وَتَجَلُّدِي للشَّامِتِينَ أُرِيهِمُ ... أنِّي لِرَيْبِ الدَّهْر لا أَتَضَعْضَعُ. وظاهرُ اللَّفظِ أن المرادَ بالأَوَّل: الاستعارةُ المُصرّحةُ، وبالثاني: الاستعارةُ بالكنايةِ؛ لكنَّ شارحَ المفتاح عَكَسَ القضيَّة (٣).

стр. 700

ويُسَمّى هذا الجَعل (١): استعارةً؛ لمكان المُناسبة؛ أي: لوجودها وثُبُوتها بينها وبَيْن معنى الاستعارةِ اللغويَّة، إذْ (٢) كان المشبِّهُ استعارَ حقيقةَ المشبَّه به للمشبَّه؛ حيثُ أدخلَ المشبِّهُ المشبَّه فيه، في جنسِ المشبَّهِ به وحقيقته، ادِّعاءً بأنَّه فردٌ من أَفْراده؛ كما يُستعارُ الثوبُ فإن المستعيرَ يُدخِل نَفْسَه في زِيِّ المستعار منه، لا يتفاوتان إلا في أن أحدهما -إذا فُتّش عنه- (٣) مالكٌ، والآخر ليس كذلك. ولذلك؛ أي: ولما (٤) أنَّ الاستعارةَ إدخالٌ للمُشبَّه في جنس المُشَبَّه به وحقيقتِه وجعله فردًا من أفراده لا يَتَأتَّى؛ لا يصحُّ فِي العلمِ؛ لأنَّه لَمْ يوضع لمعنًى جنْسيّ، إلا بتضْمِين لفْظِ العَلَم وصفيّة؛ حتَّى يُتصوّرَ الإدخال والجعل؛ كـ (حاتِم) (٥)، لتضمين لفظ حاتم معنى الجُودِ، ولَفْظ (مَادِر) (٦)

стр. 701

معنى: البخلِ. ثُمَّ قيلَ (١): هذا مجازٌ لُغويٌّ، لأن الأسدَ موضوعٌ للحيوانِ المُفْترسِ دُونَ الشجاع، وإلَّا؛ أَيْ: وإن لم يكن هذا؛ أي لفظ الأَسدِ المستعملِ في الشُّجاع مجازًا لُغويًّا كان صفةً لا اسمًا. وكان حقيقةً لا مجازًا، كاستعمالِ الألفاظِ المُتواطئةِ في الأَفراد. ولم يُفِد (٢) تشبيهًا، لأَن استعماله فيه حينئذٍ من جهة التّحقيق، فَلَم يكن استعارة لابتنائِها على التَّشْبِيه. ولا احتاج إلى قرينةٍ، لعدمِ احتياج الحقيقةِ إليها. والتَّالِيانِ الثاني (٣) والرَّابع (٤)، لم يُذْكرا في المفتاح (٥). وقيلَ: لا، أي: ليس مَجَازًا لُغَويًّا، بل هو مجازٌ عَقليٌّ وإِلَّا، أي: لو كان مجازًا لغويًّا، لم يكن ذلك -ادّعاءَ الأَسديّة- له (٦) للمُشَبَّه؛ إذ مع ادّعاء الأَسديّة، ودُخُوله في جِنْس الأسود يَمتَنع إطلاق اسم الأَسدِ مع

стр. 702

الاعترافِ بأنَّه رَجُلٌ. ولم يكن ذلكَ في قوَّة قولنا: إِنَّه ليس بآدميّ، إِنَّما هو أسدٌ، لكنَّه في قوَّته بالاتِّفاقِ. ولم يكن (١) للتَّعجُّب في قوله (٢): قَامَتْ تُظَلِّلُنِي مِنَ الشَّمس ... نَفْسٌ أَعَزُّ عَليَّ مِنْ نَفْسي! قَامَتْ تُظَلِّلُنِي، وَمِنْ عَجَبٍ ... شَمسٌ تُظَلِّلُنِي مِنَ الشَّمسِ! ولا لإِنكاره، ولم يكن لإنكارِ التَّعجّب (٣)، أَوْ إِنكارِ الشَّاعر في قوله: (فكيف) (٤)؛ في قوله (٥):

стр. 703

تَرَى الثيابَ مِنَ الكتّان يَلْمَحُها ... نُورٌ مِنَ البدرِ أَحيانًا فيُبْلِيها فَكَيفَ تَعجب أَن تَبْلَى مَعَاجِرها [وهو جمع: المعجر؛ وهي: المقنعة] (١) والْبَدرُ فِي كُلِّ وَقْتٍ طالع فِيها وَجْهٌ؛ وهو اسم لم يكن، وذلك للاعترافِ بأَنه غيرُ جِنسِ المشبَّه به خارج عنه على ذلك التَّقدير. والجوابُ عن القائلين بأنه ليس مجازًا لغويًّا: إِن الموضوعَ له، للفظِ الأسد هو الأسدُ حقيقةً، أي: الأسد الحقيقيّ، لا ادّعاء؛ وهما غيران، فلا يلزمُ من استِعماله في غير الموضوع له الحقيقيِّ اسْتعماله في غير الموضوع له الادّعائيّ. وكلُّ ما ذكرتم من التَّوالي (٢) الأربع فهو للادّعاءِ، فلا يلزم عدمُ ادِّعاء الأسديّة له؛ لأنه (أسدٌ) ادّعاءً؛ ولا عدمُ كونه في قُوَّة إِنَّه ليس بآدميّ إِنَّما هو أَسَدٌ؛ لأنَّه (أسدٌ) ادِّعاءً، و [لا] (٣) أن لا يكوَنَ للتعجُّب

стр. 704

وجهٌ؛ لأنه (شمسٌ) ادّعاءً، فيكون للتعجُّبِ وجهٌ. ولا أن لا يكون للإنكار وجه؛ لأنَّه (بدرٌ) ادّعاءً فيكون له وجهٌ. وقد تردَّد الإمامُ الباهرُ الشَّيخُ عبد القاهر فيهما في المذهبين؛ فقال: تارةً بكونه لغويًّا، وأخرى بكونه عقليًّا (١). فإن قلتَ: فكيفَ الجمعُ بين ادّعاء الأسديّة للرَّجل، وبينَ نصب القرينة على عدمِ إرادتها؛ أي: إرادة الأسديّة؛ وما هذا إلا تناقضٌ؟. قَلتُ: إنه يدّعي أن للأسد صورتين، متعارفةً، وهي التي لها جرأةُ الإقدام، ونهاية قوّةُ البَطْش مع الصُّورة المخصوصة، وغيرها؛ غير متعارفةٍ، وهي التي لها تلك الجرأة وتلك القُوَّة، ولكن (٢) لا مع تلكَ الصُّورة المَخْصُوصةِ؛ بل مع صُورة أخرى؛ كما قال المتنبِّي (٣): نحنُ قَوْمٌ ملْجِنِّ (٤)؛ أي: من الجِنّ؛ نحذفَ النُّونَ لالتقاءِ السّاكنين، في زيِّ (٥) ناسٍ ... فَوْقَ طيرٍ لها شُخُوص الجِمَالِ.

стр. 705

مُرتكبًا هذا الادّعاء؛ في عدِّ نَفْسِه وجماعتِهِ من جِنْس الجنِّ، وعدِّ جِمَاله من جنسِ الطير (١). ويُؤَيِّدُه؛ أي: المذكور من ادِّعاء: أنّ للأسدِ صورتين، المخيّلاتُ العُرفيةُ؛ أي: ما تخيّلَ في العرف بإخراج شيء من جِنْسٍ وإِدخاله في آخر؛ نحو: هذا ليس بأسدٍ؛ إنَّما هو هِرٌّ اكْتسى إهابَ أسدٍ، وهذا ليس بإنسان؛ كما هو أسد في صورة إنسانٍ. وذُكِرَت القرينةُ الدّالةُ على أن المرادَ غيرُ المتعارفِ لئلّا يُحمل على المتعارفِ السّابقِ إلى الفهمِ لولا القرينة. وعليه، أي: على جعل أفرادِ الجنس قِسْمين: متعارفًا، وغير متعارف، ورد قول الشّاعر (٢):
следующие страницы →