← Адаб

Адаб · id 17458

تحقيق الفوائد الغياثية

الكرماني، شمس الدين

Полный текст (841 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

معنى: البخلِ. ثُمَّ قيلَ (١): هذا مجازٌ لُغويٌّ، لأن الأسدَ موضوعٌ للحيوانِ المُفْترسِ دُونَ الشجاع، وإلَّا؛ أَيْ: وإن لم يكن هذا؛ أي لفظ الأَسدِ المستعملِ في الشُّجاع مجازًا لُغويًّا كان صفةً لا اسمًا. وكان حقيقةً لا مجازًا، كاستعمالِ الألفاظِ المُتواطئةِ في الأَفراد. ولم يُفِد (٢) تشبيهًا، لأَن استعماله فيه حينئذٍ من جهة التّحقيق، فَلَم يكن استعارة لابتنائِها على التَّشْبِيه. ولا احتاج إلى قرينةٍ، لعدمِ احتياج الحقيقةِ إليها. والتَّالِيانِ الثاني (٣) والرَّابع (٤)، لم يُذْكرا في المفتاح (٥). وقيلَ: لا، أي: ليس مَجَازًا لُغَويًّا، بل هو مجازٌ عَقليٌّ وإِلَّا، أي: لو كان مجازًا لغويًّا، لم يكن ذلك -ادّعاءَ الأَسديّة- له (٦) للمُشَبَّه؛ إذ مع ادّعاء الأَسديّة، ودُخُوله في جِنْس الأسود يَمتَنع إطلاق اسم الأَسدِ مع

стр. 702

الاعترافِ بأنَّه رَجُلٌ. ولم يكن ذلكَ في قوَّة قولنا: إِنَّه ليس بآدميّ، إِنَّما هو أسدٌ، لكنَّه في قوَّته بالاتِّفاقِ. ولم يكن (١) للتَّعجُّب في قوله (٢): قَامَتْ تُظَلِّلُنِي مِنَ الشَّمس ... نَفْسٌ أَعَزُّ عَليَّ مِنْ نَفْسي! قَامَتْ تُظَلِّلُنِي، وَمِنْ عَجَبٍ ... شَمسٌ تُظَلِّلُنِي مِنَ الشَّمسِ! ولا لإِنكاره، ولم يكن لإنكارِ التَّعجّب (٣)، أَوْ إِنكارِ الشَّاعر في قوله: (فكيف) (٤)؛ في قوله (٥):

стр. 703

تَرَى الثيابَ مِنَ الكتّان يَلْمَحُها ... نُورٌ مِنَ البدرِ أَحيانًا فيُبْلِيها فَكَيفَ تَعجب أَن تَبْلَى مَعَاجِرها [وهو جمع: المعجر؛ وهي: المقنعة] (١) والْبَدرُ فِي كُلِّ وَقْتٍ طالع فِيها وَجْهٌ؛ وهو اسم لم يكن، وذلك للاعترافِ بأَنه غيرُ جِنسِ المشبَّه به خارج عنه على ذلك التَّقدير. والجوابُ عن القائلين بأنه ليس مجازًا لغويًّا: إِن الموضوعَ له، للفظِ الأسد هو الأسدُ حقيقةً، أي: الأسد الحقيقيّ، لا ادّعاء؛ وهما غيران، فلا يلزمُ من استِعماله في غير الموضوع له الحقيقيِّ اسْتعماله في غير الموضوع له الادّعائيّ. وكلُّ ما ذكرتم من التَّوالي (٢) الأربع فهو للادّعاءِ، فلا يلزم عدمُ ادِّعاء الأسديّة له؛ لأنه (أسدٌ) ادّعاءً؛ ولا عدمُ كونه في قُوَّة إِنَّه ليس بآدميّ إِنَّما هو أَسَدٌ؛ لأنَّه (أسدٌ) ادِّعاءً، و [لا] (٣) أن لا يكوَنَ للتعجُّب

стр. 704

وجهٌ؛ لأنه (شمسٌ) ادّعاءً، فيكون للتعجُّبِ وجهٌ. ولا أن لا يكون للإنكار وجه؛ لأنَّه (بدرٌ) ادّعاءً فيكون له وجهٌ. وقد تردَّد الإمامُ الباهرُ الشَّيخُ عبد القاهر فيهما في المذهبين؛ فقال: تارةً بكونه لغويًّا، وأخرى بكونه عقليًّا (١). فإن قلتَ: فكيفَ الجمعُ بين ادّعاء الأسديّة للرَّجل، وبينَ نصب القرينة على عدمِ إرادتها؛ أي: إرادة الأسديّة؛ وما هذا إلا تناقضٌ؟. قَلتُ: إنه يدّعي أن للأسد صورتين، متعارفةً، وهي التي لها جرأةُ الإقدام، ونهاية قوّةُ البَطْش مع الصُّورة المخصوصة، وغيرها؛ غير متعارفةٍ، وهي التي لها تلك الجرأة وتلك القُوَّة، ولكن (٢) لا مع تلكَ الصُّورة المَخْصُوصةِ؛ بل مع صُورة أخرى؛ كما قال المتنبِّي (٣): نحنُ قَوْمٌ ملْجِنِّ (٤)؛ أي: من الجِنّ؛ نحذفَ النُّونَ لالتقاءِ السّاكنين، في زيِّ (٥) ناسٍ ... فَوْقَ طيرٍ لها شُخُوص الجِمَالِ.

стр. 705

مُرتكبًا هذا الادّعاء؛ في عدِّ نَفْسِه وجماعتِهِ من جِنْس الجنِّ، وعدِّ جِمَاله من جنسِ الطير (١). ويُؤَيِّدُه؛ أي: المذكور من ادِّعاء: أنّ للأسدِ صورتين، المخيّلاتُ العُرفيةُ؛ أي: ما تخيّلَ في العرف بإخراج شيء من جِنْسٍ وإِدخاله في آخر؛ نحو: هذا ليس بأسدٍ؛ إنَّما هو هِرٌّ اكْتسى إهابَ أسدٍ، وهذا ليس بإنسان؛ كما هو أسد في صورة إنسانٍ. وذُكِرَت القرينةُ الدّالةُ على أن المرادَ غيرُ المتعارفِ لئلّا يُحمل على المتعارفِ السّابقِ إلى الفهمِ لولا القرينة. وعليه، أي: على جعل أفرادِ الجنس قِسْمين: متعارفًا، وغير متعارف، ورد قول الشّاعر (٢):

стр. 706

........... ... تَحيَّةُ بَيْنِهم ضَربٌ وَجيعُ. كأنَّه جعل بالادّعاءِ أَفرادَ (١) جنسِ التَّحيّةِ قسمين: متعارفًا؛ وهي المشهورةُ، وغير متعارف؛ وهو الضَّرب. وأوّله: وَخيلٍ (٢) قَدْ دَلَفْتُ (٣) لَها بِخَيْلٍ. وقوله -تعالى-: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (٤)، كأنه جعل أَفراد جنسِ المال والبنينِ قسمين -على سبيل الادّعاءِ والتَّأويل-: مُتعارفًا؛ وهو المالُ والبنون المشهوران، وغير متعارفٍ؛ وهو سلامةُ القلب. ولا بُدَّ (٥) في صحّةِ الكلامِ من تقديرها: مضافًا، محذوفًا (٦)، مدلولًا عليها بالقرائن؛ أي: إلا سلامة من أتى الله بقلبٍ سليم.

стр. 707

وللآيةِ المباركةِ توجيهاتٌ أخر؛ كما ذكرها صاحب المفتاح (١) وغيرُه (٢). التَّقسيماتُ وإذْ لا بدَّ من مستعارٍ منه؛ هو المشبَّه به، ومستعارٍ له؛ هو المشبّهُ، ومستعارٍ؛ هو اللفظُ، ثم قد (٣) يتبعُه حُكْم؛ إمَّا مناسبٌ للمُشبَّه. وإِمَّا للمُشبَّه به؛ فهي أربعةُ مباحثٍ: الأوّل (٤): في المشبَّه به. حقيقةُ الاستعارة لَمَّا كانت ذكرُ أحدِ الطّرفينِ وإرادة الآخر. فالمشبَّهُ (٥) به إن ذكر فمُصرَّحٌ بها؛ نحو: تَبسَّمَ بدرٌ. وإِنْ لم

стр. 708

يُذْكر هو؛ أَيْ: المشبَّه به، بلْ حكمٌ يختص به، بالمشَّبهِ به، مع المشبّهِ فمكنيٌّ عنها، نحو: لسانُ الحالِ أفصحُ من لساني. فذُكر المشَبَّهُ وهو (الحالُ)، وذُكِرَ معه حكمٌ يختصُّ بالمشبَّه به، أي: (اللِّسان) المختصُّ بالمتكلِّم، الذي هو المشبَّه به، كما قال الشّاعرُ (١): وَلَقَدْ نَطَقْتُ بِشُكْرِ (٢) بِرِّكَ مُفْصِحًا ... وَلِسَانُ حَالِي بالشّكايةِ أَنطَقُ والاستعارةُ بالكنايةِ -في الحقيقةِ- كنايةٌ عن الاستعارة، فإِنَّك تصوَّرتَ الحال بصورة المتكلِّم، وأثبتَّ له ما هو خاصَّة له لازمة له؛ وهو اللّسان؛ فكأنَّكَ شَبَّهته بالكناية بالمتكلِّم؛ لذكر لازمِه النتقل الذِّهنُ منه إليه؛ كما مرَّ تحقيقها. الثاني (٣): في المُشبّه. والمقصودُ منه بيانُ أقسامِ المصرّحةِ بها. المشبّهُ؛ [أي المشبّه] (٤) المتروك في الاستعارة

стр. 709

المصرّحةِ (١). إمّا موجودٌ متحققٌ حِسًّا أو عقلًا، فتحقيقيّةٌ؛ أي: فالاستعارة تسمَّى تحقيقيَّة. أَوْ لا موجود، بل وَهْميٌّ مَحْض؛ لا تحقّقَ له إلّا في مُجَرَّدِ الوهم؛ فتخييليَّةٌ. هذا على ما في المفتاح (٢)؛ لكنّ لفظَ المختصرِ شاملٌ للمَتْروكِ والمَذْكورِ (٣)، ونِعما هو لو صحّ التَّقسيم (٤) في نوعَي الاستعارةِ في المصرّحةِ والمكنيّة. وفي بعضِ النُّسخ: المُشبَّه موجودٌ يُرادُ بيان حاله، فالمشبّهُ به إمّا موجودٌ، وعُرِضَت على الأستاذ فغَيَّرَها إلى ما ترى. فالتَّحقيقيَّةُ إطلاقُ اسمِ الأقوى في صفة -كالأسدِ في الشجاعة، للأضعف فيها؛ في تلكَ الصِّفة؛ بادّعاءِ أن الملْزُومَ الأضعفَ للصفة من (٥) جنسِ الملزوم الأقوى لها؛ ليدل بتساوي الملزومات؛ كالأسدِ والرّجلِ الشُّجاع -مثلًا- على تساوي اللّوازم؛ كالشَّجاعتين؛ كالأسدِ للشُّجاع. والبدر الأقوى للوجه الأضعفِ؛ في صفة الوضوح، والإشراقِ،

стр. 710

والاستدارةِ. ومِنه هذا (١) البابِ الاستعارةُ بالضِّدِّ، وهي استعارةُ اسمِ أحدِ الضِّدَّين أو النَّقيضين للآخر؛ بواسطةِ انتزاع شبه التَّضادِّ؛ أي: اتِّصافِ كُلٍّ بمُضادِّه الآخر، وإلحاقِه بشِبْه التَّناسُب تهكُّمًا، أي: استهزاءً، أو تَمليحًا -كما مرَّ، ثمّ (٢) ادِّعاء أحدهما من جنسِ الآخر، والإِفراد بالذِّكْر، نحو: ﴿فَبَشرْهُم بَعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٣) مكان أَنْذرهم؛ في الاستعارةِ التَّهكُّميَّة، ونحو: (رأيت حاتمًا) عِنْد رؤية بخيلٍ، في الاستعارةِ التَّمليحيّة. وإذا كانَ وجهُ الشَّبه أمرًا منتزعًا من عدَّةِ أُمُور، نحو قَوْلك (٤): (تُقَدِّمُ رِجْلًا -أي: لإرادة الذّهاب- وتؤخِّر أُخرى لإرادةِ عدمه؛ للمُتردِّدِ في الأَمر (٥)؛ كالمفتي المتردِّد في جوابِ الاسْتِفتاء؛ وذلك بإدخالِ صورةِ المشبَّه -أي (٦) المفتى المتردِّد- في جنس صُورةِ المشبَّهِ به؛ أي: (الماشي

стр. 711

المتردّد) رَوْمًا للمبالغة في التَّشبيه؛ فتَكْسُوها وصفَ المشبَّه به من غيرِ تغييرِ فيه بوجهٍ من الوجوه على سَبيل الاسْتعارةِ- سُمِّي تمتيلًا على سبيل الاستعارة. ولكون الأمثالِ كلِّها تمثيلاتٍ على سبيل الاستعارةِ لا يجد التّغيير إليها سبيلًا. والتَّخييليّةُ إطلاقُ اسم الموجودِ -وهو الأظفارُ المتحقّقةُ للسَّبع- على الموهوم؛ أي: الأظفار المُتَخيّلة للمَنيّة؛ ولهذا سُمِّيت: تخييليّة؛ وذلك بعد تشبيه المنيّة بالسَّبع (١)؛ في اغتيالِ النُّفوسِ، وانتزاع الأَرواح؛ مثل: وإِذَا الْمَنِيَّةُ أنْشَبتْ أَظْفَارَها واعلم: أن الاستعارة التَّخييليّة في الأظفار، والقرينةُ المنيّةُ، وأمّا المنيّة فاستعارةٌ بالكناية، وقرينتها الأظفار. فالتَّخيليّة قرينةُ المكنيّة، والمكنيّة قرينةُ التَّخيليّة. وأمّا إذا قيلَ: أظفارُ المنيَّة الشَّبيهة بالسَّبع تكون تخييليّة ولا مكنيّة، وأما عكسه فلا يجوز. وما يلزم من كلام السَّكاكيّ؛ وهو أنّ الاستعارتين المكنيّة والتخيليّة في لفظ المنيَّة- لا يبعد؛ فإنّها هو أقرب إلى الصّواب دافعًا لاعتراض صاحب الإيضاح حيث التزم لزوم انفكاك الاستعارة بالكناية عن التخيليّة.

стр. 712

وإن قلتَ: ما الفرقُ بين التَّخييليَّة والتَّرشيح؛ فإنّ في كُلٍّ منهما يُذكر ما يلائمُ المُشَبَّه به ويُلازمه؟. قلتُ: لا فرق؛ فإن ما هو القرينةُ هو التَّرشيح بعينه، وما المحذور لو كان التَّرشيح ضربًا من التَّخييليَّة؟!. سؤالٌ؛ هذا سؤالٌ يردُ على الاستعارة المَكْنيّة، ولمَّا اشتملت التَّخييليّة في المثال عليها؛ فكأنَّها مذكورةٌ (١): أَوجبتَ في الاستعارة إنكار كونه؛ أي: المشبّه، من جنس المُشَبَّه (٢)؛ بل أوجبتَ ادّعاء أن المُشَبَّه من جنسِ المُشَبَّه به ادِّعاء إصرارٍ؛ فهذا تصريحٌ بخلافه؛ حيثُ ذكرتَ المُشَبّه باسم جنسه، ولا نرى اعترافًا بحقيقة الشَّيءِ أكمل من التَّصريح باسم جِنسه؛ فلزمكم في الاستعارةِ بالكناية الجمعُ بين إنكار المشبّه من جنسه، وبين الاعترافِ بكونه من جنسه؛ وهل هذا إلّا تناقضٌ؟. جوابٌ: أليس هُناك؛ أي: في الاستعارةِ المُصرّحة، نقل معنى المشبَّه به ادِّعاءً؛ كما ادّعينا هناك أن الشّجاعَ مُسَمَّى للفظِ الأسدِ بارتكابِ تَأويل أن أفراده قسمان؛ حتَّى يتهيّأ التَّقصي عن التَّناقُضِ في

стр. 713

الجمع بين ادِّعاءِ الأَسديّة، وبين نصبِ القرينةِ المانعةِ عن إرادةِ الهيكلِ المخصوصِ. فهنا (١) نقل اسم المُشَبَّهِ؛ بأن يدَّعي ها هنا أنّ (٢) اسم المنيّةِ اسمٌ للسّبع مُرَادِفٌ له؛ كأن المنيّةَ سَبْعٌ؛ أي: داخلٌ في جنسِ السِّباع لأجل المبالغةِ في التَّشبيه بالطريق المذكورِ؛ فكيفَ لا يُسمّى السبعُ باسمه، والحالُ أنهما اسمان لحقيقةٍ واحدة؛ كالمترادفين؛ فتهيّأَ لنا دعوى السَّبعيّة للمنيّة مع التَّصريح بلفظ المنيَّةِ. تنبيهٌ: وقد (٣) تحتملُ الاستعارةُ التحقيقَ والتَّخييلَ، وهي فيما يكون المشبهُ (٤) المتروكُ صالحَ الحمْل من وجهٍ على ماله تحقّقٌ، ومن وجهٍ على ما لا تحقُّقَ له؛ بخلاف النَّوعين المذكورين؛ فإنَّهما إِمَّا محمولٌ على ماله تحقّق قطعًا، أو على ما ليس له تحقّق قطعًا. وتسمَّى هذه الاسْتعارة: ذاتَ الجناحين؛ كما قال (٥):

стр. 714

صَحَا (١) القَلْبُ عَنْ سَلْمَى وَأقْصَرَ (٢) بَاطلُه ... وَعُرِّيَ (٣) أَفْرَاسُ الصِّبَا وَرَواحِلُهْ فإنَّه يحتملُ (٤) أن يكُون من التَّخييليّةِ؛ بأن يخيّل للصِّبا آلات وأَدوات تُشبه الأَفْراس والرَّواحِل فأَطلقا، والمرادُ بهما: آلاتُ الصِّبا، فقوله (٥): (عُرِّي أَفْراس الصّبا)، يكونُ في معنى (عُرِّي آلات الصِّبا)، أي: عُرِّيتْ (٦) آلاتُها تَخْييلًا، أي: الآلاتُ المتخيَّلة، ويُحتمل أن يكون من التَّحقيقيّة؛ بأَنْ يجعل الأَفراس والرَّواحل عِبَارة عن دواعي النَّفْس والقُوى الحاصلة لها

стр. 715

في استيفاء اللّذاتِ؛ فأطلقَ الأفراسَ والرَّواحلَ ويُرادُ بها دواعي النّفسِ تحقيقًا، أي: الدَّواعي المُتحقِّقة في الخارج. والمفهومُ من الإيضاح: أن (الصِّبا) على التَّقدير الأَوَّل من الصَّبْوة، بمعنى: الميلِ إلى الجهلِ والفتوّة (١)، أي: الانهماك في التَّهتُّك. وعلى التَّقدير الثاني: من الصّباوة بالمعنى المَشْهور (٢). الثّالثُ (٣): المستعارُ إمّا اسم جنس -كرجلٍ وأسدٍ (٤) - فأَصليّةٌ، أي: فالاستعارة أصليَّة؛ لأن التَّشبيه وصفٌ، والأصلُ في الوصف للذّات (٥). أو غيرُه؛ أي: غير اسم جنسٍ فتبعيّةٌ، كالفعل (٦)؛ لأَنَّه، أَي (٧): لأَنَّ الفعلَ يُستعار بواسطةِ المَصدرِ وتبعيَّة استعارته، فلا تقول: (نطقت الحالُ) بدل (دلَّت) إلّا بعد استعارة نُطق النَّاطقِ؛ لدلالة الحال على الوجه الذي عرفت من إدخالِ دلالة الحالِ في جنس نُطق النَّاطقِ لقصدِ المبالغة في التَّشبيه.

стр. 716

وتجيءُ الاستعارةُ التَّبعيَّة في نسبته؛ أي: الفعل إلى المتعلّقاتِ؛ إلى الفاعل؛ نحو: (نطقت الحالُ) أو إلى المفعول الأَوَّل؛ نحو: (جُمِعَ الحَقُّ لَنَا في إِمامٍ ... قَتَلَ البُخْلَ وَأَحيَا السَّمَاحَا (١). أي: أزال البخلَ وَأظهر السَّماح. وإلى الجمع (٢) من المتعلقات؛ نحو: تُقْرِي الرِّياحُ رِيَاضَ الحَزْن؛ أي: ما غلظ من الأَرض مُزْهرةً. إِذَا سَرَى النَّومُ في الأَجْفانِ إِيقاظًا (٣)؛ فإِنَّه استعارةٌ في نسبةِ الفعلِ إلى الفاعلِ؛ أي: (الرِّياح)، وإلى المفعول الأَوَّلِ؛ أي: (رياض)، وإِلى الثاني؛ أي: (إيقاظًا) في المجرور، والعامل فيه (سرى)؛ لأنّ (السُّرى) (٤) -في الحقيقة- السّيرُ باللّيلِ (٥).

стр. 717

وكالحروفِ فإنَّها؛ فإِن استعارتها بواسطةِ مُتَعلِّقات معانيها؛ مثل: الظرفيَّة؛ والابتدائيَّة؛ إذْ ليست هي معانيها؛ بل هي لوازم لها؛ أي: لمعانيها؛ أي: إذا أفادت هذه الحروفُ معاني، رجعت إلى هذه بنوع استلزام. ومتعلّقاتُ معاني الحروف ما يُعَبَّرُ عَنْها عند تفسيرها؛ كالابتداء؛ كـ (من) [في] (١) قولك: من البَصرةِ، وفسَّرها صاحبُ الإيضاح

стр. 718

بالمجرورِ (١)؛ كالبَصرة. وإلّا؛ أي: لو كانت هي معانيها -وهي أسماء- كانت؛ أي: الحروف -أَيضًا- أسماء؛ إذْ تمايز الحرفِ (٢) والاسم إنَّما هو بالمعنى، فحيثُ حصل معنى الاسم يكون اسمًا؛ فلا يُستعار (في) إلا بعد الاستعارة في الظرفيَّة (٣)، نحو: ﴿لَعلهُم يَتَّقُونَ﴾ (٤) فإِنَّه لا استعارة في (لعلَّ) إِلَّا بعد الاستعارة في التَّرجِّي. وكيفيّةُ ذَلك: أن مثل هذا التَّرجِّي الواقع غاية لفعل (٥)؛ معناه كونه غاية متوقّعة متردّدة بين الوجود والعدم مع الجهلِ بالعاقبة، فشبّه كونه غايةً متوقّعةً مُتَردّدةً بينهما لا مع الجهل بالعاقبة به؛ أي: بَكونه كذلك مع قيدِ الجهلِ بالعاقبةِ استعارة والقرينةُ إسنادهُ إلى الله -تعالى- لتعذُّر الجهل بالنِّسبة إليه [تعالى] (٦) عن ذلك. هكذا قال السَّكاكيُّ بناءً على أصول العدلِ (٧).

стр. 719

وأمّا عند الأصحابِ فشبّه كونه غاية متوقّعة بمعناه المذكور ثم بعد الاستعارةِ فيه استعير لفظة (لعلّ) له فأطلقت عليه. هذا على تقدير الجَهل (١) على التَّشبيه أَمَّا لو نقول (٢): إنّه للغاية المتوقّعة المتردِّدة بينهما مع الجهل بها؛ فحُذِفَ القيدُ الأخيرُ كما هو المفهوم من كلامِ السَّكاكيّ؛ والقيدان الأخيران كما يُفهم من قول (٣) الأصحاب، وأُطلقَ على الباقي المطلَق بالنِّسبة إليه؛ فيصير من المجاز الذي سمّاه السَّكاكيّ المجازَ الغيرَ المُفيد (٤)، وجعلَه المصنِّفُ من بابِ وجوهِ التَّصرّفِ في المعنى بحسبِ النُّقصان كالمشفر والمرسن (٥).

стр. 720

واعلم: أن الأَمرينِ متباينان في كلِّ استعارة كـ (الأسد) مثلًا، فإِنَّه يُحتمل أَنْ يقال: شبَّه الرَّجلَ الشجاعَ بالأسدِ فاستعير له مبالغة في التَّشبيه، ويُحتمل أَنْ يقال: إِنّه من المجازِ الغير المفيد؛ لأنه موضوع للشُّجاع مع تلك الصُّورةِ المخصوصة؛ فحُذف قيدُ [الصّورة] (١) المخصوصةِ بقي كونه للشُّجاع، وهلّم جرّا. وهذه فائدةٌ شريفةٌ فاحفظها. ونحو: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ (٢) فإنّ في اللّام استعارة؛ لأن الالتقاط لم يكن لغرضِ أن يكون لهم عدوًّا، فتقدّر (٣) الاستعارة أوّلا في معنى الغَرَضِ، ثمَّ تستعمل لامه، فيُستعار أوّلًا ترتّبُ وجودِ أمرٍ على أمر من غير أن يكون الثاني غرضًا للأوّل؛ [لترتّب وجودِ أمر على أمر يكون الثاني غرضًا للأوّل] (٤)، ثم يُستعارُ ثانيا لفظةُ اللام له، واحتمالُ كونه من المجازِ الغير الفيد ممّا لا يَخفى. ونحو: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٥) من التَّهكّم فاستُعير أَوَّلًا مُتعلّق معنى: (رُبَّ) الذي هو التَّقليلُ للتَّكثير؛ على سبيلِ الاستهزاءِ؛ لأنّ

стр. 721

ودادتهم للإِيمان (١) يومئذ كثيرةٍ، وثانيًا: لفظته (٢). والشّيخُ، أي: السَّكاكيّ، واصطلاحُ المصنِّف في هذا الكتابِ على إطلاقِ (الشّيخ) عليه، و (الإمامِ) على عبد القاهر؛ يجعلُ الاستعارة التَّبعيَّة من المكنّى عنها (٣). قال: كما تَجعلُ المنيَّة سبعًا وإثبات الأظفارِ قرينة. والحال ناطقًا، ونسبة النُّطق إليه قرينة اجعلْ (اللهذميات) في قوله (٤): نَقْريهم لَهْذميَّاتٍ نَقُدُّ بها ... مَا كان خاط عَليهِم كلُّ زَرَّاد (٥). أطعمةً بالنَّصب مفعولًا ثانيًا لـ (جعل)؛ أي: استعارة بالكناية عنها على سبيل التَّهكّم. اللهذميّاتُ: الأسنَّةُ القاطعةُ.

стр. 722

واجعل (المرهفات) في قوله (١): صَبَحنَا الخَزرجيَّة مُرْهفَاتٍ ... أبان ذوي أرومتها ذوُوها. صبوحًا على سبيل الاستعارة بالكناية تهكّمًا واستهزاءً. وقوله: (نَقريهم) (٢) قرينةٌ للأولى، و (صبَّحنا) للثّانية، فما كانَ قرينةً صار مستعارًا وبالعكس. الخزرجيّةُ: قبيلةٌ من الأنصار. مرهفات، أي: سيوف مرقَّقات (٣). أبان، أي: فصل. ويروى: أبار، وأباد -بالرَّاء والدَّال المهملتين- ومعناهما واحد هو: أَهْلك. وردَّهُ صاحبُ الإيضاح بأنَّه: إن قُدِّرَ التَّبعيّةُ حقيقةً لم (٤) يكن تَخْييليّة، لأنَّها مجازٌ عنده، فلم تكن المكنِيّ عنها مستلزمةً للتخييليّة (٥)؛ وذلك باطلٌ باللاتّفاقِ (٦). والرَّدُّ مردود لوجود التَّخييليَّة -أيضًا- في نَفْس مَا فيه الاسْتِعارة بالكِنَاية، لتَخَيُّله المرهفات بصورة الصَّبوح؛ كتخيُّل الرَّبيع

стр. 723

بصُورةِ فاعل حقيقيٍّ مع جواز الانفكاكِ عند السَّكاكيِّ. تَنبيه: وفَوائده مِمَّا زادَ على المفتاح. وحاصِلُ التَّنبيهِ: بيانُ أن الاستعارة في الأَفعالِ والحُروفِ يُمكن بالأَصالة. أَمَّا الفعل فيدلُّ على النِّسبةِ المحصَّلة؛ لأنَّها ذاتيّةٌ ويستدعي حدثًا وزمانًا في الأكثر، وإنْ كان قد يُعرّى عن الحدثِ؛ كالأفعال الوجوديّة المسمّاة بالأفعال النَّاقصة كـ (كان) وشقائقها، أو يعرَّى عن الزمان؛ كـ (نعم)، و (بئس)، و (بعت) (١)، و (عسى)؛ من أَفْعال المدح، والذمِّ، والمقاربة؛ إذا استحدِثَ به الحُكْم؛ أَيْ: إذا أنْشِئ به حكمٌ، ولم يكن المرادُ الإخبارَ. والاسْتعارة متصوَرة في كل من الثلاثة: النِّسبة، والحدثِ، والزَّمانِ؛ ففي النِّسبة؛ كـ (هزمَ الأمير الجيش)؛ فإن لفظَ (هزَم) باق على زمانه الماضي، وعلى الحدث الذي هو الهزيمة؛ لكن تُصرِّفَ في نسبته إلى الأمير استعارة؛ لأن جند (٢) الأمير هو الهازمُ لا هو نفسه. وفي الزمان كـ (ونادى أصحَابُ الْجَنَّة﴾ (٣) فإن نادى مُجرى على حقيقته في الحدثِ والنِّسبة؛ لكن استعير في زمانه؛ لأَن النِّداء

стр. 724

في يومِ القيامةِ. وفي الحدث: ﴿فَبَشّرهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (١)؛ فإِنَّه استعير (٢) البشارة فيه للإِنْذارِ، وفي الآخرين باقٍ على أَصْله. وأَمَّا الحروفُ (٣) فـ (في) -مثلًا- وُضعت لكلِّ ظرفيّةٍ خاصّةٍ؛ كان كان الوضْع بأمرٍ عامٍّ؛ أي: باعتبار معنى عَامٍّ؛ كالظرفيّةِ المطلَقةِ عُقلَت الظرفيّةَ الخاصّة به؛ بذلك الأمر العامّ؛ وأَنها؛ أي: تلك الظّرفيّة الخاصَّة الّتي هي فردٌ من ذلك العامِّ لا تُتحصّلُ إلّا بذكر المتعلّق الذي لذلك الحرفِ؛ كـ (الدّار) للفظة (في)؛ لأنّ النَّسبة لا تتعيّن ولا تتحصّل (٤) إلّا بالمنسوب إليه. والحاصل: أن وضعَ الحرفِ عامٌّ، والموضوع له خاصٌّ، ولأنّه نسبة خاصّة لا تحصل إلّا بذكر المنسوب إليه؛ فإذا أُريدَ بها؛ بالظّرفيّة استعلاءٌ؛ كما في قوله -تعالى-: ﴿وَلأصَلِّبَنكم فِي جُذُوع النَّخْلِ﴾ (٥) فإن المرادَ في الآيةِ الاستعلاءُ لا الظرفيّةُ. فقد نقل؛ أي: لفظ

стр. 725

(في) عن الموضوع له؛ أي: الظّرفيّة إلى الاستعلاء. أَوْ نُقِل الموضوعُ له؛ وهو الظرّفيّة إلى الاستعلاء؛ بمعني أنه شَبَّه الاستعلاءَ بالظرفيّة؛ في شدّة تمكّن المصلوبِ على الجذع؛ تمكّن المظروف في الظرف مبالغةً، ثم تُرك المشبّهُ وذُكر المشبّهُ به استعارة. وعلى الأَوَّل النّقل والتَّصرُّف في اللفظ؛ فهو مجازٌ. وعلى الثاني- التَّصرّف في المعنى؛ لأنّه استعارةٌ مصرّحة تحقيقيَّةٌ كان الاستعلاء؛ أيضًا؛ موضوعٌ له على سبيل الادِّعاء-؛ فاللفظُ: حقيقيةٌ. والمدخولُ عليه وهو جذوع النَّخل قرينةٌ للنَّقل على التَّقديرين؛ لتعذُّر الظرفيّة الحقيقيّةِ فيها؛ وكلُّ ذلك من التَّصرُّفات التي في الفعل أو في الحرف. بالأصالة؛ لا بالتَّبعيّةِ؛ وهذا هو المقصودُ من [هذا] (١) التَّنبيه. لَكنَّكَ بعد التَّحقيقِ لا تُشاح بصيغةِ فعل النَّهي، في التَّسمية إذْ لا مُشاحة في الاصطلاحاتِ. وللأستاذِ (٢) في بيان (٣) اختلاف الوضع والموضوع له؛ عمومًا وخصوصًا؛ في شرحه المختصر [تحقيق] (٤)، قال (٥): "وإن كنتَ تريدُ حقيقة الحالِ في ذلك فاعلم أوّلًا مقدِّمة؛ وهي: أن اللّفظَ قد يوضع

стр. 726

وضعًا عامًّا لأمور مخصوصةٍ؛ كسائرِ صيغ المشتقاتِ والمُبْهمات؛ فإن الواضعَ لَمَّا قال: صيغة فاعل من كلِّ مصدرٍ لمن قامَ به مدلوله، وصيغة مفعول منه (١) لمن وقع عليه- علم منه حالُ؛ نحو: (ضارب)، و (مضروب) من غيرِ التَّعرّض (٢) بخُصُوصهما، وكَذَلك إذا قال: (هذا) لكلِّ مشارٍ إليه مخصوص، و (أنا) لكَلِّ متكلِّمٍ، و (الذي) لكلِّ معيَّن تحمله. وليس وضع (هذا) كوضع (رجل)؛ فإن الموضوع له فيه عامٌّ؛ وهذه وضعت باعتبارِ المعني العامِّ للخصوصيّاتِ التي تحته؛ حتَّى [إذا] (٣) استُعمِل (رجلٌ) في (زيدٍ) بخصوصه كانَ مجازًا، وإذا أُريد به العامّ المُطابق له كان حقيقة. بخلاف: (هذا)، و (أَنا)، و (الذي)؛ فإِنَّه إذا أُريدَ به الخصوصِيَّات كانت حقائق ولا يُراد بها العموم أصلًا؛ فلا يُقال: (هذا) والمرادُ أحدٌ (٤) مما يُشارُ إليه، ولا (أنا) والمرادُ به متكلّمٌ ما. وإذ قد (٥) تحقّق ذلك؛ فنقول: الحرفُ وضع باعتبارِ معني عام وهو نوعٌ من النِّسبة كالابتداءِ والانتهاءِ لكلِّ ابتداء وانتهاءِ معني بخصوصه، والنِّسبة لا تتعيَّنُ إلّا بالمنسوب إليه؛ فالابتداءُ الذي للبصرة يتعيّن بالبصرة، والانتهاءُ الذي للكوفة يتعيّنُ بالكوفة؛ فما لم يُذْكر متعلّقه لا يُتَحصَّل

стр. 727

فردٌ من ذلك النَّوع هو مدلول الحرف لا في النّقل ولا في الخارج، وإنّما يُتحصّلُ بالمنسوبِ إليه، فيتعقّل بتعقّله، بخلافِ ما وُضع للنّوع بعينه؛ كالابتداءِ والانتهاء؛ بخلاف ما وضع لذاتٍ ما باعتبارِ نسبة، نحو: (ذو)، و (فوق)، و (عن)، و (على)، و (الكاف)؛ إذا أُريدَ به عُلوّ وتجاوز وشبه مُطلقًا؛ فهو كالابتداءِ والانتهاء". الرَّابعُ: الحكمُ، التَّابعُ (١): للاستعارةِ، من وصفٍ؛ أو تَفْريع كلامٍ (٢) أو غيره، إن ناسبَ المُشبَّه، أي: المُسْتعار له، لا المُشبَّه به والتَّشبيهِ (٣) فمجرّدةٌ، أي: فتُسمَّى تلك الاسْتعارة مجرّدة، لتجرُّدها عمَّا يناسبُ المشبَّه به والتَّشبيه. وإن ناسبَ (٤) المشبّه به؛ أي: المستعار منه، فمرشّحة؛ أي: فتُسمَّى: استعارة مرشحة، لأن التَّرشِيح هو التَّربية، وإيرادُ ما يُناسب المُشَبَّه به تقويةً لأمر الاستعارةِ وتربيةً له. وإن عُدم الحكمُ، وذَلك بأَن لا (٥) يُقْرن به مَا يُنَاسب أحدهما؛ لا وصفًا (٦)، ولا تفريعًا، ولا غَيْره. فَمُطْلقة؛ أي: فتُسمَّى: مطلقةً؛

стр. 728

لعدمِ اقترانِ حكمٍ بها. فـ (رأيتُ أسدًا) إطلاقٌ. وقولك بَعْده: (شاكيَ السِّلاح)؛ أي: تامَّ (١) السلاح، أو ذا شوكةٍ في سلاحه، وهو مقلوب (شائك). (يجرُّ رُمْحه): تجريدٌ؛ لأن التَّسلُّح، وجر الرُّمح، مِمَّا يلائمُ المشبَّه. و (حادّ المخالبِ)؛ المخلب: ظُفُرُ البُرْثُنِ، والبُرْثُنُ للسِّباع بمنْزلةِ الأَنامل [للإنسان] (٢). (دامي البراثن): ترشيحٌ؛ لأن المخلبَ، والبُرْثُن؛ ممّا يُلائم المشبَّه به. وقوله: (بعده) يُشعر بأن ذكرَ الحكم المناسبِ يجب أن يكون بعد ذكر الاستعارةِ؛ لكن لا يجبُ. فالمرادُ به ما هو المراد من قولِ السَّكاكيِّ: بالتَّعقيبِ، في قوله (٣): "إنّما يلحقُها بالتَّجريد أو التَّرشيح إذا عقّبت بذلك". وقال الشّارحُ (٤): "المرادُ من التَّعقيب: الزيادةُ على معنى الاستعارةِ؛ سواءٌ كان المعقّبُ قبل الاستعارة أو بعدها، أو كان بعضُه قبل وبعضُه بعد".

стр. 729

وقد يجتمعان [أي: التَّرشيح والتَّجريد] (١) كما في قوله (٢): لَدَى أَسَدٍ شَاكِي السِّلاح مُقَذَّفٍ. أي: كثير القذفِ لنفسِه إلى الوقائع، وهما صفتان للمستعار له. لَهُ لِبَدٌ .................. جمع لبدة؛ وهي الشَّعر المُتراكب بين كتفي الأسد. .......... أَظْفَارُهُ لَمْ تُقَلَّمِ وهاتان للمستعار منه. ومبنى التَّرشيح (٣): تناسي التَّشْبيه، وصَرْفُ النَّفسِ عن توهُّمه؛ كما قال أبو تَمّامٍ (٤):

стр. 730

ويَصْعَدُ حتَّى يَظُنَّ الجَهولُ ... بأَن له حاجةً في السَّمَاءِ. ناسيًا حديثَ الاستعارة؛ نابذًا (١) أَمرَها وراءَ الظُّهورِ؛ حتَّى لم يُبالِ أن يبني (٢) على علوّ القدر وسموّ المنْزلة ما بنَي على العُلُوِّ المكاني. يفعلون؛ أي: أصحاب التَّشبيهاتِ. ذلك؛ أي: التَّرشيح، ونسيانِ التَّشبيه معَ التَّصريحِ بالتَّشبيه؛ كما في قوله (٣):

стр. 731

هِيَ الشَّمْسُ مَسْكَنُهَا فِي السَّمَاءِ ... فَعَزّ الفُؤادَ عَزَاءً جَمِيلا فَلنْ تَستطيعَ إِلَيْهَا الصُّعُودَ ... وَلَنْ تَستطِيعَ إِليْكَ النُّزُولا فمع ترْكِ التَّصريح به؛ بل مع جحدِ التَّشبيه؛ كما في الاستعارة بالطريق الأَوْلى.

стр. 732

الخاتمة فيها تنبيهاتٌ ثلاثةٌ (١): الأَول: في القَرينة. الثاني: في الحسنِ. الثالث: في الأَنْواع. الأَوَّل: لا بُد للاستعارة من قرينةٍ دالّة عليها؛ وقد تكونُ القرينةُ أمرًا واحدًا؛ نحو: (رأيت أسدًا يرمي، أو يتكلَّم، أو في الحمَّام)؛ فإن كل واحد منها يصلُح قَرِينة لها. أو [قد] (٢) تكون القرينةُ أكثر من أمرٍ واحد؛ نحو (٣): وَصَاعِقَةٍ مِنْ نصْلِهِ أي: نصل سيفِ الممدوح، يَنْكفِي؛ أي: يرجع وينقلب بها؛ أي: بتلك الصَّاعقة.

стр. 733

.......... ... على (١) أرؤُس الأَقْرَانِ (٢) خَمْسُ سَحَائِبِ. فإِنَّه لَمّا أَراد استعارة (السَّحائب) لأَنامل يمين الممدوح الخمس، تفريعًا على ما جرت به العادةُ من تشبيه الجوادِ بالبحر الفَيَّاضِ -تارةً، وبالسَّحاب الهاطلِ (٣) - أخرى، - ذكر أن هناك صاعقةً، ثم قال: (من نصله)، فتبيّنَ أنّ تلك الصَّاعقةَ من نصل سيفِه؛ ثم قال: (على أرؤس الأقران)؛ ثم قال: (خمس) (٤)، فذكر العدد الذي هو عدد جميع أناملِ اليد؛ فجعل ذلك -كله- قرينةً لِمَا أراد من استعارة (السَّحائب) للأنامل. الثاني: أنه تَحْسُن الاستعارةُ برعاية جهاتِ حسنِ التَّشبيه؛ من كون الوجه شاملًا للطرفين، وكونه بعيدَ الغوْر، لا يُدرك أوّل الوهلةِ، وكونه خاصّيًّا، غيرَ مُبتذلٍ يَعْرفه العوام، وخصوصًا الاستعارة التَّحقيقيّة وما بالكناية. ولفظة (خصوصًا) تُشعر بأن غيرهما كالتَّخييليّة -أيضًا- حُسنها برعايةِ جهاتِ حُسن التَّشبيه.

стр. 734

لكن قال في المفتاح بعد قوله (١): "الاستعارة لها شروط [في الحُسن؛ إن صادفتها حسُنت، وإِلا عريت عن الحُسن وربّما اكتسبت قُبحًا] (٢): وتلك الشُّروط (٣) رعايةُ جهاتِ حسن التَّشْبيه التي سبق ذِكْرها في الأَصْل الأَوَّل بين المستعار له والمستعار منه في الاستعارة بالتَّصريح التَّحقيقيَّة والاستعارة بالكناية" [وأن لا تُشِمّها؛ عطف على قوله: (برعاية) أي: تحسُن الاستعارة برعايةِ جهاتِه، وبعدم إشْمام الاستعارة] (٤) رائحة التّشبيه بأن لا يُذْكر في اللفظ شيء يدلّ على التَّشبيه. ولذلك، أي: ولعدم ما يدلّ على التَّشبيه لفظًا وجبت القرينةُ، وإلّا فلُغز. أَلْغَزَ في كلامه، أي: عمَّى مرادَه، وهو: مفردُ الأَلْغَاز، كرُطَبٍ وأَرْطاب (٥)؛ كما لو قيل: (جاءَ أسدٌ) والمراد: رجل أبخر، لعدم ما يدلُّ على التَّشبيه في البخر. قال في المفتاح (٦): "وأن لا تشمّها في كلامك من جانب اللّفظِ رائحة من التَّشبيه، ولذلك يوصى في الاسْتعارة بالتَّصريح أن يكون

стр. 735

الشَّبه (١) بين المستعار له والمستعار منه جليًّا بنفسه، أو معروفًا سائرًا بين الأَقوام، وإِلا خرجت الاستعارةُ عن كونها استعارة؛ ودخلت في بابِ التَّعمية والإلغاز". وبينهما مخالفةٌ من حيث إنه [؛أي: الأستاذ] (٢) أوجب بدل وجوبِ كونِ الشَّبه (٣) جليًّا: القرينة (٤)؛ ولهذا لم يخصّص الاستعارةَ بالتَّصريحيّة؛ كما خصّصها السَّكاكيُّ بها. ويُحتملُ أن يقال: كونُ الشَّبه (٥) جليًّا أيضًا نوعٌ من القرينةِ؛ كما عُلم ميلُ المصنّف إليه عند الإفادة. وحينئذٍ يكونُ المراد بقوله: (وجبت (٦) القرينة) وجوبَ القرينةِ في الاستعارةِ المحمولةِ على المصرّحةِ عند الإطلاقِ. والتَّخييليّةُ في الحُسن تبعٌ لما بالكناية؛ أي: للاستعارة بالكنايةِ؛ فإن كانت (٧) المتبوعةُ حسنة فالتَّابعة بحسبها -أيضًا- حسنة (٨) وإلا فلا.

стр. 736

وهي؛ أي: التّخييليّة مع المشاكلة أحسنُ لانضمام حسن المشاكلة إليها. والمشاكلةُ -على ما هو المَشْهور-: ازدواجُ لفظين (١). وقيل (٢): "أن يُذكرَ الشَّيءُ بلفظِ غيره لوقوعه في صُحبته "؛ نحو: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ (٣)؛ فإنّه يلزمُ من ازدواج الففظ في (يبايعونك ويبايعون الله) أن يكون هو -سبحانه- مُبايَعًا؛ وإذْ لا بُدَّ للمُبايَع من يدٍ؛ فيُتخيَّلُ له استعارة بالكناية بإدخالِ الله -سبحانه- في جنسِ المبايعين [ادّعاءً] (٤)، وإثبات ما هو من خواصِّهم؛ وهو اليدُ له. واستلزامُها للتَّخييليّة وتضمُّنها للمشاكلة ظاهرٌ (٥).

стр. 737

﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ الله﴾ (١) وهذا في بعض النُّسخ؛ ولكن ما قرأتهما على المصنّف، ولعلّها حاشية لمثالِ المشاكلة؛ لعدم الاستعارةِ فيها -اللهمَّ إلّا بتكلّفٍ شديدٍ- فألحقت بالمتن. بل قلّما تُستحسنُ الاستعارةُ التَّخييليّة دونها؛ في دون المكنيَّة؛ أي: دون أن تكون تابعةً لها كما يقال: (فلان بين أنيابِ المنيّة الشَّبيهة بالسَّبع)؛ إذا لا مَكْنيّة فيها. وعند ذي الإيضاح أن الاستعارةَ التَّخييليّة لا تكونُ إلّا تابعةً للمَكْنيّة. ولذلك؛ أي: ولعدم (٢) استحسانها دونها استُهْجِن قولُ أبي تمّام (٣):

стр. 738

لَا تَسْقِنِي مَاءَ المَلامِ فإنني صَبٌّ ... قَدِ اسْتَعَذَبتُ مَاءَ بُكائِي لكونِها استعارةً تخييليّةً غيرَ تابعةِ للاستعارةِ بالكناية؛ لاستحالة أن تكون الاستعارةُ في (اللام)، و (الماءُ) قرينة، إذ (الملام) لا يُشْبه شيئًا له ماء حتَّى يُتوهّم للملام مثل الماء؛ كما تُوهّم الأنياب للمنيَّة، ويُطلقُ عليه لفظُ (الماء) ويُضافُ إلى (اللام)؛ لتكون استعارةً بالكناية؛ فتعيَّن أن تكونَ استعارةُ في (الماء)، و (اللام) قرينة؛ فتكون استعارةً مصرّحة (١) بها تخييليّة. يُروى أن بعض أَهل (٢) المحلَةِ (٣) أرسل إلى أبي تَمَّامٍ قارورةً؛ وقال: ابعث لي في هذه شيئًا من ماءِ الملام!، فأرسل إليه أبو تمّام؛ وقال: إذا بعثت إليَّ ريشةً من (جناح الذّل) (٤) بعثتُ إليك شيئًا من ماءِ اللام! (٥).

стр. 739

"والفرْقُ بين التَّشبيهين ظاهرٌ؛ لأنَّه ليس جعل الجناح (١) للذُّلِّ (٢) كجعل الماءِ للملامِ؛ فإن الجناحَ للذُّلِّ مناسبٌ، وذلك أن الطائرَ إذا وهنَ أو تعب (٣) بسط (٤) جناحه وخفضه، وأَلْقى نفسَه على الأرضِ، وللإنسانِ -أيضًا- جناحٌ، فإن يديه جناحاه، وإذا خضع واستكان طأطأ من رأسه وخفض من يديه (٥)؛ فحسُن عند ذلك جعلُ الجناح للذُّلِّ، وصارَ شبيهًا (٦) مُنَاسبًا. وأمّا الماءُ للملام فليس كذلك في مناسبة التَّشبيه" (٧). ولو قيل: بأن الاستعارة التَّخييليّةَ في البيت تابعةٌ للاستعارةِ بالكناية

стр. 740

بأن يُشَبَّه الملام بظرفِ (١) الشَّراب؛ لاشتماله على ما يكرهُه الشّاربُ لمرارته، ثم استعار الملام له بالكناية، ثم يُخْترع فيه شيءٌ شبيهٌ بالماء فيُستعار في اسم الماء- لكان موجّهًا (٢). الثّالثُ: أنّ (٣) الاستعارةَ فرعُ التَّشبيه؛ فأنواعُها (٤) كأنواعِه خمسةٌ: الأَوَّل: استعارةُ حسِّيٍّ لحسِّيٍّ [بوجه حسّيّ] (٥)؛ نحو قوله -تعالى-: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ (٦) فالمستعار (٧) منه هو النّارُ، والمستعارُ له هو الشّيبُ، والوجهُ هو الانْبساطُ. فالطرفان حِسِّيَّان، والوجهُ -أيضًا- حسِّيٌّ، وهو استعارةٌ بالكناية؛ لأنه ذكر المشبّهَ وترك المشبَّه به مع ذكرِ لازمٍ من لوازمِ المشبّه به؛ وهو الاشتعالُ. الثاني: استعارةُ حسِّيٍّ لحسّيٍّ بوجهٍ عقلي؛ نحو قوله -تعالى-:
следующие страницы →