← Адаб

Адаб · id 17458

تحقيق الفوائد الغياثية

الكرماني، شمس الدين

Полный текст (841 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

وهي؛ أي: التّخييليّة مع المشاكلة أحسنُ لانضمام حسن المشاكلة إليها. والمشاكلةُ -على ما هو المَشْهور-: ازدواجُ لفظين (١). وقيل (٢): "أن يُذكرَ الشَّيءُ بلفظِ غيره لوقوعه في صُحبته "؛ نحو: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ (٣)؛ فإنّه يلزمُ من ازدواج الففظ في (يبايعونك ويبايعون الله) أن يكون هو -سبحانه- مُبايَعًا؛ وإذْ لا بُدَّ للمُبايَع من يدٍ؛ فيُتخيَّلُ له استعارة بالكناية بإدخالِ الله -سبحانه- في جنسِ المبايعين [ادّعاءً] (٤)، وإثبات ما هو من خواصِّهم؛ وهو اليدُ له. واستلزامُها للتَّخييليّة وتضمُّنها للمشاكلة ظاهرٌ (٥).

стр. 737

﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ الله﴾ (١) وهذا في بعض النُّسخ؛ ولكن ما قرأتهما على المصنّف، ولعلّها حاشية لمثالِ المشاكلة؛ لعدم الاستعارةِ فيها -اللهمَّ إلّا بتكلّفٍ شديدٍ- فألحقت بالمتن. بل قلّما تُستحسنُ الاستعارةُ التَّخييليّة دونها؛ في دون المكنيَّة؛ أي: دون أن تكون تابعةً لها كما يقال: (فلان بين أنيابِ المنيّة الشَّبيهة بالسَّبع)؛ إذا لا مَكْنيّة فيها. وعند ذي الإيضاح أن الاستعارةَ التَّخييليّة لا تكونُ إلّا تابعةً للمَكْنيّة. ولذلك؛ أي: ولعدم (٢) استحسانها دونها استُهْجِن قولُ أبي تمّام (٣):

стр. 738

لَا تَسْقِنِي مَاءَ المَلامِ فإنني صَبٌّ ... قَدِ اسْتَعَذَبتُ مَاءَ بُكائِي لكونِها استعارةً تخييليّةً غيرَ تابعةِ للاستعارةِ بالكناية؛ لاستحالة أن تكون الاستعارةُ في (اللام)، و (الماءُ) قرينة، إذ (الملام) لا يُشْبه شيئًا له ماء حتَّى يُتوهّم للملام مثل الماء؛ كما تُوهّم الأنياب للمنيَّة، ويُطلقُ عليه لفظُ (الماء) ويُضافُ إلى (اللام)؛ لتكون استعارةً بالكناية؛ فتعيَّن أن تكونَ استعارةُ في (الماء)، و (اللام) قرينة؛ فتكون استعارةً مصرّحة (١) بها تخييليّة. يُروى أن بعض أَهل (٢) المحلَةِ (٣) أرسل إلى أبي تَمَّامٍ قارورةً؛ وقال: ابعث لي في هذه شيئًا من ماءِ الملام!، فأرسل إليه أبو تمّام؛ وقال: إذا بعثت إليَّ ريشةً من (جناح الذّل) (٤) بعثتُ إليك شيئًا من ماءِ اللام! (٥).

стр. 739

"والفرْقُ بين التَّشبيهين ظاهرٌ؛ لأنَّه ليس جعل الجناح (١) للذُّلِّ (٢) كجعل الماءِ للملامِ؛ فإن الجناحَ للذُّلِّ مناسبٌ، وذلك أن الطائرَ إذا وهنَ أو تعب (٣) بسط (٤) جناحه وخفضه، وأَلْقى نفسَه على الأرضِ، وللإنسانِ -أيضًا- جناحٌ، فإن يديه جناحاه، وإذا خضع واستكان طأطأ من رأسه وخفض من يديه (٥)؛ فحسُن عند ذلك جعلُ الجناح للذُّلِّ، وصارَ شبيهًا (٦) مُنَاسبًا. وأمّا الماءُ للملام فليس كذلك في مناسبة التَّشبيه" (٧). ولو قيل: بأن الاستعارة التَّخييليّةَ في البيت تابعةٌ للاستعارةِ بالكناية

стр. 740

بأن يُشَبَّه الملام بظرفِ (١) الشَّراب؛ لاشتماله على ما يكرهُه الشّاربُ لمرارته، ثم استعار الملام له بالكناية، ثم يُخْترع فيه شيءٌ شبيهٌ بالماء فيُستعار في اسم الماء- لكان موجّهًا (٢). الثّالثُ: أنّ (٣) الاستعارةَ فرعُ التَّشبيه؛ فأنواعُها (٤) كأنواعِه خمسةٌ: الأَوَّل: استعارةُ حسِّيٍّ لحسِّيٍّ [بوجه حسّيّ] (٥)؛ نحو قوله -تعالى-: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ (٦) فالمستعار (٧) منه هو النّارُ، والمستعارُ له هو الشّيبُ، والوجهُ هو الانْبساطُ. فالطرفان حِسِّيَّان، والوجهُ -أيضًا- حسِّيٌّ، وهو استعارةٌ بالكناية؛ لأنه ذكر المشبّهَ وترك المشبَّه به مع ذكرِ لازمٍ من لوازمِ المشبّه به؛ وهو الاشتعالُ. الثاني: استعارةُ حسِّيٍّ لحسّيٍّ بوجهٍ عقلي؛ نحو قوله -تعالى-:

стр. 741

﴿إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ (١)؛ فالمستعارُ له الرّيحُ، والمستعارُ منه المرأة (٢)؛ وهما حِسّيّان، والوجه المنعُ من ظهورِ النَّتيجة والأثر (٣)؛ وهو عقليٌّ؛ وهو -أيضًا- استعارةٌ بالكنايةِ. قال في الإيضاح (٤): "وفيه نظرٌ؛ لأن العقيمَ صفةٌ للمرأة لا اسم، ولذلك جُعل صفة للرِّيح لا اسمًا" (٥). والحقّ: أن المستعار منه: ما في المرأة من الصِّفة التي تمنع من الحمل، والمستعار له: ما في الرِّيح من الصِّفة التي تمنع من إنشاء مطرٍ وإلقاح شجر". وهو مندفعٌ بالعنايةِ؛ لأن المرادَ من قوله: المستعارَ منه المرأةُ (٦) التي عبّرَ عنها بـ (العقيم)؛ ذكرها السَّكاكيُّ بلفظ ما صدّق عليه، والمعترضُ

стр. 742

بالوصف العُنوانيّ. الثّالثُ: استعارةُ معقولٍ لمعقولٍ (١)، نحو قوله -تعالى-: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ (٢) فالرّقادُ مستعارٌ للموتِ، وهما أمران معقولان؛ والوجهُ: عدمُ ظهور الأفعالِ، وهو عقليٌّ. والاستعارةُ تصريحيّة؛ لكونِ المشبّهِ به مذكورًا. الرَّابعُ: استعارةُ محسوسٍ لمعقولٍ؛ نحو قوله -تعالى-: ﴿مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ﴾ (٣) أصلُ المساسِ في الأجسام، فاستُعير لمقاساة الشِّدّة، وكونِ المستعار منه حسيًّا، والمستعار له عقليًّا (٤)، وكونها تصريحيَّةٌ ظاهر. والوجه: اللّحوق؛ وهو عقليٌّ. الخامسُ: استعارةُ مَعْقولٍ لمحسوسٍ؛ نحو قوله -تعالى-: ﴿لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ (٥) المستعار منه التَّكبّر؛ وهو عقليّ، [والمستعارُ له كثرةُ الماء؛ وهو حسّيٌّ. والوجهُ الاسْتعلاء المفرط؛ وهو عَقْليّ] (٦) وهي (٧) -أيضًا- تصريحيّة. وإنّما لم يذكر الوجه، ولا كيفيّته في الثلاثة الأخيرة لتعيّن كونه

стр. 743

عقليًّا؛ إذ لا بدَّ للحسّيِّ من أن يكون طرفاه حسِّيين؛ لامتناع قيام المحسوس بالمعقول. ولا يجبُ العكسُ؛ أي: لا يجبُ إذا كان الوجهُ عقليًّا أن يكونَ طرفاه عقليّين؛ لصحّةِ إدراك العقلِ من المحسوسِ شيئًا معقولًا؛ كما في النَّوع الثاني. وفي الإيضاح سدَّسَ الأنواعَ بأن زِيدَ فيما طرفاه حسيان قسمٌ ثالثٌ، وهو ما يكونُ الوجهُ مختلطًا -أي: من الحسّيَّ والعقليّ- نحو: رأيتُ شمسًا؛ أي: إنسانًا كالشّمسِ في حُسْن الطّلعة؛ وهو حسّيّ، ونباهةُ الشَّأن؛ وهو عقليّ (١). ولا طائل تحتَه؛ لأَن المركبَ من الحِسّيّ والعقليِّ عقليّ [ضرورةً؛ فليسَ قسمًا مُسْتقلا] (٢). الأَصل الرَّابعُ: في الكناية . وهي تركُ التَّصريح؛ والتَّصريحُ: أداءُ المعنى مما هو موضوعٌ له من غير مزاحمٍ، بذكر الشَّيءِ إلى ذكرِ ما يلزمه لينتقلَ من المذكورِ إلى المَتْروك؛ سواءٌ كان المذكورُ مُرادًا أو لا؛ نحو: (طويلُ النَّجادِ)؛ أي: حمائلُ السَّيفِ، لينتقل من طوله إلى ما هو ملزومه -وهو طول القامةِ؛ لأَنَّها إذا طالت؛ طال النَّجادُ. وهذا التَّعريفُ بناءً على ما ذهب السَّكاكيُّ إليه في صدر الفنِّ (٣).

стр. 744

سُمِّيت الكنايةُ كنايةً لخفائها؛ أي: لما فيها من إخفاءِ [وجهِ] (١) التَّصريح، وكذلك (٢) جميعُ تقاليبها المركّبةِ من (كافٍ) و (نونٍ) و (ياءٍ) في العربيّة تدلُّ على الخفاءِ؛ كالكنى؛ كـ (أمِّ فلان)، و (ابن فلان)؛ بإخفاء وجهِ التَّصريحِ بأسمائهم الأعلام، وكـ (نِكَياتِ الزمّان) لحوادثها (٣) النَّازلة على بَنِيه من حيثُ لا يَشْعرون، وكـ (الكَين) للّحَمة المستبْطنة في فرجِ المرأة، وكـ (النَّيك) (٤) لإخفاءِ النَّاس إيّاه.

стр. 745

ولها للكنايةِ مراتبٌ: فقريبةٌ (١)؛ كـ (طويل النجادِ) لطويلٍ (٢)؛ لعدم تعدّدِ الوسائطِ واللّوازمِ. وبعيدةٌ؛ كـ (نؤومة الضُّحى) لخدومةِ (٣)؛ لتعدّد الواسطة (٤)؛ لأن نومها وترك السَّعي عند وقت السَّعي لازمٌ لَسعي غيرها لها، وسعي غيرها لها يلزمُ كونها مُرفَهةً مخدومةً؛ قال امرؤُ القيْس (٥): وَتُضْحِي فَتِيتُ المِسْكِ فَوْق فِرَاشِهَا ... نَؤُومُ الضُّحى لَمْ تَنْتَطِقْ (٦) عن تَفَضُّلِ (٧) وأَبْعد؛ كـ (مَهْزول الفَصِيل) للمضيافِ؛ لتعدُّد وسَائِطها أكثر من تعدُّدها في (نؤومة الضُّحى)؛ لأن هُزال الفصيل يلزمُ فقد الأمِّ،

стр. 746

وفقدها مع كمال عناية العربِ بالنُّوق لا سيّما بالمُتَلِّيات (١) منها يلزمُ كمال قُوّة الدّاعي إلى نحرها، ولا داعي (٢) إلى نحر المتلّيات أقوى من صرفها إلى الطبائخ، ومن صرف الطبائخ، إلى قرى الأضياف، فهزُال الفصيلِ لازمُ للمضيافيّة -كما ترى- بعدّةِ لوازم. وأقسامُها -أي: الكناية- ثلاثةٌ، إذ المقصودُ بها إِمَّا الموصوف، أو الصِّفةِ، أو التَّخصيص لها؛ للصَّفَة به بالموصوف، والمرادُ بالصِّفة: ما هي؛ نحو: الجودُ في الجواد؛ أي: يُرادُ (٣) بها الوصفُ الأعمُّ من وصف النُّحاة. فالأوّلُ، أي: ما كانَ المقصودُ بها نفسَ الموصوفِ؛ قسمان: قريبةٌ، وهي أَنْ يتَّفقَ في صفة من الصِّفاتِ اختصاصٌ بموصوفٍ مُعيّنٍ عارضٌ فتذكرها؛ متوصِّلًا بها إلى ذكر ذلك الموصوف؛ كـ (جاءَ المضْيَافُ)؛ أي: الكثير الضِّيافة؛ لمن اشتهر به وعرضَ اختصاصُ المَضيافيّةِ به له.

стр. 747

وبعيدةٌ، وهي أن تتكلّفَ اختصاصها بالموصوفِ؛ بأن يُضمَّ لازم (١) إلى لازمٍ آخر؛ فتلفق مجموعا وصفيًّا مانعًا من دخول ما عدا مقصودك فيه؛ وهو الذي يسمَّى في علم الاستدلال: بـ (الخاصَّةِ المركّبةِ)؛ لحصولِ الاختصاصِ بالتَّركيب؛ لكونِ كُلِّ اللّوازم أعمَّ من الملزوم، ومجموعها مُساويًا له؛ كما يقال في رسمِ الخفّاش: (طائرٌ ولود)؛ لأنّ كلا منهما أعمُّ منه، والمجموع مساو له؛ إذْ لا طائر ولودًا غيره. كـ (مُستوى القامة، بادي البشرة، عريض الأظفار)، للإنسان؛ فإن كل واحد من الثّلاثِ غيرُ مختصٍّ بالإنسان لوجوده في غيره، كفى النِّسْناسِ، والحيَّةِ، والقردةِ، والمجموعُ خاصٌّ به، وهكذا كل رسمٍ ذُكِر مجرّدًا عن المرسومِ كانت كناية. وفي المفتاح مكان قوله: (بادي البشرة) قوله: (حي) (٢)؛ وهذا أولى. والثاني؛ أي: ما كان المقصودُ بها نفس الصِّفةِ -أيضًا- قِسْمان: قريبةٌ، وهي أن تنتقلَ إلى مطلوبكَ من أقرب لوازمه إليه؛ كـ (طويل النجاد)؛ متوصّلا به إلى طُول قامته.

стр. 748

وبعيدةٌ؛ وهي أن تنتقل إلى مطلوبك من لازمٍ بعيدٍ بواسطة (١) لوازم مُتسلسلةٍ؛ كـ (كثيرِ الرَّمادِ)؛ فإنّه يُنْتقل فيه من كثرةِ الرّمادِ إلى كثرة الجمرة، ومنها إلى كثرةِ إحراق الحطبِ تحت القدر، ومنها إلى كثرة الطبائخ، ومنها إلى كثرةِ الأكلة، ومنها إلى كثرة الضِّيفان، ومنها إلى أنه مِضْيافٌ. وكذا (جبان الكلبِ)؛ فإنّه يُنتقلُ فيه من جُبن الكَلب عن الهرير في وجْه من يَدْنو من دار صاحبه (٢) مع كونِ الهرير له في وجه من لا يعرفُ أمرًا طبيعيًّا له وهُو مشعرٌ (٣) باستمرارِ تأديبٍ [له] (٤)؛ لامتناع تغيُّر الطبيعة بموجبٍ لا يقوى، واستمرارِ تأديبه أن لا ينبح مُشعرٌ باستمرار مُوجب نباحه؛ وهو اتّصال مشاهدته وجوهًا إِثْر وجُوه (٥)، والاتّصالُ مشعرٌ بكونِ ساحته مَقْصد دانٍ وقاصٍ (٦)، وكونه كذلك مُشْعر بكمال شهرةِ صاحبها بحُسن قِري الأضياف؛ قال الشّاعر (٧):

стр. 749

وَمَا يَكُ فِيَّ مِنْ عَيْبٍ فَإِنِّي ... جَبَانُ الكَلْبِ مَهْزُولُ الفَصِيلِ والثالثُ؛ أي: ما يكونُ المقصود بها اختصاصَ الصِّفةِ بالموصوفِ هو (١) -أيضًا- قِسْمان: قريبةٌ؛ لقلّةِ الوسائطِ (٢) وسُرعةِ انتقالِ الذِّهن إليها؛ نحو: إن السَّمَاحَةَ والمُرُوءَةَ والنَّدَى ... فِي قُبَّةٍ ضُرِبَتْ عَلَى ابْنِ الحَشْرَجِ (٣).

стр. 750

وهو عَلَمُ شخصٍ. فإِنَّه أرادَ أن يُثبت اختصاص ابن الحشرج بهذه الصِّفاتِ فتركَ التَّصريحَ؛ بأن يقول: إنّه مختصٌّ بها، أَوْ نحوه، إلى الكنايةِ؛ بأن جعلها في قُبَّةٍ مضروبةٍ عليه. وبعيدةٌ؛ وهي ما بخلافها (١) نحو: المَجْدُ يَدْعُو أَن يَدُومَ لِجِيْدِهِ (٢) ... عِقْدٌ، مَسَاعِي ابنِ العَمِيدِ (٣) نِظَامه (٤)؛ فإِنَّه لَمَّا أرادَ أن يُثبتَ المجدَ لابن العميدِ لا على سبيل التَّصريح

стр. 751

- "أثبتَ لابن العميدِ مساعي، وجعلها نظامَ عقدٍ، وبيّنَ أن مناطَ ذلك العِقْد هو جيد المجد؛ فنبّهَ بذلك على اعتناءِ ابن العَميد بتزيين المجدِ، ونبَّه بتزيينه إِيَّاه على اعتنائه بشَأنه-؛ أعني: بشأن (١) المجد- وعلى محبَّتهِ (٢) له؛ ونبَّه بذلك على أنَّه ماجدٌ، ولم يقنعه ذلك حتَّى جعل المجدَ -المعرّف تعريف (٣) الجنس- داعيًا أن يدومَ ذلك العقدُ لجيده (٤)، فنبّه لذلك على طلبِ حقيقة المجدِ دوامَ بقاء ابن العميدِ، ونبَّه بذلك على أَن تَزْيينه والاعتناء بِشَأنه مَقْصوران على ابن العميدِ، حتَّى أحكم تخصيص المجد بابن العميدِ، وأكَّده أبلغ تأكيد" (٥). والأمرُ في مخالفته للمفتاح (٦)؛ حيثُ انقسمت [؛ أي: الكنايةُ المطلوبُ بها تخصيص الصِّفة بالموصوف] (٧) فيه إلى اللطيفة والألطف (٨)؛ في تقسيمه (٩) إيّاها إلى القريبة والبعيدةِ كأخويه- سهلٌ؛ إذْ كونها ألطف

стр. 752

وكونها بعيدة متساويان (١) في الوجود. هكذا قال المصنّف (٢). تذنيباتٌ: الأَوَّل: الكنايةُ قد تُساقُ لغير الموصوفِ المذكورِ؛ أي: في القسم الثاني والثالثِ، كما قد تُساق لأجلِ الموصوفِ المذكور -كما مرَّ في القسمين (٣) -، كقوله: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ (٤) إشارةً إلى المنافقين فإنهم بخلافه، أي: لا يؤمنون [بالغيب] (٥)، فيتوصّلَ بذلك إلى نفي الإيمان به عن المنافقين، وهو غيرُ مذكورٍ، لا إِلى إِثباته للموصوف المذكورِ، أي: المتَّقين، وهذا إذا فُسِّرَ الغيبُ بالغَيبة؛ بمعنى: يؤمنون مع الغَيبةِ عن حضْرة الرّسول ﷺ (٦)، إذْ لو

стр. 753

فُسِّرَ بما غاب عنك وأُريد به الخفيّ، الذي هو كالصّانع وصفاته (١)، واليوم الآخر، لا يكون تعريضًا بهم. والأقربُ المناسبُ أن يقال لهذا (٢)، أي: للكنايةِ المسوقة لموصوف غير مذكورٍ: تعريضٌ؛ لِمَا فيه من الإشارةِ إلى جانب، وإيهام أن الغرضَ جانبٌ آخر. يقالُ: نَظرَ إليه بعرض وجهه، أي: بجانبه. ومنه المثلُ: (إن (٣) فِي الْمَعَارِيضِ لَمَنْدُوحَةً عَنِ الكَذِبِ) (٤).

стр. 754

وللبعيد (١)؛ أي: والأقربُ أن يقال للبعيدِ من الكناية، أي: لَمَّا كانت ذاتُ مسافة بينها وبين المُكَنَّى عنه متباعدة؛ لتوسّطِ لوازم، كما في (كثيرُ الرَّمادِ): تَلويحٌ؛ لمناسبته المعنى اللّغوي، وهو الإشارة إلى غيرك من بُعْد. وللقريب من الكنايةِ؛ أي: لِمَا كانتْ ذات مسافةٍ قريبةٍ مع خفاءٍ: رَمْزٌ، كـ نحو: (عريضُ الوسادةِ)، فإن كنايته (٢) عن الأبله فيه نوعٌ من الخفاءِ. ومناسبة إطلاق اسم الرّمزِ عليها، لأن الرمزَ هو أن تُشير إلى قريب منك على سبيل الخفية، لأنه الإشارة بالشَّفتين والحاجب قال (٣):

стр. 755

رَمَزَتْ (١) إِلَيَّ مَخَافَةً مِنْ بَعْلِهَا ... مِنْ غَيْرِ أَنْ تُبْدِي هُنَاكَ كَلامَها. ولَمْ يكن في النُّسخ لفظة قوله: (وللقريب)، وقال المصنِّفُ: بعد عرضي عليه بذلك فألحقت إنابةً، ولا بُدَّ له منه. قال صاحبُ المفتاح (٢): "وإنْ كانت ذات مسافةٍ قريبةٍ، مع نوعِ من الخفاء؛ كان إطلاقُ اسمِ الرّمزِ عليها مُناسبًا". ودونه؛ أي: والأقربُ أن يُقال للقريب منها دون الخفاء. إشارةٌ وإيماءٌ؛ كقوله (٣): سَأَلتُ النَّدى: هل أَنت حُرّ؟ فَقَال: لا؛ ... ولكنّني عبد ليَحيى (٤) بن خالد فقلتُ: اشْتراءً، قال: لا، بلْ وراثةً، ... توارثني من والد بعد والد

стр. 756

فإنّه في إفادته (١) جُودَ ابنِ خالدٍ أظهُر من أن يَخفى. وقال بعضُهم: بين الإيماء والإشارة فرْق؛ وهو أنّ في الإيماءِ (٢) دقّةً، وهو ألطفُ منها؛ يدلُّ عليه قولُ المجنون (٣): أَشَارت بأطرافِ البنانِ وودَّعت ... وأَوْمت بعَيْنَيها متَى أَنت راجعُ والثّاني: التَّعريضُ قد يكونُ: كنايةً بأن يُراد به الموصوفُ -أيضًا-؛ كما إذا قُلْتَ: (آذيتني فسَتعْرف!)، وأَردتَّ المخاطبَ ومع المخاطبِ إنسان آخر؛ مُعْتمدًا على قرائنِ الأَحوال في إرادةِ الإنسانِ الآخر، إذْ لولاها لما أمكن فهم كونِ الآخر مُرادًا، وأنه ليس كناية حقيقة؛ إذْ ليس فيه تصوّر لازم ومَلْزوم، وانتقال منه إليه، إلاٌ أن له مُشابهةً بالكناية؛ وهو كونُ تاءِ الخطابِ مُسْتعملًا فيما هو موضوعٌ له، مُرادًا منه ما ليس بموضوعٍ له، وهو الإنسانُ الآخر؛ كما أن هذا المعنى موجودٌ في الكناية.

стр. 757

ومجازًا بأن لا يُراد به المخاطَب [بَلْ] (١) غير المخاطبِ؛ ولا بُدَّ فيه من القرينةِ- أيضًا، وليس مجازًا حقيقةً؛ لتوقّفه على الانتقالِ من الملزومِ إلى اللّازم، ولا مَلْزوم ها هنا (٢) ولا لازم؛ إِلّا أنه من حيث استعمال التَّاء فيما هي غير موضوعة له مشابه له. وقيلَ (٣): "هذا التَّعريضُ نوع على حدة؛ لا كنايةً ولا مجازًا"؛ إذ لا انتقال فيه من لازمٍ وملزوم. وهذا ممّا يُؤيّدُ ضَعْفَ (٤) قول السَّكاكيِّ وقُوَّة كلامِ الأستاذِ في بحثِ مأَخذ المجازِ والكناية صدر الفصل البياني (٥)؛ إذْ على التَّقديرِ الأَوَّل: كنايةٌ حقيقةً، وعلى الثّاني: مجازٌ حقيقةً على ما ذهب إليه (٦) الأستاذ بلا احتياج إلى تحمُّل تَمَحُّل (٧)؛ من بيانِ المشابهة والقول

стр. 758

بكونِه نوعًا آخر (١). هذا، ثم التَّعريضُ قد يكونُ على سبيل الكناية، وقد لا يكون. والكنايةُ قد تكون على سبيل التَّعريض، وقد لا تكون؛ فَكلٌّ منهما أعمُّ من الآخر بوجه. الثالث: لا وجه لتخصيصِ الكنايةِ بالحقيقةِ كما قيل (٢)؛ عُلِم

стр. 759

خروجها عن حدودِ المجاز بقوله (١) فيها: "مع قرينةٍ مانعة عن إرادة (٢) معناها في ذلك النَّوع"؛ حيث قيل (٣): "المجاز هو الكلمةً المستعملةُ في غير ما هي موضوعة له بالتَّحقيق استعمالًا في الغير (٤) بالنِّسبة إلى نوع حقيقتها مع قرينةِ مانعةٍ عن إرادة معناها في ذلك النَّوع". لا يُقال: إنها ما دخلتْ تحت الجِنْس؛ وهو الاستعمالُ في غير ما هي موضوعه [له] (٥)؛ فكيفَ تَخرجُ بالفصلِ؟. لأنّا نقول: الكنايةُ قد تقعُ -أيضًا- مُسْتعملةً في غير ما هي موضوعة له مع أن على ذلك التَّقدير يحصُل المطلوب أيضًا، وكَذَا (٦) في سائر الحُدودِ لها؛ لأَنه نقلٌ من مَعْنى إلى مَعْنى أعمّ من أَنْ يكون من المعني

стр. 760

الحقيقيِّ أَوْ المجازيِّ، ولهذا قال (١): وقد يكون في المجاز؛ كما تقولُ: (أَنا لَسْت بِحِمار) في معناه المجازيّ، أي: ببليدٍ، ومنه ينتقلُ الذِّهنُ إلى كونِ غيركَ بَلِيدًا، وكما قال (٢): إنّ السَّماحَةَ والمرُوءةَ والنَّدى ... فِي قُبَّةٍ ضُربت عَلى ابن الحَشْرَج فإنّ ضرب القُبَّة عليه مجاز، ومنه انتقال الذهن إلى كرمه (٣). الرّابع: أطبق البلغاء (٤) أن المجاز أبلغ من الحقيقة؛ لأنه إثبات الشيء بملزومه، لأنّ مبني المجاز على الانتقال من الملزوم إلى اللّازم، فأنت في قولك: (رعينا الغيث) ذاكرًا لملزوم النَّبت مريدًا به لازمه؛ فهو دعوى بشاهد؛ فإنّ وُجود الملزوم شاهد لوجود اللّازم؛ لامتناع انفكاك الملزوم عنه. والاستعارةُ أبلغُ من التَّشبيهِ الصَّريح لوجهين: الأَوَّل: لأنها -أي: الاستعارة- مجازٌ مخصوصٌ (٥)، ففيها الفائدةُ كما (٦) في المجاز، من دعوى الشَّيءِ بشاهدٍ.

стр. 761

والثاني [و] (١): إذْ لا اعتراف فيها -في الاستعارة- بكونِ المشبّه به أقوى وأكمل منَ المُشبّهِ في وجهِ التَّشبيه؛ لأنك تدّعي أنه المُشبّه بهِ بعينه؛ بَلْ تجعل تلك الأَكْمليَّة من جانب المُشبَّهِ (٢)، بخلافِ التَّشبيه الصَّريح (٣) فإن فيه اعترافًا بكونِ المشبّه به (٤) أقوى. والكنايةُ أبلغُ من التَّصريح والإفصاح بذكره؛ كما في المجازِ بعينه؛ فإن الانتقال في الكنايةِ عن اللّازمِ إلى الملزوم إنّما يكونُ بعد تساويهما، وحينئذٍ يكونُ انتقالًا من الملزوم إلى اللازم؛ فيصيرُ حالُ الكنايةِ كحالِ المجازِ؛ في كونِ الشَّيءِ معها مُدَّعى بشاهدٍ.

стр. 762

تذييلٌ لِلْعِلْمَيْنِ: البلاغةُ: توفيةُ الكلامِ بحسبِ المقام حَقَّه، أي: حَقّ الكلامِ؛ من فوائدِ التركيب التي هي مُقْتضى الحالات؛ وهو بعلم المعاني، ومراتبِ الدّلالة؛ بإيرادِ أنواع التَّشبيه والمجازِ والكنايةِ على ما ينبغي؛ وهو بعلمِ البيانِ. ولها -أي: للبلاغةِ- طرفان: أسفلُ، به يزيد على ما يُفيدُ أَصْلُ المعنى الذي هو بمنْزلةِ أصواتِ الحيوانات. وأعلى وهو أن يقعَ التَّركيبُ بحيثُ يمتنعُ أن يوجد ما هو أشدُّ تناسُبًا منه (١) في إفادة ذلك المعنى؛ كما أن الأسفل هو أن يقع على وجهٍ لو صار أقلّ تناسبًا منه لخرج عن كونه مُفِيدًا لذلك المعنى، وبينهما مراتبُ تكادُ تفوت الحصر. هو المُعْجز. والإعجازُ شأنه عجيبٌ يُدركُ ولا يمكنُ التعبير عنه، كاستقامةِ الوزنِ تُدركُ ولا يمكنُ وَصْفُها، وكالملاحةِ، وكاستحسان الحيثيّةِ (٢). نعم، للبلاغةِ وجوة يمكن الكشفُ عنها، وأمَّا نفسُ وجه الإعجازِ فلا. ويوصفُ بها بالبلاغة المتكّلمُ كما يقال: (رجلٌ بليغٌ)، والكلامُ، كما يقال: (خطبةٌ بليغةٌ) لا الكلمة. بخلاف الفصاحة، فإنّهما كما

стр. 763

يوصفانِ بها توصفُ الكلمةُ -أيضًا- بها (١)؛ وهذا مِمّا لم (٢) يتعرّضْ له في المفتاح. والفصاحةُ معنويّةٌ (٣)، وهي: الخلوصُ عن التَّعقيد؛ بأَن يدخل الأُذن بلا إذن، فيدخُل المعنى القلْبَ قبل دُخول اللّفظِ الأذن (٤)، ولا يقسم فِكر السّامع بِحيثُ لا يدري من أين يتوصَّل إلى معناه، وبأي طريقٍ يحصل فحواه. ولُطْف هذا المعنى بهذه العبارةِ التي أوردها المُصنِّفُ مما لا يخفى. لا (٥) كما في قولِ الفرزدقِ في مدح إبراهيم (٦) بن هشام المخزوميّ -خال هِشام (٧) بن عبد الملك- وكان أميرَ المدينةِ من قِبَل هشام - (٨):

стр. 764

وَمَا مِثْلُهُ فِي النَّاسِ إِلأ مُمَلَّكًا ... أَبُو أُمِّهِ حَيٌّ أبوهُ يُقَارِبُهْ وتقديرُه: لَيْس مِثل المدوح حيٌّ يقاربُه، إلّا مملّكًا، أبو أمِّ ذلك المملّك أبو المدوح. (مثله) مبتدأٌ، و (في النَّاس) مُتعلِّق به، [و] (١) (حيٌّ) خبرُه، و (يُقَاربه) صفةٌ له. ويُحْتمل أن يكون (حيٌّ) مبتدأً، و (مثله) مع ما يتعلقُ به خبرًا؛ فقدَّم وأَخَّر. ومُرادُه: إنٌ الذي يُماثلُ الممدوحَ ابنُ أخته، فضميرُ (أُمِّه) للمُملك، وضميرُ (أبوه) للممدُوح، وفَصَل بين المُبتَدأ وهو (أبو أمِّه) والخبر وهو (أبوه) بأَجْنبي وهو (حيٌّ)، وكذا بَين (مثله) و (حيّ) (٢)، وقدّم المستثنى وهو إلّا مملّكا على المستثنى منه وهو (حيَّ)، وفصَل بين (حيّ) الموصوف و (يُقَاربه) الصِّفةِ بأجنبي وهو (أبوه)، فإنَّ فيه من (٣)

стр. 765

التَّعقيد ما ترى. ولفظيَّة؛ عطفٌ على (معنويّة)، بأن تكون المُفْرداتُ، وأجزاءُ الكلامِ عربيّةً أصليّةً لا وَحْشيّة؛ وهي أَلا تكون على ألسنةِ الفُصحاءِ أدور ولا استعمالهم لها أكثر. ولا مُبتذلة مُستهانة، وبأن تكون على قانونِ العربيّة ما فيها فسادٌ ولا ضعفٌ. وفي بعض النُّسخ: وسليمة عن التَّنافُر، عذبة على العذبات، سلسة على الأسْلات (١). والتَّنافرُ إمَّا لبُعد بعيدٍ بين المخرجين، أَوْ لقُربٍ شديدٍ بينهما، لأن الأَوَّل كالطّفرة (٢)، والثّاني كالمشي في القيدِ (٣). وقال الأستاذُ: الحاصلُ: أنّ الفصاحةَ عدمُ النُّقصانِ، كما أن

стр. 766

البلاغةَ وُجود المزيّة (١). وإذْ قدْ وقفتَ على العِلْمَين؛ أي: المعاني والبيان؛ وفي المفتاح: "وإذْ وقفت على البلاغة وعلى الفصاحةِ المعنويّة واللّفظيّة، فأنا (٢) أذكُر على سبيل الأنموذج آية (٣). فإن شئتَ فتأمّل قولَه -تعالى-: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (٤) " تر بالجزمِ، لأنها وقعت جوابًا للأمر. ما فيه، في قوله -تعالى-. من لطائفهما، لطائفِ العلمين. وتفاصيلهما بعُجُرِهَا وبُجَرِهَا (٥) مذكورةٌ في

стр. 767

المفتاح (١)، مع أن الذِّهنَ القويم والطبعَ المستقيمَ بعد استحضار ما سلف يقتدر على استنباطِ جُلِّها بل كُلِّها؛ فلا يطولُ الكتابُ بذكرها. وبالحريِّ صفة؛ كالجديرِ لفظًا ومعني، والباءُ زائدةٌ، وهو مُبتدأ، وخبرُه ما بعده؛ أي: (أن نُذيِّلَهُما). وإن جعلته مصدرًا فالباءُ غيرُ زائدةٍ، و (أن نُذيِّلهما) مبتدأٌ وهو خبرُه، وتقديره: فالتَّذييلُ ثابتٌ بالحريّ؛ أي: بالاستحقاقِ. أن نُذيِّلَهما؛ أي: العِلْمين. بشيءٍ من علمِ البديع؛ لأنه من مُتمِّماتِ البلاغة، ومُحَسِّناتِ الكلامِ. ولم يُعرِّفه السَّكاكيُّ، وقد عرَّفَ صاحب الإيضاح بأنه (٢): "عِلْمٌ يُعرفُ به وجوهُ تحسين الكلامِ بعد رعايةِ المطابَقة ووضوح الدلالة". وهو قِسمان: معنويٌّ، وهو وظيفةُ البلاغة. ولفظيٌّ، وهو وظيفةُ الفصاحة. فالمعنويّ (٣) أصناف: المطابقةُ: أن تجمعَ بين متنافيين؛ نحو: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾ (٤)؛ وفي المفتاح قال (٥): "وهي: أن تَجْمع بين متضادَّين؛ وهذا

стр. 768

أخصُّ (١). ويسمَّى بـ: الطِّباق، والتَّضادِّ، والتَّكافؤ- أيضًا. وقد تكونُ بين اسمين -كما مرَّ، وبين فعلين، نحو: ﴿يُحْيِي ويُمِيْتُ﴾ (٢)، وبين حرفين نحو: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ (٣). المقابلةُ: أن تَجمع بين مُتنافيين (٤) وتشرطهما بمتقابلين نحو: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ (٥)،

стр. 769

والمرادُ بـ ﴿وَاسْتَغْنَى﴾ أنه زهِد (١) فيما عند الله كأنه مستغنى عنه فلمْ يتَّق؛ فيكونُ استغنى واتَّقى مُتنافيين. وفي المفتاح (٢): "المقابلةُ هي: أَنْ تَجْمع بين شَيْئين متوافقين أَوْ أَكثر، وبين ضِدّيهما، ثم إذا شرطتَّ هنا (٣) شَرطًا شرطتَّ هناك ضدَّه"؛ وهذا -أيضًا- أخصُّ مِمَّا (٤) في المختصر؛ كما أنه أخصُّ من المطابقةِ. المُشاكلةُ: أن يُذكرَ الشَّيء بلفظِ غيرِه لوقوعه في صُحْبته، أي (٥): صحبة غيره؛ نحو قوله (٦): قالُوا (٧) اقترِحْ شَيْئًا نجِدْ لَكَ طَبْخَهُ ... قُلتُ: اطبخُوا لِي جُبّةً وَقَمِيصا كأنَّه قيل: خِيطُوا لي؛ فذكرَ الجُبَّةَ والقميصَ بلفظِ: الطبخ لوقوعهما في صُحْبةِ: (نُجِدْ لَكَ طَبْخَه).

стр. 770

قوله: (اقترح) من اقْترحته؛ أي: سأَلته إِيَّاه من غير رَويَّةٍ، واقْتِراحُ الكلام: ارْتِجالُه. وقوله: "نُجِد" (١) -بضمَ النُّون وكسرِ الجيم- من الإجادةِ. مُراعاةُ النَّظير: الجمعُ بين المتشَابهاتِ نحو قَوْلِ المعرِّي (٢): تجل عن الرّهط الأمائي غادة ... لها في عقيل من مماليكها رهط وحَرْف كَنُونٍ تَحْتَ رَاءٍ وَلَمْ يَكُن ... بَدالٍ، يؤم الرسم غيّره النّقط. فإنّه جَمَعَ بين المُتشَابهات من حُروفِ التَّهجِّي. الرَّهُطُ الأَوَّل: جلدٌ بقدرِ ما بين السُّرة والرُّكبة [شِبْه] (٣) الإِزار: تَلْبَسه الإماءُ الحُيَّض.

стр. 771

والثاني: القوم. و"حرف": مجرور عطفًا على الرَّهطِ الأَوَّلِ؛ والمرادُ به: النَّاقةُ الضّامرة. وشُبِّه بالنّونِ وهو الحوتُ لدقّتها وهُزَالِها. "تحت راء"؛ أي: رجل يضرب رئة النّاقة. قوله: "بدالٍ"؛ أي: برافقٍ، يُقال: دلوت النَّاقة؛ أي: رفقت بِها. "يؤمّ الرّسم"، يقصد: رَسْم ربع الحبيب. "غيَّره النَّقطُ"؛ أي: نقطُ المطرِ؛ أي: رسمُ ربع الحبيبِ دَرَسَتْه الأمطارُ. وفَحْوى البيتين: تَتَرفَّع عن الإِزار الذي تتّزرُ به الجواري غادة (١)؛ موصوفة بأنها مالكةُ رهطٍ من المماليك (٢) في عَقيل، وعن (٣) ناقةٍ ضامرةٍ تحتَ رجلٍ يضرب رئتها، ولا يرفق بها قاصدةً أَطلالًا غيَّرها الأمطار. ونحو قول الشّاعر (٤): لَقَرأْتَ مِنَّا مَا تَخُطُّ يدُ (٥) الوَعْي ... والبِيضُ تَشْكُلُ والأَسِنَّةُ تَنْقُطُ وفي رواية: تعجم.

стр. 772

وهذا البيتُ مع البيتِ المتقدِّمِ موهمٌ (١) أنهما من منوالٍ واحدٍ؛ لكنّ الأمر بخلافه؛ لأن الأَوَّل من بحرِ الطويل، والثاني من الكامل، وأوّله: لَوْ كنْتَ شَاهِدَنا غَدَاة لقائنا ... والخيلُ من تَحْتِ الفَوارسِ تنحط المُزاوجة: أن يُزَاوجَ بين معنيين في الشّرطِ والجزاءِ؛ كقول البُحتري (٢): إذَا مَا نهَى النَّاهِي فَلَجَّ (٣) بِيَ الهَوَى (٤) أَي: اشتدَّ هواها فيّ إذ (٥) النَّاس حريصٌ على ما منع. أَصَاخَتْ (٦) إِلى الوَاشِي فَلَجَّ بها الهَجْرُ

стр. 773

أي: زادت مُهاجرتُها عنِّي بسببِ إصْغَائها إلى الواشي. وأوَّله وهو من مراعاةِ النّظير (١): كأنَّ الثُّريَّا عُلِّقَت في جَبِينِه ... وفي نَحْرِه الشِّعْري، وفِي خَدِّه القَمَرْ. اللَّفُّ والنَّشْرُ: أن تَلفَّ بين شيئين في الذِّكر، وتنشر متعلّقهما (٢) من غير تعيين متعلّق بواحدٍ وآخر بآخر؛ اعتمادًا على العقْل بأنّه يردُّ كلًّا من المتعلّقين إلى ما له التَّعلّق؛ نحو: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٣)؛ فإنّه لفَّ بين اللّيلِ والنَّهارِ، ثمَّ نشرَ (٤) متعلّقهما (٥) وهو السّكون والابتغاءُ؛ اعتمادًا على أن العقلَ يردُّ السُّكونَ إلى اللّيلِ، والابتغاءَ إلى النَّهار. وهذا يُسمّى: لفًّا ونشرًا؛ على

стр. 774

التَّرتيب؛ لأَن النَّشر على ترتيب اللَّف. وما هو على [غير] (١) التَّرتيب (٢)؛ كقوله (٣): كَيْفَ أَسْلُو (٤) وَأَنتِ حِقْفٌ (٥) وَغُصْنٌ ... وغَزَالٌ لَحْظًا (٦) وَقدًّا (٧) ورِدْفًا (٨)، (٩) الجَمْعُ: أَنْ يُدْخل (١٠) شَيْئين فَصَاعدًا في نوعٍ واحدٍ؛ أي: الجمعُ إدخالُ جُزْئين أَوْ أكثر تحت كُليّ واحد؛ ويُسمَّى ذلك الكلِّي الجَامعَ؛ نحو:

стр. 775

إن الشَّبَابَ والفَراغَ والجِدَة ... مَفْسَدةٌ لِلْمَرءِ أَيُّ مَفْسَدة (١) فالكُلِّيُّ هو (٢): المفسدةُ، وجُزئيَّاتُها: الشَّبابُ، والفراغُ، والجِدَةُ. الفرقُ (٣): عَكْسُه؛ أي: عكسُ الجمع، وهو: إيقاعُ تبايُنٍ بين أمرين من نوع واحدٍ؛ كقوله (٤): مَا نَوالُ (٥) الغَمَامِ وقْتَ ربيعٍ ... كَنَوالِ الأَمِيرِ يَومَ سَخَاءِ
следующие страницы →