← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 1747

أثر اختلاف الأسانيد والمتون في اختلاف الفقهاء

ماهر الفحل

Полный текст (524 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

بنسخه ... الخ كلامه)) (١). وادَّعى الطحاوي أن هَذِهِ الإباحة كَانَتْ قَبْلَ تحريم الربا، ونسخت بتحريم الربا، فَقَالَ: ((فلما حرم الربا، حرمت أشكاله كلها، وردت الأشياء المأخوذة إِلَى أبدالها المساوية لها، وحرم بيع اللبن في الضروع، فدخل في ذَلِكَ النهي عن النفقة الَّتِي يملك بِهَا المنفق لبناً في الضروع، وتلك النفقة فغير موقوف مقدارها، واللبن كَذَلِكَ أيضاً. فارتفع بنسخ الربا أن تجب النفقة عَلَى المرتهن بالمنافع الَّتِي يجب لَهُ عوضاً مِنْهَا، وباللبن الَّذِي يحتلبه فيشربه)) (٢). وأجاب القائلون بالمذهب الأول عن دعوى النسخ هَذِهِ، بأن شرط النسخ مَعْرِفَة التاريخ، حَتَّى يعلم المتقدم من المتأخر والناسخ من المنسوخ، وهذا متعذرٌ هنا، فكان القول بالنسخ قَوْلاً بالاحتمال، والاحتمال لا تؤسس عَلَيْهِ الأحكام (٣). ثُمَّ إن الجمع بَيْنَ هَذِهِ الأحاديث ممكن، وذلك بالقول أن نفقة الرهن تجب عَلَى الراهن مقابل الملك، فإذا امتنع عن النفقة كَانَ من حق المرتهن أن ينفق عَلَى الرهن حفظاً لَهُ من التلف، الَّذِي هُوَ إضاعة للمال، وَقَدْ نهى الشرع عَنْهُ، وبما أن نفقة المرتهن مال لَهُ، فيستحق العوض عَنْهُ، ومادام الراهن يمتنع عن النفقة، فإن للمرتهن أخذ العوض من مال الراهن وَلَوْ بغير إذنه، والركوب وشرب اللبن والمنافع الَّتِي لا تلحق نقصاً أو ضرراً بالعين المرهونة عوض، يستحقه المرتهن بدلاً عن نفقته (٤). النموذج الثاني: رد الشاة المصراة اختلف الفقهاء في جواز رد الشاة المصراة إذا اطلع الْمُشْتَرِي عَلَى هَذَا العيب بَعْدَ الشراء عَلَى قولين: الأول: لا يجوز رد الشاة المصراة، وإليه ذهب أبو حَنِيْفَةَ ومحمد، وأبو يوسف في رِوَايَة عَنْهُ (٥). الثاني: يجوز ردها بعيب التصرية، وبه قَالَ جمهور الفقهاء، ومنهم: الشافعية (٦)،

стр. 177

والمالكية (١)، والحنابلة (٢)، وجمهور أهل الْحَدِيْث (٣). واختلفوا في تعيين وجوب رد الصاع، أو ما ينوب عَنْهُ (٤). واستدل القائلون بالجواز بحديث أبي هُرَيْرَةَ ﵁، أن النَّبِيّ ﷺ قَالَ: ((لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بَعْد فإنه بخير النظرين بَعْدَ أن يحتلبها: إن شاء أمسك وإن شاء ردها وصاعاً من تمر)) (٥). وأجاب من قَالَ بعدم الجواز: بأن هَذَا الْحَدِيْث مخالف للقياس من وجوه: ١ - إن رد المبيع بلا عيب ولا خلاف في صفة لا تقره أصول الشريعة؛ وذلك لأن التصرية ليست من العيوب فإن البيع يقتضي سلامة المبيع، وقلة اللبن لاتعدُّ من العيوب الَّتِي تعدم السلامة؛ لأن اللبن ثمرة وبعدمه لا تنعدم صفة السلامة، فبقلته من باب أولى. ٢ - القاعدة أن الخراج بالضمان، فاللبن الحادث عِنْدَ الْمُشْتَرِي غَيْر مضمون، وَقَدْ نُصَّ عَلَى ضمانه. ٣ - إن الشيء المضمون (اللبن) مثلي، والقاعدة أن المثليات تضمن بمثلها، وَقَدْ ضمنه بغير المثل. ٤ - في الضمان إذا انتقل من المثل فإنه ينتقل إِلَى القيمة، والتمر المذكور في الْحَدِيْث لَيْسَ قيمة ولا مثْلاً. ٥ - أن المال المضمون يقدر بقدره قلة وكثرة، والقدر منصوص عَلَيْهِ هنا وَهُوَ الصاع (٦). وأجيب عن الأول بأنه لَيْسَ في أصول الشريعة ما يدل عَلَى انحصار أسباب الرد بهذين الأمرين، بَلْ إن الخيار يثبت للمشتري بالتدليس، وذلك لأن الْمُشْتَرِي رأى الضرع مملوءاً باللبن، فظن أن ذَلِكَ عادتها، فكأن البائع قَدْ شرط لَهُ ذَلِكَ، فإذا تبين لَهُ خلاف ذَلِكَ ثبت لَهُ الرد، لفقد الشرط المعنوي الَّذِي نوهنا بهُ.

стр. 178

وعن الثاني: فإن الخراج اسم للغلة، مِثْل: كسب العبد وأجرة الدابة ونحو ذَلِكَ. أما الولد واللبن فَلاَ يسمى خراجاً، والعامل المشترك بَيْنَهُمَا كونهما من الفوائد، وإلا فإن الكسب الحادث والغلة لَمْ يكونا موجودين حال البيع، بَلْ حدثا بَعْدَ القبض. وأما اللبن هنا فإنه كَانَ موجوداً حال العقد، فكان جزءاً من المعقود عَلَيْهِ، والصاع لَمْ يقدره الشارع عوضاً عن اللبن الحادث، وإنما هُوَ عوض عن اللبن الَّذِي كَانَ موجوداً وقت العقد في الضرع، فكان ضمانه من تمام العدل. وعن الثالث: فإنه لا يمكن تضمينه بالمثل البتة، فإن اللبن في الضرع محفوظ وغير عرضة للفساد، فإذا حلب صار معرضاً للحموضة والفساد. وعن الرابع: بأنا لَوْ وكلنا تقديره إليهما أو إِلَى أحدهما لكثر النزاع، فحسم الشارع النزاع وحده بقدر لا يتعد أنَّهُ قطعٌ للخصومة. وعن الخامس فإن اللبن الحادث بَعْدَ العقد قَدْ اختلط بالموجود وقته، ولا يعرف مقداره حَتَّى نوجب نظيره، وَقَدْ يَكُوْن أكثر أو أقل، فيفضي إِلَى الربا (١). المبحث السادس مخالفة الْحَدِيْث لعمل أهل المدينة من المعلوم أن المدينة النبوية كَانَتْ مهبط الوحي ومركز السلطة التشريعية والدنيوية في الحقبة الثانية من الدعوة النبوية، وَلَمْ يؤثر عن أحد من الصحابة سواء من المهاجرين أو الأنصار مِمَّنْ سكنها أنَّهُ نزح عَنْهَا في حياة رَسُوْل الله ﷺ . وكانوا في حياتهم العامة عَلَى تماس مَعَ التشريعات والأحكام، يعيشون ظروفها، ويفقهون عللها، ويقومون بمهمة نشرها وتعليمها، وهكذا ظلت أجيال الناس فِيْهَا تتلقى الأحكام جيلاً عن جيل، وَهُوَ مؤدٍ في نهاية المطاف إلى اعتبار إجماع أهلها نقلاً بالتواتر للحكم المعمول بِهِ (٢). لذا اشترط جمهور المالكية للعمل بخبر الآحاد أن لا يَكُوْن مخالفاً لعمل أهل المدينة (٣) وتعللوا بِمَا قدمنا ذكره. والحق أن الْحَدِيْث إذا صَحَّ لَمْ يَكُنْ لقول أحدٍ كائناً من كَانَ أن يعارض بِهِ، والحجة في نقل المعصوم فَقَطْ، ثمَّ إن أهل المدينة جزء من الأمة لا كلها، فَلاَ ينبني

стр. 179

عَلَى موافقتهم جواز مخالفة الأحاديث المقبولة (١). وَقَدْ فند أدلتهم ابن حزم من وجوه حاصلها: ١ - إن الخبر المسند الصَّحِيْح قَبْلَ العمل بِهِ، أحق هُوَ أم باطل؟ فإن قالوا: حق، فسواء عمل بِهِ أهل المدينة أم لَمْ يعملوا، لَمْ يزد الحقَ درجةً عملُهُم بِهِ وَلَمْ ينقصه إن لَمْ يعملوا بِهِ، وإن قالوا باطل، فإن الباطل لا ينقلب حقاً بعملهم بِهِ، فثبت أن لا معنى لعمل أهل المدينة أو غيرهم. ٢ - العمل بالخبر الصَّحِيْح متى أثبت الله العمل بِهِ، أقبل أن يعمل بِهِ أم بَعْدَ العمل بِهِ؟ فإن قالوا: قَبْلَ أن يعمل بِهِ، فَهُوَ كقولنا. وإن قالوا: بَعْدَ أن يعمل بِهِ، لزمهم عَلَى هَذَا أن العاملين بِهِ هم الَّذِيْنَ شرعوا الشريعة، وهذا باطل. ٣ - نقول: عمل من تريدون؟ عمل أمة مُحَمَّد ? كافة، أم عمل عصر دُوْنَ عصر، أم عمل رسول الله ?، أم أبي بكر، أم عمر، أم عمل صاحب من سكان المدينة مخصوصاً؟ فإن قالوا: عمل الأمة كلها، فَلاَ يصح؛ لأن الخلاف بَيْنَ الأمة مشتهر، وهم دائمو الرد عَلَى من خالفهم، فلو كَانَتْ الأمة مجمعة عَلَى هَذَا القول فعلى من يردون؟! وإن قالوا: عصر دُوْنَ عصر، فباطل أيضاً؛ لأنَّهُ ما من عصر إلا وقَدْ وجد فيه خلاف، ولا سبيل إِلَى وجود مسألة متفق عَلَيْهَا بَيْنَ أهل عصر (٢). ٤ - ونقول لَهُمْ: أهل المدينة الَّذِيْنَ جعلتم عملهم حجة رددتم بِهَا خبر المعصوم، اختلفوا فِيْمَا بَيْنَهُمْ أم لا؟ فإن قالوا: لا، فإن الموطأ يشهد بخلاف هَذَا، وإن قالوا: نعم، قُلْنَا: فما الَّذِي جعل اتباع بعضهم أولى من بَعْض (٣). النموذج الأول: خيار المجلس يمكن تعريف خيار المجلس بأنه: حق العاقدين في إمضاء العقد أو رده، منذ التعاقد إِلَى التفرق أو التخاير (٤).

стр. 180

والأكثرون عَلَى تسميته ((خيار المجلس)) ومنهم من يسميه ((خيار الْمُتَبَايِعَيْنِ)) (١). فإذا أتم العاقدان عقد البيع من غَيْر أن يتفرقا وَلَمْ يختر أحدٌ مِنْهُمَا اللزوم، فهل يعتبر العقد لازماً بمجرد هَذَا التمام، أَمْ أن لكلا العاقدين الحق في فسخ العقد ما داما في مجلس البيع؟ اختلف الفقهاء في ثبوت هَذَا الحق عَلَى قولين: الأول: لا يثبت خيار المجلس، والعقد لازم بالإيجاب والقبول، إلا إذا تشارطا أو أحدهما إثبات الخيار. وبهذا قَالَ: إبراهيم النخعي وأهل الكوفة، وربيعة الرأي وطائفة من أهل المدينة، وَهُوَ قَوْل الثوري في رِوَايَة عَبْد الرزاق عَنْهُ (٢). وإليه ذهب الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، وأكثر الزيدية (٥). الثاني: خيار المجلس ثابت للمتعاقدين، ولكل مِنْهُمَا الحق في فسخه مادام المجلس قائماً، ومالم يختر أحدهما اللزوم. روي هَذَا عن: عمر، وعثمان، وابن عمر، وابن عَبَّاسٍ، وأبي هُرَيْرَةَ، وأبي برزة الأسلمي (٦)، وبه قَالَ: سعيد بن المسيب، والحسن البصري، وشريح، والشعبي، وعطاء، وطاووس، والزهري، والأوزاعي، وابن أبي ذئب في طائفة من أهل المدينة، والثوري في "جامعه"، والليث بن سعد، وعبيد الله بن الحسن، وداود الظاهري، وسوّار (٧) قاضي البصرة، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك، وابن جريج، ومعمر، ومسلم بن خالد

стр. 181

الزنجي (١)، والدراوردي (٢)، ويحيى القطان، وعبد الرَّحْمَان بن مهدي، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور (٣). وإليه ذهب الشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، والظاهرية (٦)، والإمامية (٧)، وبعض الزيدية (٨). واستدل الجُمْهُوْر بأدلة متظافرة كثيرة مِنْهَا: ما صَحَّ عن رَسُوْل الله ﷺ أنَّهُ قَالَ: ((الْمُتَبَايِعَانِ كُلّ واحد مِنْهُمَا بالخيار عَلَى صاحبه، ما لم يتفرقا، إلا بيع الخيار)) (٩). وجه الدلالة من هَذَا الْحَدِيْث: أن الْحَدِيْث مصرح بأن العقد بَيْنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ غَيْر لازم ما لم يحصل التفرق عن مجلس العقد، أو يختار واحد مِنْهُمَا اللزوم. وأجاب المالكية عن هَذَا الْحَدِيْث: بأنه مخالف لعمل أهل المدينة، لذا قَالَ الإمام مالك عقب روايته لهذا الْحَدِيْث: ((وَلَيْسَ لهذا عندنا حد معروف، ولا أمر معمول فِيْهِ)) (١٠). وَهُوَ خبر آحاد فَلاَ يقوى عَلَى مخالفة عملهم (١١). ونستطيع أن نرد قَوْل المالكية هَذَا، من ثلاثة وجوه هِيَ:

стр. 182

١ - أن اشتراط المالكية للعمل بخبر الآحاد: أن لا يَكُوْن مخالفاً لعمل أهل المدينة، شرط تفردوا بِهِ، فيكون لازماً لَهُمْ ولا يلزم غيرهم. ٢ - عَلَى فرض التسليم - جدلاً - بكون هَذَا الَّذِي اشترطوه شرطاً للعمل بخبر الآحاد، فما اشترطوه غَيْر متحقق في هَذِهِ المسألة، فإنهم نصوا عَلَى أن إجماع أهل المدينة إذا عارضه خبر آحاد، قدم الإجماع. ودعوى إجماع أهل المدينة هنا منقوضة، فَقَدْ سبق أن نقلنا القول بثبوت خيار المجلس عن: عمر وعثمان وابن عمر وأبي هُرَيْرَةَ وسعيد بن المسيب والزهري وابن أبي ذئب والدراوردي، وهؤلاء جميعاً من أهل المدينة، فكيف تصح دعوى إجماعهم؟ حَتَّى إن ابن أبي ذئب لما قِيْلَ لَهُ أن مالكاً لا يعمل بهذا الْحَدِيْث قَالَ: ((هَذَا خبرٌ موطأٌ في المدينة)) (١)، يريد أنَّهُ منتشر. ٣ - وإذا أمعنا في التنزل معهم، والتسليم بأن هَذَا الشرط الَّذِي اشترطوه صَحِيْح، وأن إجماع أهل المدينة متحقق، فإنه يخدش استدلالهم عدم كون الْحَدِيْث آحادياً، وكيف يَكُوْن خبر آحاد وَقَدْ رَوَاهُ من الصَّحَابَة عدد غفير، وقفنا عَلَى رِوَايَة سبعة مِنْهُمْ، هم: أ. سمرة بن جندب: وحديثه أخرجه: ابن أبي شيبة (٢)، وأحمد (٣)، وابن ماجه (٤)، والنسائي (٥)، والطحاوي (٦)، والبيهقي (٧). ب. عَبْد الله بن عَمْرو بن العاص: وحديثه عِنْدَ: أحمد (٨)، وأبي داود (٩)، والترمذي (١٠)، والنسائي (١١)، والدارقطني (١٢)، والبيهقي (١٣)، وابن عَبْد البر (١٤).

стр. 183

ج. ابن عَبَّاسٍ: وأخرج حديثه ابن حبان (١)، والبزار (٢)، وأبو بكر (٣) الإسماعيلي (٤)، والبيهقي (٥). د. أبو هُرَيْرَةَ: حديثه عِنْدَ الطيالسي (٦)، وابن أبي شيبة (٧)، وأحمد (٨)، والطحاوي (٩)، والطبراني (١٠)، وابن عدي (١١). هـ. عَبْد الله بن عمر: وَهُوَ أشهر طرق هَذَا الْحَدِيْث، أخرجه: مالك (١٢)، والشافعي (١٣)، وأحمد (١٤)، والبخاري (١٥)، ومسلم (١٦)، وأبو داود (١٧)، والترمذي (١٨)، وابن ماجه (١٩)، والنسائي (٢٠)، وغيرهم (٢١). و. حكيم بن حزام (٢٢): عِنْدَ الشَّافِعِيّ (٢٣)، والطيالسي (٢٤)، وأحمد (٢٥)،

стр. 184

والبخاري (١)، ومسلم (٢)، وأبي داود (٣)، والترمذي (٤)، والنسائي (٥)، وابن حبان (٦)، والطبراني (٧)، وغيرهم. ز. أبو برزة الأسلمي: أخرجه الشَّافِعِيّ (٨)، والطيالسي (٩)، وابن أَبِي شيبة (١٠)، وأحمد (١١)، وأبو داود (١٢)، وابن ماجه (١٣)، وبحشل (١٤)، والبزار (١٥)، وابن الجارود (١٦)، والروياني (١٧)، والطحاوي (١٨)، والدارقطني (١٩)، والبيهقي (٢٠)، والخطيب البغدادي (٢١)، وابن عَبْد البر (٢٢). وبهذا فإن الْحَدِيْث في أقل أحواله: مشهور (٢٣)، والمشهور تختلف أحكامه عن الآحاد من حَيْثُ تخصيص الكِتَاب والزيادة عَلَيْهِ.

стр. 185

أما الحنفية فَقَدْ استدلوا بعمومات نصوص الكِتَاب العزيز مِنْهَا: ١ - قوله تَعَالَى: ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً ? (١). وجه الدلالة: أن الله تَعَالَى أباح أكل المبيع إذا كَانَ عن رضى الطرفين، والنص مطلق عن قيد التفرق عن مكان العقد. ٢ - قوله تَعَالَى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)) (٢). وجه الدلالة: أن الشارع ﵎ أوجب الوفاء بالعقود، وعقد البيع بَعْدَ الإيجاب والقبول وقبل مفارقة المجلس أو التخيير يسمى عقداً أيضاً، فيكون داخلاً في عموم هَذَا النص، والقول بخلافه إبطال للنص. وأجابوا عن الْحَدِيْث بأنه: خبر آحاد مخالف لظاهر الكِتَاب فيجب تأويله، فيحمل التفرق الوارد في الْحَدِيْث عَلَى التفرق بالأقوال لا بالأبدان، جمعاً بَيْنَ النصوص الواردة في هَذَا (٣). ونجيب عَنْهُ بِمَا يأتي: أما كون الْحَدِيْث آحادياً: فَقَدْ أبطلنا ذَلِكَ في ما مضى، وبينا أن الْحَدِيْث في أقل أحواله مشهور، وللمشهور عِنْدَ الحنفية حكم المتواتر في جواز تخصيص عمومات الكِتَاب بِهِ (٤). وأما كون المراد التفرق بالأقوال: فَهُوَ خلاف المتبادر إِلَى الذهن من أن المراد التفرق بالأبدان، ونضيف بأن من الْمُسلّمَات - إذا سرنا عَلَى أصول الحنفية - أن راوي الْحَدِيْث أعلم بتفسيره لذا ردوا - كَمَا سبق - حَدِيْث ولوغ الكلب، وإذا حكّمنا هَذِهِ القاعدة هنا بانت الحجة عَلَيْهِمْ، فهذا الْحَدِيْث من رِوَايَة ابن عمر ﵄، وَقَدْ أخرج البُخَارِيّ (٥) من طريق يَحْيَى بن سعيد، عن نافع قَالَ: ((وَكَانَ ابن عمر إذا اشترى شيئاً يعجبه فارق صاحبه)). ورواه مُسْلِم (٦) من طريق ابن جريج، عن نافع بلفظ:

стр. 186

((فكان إذا بايع رجلاً فأراد أن لا يقبله، قام فمشى هنية، ثُمَّ رجع إِلَيْهِ)). كَمَا أن في بَعْض ألفاظ الْحَدِيْث من رِوَايَة ابن عمر وغيره من الصَّحَابَة ﵃ التصريح بِمَا يخالف تأويل الحنفية لهذا الْحَدِيْث. لهذا ولغيره، يبدو لنا رجاحة ما ذهب إِلَيْهِ الجُمْهُوْر. المبحث السابع مخالفة الْحَدِيْث للقواعد العامة في الفقه الإسلامي لَمْ يشترط أحد من الأئمة المتقدمين للعمل بخبر الآحاد، أن لا يخالف القواعد العامة، وذلك لأن القواعد العامة أصالة تؤسس عَلَى استقراء نصوص الشارع الحكيم، ومن ثَمَّ تصاغ القاعدة بِمَا يتفق مَعَ مضامين النصوص. إلا أننا وجدنا من خلال استقراء كتب الفقه أن المتأخرين من أصحاب مالك خرّجوا بَعْض المسائل عَلَى هَذَا الشرط، وكأنهم فهموا من اجتهادات الإمام مالك أنَّهُ يشترط ذَلِكَ في خبر الآحاد لصحة العمل بمضمونه. وعلى هَذَا فخبر الآحاد إذا خالف القواعد العامة فَلاَ يعمل بِهِ عندهم، لأن القاعدة موطن اتفاق بَيْنَ الفقهاء من حَيْثُ المضمون الَّذِي يعبر عن فحوى عدد من النصوص عن الشارع، فمخالفة خبر الآحاد لها مسقط للعمل بِهِ، إذ يتضمن مخالفة تِلْكَ النصوص المتظافرة عَلَى إثبات ما تضمنته تِلْكَ القاعدة. ويمكننا الإجابة عن هَذَا الشرط: بأن القاعدة مهما بلغت فَلاَ تعدو كونها تأسيساً عَلَى نصوص، فَلاَ يمكن رد النص بِهَا، والاحتكام حينئذٍ إِلَى النص، والتعارض لا يَكُوْن مبطلاً للقاعدة، بَلْ استثناء من مضمونها (١). أثر ذَلِكَ في اختلاف الفقهاء حكم من أكل أو شرب ناسياً في نهار رَمَضَان اختلف الفقهاء فيمن أكل أو شرب ناسياً في نهار رَمَضَان، هَلْ يفسد صومه أم لا؟ عَلَى قولين: الأول: لا يفسد صوم من أكل أو شرب ناسياً، وَهُوَ قَوْل جمهور الفقهاء، وإليه

стр. 187

ذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، والظاهرية (٤)، والزيدية (٥)، والإمامية (٦). الثاني: يفسد صوم من أكل أو شرب ناسياً، وَعَلَيْهِ القضاء، وبه قَالَ ربيعة الرأي (٧)، والمالكية (٨)، والقاسمية من الزيدية (٩). الأدلة: استدل القائلون بالمذهب الأول بأدلة عديدة، مِنْهَا: ما رَوَاهُ أبو هُرَيْرَةَ ﵁ أن رَسُوْل الله ﷺ قَالَ: ((إذا نسي فأكل وشرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه)). رَوَاهُ عَبْد الرزاق (١٠)، وأحمد (١١)، والدارمي (١٢)، والبخاري (١٣)، ومسلم (١٤)، وأبو داود (١٥)، وابن ماجه (١٦)، والترمذي (١٧)، والنسائي (١٨)، وابن الجارود (١٩)،

стр. 188

وأبو يعلى (١)، وابن خزيمة (٢)، وابن حبان (٣)، والطبراني (٤)، والدارقطني (٥)، والبيهقي (٦)، والبغوي (٧). وجه الدلالة: أن النص ظاهر في أن الأكل والشرب بالنسبة للصائم ناسياً لا يؤثر في الصوم، والنص مطلق من حَيْثُ عدم تقييد الصيام بكونه فرضاً أو نفلاً. قَالَ ابن دَقِيْقِ العِيْدِ: ((عمدة من لَمْ يوجب القضاء هَذَا الْحَدِيْث وما في معناه أو ما يقاربه، فإنه أمرَ بالإتمام وسمى الَّذِي يتم صوماً، وظاهره حمله عَلَى الحقيقية الشرعية، وإذا كَانَ صوماً وقع مجزئاً، ويلزم من ذَلِكَ عدم وجوب القضاء)) (٨). ثُمَّ قَالَ: ((وإذا دار اللفظ بَيْنَ حمله عَلَى المعنى اللغوي والشرعي، كَانَ حمله عَلَى الشرعي أولى)) (٩). وأجاب من قَالَ بالمذهب الثاني عن هَذَا الاستدلال بِمَا يأتي: ١ - قالوا: هَذَا الْحَدِيْث خبر آحاد، وَقَدْ عارض القاعدة العامة الَّتِي تقول: ((النسيان لا يؤثر في باب المأمورات)) (١٠). أي لا يؤثر من ناحية براءة ذمة المكلف مِنْهُ. قَالَ ابن العربي (١١): ((أصل مالك في أن خبر الواحد إذا جاء بخلاف القواعد لَمْ يعمل بِهِ)) (١٢) فما يفسد الصوم بعدمه عَلَى وجه العمد، فإنه يفسده عَلَى وجه النسيان، كَمَا في

стр. 189

النية (١)، والصيام ركنه الإمساك، فإذا فات الركن في العبادة وجب الإتيان بِهِ، وَقَدْ تعذر هنا، فاقتضى الحكم بفساد صومه. قَالَ ابن دَقِيْقِ العِيْدِ: ((ذ هب مالك إِلَى إيجاب القضاء وَهُوَ القياس، فإن الصوم قَدْ فات ركنه وَهُوَ من باب المأمورات، والقاعدة تقتضي أن النسيان لايؤثر في باب المأمورات)) (٢)، وأفاض الْقَاضِي ابن العربي في تأييد مذهب مالك، فَقَالَ: ((هَذَا الْحَدِيْث صَحِيْح مليح ينظر إِلَى مطلقه دُوْنَ تثبت جَمِيْع فقهاء الأمصار، وقالوا: من أفطر ناسياً لا قضاء عَلَيْهِ، تعلقاً بقول النَّبِيّ ? في الصَّحِيْح: ((إنّ الله أطعمك وسقاك)). وتطلّع مالك إِلَى المسألة من طريقها، فأشرف عَلَيْهَا فرأى في مطلعها: أن عَلَيْهِ القضاء؛ لأن الصوم عبارة عن الإمساك عن الأكل، فَلاَ يوجد مَعَ الأكل لأنَّهُ ضده، وإذا لَمْ يبق ركنه وحقيقته لَمْ يوجد، وَلَمْ يَكُنْ ممتثلاً ولا قاضياً ما عَلَيْهِ، ألا ترى أن مناقض شرط الصَّلاَة وَهُوَ الوضوء: الحدث، إذا وجد سهواً أو عمداً أبطل الصَّلاَة؛ لأن الأضداد لا جماع مَعَ أضدادها شرعاً ولاحساً، وَلَيْسَ لهذا الأصل معارض إلا الكلام في الصَّلاَة)) (٣). ٢ - حمل الْحَدِيْث عَلَى صوم التطوع دُوْنَ الفرض، بحجة أن الْحَدِيْث لَمْ يقع فِيْهِ تعيين رَمَضَان، فيصار إلى حمله عَلَى التطوع (٤). ٣ - حمل الْحَدِيْث عَلَى أمر الصائم الَّذِي تَكُوْن هَذِهِ حاله بإتمام صيام ذَلِكَ اليوم، وسقوط الإثم عَنْهُ، لَكِنْ يجب عَلَيْهِ قضاؤه (٥). ٤ - قَالَ ابن العربي: ((وهذا الْحَدِيْث يوافق القاعدة في رفع الإثم فقبل في ذَلِكَ، ولا يوافقها في بقاء العبادة بَعْدَ ذهاب ركنها أشتاتاً فَلاَ يعمل بِهِ)) (٦). وأجيب عَنْهُمْ: أما أولاً: فالقياس المذكور قياس غَيْر صَحِيْح؛ لكونه في مقابلة النص، ولا اجتهاد في مورد النص، وَقَدْ ذَكَرَ البرماوي في شرح العمدة: أن شرط القياس عدم مخالفة النص (٧).

стр. 190

وكون الْحَدِيْث خبر واحد مخالف للقاعدة، أمر فِيْهِ نظر، وعلل هَذَا الحافظ ابن حجر فَقَالَ: ((لأنَّهُ - يعني: الْحَدِيْث المذكور - قاعدة مستقلة بالصيام فمن عارضه بالقياس عَلَى الصَّلاَة أدخل قاعدة في قاعدة، وَلَوْ فتح باب رد الأحاديث الصَّحِيْحَة بمثل هَذَا لما بقي من الْحَدِيْث إلا القليل)) (١). وأما ثانياً: فَقَدْ ورد التصريح بتعيين رَمَضَان في بَعْض طرق الْحَدِيْث، فأخرج ابن خزيمة (٢)، ومن طريقه ابن حبان (٣)، وأخرجه الطبراني (٤)، والدارقطني (٥)، والحاكم (٦)، ومن طريقه البيهقي (٧)، كلهم من طريق مُحَمَّد ابن عَبْد الله الأنصاري، عن مُحَمَّد بن عَمْرو (٨)، عن أبي سلمة بن عَبْد الرَّحْمَان، عن أبي هُرَيْرَةَ، مرفوعاً: ((من أفطر في شهر رَمَضَان ناسياً، فَلاَ قضاء عَلَيْهِ ولا كفارة)) (٩). وأما ثالثاً: فإن قوله ﷺ في نهاية الْحَدِيْث: ((فإنما أطعمه الله وسقاه))، دليل عَلَى صحة صومه، فَهُوَ مشعر بأن الفعل الصادر مِنْهُ غَيْر مضاف إِلَيْهِ، والحكم بكونه مفطراً يحتاج إِلَى إضافته إِلَيْهِ (١٠). لذا قَالَ الخطابي (١١): ((معناه أن النسيان ضرورة، والأفعال الضرورية غَيْر مضافة في الحكم إِلَى فاعلها وغير مؤاخذ بِهَا، والقياس مطرد إلا أن يكثر النسيان، فإنه إذا تتابع أخرج العبادة عن حد القربة، وردها إِلَى حد العدم)) (١٢).

стр. 191

ثُمَّ إن الحكم بصحة صوم الصائم الآكل أو الشارب ناسياً يتفق مَعَ ما عهدناه من مبادئ التشريع وأصول الاستنباط عن الشارع الحكيم، في عدم مؤاخذة المكلف في أبواب حقوق الله تَعَالَى إلا بِمَا فعله عن قصد، ومصداق هَذَا قوله تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (١)، والنسيان لَيْسَ من كسب القلب (٢). وَقَدْ ثبت عن رَسُوْل الله ﷺ أنَّهُ قَالَ: ((وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عَلَيْهِ)). رَوَاهُ الطحاوي (٣)، وابن حبان (٤)، والدارقطني (٥)، والحاكم (٦)، والبيهقي (٧). والصوم داخل في عموم هَذَا الأصل. ولهذا يبدو لي رجحان ما ذهب إِلَيْهِ جمهور الفقهاء. المبحث الثامن اختلاف الْحَدِيْث بسبب الاختصار اختلف الناس في جواز اختصار الْحَدِيْث، والاقتصار عَلَى بعضه، وكانت لَهُمْ مذاهب في هَذَا: الأول: المنع مطلقاً من اختصار الْحَدِيْث، بناءاً عَلَى المنع من الرِّوَايَة بالمعنى (٨)؛ لأن حذف بَعْض الْحَدِيْث ورواية بعضه رُبَّمَا أحدث الخلل فِيْهِ، والمختصر لا يشعر (٩). الثاني: الجواز مطلقاً، وبه قَالَ مجاهد، ويحيى بن مَعِيْنٍ، وغيرهما (١٠). قَالَ الحَافِظ العراقي: ((ينبغي تقييد الإطلاق بِمَا إذا لَمْ يَكُنِ المحذوف متعلقاً بالمأتي بِهِ تعلقاً يخل بالمعنى حذفه، كالاستثناء والحال ونحو ذَلِكَ، كَمَا سيأتي في

стр. 192

القول الرابع. فإن كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ بلا خلاف، وبه جزم أَبُو بكر الصيرفي (١) وغيره، وَهُوَ واضح)) (٢). الثالث: إن لَمْ يَكُنْ رَوَاهُ عَلَى التمام مرة أخرى هُوَ أو غيره لَمْ يَجُزْ، وإن كَانَ رَوَاهُ عَلَى التمام مرة أخرى هُوَ أو غيره جاز (٣). الرابع: يجوز اختصار الحديث والاقتصار عَلَى بعضه إذا كَانَ فاعل ذَلِكَ عالماً عارفاً، وَكَانَ ما تركه متميزاً عمّا نقله غَيْر متعلق بِهِ، بِحَيْثُ لا يختل البيان، ولا تختلف الدلالة فِيْمَا نقله بترك ما تركه (٤). وهذا المذهب هُوَ الَّذِي صححه ابن الصَّلاَح وغيره، وعلل ذَلِكَ بقوله: ((لأن الَّذِي نقله والذي تركه - والحالة هَذِهِ - بمنزلة خبرين منفصلين في أمرين لا تعلق لأحدهما بالآخر)) (٥). وَقَدْ ترتب عَلَى اختصار بَعْض الرُّوَاة للأحاديث، خلاف بَيْنَ الفقهاء في بَعْض جزئيات الفقه الإسلامي، ونستطيع أن نمثل ذَلِكَ بِمَا يأتي: رَوَى شعبة، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هُرَيْرَةَ عن النبيّ ﷺ قَالَ: ((لا وضوء إلا من صوت أو ريح)) (٦). هكذا رَوَى شعبة الْحَدِيْث مختصراً، نبّه عَلَى ذَلِكَ حفاظ الْحَدِيْث ونقاده، فأبو حاتم الرازي يَقُوْل: ((هَذَا وهم، اختصر شعبة مَتْن هَذَا الْحَدِيْث، فَقَالَ: ((لا وضوء إلا من صوت أو ريح))، ورواه أصحاب سهيل عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيّ ﷺ قَالَ: ((إِذَا كَانَ أحدكم في الصَّلاَة فوجد ريحاً من نفسه فَلاَ يخرجن حَتَّى

стр. 193

يسمع صوتاً أو يجد ريحاً)))) (١). وَقَالَ البَيْهَقِيّ: ((هَذَا مختصر)) (٢). إلا أن الحَافِظ ابن التركماني قَالَ: ((لَوْ كَانَ الْحَدِيْث الأول مختصراً من الثاني، لكان موجوداً في الثاني مَعَ زيادة، وعموم الحصر المذكور في الأول لَيْسَ في الثاني، بَلْ هما حديثان مختلفان)) (٣). وتابعه عَلَى هَذَا التعليل الشوكاني، فَقَالَ: ((شعبة إمام حافظ واسع الرِّوَايَة، وَقَدْ رَوَى هَذَا اللفظ بهذه الصيغة المشتملة عَلَى الحصر، ودينه، وإمامته، ومعرفته بلسان العرب يرد ما ذكره أبو حاتم)) (٤). وأيّد هَذَا الشَّيْخ أبو إسحاق الحويني في تحقيقه لـ "منتقى" ابن الجارود (٥). وَإِذَا ذهبنا نستجلي حقيقة الأمر بطريق البحث العلمي المستند إِلَى حقائق الأمور وقواعد أصحاب هَذَا الفن، نجد أن أبا حاتم الرازي لَمْ يحكم بهذا الحكم من غَيْر بينة، إِذْ أشار في تضاعيف كلامه إِلَى أن مستنده في الحكم بوهم شعبة واختصاره للحديث: مخالفته لجمهور أصحاب سهيل، وهذا هُوَ المنهج العلمي الَّذِي يتبعه أَئِمَّة الْحَدِيْث في مَعْرِفَة ضبط الرَّاوِي، وذلك من خلال مقارنة روايته برواية غيره، وهذا يقتضي جمع الطرق، والحكم عن تثبت، لا بالتكهن والتجويز العقلي الخلي عن البرهان والدليل. وبغية الوصول إِلَى الحكم الصائب تتبعنا طرق هَذَا الْحَدِيْث، فوجدنا سبعة من أصحاب سهيل رووه عن سهيل خالفوا في رواياتهم رِوَايَة شعبة، وهم: ١ - جرير بن عَبْد الحميد بن فرط الضبي، عِنْدَ مُسْلِم (٦)، والبيهقي (٧). ٢ - حماد بن سلمة، عِنْدَ: أَحْمَد (٨)، والدارمي (٩)، وأبي داود (١٠). ٣ - خالد بن عَبْد الله الواسطي، عِنْدَ ابن خزيمة (١١).

стр. 194

٤ - زهير بن معاوية، عِنْدَ أبي عوانة (١). ٥ - عَبْد العزيز بن مُحَمَّد الدراوردي، عِنْدَ التِّرْمِذِيّ (٢)، وابن خزيمة (٣)، وابن المنذر (٤). ٦ - مُحَمَّد بن جعفر، عِنْدَ البَيْهَقِيّ (٥). ٧ - يَحْيَى بن المهلب البجلي، عِنْدَ الطبراني في "الأوسط" (٦). ورِوَايَة الجمع أحق أن تتبع ويحكم لها بالسلامة من الخطأ. ولا يطعن هَذَا في إمامة شعبة ودينه، فهذا أمر وهذا أمر آخر، ومن ذا الَّذِي لا يخطئ. ولا يشترط أن يَكُوْن لفظ الْحَدِيْث المختصر موجوداً في الْحَدِيْث المختصر مِنْهُ، بَلْ يكفي وجود المعنى، إِذْ لربما اختصر الرَّاوِي الْحَدِيْث، ثُمَّ رَوَى اللفظ المختصر بالمعنى، فَلاَ يبقى رابط بَيْنَهُمَا سوى المعنى، وهذا ما نجده في حديثنا هَذَا، وبه يندفع اعتراض ابن التركماني ومن قلّده. المبحث التاسع ورود حَدِيْث الآحاد فِيْمَا تعم بِهِ البلوى يجدر بنا قَبْلَ الدخول في هَذِهِ المسألة أن نتعرف عَلَى المقصود من قَوْل الفقهاء: ((ما تعم بِهِ البلوى)). فمعناه عندهم: ما كثر وقوعه ويحتاج إلى العِلْم بِهِ جَمِيْع الناس، وما كَانَتْ هَذِهِ صورته فإن الدواعي تدعو إِلَى أن ينقله العدد الجمّ فيكون بمثابة الخبر المتواتر أو المَشْهُوْر، ووروده بخبر الآحاد ريبة توجب التوقف في قبول الخبر وهذا ما جنح إليه الحنفية (٧).

стр. 195

واستدلوا بالآثار الَّتِي رويت عن صحابة رَسُوْل الله ﷺ ، مِمَّا يدل ظاهرها عَلَى العمل بهذا الشرط، ومن ذَلِكَ: ١ - ماروي عن قبيصة بن ذؤيب قَالَ: جاءت الجدة إِلَى أبي بكر تسأله ميراثها، قَالَ فَقَالَ لها: مالك في كتاب الله شيء، ومالك في سنة رَسُوْل الله ﷺ شيء، فارجعي حَتَّى أسأل الناس، فسأل الناس فقال المغيرة بن شعبة: حضرت رَسُوْل الله ﷺ فأعطاها السدس، فَقَالَ أبو بكر: هَلْ معك غيرك؟ فقام مُحَمَّد بن مسلمة الأنصاري فَقَالَ مِثْل ما قَالَ المغيرة بن شعبة فأنفذه لها أبو بكر (١). ٢ - عن أبي سعيد الخدري قَالَ: استأذن أبو موسى عَلَى عمر، فَقَالَ: السلام عليكم أأدخل؟ قَالَ عمر: واحدة، ثُمَّ سكت ساعة، ثُمَّ قَالَ: السلام عليكم أأدخل؟ قَالَ عمر: اثنان، ثُمَّ سكت ساعة فَقَالَ: السلام عليكم أأدخل؟ فَقَالَ عمر: ثلاث. ثُمَّ رجع أبو موسى، فَقَالَ عمر للبواب: ماصنع؟ قَالَ: رجع. قَالَ: عَلِيّ بِهِ، فلما جاءه قَالَ: ماهذا الَّذِي صنعت؟ قَالَ: السنة، قَالَ: السنة؟ والله لتأتيني عَلَى هَذَا ببرهان أو بينة أو لأفعلن بك، قَالَ: فأتانا ونحن رفقة من الأنصار: فَقَالَ: يا معشر الأنصار ألستم أعلم الناس بحديث رَسُوْل الله ﷺ ؟ ألم يقل رَسُوْل الله ﷺ : ((الاستئذان ثلاث، فإن أذن لَكَ، وإلا فارجع))، فجعل القوم يمازحونه، قَالَ أبو سعيد: ثُمَّ رفعت رأسي إِلَيْهِ فقلت: فما أصابك في هَذَا من العقوبة فأنا شريكك. قَالَ: فأتى عمر فأخبره بِذَلِكَ، فَقَالَ عمر: ما كنت علمت بهذا (٢). ولا معارض من الصَّحَابَة لفعل الخليفتين، فكان إجماعاً مِنْهُمْ عَلَى مضمون فعلهما (٣). وأجيب عن استدلالهم هذا: بأن دعوى الإجماع منقوضة بفعل عدد من الصحابة، إذ قبل كثير منهم أخبار الآحاد وقبلوها، بل ورد هذا عن الخليفتين أميري المؤمنين اللذين استدلوا بفعلهما، ومن ذلك: ١ - قبل الخليفة أبو بكر حديث ابنته أم المؤمنين عائشة في قدر الثوب الذي

стр. 196

كفن فيه رسول الله ﷺ ، فروى البخاري (١)، ومسلم (٢) وغيرهما (٣)، عن عائشة ﵂: ((دخلت على أبي بكر ﵁ فقال: في كم كفنتم النبي ﷺ ؟ قالت في ثلاثة أثواب سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة وقال لها: في أي يوم توفي رسول الله ﷺ ؟ قالت: يوم الاثنين)). وكلا الأمرين (الكفن، ويوم وفاته) مِمَّا تعم بِهِ البلوى. ٢ - قَبْلَ الخليفة الفاروق أمير المؤمنين عمر خبر أم المؤمنين عَائِشَة ﵂ في وجوب الغسل من التقاء الختانين، فأخرج الطحاوي (٤) من طريق عبيد الله بن عدي بن الخيار (٥)، قَالَ: تذاكر أصحاب النَّبِيّ ﷺ عند عمر بن الخطاب الغسل من الجنابة. فقال بعضهم: إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل، وقال بعضهم: إنما الماء من الماء. فقال عمر ﵁: قد اختلفتم عليَّ وأنتم أهل بدر الأخيار، فكيف بالناس بعدكم؟ فقال علي بن أبي طالب ﵁: يا أمير المؤمنين إن أردت أن تعلم ذلك فأرسل إلى أزواج النبي ﷺ فسلهن عن ذلك. فأرسل إلى عائشة ﵂ فقالت: ((إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل)). فقال عمر عند ذلك: لا أسمع أحداً يقول: الماء من الماء إلا جعلته نكالاً. وهذا الأمر مما تعم به البلوى أيضاً. وغيرها من الحوادث والآثار التي تعزز في نفس الناظر قبول خبر الآحاد فيما تعم به البلوى أو في غيرها. أما الحادثتان اللتان استدلوا بهما، فيمكن الإجابة عنها: بأن أبا بكر إنما توقف في خبر المغيرة، لأن ما أخبر عنه أمر مشهور، فأراد

стр. 197

التثبت فيه (١). وأما عمر فلأن أبا موسى أخبره الحديث عقب إنكاره عليه، فأراد عمر الاستثبات في خبره لهذه القرينة (٢). فالراجح ما ذهب إليه جمهور أهل العلم من أن خبر الآحاد يعمل به وإن كان مما تعم به البلوى إذا استوفى شروط القبول للاحتجاج به من حيث ثبوته عن رسول الله ﷺ ، ذلك أن الأدلة الشرعية الدالة عَلَى وجوب العمل بخبر الآحاد لم تفرق بين عموم البلوى وغيرها. أثره في اختلاف الفقهاء النموذج الأول: نقض الوضوء بمس الذكر اختلف الفقهاء في من مسَّ ذكره أو ما في معناه، هل ينتقض وضوؤه أم لا؟ وافترقوا على قولين: الأول: إذا مس المتوضئ فرجه انتقض وضوؤه، وعليه الوضوء من جديد، وبه قال جمهور أهل العلم من الصحابة فمن بعدهم، منهم: عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله ابن عمر، والبراء بن عازب، وزيد بن خالد الجهني (٣)، وجابر بن عبد الله، وأبو أيوب الأنصاري، وزيد بن ثابت، وعائشة، وأم حبيبة، وبسرة بنت صفوان (٤)، وعطاء بن أبي رباح، وطاووس، وعروة بن الزبير، وسليمان بن يسار، وأبان بن عثمان (٥)، والزهري، ومجاهد، ومكحول، وجابر بن زيد، والشعبي، وعكرمة، ومصعب بن سعد (٦)،

стр. 198

ويحيى بن أبي كَثِيْر (١)، وهشام بن عروة، وأبو العالية (٢)، وجماعة أهل الشام والمغرب، وأكثر أهل الحديث. وإليه ذهب الأوزاعي والليث بن سعد وداود الظاهري وإسحاق بن راهويه والطبري. وَهُوَ رواية عن سعد بن أبي وقاص، وابن عباس، وأبي هريرة، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، والحسن (٣). وهو مذهب الشافعية والظاهرية وجمهور المالكية ورواية عن الإمام أحمد، على تفصيل بينهم، نبينه فيما يأتي: الشافعية: إذا مس رجل ذكر نفسه أو ذكر غيره، صغيراً أو كبيراً، حياً أو ميتاً، قريباً أو أجنبياً، وإن كان الذكر مقطوعاً من حي، بشرط أن يكون ببطن الكف أو بطن الأصابع أنقض وضوء اللامس، والحكم نفسه بالنسبة للمرأة، وينتقض أيضاً بمس حلقة الدبر في جديد مذهب الشَّافِعِيّ. ولا ينقض الوضوء مس أنثييه أو إليتيه، أو أعجازه، أو عانته، أو فرج بهيمة، ويشترط في النقض عدم الحائل، ولا يشترط العمد، بَلْ يستوي فِيْهِ العامد والساهي (٤). الظاهرية: مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ بأي جزء من بدنه -عدا الفخذ والساق أو الرجل- عامداً انتقض وضوءه، وكذا المرأة إن تعمدت مس فرجها، ويتعدى هَذَا الحكم إِلَى مس فرج الغير صغيراً أو كبيراً، حياً أو ميتاً، مَحْرَمٍ أو غَيْر مَحْرَمٍ، بأي جزء من بدن اللامس، ويشترط في جَمِيْع ذَلِكَ عدم الحائل، ولا يشترط وجود اللذة (٥). المالكية: قَالَ ابن عَبْد البر: ((اضطرب قَوْل مالك في إيجاب الوضوء مِنْهُ،

стр. 199

واختلف مذهبه فِيْهِ)) (١). والذي وقفت عَلَيْهِ من أقوال المالكية في نقض الوضوء من مس الذكر ما يأتي: ١ - قيّدها بعضهم وهم: إسماعيل بن إسحاق، وابن بكير، وابن المنتاب (٢)، وأبو الفرج (٣)، والأبهري (٤)، وسائر مالكية بغداد، بوجود اللذة، فإن مسه ملتذاً وجب عَلَيْهِ الوضوء، وإن صلى وَلَمْ يتوضأ من مسه، فعليه الإعادة سواء كَانَ في الوقت أو بعده. وإن لَمْ يلتذَّ بمسه فَلاَ شيء عَلَيْهِ (٥). ٢ - ذهب أصبغ بن الفرج (٦) وعيسى بن دينار مِنْهُمْ إِلَى إيجاب الوضوء مطلقاً، وإن صلى بَعْدَ مسه من غَيْر وضوء فعليه الإعادة في الوقت أو بعده (٧). ٣ - ورأى سحنون (٨) والعتبي أن لا وضوء عَلَيْهِ مطلقاً، ولا إعادة عَلَى من صلى بَعْدَ لمسه من غَيْر وضوء، سواء في الوقت أم بعده (٩). ٤ - وذهب ابن القاسم وأشهب، وابن وهب في رِوَايَة إِلَى أن عَلَيْهِ الوضوء من مس الذكر، فإن صلى بَعْدَ أن مسه من غَيْر وضوء، فعليه الإعادة ما دام في الوقت، فإن خرج الوقت فَلاَ إعادة عَلَيْهِ (١٠). قَالَ العلاّمة خليل في مختصره الَّذِي أصبح عمدة المالكية - لا سيما المتأخرون-

стр. 200

وَهُوَ يتكلم عن نواقض الوضوء: ((ومطلق مس ذكره المتصل)) (١). قَالَ أبو عمر بن عَبْد البر: ((واستقر قوله (وفي الاستذكار: والذي تقرر عَلَيْهِ المذهب عِنْدَ أهل المغرب من أصحابه) أن لا إعادة عَلَى من صلى بَعْدَ أن مسه قاصداً وَلَمْ يتوضأ إلا في الوقت، فإن خرج الوقت فَلاَ إعادة عَلَيْهِ)) (٢). رِوَايَة الإمام أحمد (٣): إذا مس الرجل ذكره انتقض وضوؤه، ولا فرق بَيْنَ العامد والساهي، وفي رِوَايَة عَنْهُ اشتراط التعمد، ولا فرق بَيْنَ باطن الكف وظاهرها، وَلَيْسَ عَلَيْهِ نقض بمسه بذراعه، وَعَنْهُ في رِوَايَة: عَلَيْهِ الوضوء، ولا فرق في كُلّ هَذَا بَيْنَ ذكره وذكر غيره صغيراً أو كبيراً حياً أو ميتاً، وفي الذكر المقطوع رِوَايَتَانِ. وأما حلقة الدبر ففيها رِوَايَتَانِ، وفي شمول كُلّ هَذَا للمرأة رِوَايَتَانِ عَنْهُ: النقض وعدمه، والأشهر عَنْهُ أن يَكُوْن اللمس من غَيْر حائل (٤). الثاني: لَيْسَ عَلَى من مس ذكره وضوء، ووضوؤه صَحِيْح، وبه قَالَ من الصَّحَابَة فمن بعدهم: عَلِيّ وابن مسعود وعمار بن ياسر وحذيفة (٥) وأبو الدرداء وعمران بن الحصين (٦) والنخعي وشريك والحسن بن حي (٧)، وعبيد الله بن الحسن، وَهُوَ رِوَايَة عن سعد بن أبي وقاص وأبي هُرَيْرَةَ وسعيد بن جبير وسعيد بن المسيب والحسن البصري (٨).

стр. 201

قَالَ في الروض النضير: ((وَهُوَ المحفوظ عن أَئِمَّة أهل البيت)) (١). وإليه ذهب: الحنفية (٢)، والزيدية (٣)، والإمامية (٤)، وهُوَ رِوَايَة عن الإمام أحمد (٥)، وبه جزم ابن المنذر (٦)، واختاره العُتقي وسحنون من المالكية (٧). الأدلة: استدل من قَالَ بنقض الوضوء: مِن مس الذكر بجملة أدلة، من بينها حَدِيْث بسرة بنت صفوان أن النَّبِيّ ﷺ قَالَ: ((مَن مس ذكره فليتوضأ)) (٨). وَقَدْ رد الحنفية الاستدلال بهذا الْحَدِيْث من وَجْهَيْنِ: الأول: الطعن في الْحَدِيْث من ناحية الثبوت (٩). الثاني: الاعتراض عَلَيْهِ من حَيْثُ إن بسرة تفردت بنقله، والفرض أن ينقله عدد كبير؛ لتوافر الدواعي عَلَى نقله (١٠)، قَالَ السرخسي (١١): ((ما بال رَسُوْل الله ﷺ لَمْ يقل هَذَا بَيْنَ يدي كبار الصَّحَابَة، حَتَّى لَمْ ينقله أحد مِنْهُمْ، وإنما قَالَهُ بَيْنَ يدي بسرة؟ وَقَدْ كَانَ رَسُوْل الله ﷺ أشد حياءً من العذراء في خدرها)) (١٢). ويتفرع عن إيرادهم هَذَا الاعتراض بِمَا يأتي: ١ - ورد في بَعْض الروايات أن مروان بعث شرطياً إلى بسرة، فنقل الْحَدِيْث عَنْهَا

стр. 202

وسمعه مِنْهُ عروة، وهذا الشرطي مجهول. فتبين أن سَمَاع عروة عن طريق مجهول، فَلاَ تقوم الحجة بإخباره. ٢ - أن هَذَا الْحَدِيْث يعارض حَدِيْث طلق (١) بن عَلِيّ الحنفي في تَرْك الوضوء من مسه، وَقَدْ قَالَ التِّرْمِذِيّ في حَدِيْث طلق: ((هَذَا الْحَدِيْث أحسن شيء روي في هَذَا الباب)) (٢). ٣ - إن هَذَا الْحَدِيْث حَدِيْث آحاد، وَقَدْ ورد فِيْمَا تعم بِهِ البلوى، وهذه ريبة توجب التوقف في قبوله. ٤ - أنَّهُ تضمن حكماً يختص بالرجال، وَقَدْ روته امرأة. ونجيب عن هَذِهِ الاعتراضات بِمَا يأتي: أما الأول: فإنه قَدْ ورد في بَعْض طرق الْحَدِيْث التصريح بأن عروة سمعه مباشرة من غَيْر واسطة من بسرة. فأخرج أحمد (٣)، وابن الجارود (٤)، وابن حبان (٥)، والدارقطني (٦)، والحاكم (٧)، والبيهقي في السنن (٨)، وفي مَعْرِفَة السنن والآثار (٩)، هَذَا الْحَدِيْث وفيه التصريح بسماع عروة من بسرة. ولنسق رِوَايَة ابن الجارود ليتضح هَذَا، فروى بإسناده عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن مروان بن الحكم، عن بسرة، أن النَّبِيّ ﷺ قَالَ: ((من مس ذكره فليتوضأ)). قَالَ عروة: سألت بسرة فصدقته. ومن خلال التتبع للطرق الَّتِي روي بِهَا الْحَدِيْث، نقف عَلَى ثلاث طرق للحديث من طريق عروة، هِيَ: ١ - عروة، عن مروان، عن بسرة.

стр. 203

٢ - تذاكر عروة ومروان نواقض الوضوء، فأرسل مروان شرطياً إِلَى بسرة، فذكرت الْحَدِيْث. فتكون حقيقة الرِّوَايَة: عروة، عن الشرطي، عن بسرة. ٣ - عروة، عن بسرة مباشرة. وَقَدْ أجاد الحَافِظ ابن حبان في تفسير هَذَا التنوع قائلاً: ((وأما خبر بسرة الَّذِي ذكرناه، فإن عروة بن الزبير سمعه من مروان بن الحكم عن بسرة، فَلَمْ يقنعه ذَلِكَ حَتَّى بعث مروان شرطياً لَهُ إلى بسرة فسألها، ثُمَّ أتاهم فأخبرهم بمثل ما قالت بسرة، فسمعه عروة ثانياً عن الشرطي عن بسرة، ثُمَّ لَمْ يقنعه ذَلِكَ حَتَّى ذهب إِلَى بسرة فسمع منها. فالخبر عن عروة عن بسرة متصل لَيْسَ بمنقطع، وصار مروان والشرطي كانهما عاريتان يسقطان من الإسناد)) (١). وَقَالَ الحَافِظ ابن حجر: ((جزم ابن خزيمة وغير واحد من الأئمة: بأن عروة سمعه من بسرة)) (٢). وأسهب أبو عَبْد الله الحَاكِم في التدليل عَلَى هَذَا، بعرض نفيس (٣). عَلَى أن الْحَدِيْث مروي عَنْهَا من غَيْر طريق عروة (٤). وأما اعتراضهم الثاني: فحديث طلق بن عَلِيّ الحنفي، حَدِيْث صَحِيْح، صححه جمع من الحفاظ النقاد، مِنْهُمْ: عَمْرو بن عَلِيّ الفلاس (٥)، وعلي بن المديني، والطحاوي، وابن حبان، والطبراني، وابن حزم (٦). وَقَالَ الفلاس: ((هُوَ عندنا أثبت من حَدِيْث بسرة)) (٧). وَقَالَ ابن المديني: ((هُوَ عندنا أحسن من حَدِيْث بسرة)) (٨).

стр. 204

وبيان طرق هَذَا الْحَدِيْث فِيْمَا يأتي: فَقَدْ رَوَاهُ عن طلق ابنه قيس، وقيس هَذَا تكلم فِيْهِ بغير حجة، ووثقه أحمد وابن مَعِيْنٍ والعجلي وذكره ابن حبان في ثقاته (١). وَقَدْ روي بأربع طرق: رَوَاهُ ابن أبي شيبة (٢)، وأبو داود (٣)، والترمذي (٤)، والنسائي (٥)،والدارقطني (٦)، وابن الجارود (٧)، والطحاوي (٨)، والبيهقي (٩)، من طريق ملازم بن عَمْرو، عن عَبْد الله بن بدر، عن قيس بن طلق بن عَلِيّ، عن أبيه، مرفوعاً. وعبد الله بن بدر: هُوَ ابن عميرة الحنفي السحيمي اليمامي، جد ملازم بن عمر لأبيه، وَقِيْلَ: لأمه (١٠). وثقه ابن مَعِيْنٍ وأبو زرعة والعجلي (١١)، وذكره ابن حبان في الثقات (١٢)، وَقَالَ ابن حجر: ((كَانَ أحد الأشراف: ثقة)) (١٣). وملازم بن عَمْرو: هُوَ ابن عَبْد الله بن بدر الحنفي السحيمي اليمامي، وثقه أحمد وابن مَعِيْنٍ وأبو زرعة والنسائي (١٤)، وذكره ابن حبان في ثقاته (١٥)، وَقَالَ أبو حاتم: لابأس بِهِ صدوق (١٦)، وَقَالَ الحَافِظ ابن حجر: ((صدوق)) (١٧). وانطلاقاً من هَذَا الطريق القوي صححه من صححه من الأئمة، وإليه يشير كلام الإمام التِّرْمِذِيّ، إذ يَقُوْل بَعْدَ أن رَوَاهُ من هَذَا الطريق: ((وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيْث أيوب ابن عتبة (١٨)، ومحمد بن جابر، عن قيس بن طلق، عن أبيه. وَقَدْ تكلم بَعْض أهل الْحَدِيْث في مُحَمَّد بن جابر وأيوب بن عتبة، وحديث ملازم بن عَمْرو، عن عَبْد الله بن

стр. 205

بدر أصح وأحسن)) (١). رَوَاهُ الطيالسي (٢)، وأحمد (٣)، والطحاوي (٤)، والبيهقي (٥)، من طرق عن أيوب بن عتبة، عن قيس بن طلق، عَنْهُ. وأيوب: قَالَ أحمد: ضعيف، وفي رِوَايَة: ثقة، إلا أنَّهُ لا يقيم حَدِيْث يَحْيَى بن أبي كَثِيْر، وَقَالَ ابن مَعِيْنٍ: لَيْسَ بالقوي، ومرة: لَيْسَ بشيء، ومرة: ضعيف، ومرة: لَيْسَ حديثه بشيء، ومرة: لا بأس بِهِ، وَقَالَ الفلاس: ضعيف وَكَانَ سيء الحفظ، وَهُوَ من أهل الصدق. وَقَالَ ابن المديني والجوزجاني (٦) وابن عمار (٧) ومسلم: ضعيف. وَقَالَ العجلي: يكتب حديثه وَلَيْسَ بالقوي. وَقَالَ البُخَارِيّ: هُوَ عندهم لين (٨). ومن تأمل أقوال هَؤُلاَءِ الأئمة يجد أنهم تكلموا فِيْهِ من جهة الحفظ لا من جهة العدالة، وَعَلَيْهِ فحديثه قابل للارتقاء فِيْمَا إذا اعتضد بالمتابعات والشواهد، وَهُوَ متابع في روايته عن قيس، كَمَا يعلم من تفصيل هَذِهِ الطرق. ٤ - رَوَاهُ عَبْد الرزاق (٩)، وأحمد (١٠)، وابن ماجه (١١)، والدارقطني (١٢)، والحازمي (١٣)، وابن الجارود (١٤)، والطبراني في الكبير (١٥)،من طرق عن مُحَمَّد بن جابر،

стр. 206

عن قيس بن طلق، عن أبيه، بِهِ. ومحمد بن جابر: هُوَ ابن سيار السحيمي الحنفي الضرير، ضعيف، ضعفه غَيْر واحد من الأئمة (١). ٥ - رَوَاهُ ابن عدي (٢) من طريق عَبْد الحميد بن جعفر (٣)، عن أيوب بن مُحَمَّد العجلي، عن قيس بن طلق، عن أبيه، بِهِ. وعبد الحميد بن جعفر، وأيوب بن مُحَمَّد، كلاهما متكلم فِيْهِ (٤). وإذا ضممنا هَذِهِ الطرق إِلَى بعضها، ارتقى الْحَدِيْث إِلَى حيّز الاحتجاج، عَلَى أن الطريق الأولى عِنْدَ انفرادها حجة قائمة. وأما ما نقل عن الحافظين أبي حاتم وأبي زرعة الرازيين من تضعيفهم لهذا الْحَدِيْث، فالمتأمل لصيغة السؤال، يجد أنهما لَمْ يعمما الحكم، فَقَدْ قَالَ ابن أبي حاتم: ((سألت أبي وأبا زرعة عن حَدِيْث رَوَاهُ مُحَمَّد بن جابر، عن قيس بن طلق، عن أبيه، أنَّهُ سأل رَسُوْل الله ﷺ هَلْ في مس الذكر وضوء، قَالَ: لا. فَلَمْ يثبتاه، وقالا: قيس بن طلق لَيْسَ مِمَّنْ تقوم بِهِ الحجة ووهماه)) (٥). فالسؤال مقيد بطريق مُحَمَّد بن جابر، وَهُوَ ضعيف اتفاقاً، ولا جدال في كونه ضعيفاً فِيْمَا إذا تفرد، فكيف بثلاث طرق أخرى إحداها حجة لَوْ انفردت!! وأما غمزهما لقيس بن طلق، فَلَمْ يوافقهما عَلَيْهِ أحد من النقاد، وَقَدْ تقدم الكلام عَنْهُ. عَلَى أن الحَافِظ عَبْد الحق الإشبيلي (٦) أورد هَذَا الْحَدِيْث في أحكامه الوسطى (٧) ساكتاً عَنْهُ وَهُوَ يقتضي صحته عنده (٨). فتعقبه الحَافِظ ابن القطان قائلاً: ((والحديث

стр. 207

مختلف فِيْهِ، فينبغي أن يقال فِيْهِ: حسن)) (١). فهذا أقل أحوال الْحَدِيْث، وإلا فَهُوَ صَحِيْح. أما وجه التوفيق بَيْنَ حديثي بسرة وطلق فسيأتي فِيْمَا بعد. وأما الثالثة: فادعاء أنَّهُ خبر آحاد ادعاء منقوض فالحديث مروي من حَدِيْث ثمانية من الصَّحَابَة، هم: ١ - عَبْد الله بن عَمْرو: أخرجه أحمد (٢)،وابن الجارود (٣)،والطحاوي (٤)،والدارقطني (٥) والبيهقي (٦)، والحازمي (٧)، من طريق عَمْرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. نقل التِّرْمِذِيّ عن البُخَارِيّ أنَّهُ قَالَ: ((حَدِيْث عَبْد الله بن عَمْرو في مس الذكر، هُوَ عندي صَحِيْح)) (٨). ٢ - زيد بن خالد الجهني: رَوَاهُ ابن أبي شيبة (٩)، وأحمد (١٠)، والطحاوي (١١)، والبزار (١٢)، والطبراني (١٣)، وابن عدي (١٤). ٣ - عَبْد الله بن عمر بن الخطاب: عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيّ (١٥)، وفي إسناده: عَبْد الله بن عمر العمري، ضعيف (١٦). وأخرجه أيضاً: الطحاوي (١٧) والبزار (١٨) والطبراني (١٩). وفي إسناد الطحاوي والبزار: صدقة بن عَبْد الله، ضعيف (٢٠)، وهاشم بن زيد أيضاً (٢١). أما الطبراني ففي إسناده: العلاء بن سليمان الرقي، ضعيف جداً (٢٢).

стр. 208

ورواه الحَاكِم (١) وفي إسناده: عَبْد العزيز بن أبان، متروك متهم (٢). ورواه ابن عدي (٣) وفيه أيضاً: العلاء بن سليمان الرقي. ورواه أيضاً (٤) وفيه: أيوب بن عتبة، وَقَدْ تقدم بَيَان حاله، وعبد الله بن أبي جعفر (٥). ومن مجموع هَذِهِ الطرق يتقوى الْحَدِيْث. ٤ - أبو هُرَيْرَةَ: بلفظ: ((إذا أفضى أحدكم بيده إِلَى فرجه، حَتَّى لا يَكُوْن بينه حجاب ولا ستر فليتوضأ وضوءه للصلاة)). أخرجه الشَّافِعِيّ (٦)، والبزار (٧)، والطحاوي (٨)، وابن حبان (٩)، والطبراني (١٠)، والحاكم (١١)، وابن السكن (١٢)، وأحمد (١٣)، والدارقطني (١٤)، والبيهقي (١٥)، والبغوي (١٦)، والحازمي (١٧). وَهُوَ حَدِيْث قوي، تابع يزيدَ بنَ عَبْد الملك النوفليَّ (١٨) عَلَى روايته نافعُ بنُ أبي نعيم، قَالَ ابن حبان: ((احتجاجنا في هَذَا الخبر بنافع بن أبي نعيم دُوْنَ يزيد بن عَبْد الملك النوفلي)) (١٩).

стр. 209

قَالَ ابن عَبْد البر: ((كَانَ هَذَا الْحَدِيْث لا يعرف إلا ليزيد بن عَبْد الملك النوفلي هَذَا، وَهُوَ مجتمع عَلَى ضعفه، حَتَّى رَوَاهُ عَبْد الرَّحْمَان بن القاسم – صاحب مالك – عن نافع بن أبي نعيم القارئ (١)، وَهُوَ إسناد صالح – إن شاء الله –، وَقَدْ أثنى ابن مَعِيْنٍ عَلَى عَبْد الرَّحْمَان بن القاسم في حديثه ووثقه، وَكَانَ النسائي يثني عَلَيْهِ أيضاً في نقله عن مالك لحديثه، ولا أعلمهم يختلفون في ثقته، وَلَمْ يروِ هَذَا الْحَدِيْث عَنْهُ، عن نافع بن أبي نعيم ويزيد بن عَبْد الملك إلا أصبغ بن الفرج)) (٢). ٥ - أم المؤمنين عَائِشَة مرفوعاً: ((ولفظ حديثها: ويل للذين يمسون فروجهم ثُمَّ يصلون ولا يتوضئون)). رَوَاهُ الطحاوي (٣) والبزار (٤) والدارقطني (٥) واللفظ لَهُ. ٦ - أم المؤمنين أم حبيبة مرفوعاً: ولفظه: ((من مس ذكره فليتوضأ)). رَوَاهُ ابن أبي شيبة (٦)، وابن ماجه (٧)، والترمذي (٨)، والطحاوي (٩)، وأبو يعلى (١٠) والطبراني (١١)، والبيهقي (١٢)، وابن عَبْد البر (١٣) من طرق عن مكحول، عن عنبسة بن أبي سُفْيَان (١٤)، عن أم حبيبة، بِهِ. ونقل التِّرْمِذِيّ (١٥) عن البُخَارِيّ أنَّهُ قَالَ: ((مكحول لَمْ يسمع من عنبسة)).

стр. 210

ونقل أيضاً أن أبا زرعة استحسن الْحَدِيْث وعده محفوظاً. لَكِن ابن أبي حاتم نقل في كتاب "المراسيل" (١) ما يأتي: ((سئل أبو زرعة عن حَدِيْث أم حبيبة في مس الفرج، فَقَالَ: مكحول لَمْ يسمع من عنبسة بن أبي سُفْيَان شيئاً)) (٢). وَكَانَ الإمام أحمد يثبت هَذَا الْحَدِيْث ويصححه (٣)، وكذا ابن مَعِيْنٍ فِيْمَا نقله ابن عَبْد البر (٤). ٧ - جابر بن عَبْد الله الأنصاري مرفوعاً، ولفظه: ((إذا مس أحدكم ذَكَرَهُ فعليه الوضوء)). روي من طريقين موصولاً ومرسلاً، فأما الرِّوَايَة الموصولة فأخرجها: الشَّافِعِيّ في الأم (٥)، وفي المسند (٦)، وابن ماجه (٧)، والطحاوي (٨)، والبيهقي (٩)، والمزي (١٠) وفي طرقهم: ((عقبة بن عَبْد الرَّحْمَان)) مجهول (١١). وأما الرِّوَايَة المرسلة فأخرجها: الشافعي في الأم (١٢) وفي المسند (١٣) والطحاوي (١٤) والبيهقي (١٥) عن ابن ثوبان. قَالَ الشَّافِعِيّ بَعْدَ أن رَوَاهُ: ((سَمِعْتُ غَيْر واحد من الحفاظ يرويه ولا يذكر فِيْهِ جابراً)) (١٦). وَقَالَ البُخَارِيّ: ((عقبة بن عَبْد الرَّحْمَان بن معمر (١٧)، عن ابن ثوبان، رَوَى عَنْهُ ابن أبي ذئب مرسلاً عن النَّبِيّ ﷺ في مس الذَّكَر. وَقَالَ بعضهم: عن جابر ﵁

стр. 211

ولا يصح)) (١). وسأل ابن أبي حاتم أباه عن الرِّوَايَة الموصولة فأجابه قائلاً: ((هَذَا خطأ الناس يروونه عن ابن ثوبان عن النَّبِيّ ﷺ مرسلاً لا يذكرون جابراً)) (٢). وبنحو هَذَا أعله الطحاوي في شرح المعاني (٣). ٨ - أبو أيوب الأنصاري مرفوعاً: ولفظ حديثه: ((مَن مس فرجه فليتوضأ)). رَوَاهُ ابن ماجه (٤)، والطبراني (٥)، وأعله الدَّارَقُطْنِيّ بأن المحفوظ رِوَايَة مكحول عن أم حبيبة، أما روايته عن أبي أيوب فغير محفوظة (٦). وأَيّاً ما يَكُن الأمر فإن هَذَا الحكم قَدْ روي عن ثمانية من الصَّحَابَة، بَعْض طرقهم صحيحة، وبعضها قابل للاعتضاد، فمجموعها يَكُوْن في أقل أحواله مشهور، والمشهور يعمل بِهِ عندهم فِيْمَا تعم بِهِ البلوى. أما الرابع، وَهُوَ كون الْحَدِيْث مِمَّا يختص حكمه بالرجال، وَقَدْ نقلته امرأة، فقول مردود، فَقَدْ مضى بنا في عرض الآراء أن جمهور من يرى النقض من مس الفرج يسوى في الحكم بَيْنَ الرجل والمرأة، ثُمَّ إن الْحَدِيْث قَدْ رَوَاهُ عددٌ من رجال الصَّحَابَة كَمَا تقدم. ثُمَّ إن ديدن الصَّحَابَة ﵃ كَانَ قبول أخبار النساء في أحكام تتعلق بالرجال فقبلوا خبر أم المؤمنين عَائِشَة – ﵂ – في التقاء الختانين ونسخ بِهِ: ((الماء من الماء)) (٧)، وَقَدْ خاطب الله تَعَالَى نساء رَسُوْله ﷺ بقوله جل ذكره: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ (٨)، وهذا أمر لهن بالبيان، وفي ضمن ذَلِكَ أحكام قَدْ تختص بالرجال (٩).

стр. 212

وبعد هَذَا النقاش الطويل، فإن المحصلة النهائية كَانَتْ صحة حديثي بسرة وطلق، فكيف نعمل فيهما؟ قَالَ ابن عَبْد البر: ((والأصل أن الوضوء المجتمع عَلَيْهِ لا ينتقض إلا بإجماع أو سنَّة ثابتة، غَيْر محتملة للتأويل، فَلاَ عيب عَلَى القائل بقول الكوفيين؛ لأن إيجابه عن الصَّحَابَة لَهُمْ فِيْهِ ما تقدم ذكره)) (١). والجمهور عَلَى أن حَدِيْث بسرة ناسخ لحديث طلق، وبه قَالَ ابن حبان (٢) والطبراني (٣) وابن حزم (٤) والبيهقي (٥) والحازمي (٦) وغيرهم (٧).

стр. 213

الفصل الثَّالِث: الاختلاف في السَّنَد والمتن وفيه ثمانية مباحث: المبحث الأول: الاضطراب المبحث الثاني: الاختلاف في الزيادات المبحث الثالث: اختلاف الثقة مَعَ الثقات المبحث الرابع: اختلاف الضعيف مَعَ الثقات المبحث الخامس: الإدراج المبحث السادس: الاختلاف بسبب خطأ الراوي المبحث السابع: المقلوب المبحث الثامن: الاختلاف بسبب التصحيف والتحريف

стр. 214

تمهيد لما كَانَ الاختلاف أمراً وارداً في الحَدِيْث النبوي الشريف؛ وَذَلِكَ للاختلاف في مقدار تيقظ الرواة، وقوة قرائحهم، وَكَذَلِكَ بسبب اختلاف بعضهم عن بَعْض في مدى اهتمامهم بمروياتهم وَكَذَلِكَ أمور أُخْرَى تَكُون أسباباً للاختلاف فرغنا من ذكرها في الفصل الأول. وَقَدْ بينا آنذاك أنَّ الاختلاف يَكُون في المَتْن والسَّنَد فَهُوَ لَيْسَ قاصراً عَلَى المَتْن حسب بَلْ هُوَ يشمل كليهما. لذا رأيت أنْ أذكر في هَذَا الفصل أنواع الاختلافات الَّتِي تَكُون في السَّنَد والمَتْن. وَقَدْ قسمته عَلَى أحد عشر مبحثاً. المبحث الأول الاضطراب الاضطراب: في الحَدِيْث سنداً ومتناً أمرٌ حاصل وواقع بسبب اختلاف المواهب وما إلى غَيْر ذَلِكَ من الأسباب الَّتِي تجعل اضطراباً في المتون والأسانيد، والاضطراب يحصل من راوٍ واحدٍ ويحصل من عدة رواة (١)، والاضطراب يَكُون في الأعم الأغلب في المدارس المتأخرة ويندر جداً في المدارس المتقدمة، وَذَلِكَ أن المدارس المتأخرة من شأنها التعدد زيادة على بعد الزمان وتقاصر الهمم. المطلب الأول تعريف المضطرب لغة واصطلاحاً الحَدِيْث المضطرب (٢) أحد أنواع علم الحَدِيْث، والمضطرب: اسم فاعل من اضطَربَ، مأخوذ لغةً من الاضطراب بمعنى: الحركة والاختلاف، يقال: اضطرب الموج، أي: ضرب بعضه بعضاً، فَهُوَ مضطرب. وأود التنبيه عَلَى أن الشائع تسميته ب ((المضطرِب)) عَلَى وزن اسم الفاعل، هُوَ من

стр. 215

باب الإسناد المجازي (١)، لأن الاضطراب واقعٌ فِيهِ لا مِنْهُ، إذ إنَّهُ اسم مكان، فيظهر فِيهِ اضطراب الرَّاوِي أو الرواة، فَهُوَ عَلَى الحقيقة: مضطرَب -بفتح الراء- وَلَوْ سمي كَذلِكَ لكان أظهر في المَعْنَى الاصطلاحي (٢) والمضطرب من الحَدِيْث اصطلاحاً: هُوَ الذي تَخْتَلِف الرِّوَايَة فِيهِ، فيرويه بعضهم على وجه، وبعضهم عَلَى وجه آخر مخالفٍ لَهُ. هكذا عرفه الحافظ ابن الصَّلاح (٣)، وَقَدْ استدرك عَلَيْهِ الإمام الزَّرْكَشِيّ بقوله: ((قَدْ يخرج مَا لو حصل الاضطراب من راوٍ واحدٍ. وَقَدْ يقال فِيهِ: نبنيه عَلَى دخوله من باب أولى، فإنه أولى بالرد من الاختلاف بَيْنَ راويين)) (٤).قُلْتُ: وهَذَا اعتراض متجهٌ، لأن الاضطراب في الأعم الأغلب يحصل من راوٍ واحد، وَهُوَ الَّذِي يوجه الغلط فِيهِ لِمَنْ اضطرب فِيهِ. أما الاضطراب من راويين فَهُوَ أقل، وَكَذَلِكَ قَدْ يوجه الاضطراب لأحد الراويين أو للشيخ، وربما كَانَ قَدْ حدّث بالوجهين. وللزركشي اعتراض آخر فَقَدْ قَالَ: ((وينبغي أن يقال: (عَلَى وجه يؤثر) ليخرج مَا لَوْ روي الحَدِيْث عن رَجُل مرة، وعن آخر أخرى ...)) (٥). قُلْتُ: وَهُوَ اعتراض متجهٌ أيضاً، لأن لَيْسَ كُلّ اختلاف قادحاً، بَلْ القادح الَّذِي لا يحتمل التوفيق والجمع، بمعنى أن الرَّاوِي لَمْ يضبط الحَدِيْث فَهُوَ وإن كَانَ ثِقَة إلا أَنَّهُ ضَعِيْف في هَذَا الحَدِيْث خَاصَّة. المطلب الثَّانِي شرط الاضطراب سبق أن ذكرت أن لَيْسَ كُلّ اختلاف اضطراباً، بَلْ شرط الاضطراب أمران:
следующие страницы →