← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 1747

أثر اختلاف الأسانيد والمتون في اختلاف الفقهاء

ماهر الفحل

Полный текст (524 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ولا يصح)) (١). وسأل ابن أبي حاتم أباه عن الرِّوَايَة الموصولة فأجابه قائلاً: ((هَذَا خطأ الناس يروونه عن ابن ثوبان عن النَّبِيّ ﷺ مرسلاً لا يذكرون جابراً)) (٢). وبنحو هَذَا أعله الطحاوي في شرح المعاني (٣). ٨ - أبو أيوب الأنصاري مرفوعاً: ولفظ حديثه: ((مَن مس فرجه فليتوضأ)). رَوَاهُ ابن ماجه (٤)، والطبراني (٥)، وأعله الدَّارَقُطْنِيّ بأن المحفوظ رِوَايَة مكحول عن أم حبيبة، أما روايته عن أبي أيوب فغير محفوظة (٦). وأَيّاً ما يَكُن الأمر فإن هَذَا الحكم قَدْ روي عن ثمانية من الصَّحَابَة، بَعْض طرقهم صحيحة، وبعضها قابل للاعتضاد، فمجموعها يَكُوْن في أقل أحواله مشهور، والمشهور يعمل بِهِ عندهم فِيْمَا تعم بِهِ البلوى. أما الرابع، وَهُوَ كون الْحَدِيْث مِمَّا يختص حكمه بالرجال، وَقَدْ نقلته امرأة، فقول مردود، فَقَدْ مضى بنا في عرض الآراء أن جمهور من يرى النقض من مس الفرج يسوى في الحكم بَيْنَ الرجل والمرأة، ثُمَّ إن الْحَدِيْث قَدْ رَوَاهُ عددٌ من رجال الصَّحَابَة كَمَا تقدم. ثُمَّ إن ديدن الصَّحَابَة ﵃ كَانَ قبول أخبار النساء في أحكام تتعلق بالرجال فقبلوا خبر أم المؤمنين عَائِشَة – ﵂ – في التقاء الختانين ونسخ بِهِ: ((الماء من الماء)) (٧)، وَقَدْ خاطب الله تَعَالَى نساء رَسُوْله ﷺ بقوله جل ذكره: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ (٨)، وهذا أمر لهن بالبيان، وفي ضمن ذَلِكَ أحكام قَدْ تختص بالرجال (٩).

стр. 212

وبعد هَذَا النقاش الطويل، فإن المحصلة النهائية كَانَتْ صحة حديثي بسرة وطلق، فكيف نعمل فيهما؟ قَالَ ابن عَبْد البر: ((والأصل أن الوضوء المجتمع عَلَيْهِ لا ينتقض إلا بإجماع أو سنَّة ثابتة، غَيْر محتملة للتأويل، فَلاَ عيب عَلَى القائل بقول الكوفيين؛ لأن إيجابه عن الصَّحَابَة لَهُمْ فِيْهِ ما تقدم ذكره)) (١). والجمهور عَلَى أن حَدِيْث بسرة ناسخ لحديث طلق، وبه قَالَ ابن حبان (٢) والطبراني (٣) وابن حزم (٤) والبيهقي (٥) والحازمي (٦) وغيرهم (٧).

стр. 213

الفصل الثَّالِث: الاختلاف في السَّنَد والمتن وفيه ثمانية مباحث: المبحث الأول: الاضطراب المبحث الثاني: الاختلاف في الزيادات المبحث الثالث: اختلاف الثقة مَعَ الثقات المبحث الرابع: اختلاف الضعيف مَعَ الثقات المبحث الخامس: الإدراج المبحث السادس: الاختلاف بسبب خطأ الراوي المبحث السابع: المقلوب المبحث الثامن: الاختلاف بسبب التصحيف والتحريف

стр. 214

تمهيد لما كَانَ الاختلاف أمراً وارداً في الحَدِيْث النبوي الشريف؛ وَذَلِكَ للاختلاف في مقدار تيقظ الرواة، وقوة قرائحهم، وَكَذَلِكَ بسبب اختلاف بعضهم عن بَعْض في مدى اهتمامهم بمروياتهم وَكَذَلِكَ أمور أُخْرَى تَكُون أسباباً للاختلاف فرغنا من ذكرها في الفصل الأول. وَقَدْ بينا آنذاك أنَّ الاختلاف يَكُون في المَتْن والسَّنَد فَهُوَ لَيْسَ قاصراً عَلَى المَتْن حسب بَلْ هُوَ يشمل كليهما. لذا رأيت أنْ أذكر في هَذَا الفصل أنواع الاختلافات الَّتِي تَكُون في السَّنَد والمَتْن. وَقَدْ قسمته عَلَى أحد عشر مبحثاً. المبحث الأول الاضطراب الاضطراب: في الحَدِيْث سنداً ومتناً أمرٌ حاصل وواقع بسبب اختلاف المواهب وما إلى غَيْر ذَلِكَ من الأسباب الَّتِي تجعل اضطراباً في المتون والأسانيد، والاضطراب يحصل من راوٍ واحدٍ ويحصل من عدة رواة (١)، والاضطراب يَكُون في الأعم الأغلب في المدارس المتأخرة ويندر جداً في المدارس المتقدمة، وَذَلِكَ أن المدارس المتأخرة من شأنها التعدد زيادة على بعد الزمان وتقاصر الهمم. المطلب الأول تعريف المضطرب لغة واصطلاحاً الحَدِيْث المضطرب (٢) أحد أنواع علم الحَدِيْث، والمضطرب: اسم فاعل من اضطَربَ، مأخوذ لغةً من الاضطراب بمعنى: الحركة والاختلاف، يقال: اضطرب الموج، أي: ضرب بعضه بعضاً، فَهُوَ مضطرب. وأود التنبيه عَلَى أن الشائع تسميته ب ((المضطرِب)) عَلَى وزن اسم الفاعل، هُوَ من

стр. 215

باب الإسناد المجازي (١)، لأن الاضطراب واقعٌ فِيهِ لا مِنْهُ، إذ إنَّهُ اسم مكان، فيظهر فِيهِ اضطراب الرَّاوِي أو الرواة، فَهُوَ عَلَى الحقيقة: مضطرَب -بفتح الراء- وَلَوْ سمي كَذلِكَ لكان أظهر في المَعْنَى الاصطلاحي (٢) والمضطرب من الحَدِيْث اصطلاحاً: هُوَ الذي تَخْتَلِف الرِّوَايَة فِيهِ، فيرويه بعضهم على وجه، وبعضهم عَلَى وجه آخر مخالفٍ لَهُ. هكذا عرفه الحافظ ابن الصَّلاح (٣)، وَقَدْ استدرك عَلَيْهِ الإمام الزَّرْكَشِيّ بقوله: ((قَدْ يخرج مَا لو حصل الاضطراب من راوٍ واحدٍ. وَقَدْ يقال فِيهِ: نبنيه عَلَى دخوله من باب أولى، فإنه أولى بالرد من الاختلاف بَيْنَ راويين)) (٤).قُلْتُ: وهَذَا اعتراض متجهٌ، لأن الاضطراب في الأعم الأغلب يحصل من راوٍ واحد، وَهُوَ الَّذِي يوجه الغلط فِيهِ لِمَنْ اضطرب فِيهِ. أما الاضطراب من راويين فَهُوَ أقل، وَكَذَلِكَ قَدْ يوجه الاضطراب لأحد الراويين أو للشيخ، وربما كَانَ قَدْ حدّث بالوجهين. وللزركشي اعتراض آخر فَقَدْ قَالَ: ((وينبغي أن يقال: (عَلَى وجه يؤثر) ليخرج مَا لَوْ روي الحَدِيْث عن رَجُل مرة، وعن آخر أخرى ...)) (٥). قُلْتُ: وَهُوَ اعتراض متجهٌ أيضاً، لأن لَيْسَ كُلّ اختلاف قادحاً، بَلْ القادح الَّذِي لا يحتمل التوفيق والجمع، بمعنى أن الرَّاوِي لَمْ يضبط الحَدِيْث فَهُوَ وإن كَانَ ثِقَة إلا أَنَّهُ ضَعِيْف في هَذَا الحَدِيْث خَاصَّة. المطلب الثَّانِي شرط الاضطراب سبق أن ذكرت أن لَيْسَ كُلّ اختلاف اضطراباً، بَلْ شرط الاضطراب أمران:

стр. 216

أحدهما: استواء وجوه الاختلاف، فمتى رجح أَحَد الأقوال قدم وَلاَ يعل الراجح بالمرجوح عِنْدَ أهل النقد. ثانيهما: أن يتعذر - مَعَ الاستواء - الجمع بينها عَلَى قواعد المُحَدِّثِيْنَ، ويغلب عَلَى الظن أن ذَلِكَ الحافظ لَمْ يضبط ذَلِكَ الحَدِيْث بعينه فحينئذ يحكم عَلَى تِلْكَ الرِّوَايَة وحدها بالاضطراب، ويتوقف عن الحكم بصحة ذَلِكَ الحَدِيْث لِذلِكَ السبب (١). وعلى هَذَا المَعْنَى يدور قَوْل الحافظ ابن الصَّلاح: ((وإنما نسميه مضطرباً إذا تساوت الروايتان (٢)، أما إذا ترجحت إحداهما بحيث لا تقاومها الأخرى، بأن يَكُون راويها أحفظ أو أكثر صحبة للمروي عَنْهُ، أو غَيْر ذَلِكَ من وجوه الترجيحات المعتمدة، فالحكم للراجحة، وَلاَ يطلق عَلَيْهِ حينئذٍ وصف المضطرب، وَلاَ له حكمه)) (٣). وَقَدْ أكد هَذَا المفهوم الإمام ابن دقيق العيد فَقَالَ: ((أشار بَعْض الناس إلى أن اختلاف الرواة في ألفاظ الحَدِيْث مِمَّا يمنع الاحتجاج بِهِ ... فنقول هَذَا صَحِيْح لَكَن بشرط تكافؤ الروايات أو تقاربها، أما إذا كَانَ الترجيح واقعاً في بعضها: إما لأن رواته أكثر أو أحفظ، فينبغي العَمَل بِهَا، إذ الأضعف لا يكون مانعاً من العَمَل بالأقوى، والمرجوح لا يدفع التمسك بالراجح)) (٤).ويفهم مِمَّا سبق أن أحد الوجوه المختلفة إن كَانَ مروياً من طريق ضَعِيْف والآخر من طريق قوي فَلاَ اضطراب، والعَمَل بالطريق القوي، وإن لَمْ يَكُنْ كَذلِكَ، فإن أمكن الجمع بَيْنَ تِلْكَ الوجوه بحيث يمكن أن يَكُون المتكلم باللفظين الواردين أراد مَعْنًى واحداً فَلاَ إشكال أيضاً؛ مِثْل أن يَكُون في أَحَد الوَجْهَيْنِ: عن رَجُل وَفِي الوجه الآخر يُسَمَّى هَذَا الرجل فَقَدْ يَكُون هَذَا المسمى هُوَ ذَلِكَ المُبْهَم، فَلاَ اضطراب إذن ولا تعارض، وإن لَمْ يَكُنْ كَذلِكَ بأن يُسَمَّى مثلاً الرَّاوِي باسم معين في رِوَايَة وَيُسَمَّى باسم آخر في رِوَايَة أُخْرَى فهذا محل نظر؛ إذ يتعارض فِيهِ أمران: أحدهما: أَنَّهُ يجوز أن يَكُون الحَدِيْث عن الرجلين معاً. والثاني: أن يغلب عَلَى الظن أن الرَّاوِي واحد واختلف فِيهِ. فههنا لا يخلو أن يَكُون الرجلان معاً ثقتين أولا، فإن كَانَا ثقتين فههنا لا يضر الاختلاف عِنْدَ الكثير؛ لأن

стр. 217

الاختلاف كَيْفَ دار فَهُوَ عن ثِقَة، وبعضهم يَقُول: هَذَا اضطراب يضرّ، لأَنَّهُ يدل عَلَى قلة الضَّبْط (١). ولخص هَذَا التفصيل الحافظ العراقي في منظومته المسماة "التبصرة والتذكرة" إذ قَالَ: مُضْطَرِبُ الحَدِيثِ: مَا قَدْ وَرَدَا ... مُخْتَلِفاً مِنْ وَاحِدٍ فَأزْيَدَا في مَتْنٍ اوْ (٢) في سَنَدٍ إنِ اتَّضَحْ ... فِيْهِ تَسَاوِي الخُلْفِ، أَمَّا إِنْ رَجَحْ بَعْضُ الوُجُوْهِ لَمْ يَكُنْ مُضْطَرِبَا ... وَالحُكْمُ للرَّاجِحِ مِنْهَا وَجَبَا (٣) ويمكننا أن نقدّم مثالاً تطبيقياً عَلَى مَا لا يصح عَدُّهُ مضطرباً لرجحان بَعْض وجوه مروياته عَلَى بَعْض. فَقَدْ مَثَّل ابن الصَّلاح للاضطراب الواقع في السَّنَد قائلاً: ((ومن أمثِلتِه: ما رويناه عن إسماعيل بن أمية (٤)، عن أبي عَمْرو بن مُحَمَّد ابن حريث (٥) عن جده حريث (٦)، عن أبي هُرَيْرَة، عن الرسول ﷺ في المُصَلِّي: ((إذا لَمْ يجد عصاً ينصبها بَيْنَ يديه فليخط خطاً)) فرواه بشر (٧) بن المفضل (٨)، وروح (٩) ابن القاسم (١٠)، عن إسماعيل هكذا، ورواه سُفْيَان الثَّوْرِيّ (١١) عَنْهُ، عن أبي عَمْرو ابن حريث، عن

стр. 218

أبيه، عن أبي هُرَيْرَة. ورواه حميد (١) بن الأسود (٢)، عن إسماعيل، عن أبي عَمْرو بن مُحَمَّد بن حريث بن سليم، عن أبيه (٣)، عن أبي هُرَيْرَة. ورواه وهيب (٤) و (٥) عبد الوارث (٦)، عن إسماعيل، عن أبي عَمْرو بن حريث، عن جده حُريث (٧). وَقَالَ عَبْد الرزاق (٨)، عن ابن جريج: سَمِعَ إسماعيل، عن حريث بن عَمَّار، عن أبي هُرَيْرَة. وفيه من الاضطراب أكثر مِمَّا ذكرناه (٩)، والله أعلم)) (١٠). وَقَدْ أطال الحافظ العراقي النفس في ذكر أوجه الخلاف الواردة في هَذَا الحَدِيْث (١١)، وكأنه ينحو منحى ابن الصَّلاح في عدِّ هَذَا اضطراباً، وَقَدْ تعقّب الحافظُ ابنُ حجر العسقلانيُّ الحافظين الجليلين ابن الصَّلاح والعراقي، فَقَالَ: ((جَمِيْع من رَواهُ عن إسماعيل بن أمية، عن هَذَا الرجل إنما وقع الاختلاف بينهم في اسمه أو كنيته. وهل روايته عن أبيه أو عن جده أو عن أبي هُرَيْرَة بلا واسطة وإذا تحقق الأمر فِيهِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حقيقة الاضطراب، لأن الاضطراب هُوَ: الاختلاف الَّذِي يؤثر قدحاً. واختلاف

стр. 219

الرواة في اسم رَجُل لا يؤثر؛ ذَلِكَ لأَنَّهُ إن كَانَ ذَلِكَ الرجل ثِقَة فَلاَ ضير، وإن كَانَ غَيْر ثِقَة فضعف الحَدِيْث إنما هُوَ من قبل ضعفه لا من قبل اختلاف الثِّقات في اسمه فتأمل ذَلِكَ. ومع ذَلِكَ كله فالطرق الَّتِي ذكرها ابن الصَّلاح، ثُمَّ شَيْخُنَا قابلة لترجيح بعضها عَلَى بَعْض، والراجحة مِنْها يمكن التوفيق بينها فينتفي الاضطراب أصلاً ورأساً)) (١). أقول: كلام الحافظ ابن حجر صواب، إذ إن الأصح عدم التمثيل بهذا الحَدِيْث؛ لأن حريثاً مَجْهُوْل لا يعرف (٢)، وعلى فرض التسليم بصحبته -فيكون عدلاً- فإن الرَّاوِي عَنْهُ مَجْهُوْل لَمْ يرو عَنْهُ غَيْر إسماعيل بن أمية، لذا فإن كلام الحَافِظ ابن حجر صواب، فاختلافهم كَانَ في تسمية ذات وَاحِدَة فإن كَانَ ثِقَة لَمْ يضره الاختلاف في اسمه، وإن كَانَ غَيْر ثِقَة فَقَدْ ضعف لغير الاضطراب. والحال هنا كَذلِكَ (٣). وعند تحقيقنا لكتاب "شرح التبصرة والتذكرة" للحافظ العراقي وقفنا عَلَى تعليقة جاءت في حاشية إحدى النسخ (٤) نصها: ((هَذَا الحَدِيْث صححه الإمام أحمد، وابن حبان، وغيرهما من حَدِيث أبي هُرَيْرَة، وكأنهم رأوا هَذَا الاضطراب لَيْسَ قادحاً)). أقول: تصحيح الإمام أحمد نقله عَنْهُ ابن عَبْد البر (٥)، أما تصحيح ابن حبان فَهُوَ أَنَّهُ خرجه في صَحِيْحَه (٦)، وصححه كَذلِكَ ابن خزيمة (٧)، وعلي بن المديني (٨)، وَقَالَ ابن حجر: ((هُوَ حَسَن)) (٩). عَلَى أن آخرين قَدْ ضعفوا هَذَا الحَدِيْث مِنْهُمْ ابن عُيَيْنَةَ (١٠)، وَقَالَ السرخسي:

стр. 220

((هَذَا الحَدِيْث شاذ)) (١). قَالَ ابن حجر: ((أشار إلى ضعفه سُفْيَان بن عيينة، والشَّافِعيّ والبَغَوِيّ، وغيرهم (٢))). وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض: ((وإن كَانَ جاء بِهِ حَدِيث وأخذ بِهِ أحمد بن حَنْبَل فَهُوَ ضَعِيْف)) (٣). وضعفه كَذلِكَ النَّوَوِيّ (٤). أثر هَذَا الحَدِيْث في اختلاف الفُقَهَاء (حكم استتار المصلي بالخط إذا لَمْ يجد مَا ينصبه) وَقَدْ ترتب عَلَى حكم من حكم باضطراب الحَدِيْث، اختلاف فقهي في حكم سترة المصلي، فالسُّترة -بالضم- مأخوذة من السِّتْر، وَهِيَ في اللغة: مَا استترت بِهِ من شيء كائناً مَا كَانَ، وكذا الستار والستارة، والجمع السَّتائر والسّتَر (٥). وَفِي الاصطلاح الشرعي: هِيَ مَا يغرز أو ينصب أمام المصلي من عصا أو غَيْر ذَلِكَ، أو مَا يجعله المصلي أمامه لمنع المارين بَيْنَ يديه (٦). والسترة في الصَّلاَة مشروعه لمنع المارين، قَالَ ابن عَبْد البر: ((السترة في الصَّلاَة سنة مسنونة معمول بِهَا)) (٧)، وَقَدْ وردت أحاديث صَحِيْحَة بِهَا (٨)، وَقَدِ اختلف أهل العِلْم فيمن لَيْسَ لديه شيء يجعله سترة لَهُ، هَلْ يشرع لَهُ أن يخط خطاً؟ فَقَدْ ذهب الأوزاعي (٩)، وسعيد بن جبير (١٠)، والإمام أحمد (١١)، والشَّافِعيّ في القديم (١٢)، وأبو

стр. 221

ثور (١) إلى أن المصلي إذا لَمْ يجد مَا يستتر بِهِ يخط خطاً. والحجة لَهمُ الحَدِيْث السابق، قَالَ ابن عَبْد البر: ((هَذَا الحَدِيْث عِنْدَ أحمد بن حَنْبَل، ومن قَالَ بقوله حَدِيث صَحِيْح، وإليه ذهبوا، ورأيت أن عَلِيّ بن المديني كَانَ يصحح هَذَا الحَدِيْث ويحتج بِهِ)) (٢). وذهب آخرون إلى عدم مشروعية الخط في الصَّلاَة، مِنْهُمُ: الليث بن سعد (٣) والإمام مَالِك، وَقَالَ: ((الخط باطل)) (٤). والإمام أبو حَنِيْفَة وأصحابه (٥)، والإمام الشَّافِعيّ بمصر، وَقَدْ قَالَ: ((لا يخط بين يديه خطاً إلا أن يَكُون في ذَلِكَ حَدِيث ثابت فيتبع)) (٦). المطلب الثَّالِث حُكْمُ الحَدِيْثِ الْمُضْطَرِبِ الحَدِيْث المضطرب ضَعِيْف، لأن الاختلاف (٧) فِيهِ دليل عَلَى عدم ضبط راويه، والضَّبْط أحد شروط صِحَّة الحَدِيْث الرئيسة (٨). وراوي الحَدِيْث المضطرب قَدْ فقد هَذَا الشرط؛ فالحديث المضطرب إذن فاقد لأحد شروط الصِّحَّة فلهذا يعد الحَدِيْث المضطرب ضعيفاً، قَالَ الحَافِظ ابن الصَّلاح: ((الاضطراب موجبٌ ضَعْفَ الحَدِيْث، لإشعاره بأنه - أي: الرَّاوِي - لَمْ يضبط)) (٩). وَقَالَ الحَافِظ العراقي: ((والاضطراب موجبٌ لضعف الحَدِيْث المضطرب لإشعاره بعدم ضبط راويه، أو

стр. 222

رواته)) (١). وما ذكرته هُوَ الأصل في حكم الحَدِيْث المضطرب؛ لَكِنْ هَذَا لا يعني أن الاضطراب والصِّحَّة لا يجتمعان أبداً؛ بَلْ قَدْ يجتمعان، قَالَ الحافظ ابن حجر: ((إنَّ الاختلاف في الإسناد إذا كَانَ بَيْنَ ثقات متساوين، وتعذر الترجيح، فَهُوَ في الحقيقة لا يضر في قبول الحَدِيْث والحكم بصحته، لأَنَّهُ عن ثِقَة في الجملة. ولكن يضر ذَلِكَ في الأصحية عِنْدَ التعارض -مثلاً-. فحديث لَمْ يختلف فِيهِ عَلَى راويه (٢) -أصلاً- أصح من حَدِيث اختلف فِيهِ في الجملة، وإن كَانَ ذَلِكَ الاختلاف في نَفْسه يرجع إلى أمر لا يستلزم القدح)) (٣). وَقَدْ شرح السيوطي كلام الحافظ ابن حجر فَقَالَ: ((وقع في كلام شيخ الإسلام السابق: أن الاضطراب قَدْ يجامع الصِّحَّة؛ وَذَلِكَ بأن يقع الاختلاف في اسم رَجُل واحد وأبيه ونسبته ونحو ذَلِكَ، ويكون ثِقَة. فيحكم للحديث بالصحة ولايضر الاختلاف فِيْمَا ذَكَرَ مَعَ تسميته مضطرباً، وَفِي الصَّحِيْحَيْنِ أحاديث كثيرة بهذه المثابة؛ وكذا جزم الزَّرْكَشِيّ بِذَلِكَ في مختصره، فَقَالَ: قَدْ يدخل القلب والشذوذ والاضطراب في قِسْم الصَّحِيح والحَسَن)) (٤). المطلب الرابع أين يقع الاضطراب ؟ يقع الاضطراب في متن الحَدِيْث، ويقع في الإسناد وَقَدْ يقع ذَلِكَ من راوٍ واحدٍ وَقَدْ يقع بَيْنَ رواة لَهُ جَمَاعَة (٥). وَقَدْ وجدت أحسن من فصل ذَلِكَ الحافظ العلائي فِيْمَا نقله عَنْهُ الحافظ ابن حجر فَقَدْ قَالَ: ((الاختلاف تارة في السَّنَد، وتارة في المَتْن. فالذي في السَّنَد يتنوع أنواعاً: أحدها: تعارض الوَصْل والإرسال. ثانيها: تعارض الوقف والرفع.

стр. 223

ثالثها: تعارض الاتصال والانقطاع. رابعها: أن يَرْوِي الحَدِيْث قوم -مثلاً- عن رَجُلٍ عن تابعي عن صَحَابِيّ، ويرويه غيرهم عن ذَلِكَ الرجل عن تابعي آخر عن الصَّحَابيّ بعينه. خامسها: زيادة رجلٍ في أحد الإسنادين. سادسها: الاختلاف في اسم الرَّاوِي ونسبه، إذا كَانَ متردداً بَيْنَ ثِقَة وضعيف)) (١). ثُمَّ تكلم ﵀ عن مَسالِك العُلَمَاء واختلافهم في كيفية التعامل مَعَ هذِهِ الأنواع فَقَالَ: ((وإن المختلفين إما أن يَكُونوا متماثلين في الحفظ والإتقان أم لا. فالمتماثلون إما أن يَكُون عددهم من الجانبين سَوَاء أم لا، فإن استوى عددهم مَعَ استواء أوصافهم وجب التوقف حَتَّى يترجح أحد الطريقين بقرينة من القرائن، فمتى اعتضدت إحدى الطريقين بشيء من وجوه الترجيح حكم لَهَا. ووجوه الترجيح كثيرة لا تنحصر، وَلاَ ضابط لَهَا بالنسبة إلى جَمِيْع الأحاديث، بَلْ كُلّ حَدِيث يقوم بِهِ ترجيح خاص لا يخفى عَلَى الممارس الفطن الَّذِي أكثر من جمع الطرق؛ ولأجل هَذَا كَانَ مجال النظر في هَذَا أكثر من غيره. وإن كَانَ أحد المتماثلين أكثر عدداً فالحكم لَهُمْ عَلَى قَوْل الأكثر. وَقَدْ ذهب قوم إلى تعليله -وإن كَانَ من وصل أو رفع أكثر- وَالصَّحِيح خِلاَف ذَلِكَ. وأما غَيْر المتماثلين، فإما أن يتساووا في الثِّقَة أو لا، فإن تساووا في الثِّقَة، فإن كان من وصل أو رفع أحفظ فالحكم لَهُ، وَلاَ يلتفت إلى تعليل من علله بِذَلِكَ -أيضاً-[و] (٢) إن كَانَ العكس، فالحكم للمرسل والواقف. وإن لَمْ يتساووا في الثِّقَة فالحكم للثقة، وَلاَ يلتفت إلى تعليل من علله برواية غَيْر الثِّقَة إذا خالف)) (٣). ثُمَّ قَالَ: ((هذِهِ جملة تقسيم الاختلاف، وبقي إذا كَانَ رِجَال أحد الإسنادين أحفظ ورجال الآخر أكثر. فَقَدْ اختلف المتقدمون فِيهِ: فمنهم من يرى قَوْل الأحفظ أولى لإتقانه وضبطه. ومنهم من يرى قَوْل الأكثر أولى لبعدهم عن الوهم)) (٤). ثُمَّ قَالَ - بَعْدَ أن علل لما سبق -: ((وأما النَّوع الرابع: وهُوَ الاختلاف في السَّنَد فَلاَ يخلو: إما أن يَكُون الرجلان ثقتين أم لا. فإن كانا ثقتين فَلاَ يضر الاختلاف عِنْدَ

стр. 224

الأكثر، لقيام الحجة بكل مِنْهما، فكيفما دار الإسناد كَانَ عن ثقة، وربما احتمل أن يَكُون الرَّاوِي سمعه مِنْهُمَا جميعاً، وَقَدْ وَجَدَ ذَلِكَ في كَثِيْر من الحَدِيْث، لَكِنْ ذَلِكَ يقوى حَيْثُ يَكُون الرَّاوِي مِمَّنْ لَهُ اعتناء بالطلب وتكثير الطرق)) (١). ثُمَّ قَالَ: ((وأما مَا ذهب إليه كَثِيْر من أهلِ الحَدِيْث من أن الاختلاف دليل عَلَى عدم ضبطه في الجملة فيضر ذَلِكَ وَلَوْ كَانَتْ رواته ثقات إلا أن يقوم دليل عَلَى أَنَّهُ عِنْدَ الرَّاوِي المختلف عَلَيْهِ عَنْهُمَا جميعاً أو بالطريقتين جميعاً؛ فَهُوَ رأي فِيهِ ضعف، لأَنَّهُ كيفما دار كَانَ عَلَى ثِقَة، وَفِي الصَّحِيْحَيْنِ من ذَلِكَ جملة أحاديث، لَكِنْ لابُدَّ في الحكم بصحة ذَلِكَ سلامته من أن يَكُون غلطاً أو شاذاً. وأما إذا كَانَ أحد الراويين المختلف فِيْهِمَا ضعيفاً لا يحتج بِهِ فههنا مجالٌ للنظر، وتكون تِلْكَ الطَّرِيق الَّتِي سمي ذَلِكَ الضَّعِيف فِيْهَا، وجعل الحَدِيْث عَنْهُ كالوقف أو الإرسال بالنسبة إلى الطريق الأخرى، فكل ما ذكر هناك من الترجيحات يجيء هنا. ويمكن أنْ يقال -في مِثْل هَذَا- يحتمل أن يَكُون الرَّاوِي إذا كَانَ مكثراً قَدْ سمعه مِنْهُمَا -أيضاً- كَمَا تقدم. فإن قِيلَ: إذا كَانَ الحَدِيْث عنده عن الثِّقَة، فَلِمَ يرويه عن الضَّعِيف؟ فالجواب: يحتمل أَنَّهُ لَمْ يطلع عَلَى ضعف شيخه أو اطلع (٢) عَلَيْهِ، ولكن ذكره اعتماداً عَلَى صِحَّة الحَدِيْث عنده من الجهة الأخرى. وأما النَّوع الخامس: وَهُوَ زيادة الرجل بَيْنَ الرجلين في السند فسيأتي تفصيله في النَّوع السابع والثلاثين - إن شاء الله - فَهُوَ في مكانه (٣). وأما النَّوع السادس: وَهُوَ الاختلاف في اسم الرَّاوِي ونسبه فَهُوَ عَلَى أقسام أربعة: القسم الأول: أن يبهم في طريق وَيُسَمَّى في أخرى، فالظاهر أن هَذَا لا تعارض فِيهِ؛ لأَنَّهُ يَكُون المُبْهَم في إحدى الرِّوَايَتَيْنِ هُوَ المعين في الأخرى، وعلى تقدير أن يَكُون غيره، فَلاَ تضر رِوَايَة من سماه وعرفه -إذا كَانَ ثِقَة- رواية من أبهمه. القِسْم الثَّانِي: أن يَكُون الاختلاف في العبارة فَقَطْ، والمَعْنَى بِهَا في الكل واحد، فإنَّ مِثْل هَذَا لا يعد اختلافاً -أيضاً- ولا يضر إذا كَانَ الرَّاوِي ثِقَة.

стр. 225

قُلْتُ (القائل ابن حجر): وبهذا يتبين أن تمثيل المصنف (١) للمضطرب بحديث أبي عَمْرو بن حريث لَيْسَ بمستقيم انتهى. القِسْم الثَّالِث: أن يقع التصريح باسم الرَّاوِي ونسبه لَكَن مَعَ الاختلاف في سياق ذَلِكَ)) (٢). ثُمَّ ساق مثالاً لِذلِكَ، ثُمَّ قَالَ: ((القِسْم الرابع: أن يقع التصريح بِهِ من غَيْر اختلاف لَكِنْ يَكُون ذَلِكَ من متفقين: أحدهما ثِقَة، والآخر ضَعِيْف. أو أحدهما مستلزم الاتصال، والآخر الإرسال كَمَا قدمناه)) (٣). ولما كَانَ الاضطراب يقع في السَّنَد والمَتْن رأيت أن أفصّل الاضطراب الواقع في السَّنَد؛ لأَنَّهُ الأهم والأكثر تشعباً مَعَ بيان أمثلته، ثُمَّ أسوق أثر ذَلِكَ في اختلاف الفُقَهَاء ثُمَّ الكلام عن اضطراب المَتْن. وَقَدْ جعلت كلاً مِنْهُمَا في نَوْعٍ مستقل: القسم الأول الاضطراب في السَّنَد بالنظر لما تمتع بِهِ الإسناد من أهمية في حياة الأمة الإسلامية كونه من أهم خصائصها، فَقَدْ حضي بالاهتمام من حَيْثُ الحفاظ عَلَيْهِ والتنقير والتفتيش عن صَحِيْحه وضَعِيْفه، وَقَدِ اهتم السلف الصالح بحفظ مئات الألوف من الأسانيد، وبينوا قويها من سقيمها حَتَّى خرجوا لَنَا ببحوث ونتائج قلّ نظيرها. والسند كَمَا يَكُون مِنْهُ الصَّحِيح والأصح، ففيه الضَّعِيف والمعلول، والَّذِي تدخله العلة من الأسانيد كَثِيْر لَيْسَ بقليل، وَقَدْ رأيت أن أحسن من صنفها الحافظ العلائي (٤). وسأفصل الكلام عن كُلّ نَوْع بكلام مستقل: النَّوع الأول: تعارض الوَصْل والإرسال الوَصْل هنا بمعنى الاتصال، والاتصال هُوَ أحد الشروط الأساسية في صِحَّة الحَدِيْث، بَلْ هُوَ أولها، قَالَ العراقي في نظمه: وَأَهْلُ هَذَا الشَّأْنِ قَسَّمُوا السُّنَنْ ... إلى صَحِيْحٍ وَضَعِيْفٍ وَحَسَنْ

стр. 226

فَالأَوَّلُ الْمُتَّصِلُ الإسْنَادِ ... بِنَقْلِ عَدْلٍ ضَابِطِ الْفُؤَاد عَنْ مِثْلِهِ مِنْ غَيْرِ مَا شُذُوْذِ ... وَعِلَّةٍ قَادِحَةٍ فَتُوْذِي (١) وكل من عرّف الصَّحِيح أبتدأ أولاً بذكر الاتصال (٢)، والاتصال: هُوَ سَمَاع الحَدِيْث لكل راوٍ من الرَّاوِي الَّذِي يليه (٣). ويعرف الاتصال بتصريح الرَّاوِي بإحدى صيغ السَّمَاع الصريحة، وَهِيَ حَدَّثَنَا، وأخبرنا، وأنبأنا، وسمعت، وَقَالَ لَنَا، وغيرها من الصيغ. وهذا هُوَ الأصل. وربما حصل التصريح في السَّمَاع في بَعْض الأسانيد، لَكِنْ صيارفة الحَدِيْث ونقاده يحكمون بخطأ هَذَا التصريح، ثُمَّ الحكم عَلَى الرِّوَايَة بالانقطاع، قَالَ ابن رجب: ((وَكَانَ أحمد (٤) يستنكر دخول التحديث في كَثِيْر من الأسانيد، ويقول: هُوَ خطأ، يعني ذكر السَّمَاع)) (٥). وَقَدْ بحث ابن رجب ذَلِكَ بحثاً واسعاً، ثُمَّ قَالَ: ((وحينئذٍ ينبغي التفطن لهذه الأمور، وَلاَ يغتر بمجرد ذكر السَّمَاع والتحديث في الأسانيد، فَقَدْ ذكر ابن المديني: أن شُعْبَة وجدوا له غَيْر شيء يذكر فِيهِ الإخبار عن شيوخه، ويكون منقطعاً)) (٦). وأعود إلى التفصيل السابق ثُمَّ أقول: أما إذا كَانَتِ الرِّوَايَة بصيغة من الصيغ المحتملة، مِثْل: عن، أو أن أو حدث، أو أخبر، أو قَالَ، فحينئذٍ يَجِبُ توفر شرطين في الرَّاوِي لحمل هذِهِ الصيغة عَلَى الاتصال: الشرط الأول: السلامة من التَّدْلِيْس، أي: أن لا يَكُون من رَوَى هكذا مدلساً. الشرط الثاني: المعاصرة وإمكان اللقاء، وَقَدِ اكتفى بهذين الشرطين كثيرٌ من المُحَدِّثِيْنَ، وأضاف عَلَي بن المديني والبُخَارِيّ وآخرون شرطاً ثالثاً، وَهُوَ: ثبوت اللقاء

стр. 227

وَلَوْ مرة وَاحِدَة (١). والاتصال في السَّنَد لا يشترط أن يَكُون في طبقة وَاحِدَة فَقَطْ، بَلْ يشترط أن يَكُون من أول السَّنَد إلى آخره؛ فإذا اختل الاتصال في مَوْضِع من المواضع سمي السَّنَد منقطعاً، وَكَانَ يطلق عَلَيْهِ في القرون المتقدمة مرسلاً (٢)، ثُمَّ استقر الاصطلاح بعد عَلَى أن المُرْسَل هُوَ: مَا أضافه التَّابِعيّ إلى النَّبيّ ﷺ (٣). ولما كَانَ الاتصال شرطاً للصحة فالانقطاع ينافي الصِّحَّة، إذن الانقطاع أمارة من أمارات الضعف؛ لأن الضَّعِيف مَا فَقَدْ شرطاً من شروط الصِّحَّة (٤). والانقطاع قَدْ يَكُون في أول السَّنَد، وَقَدْ يَكُون في آخره، وَقَدْ يَكُون في وسطه، وَقَدْ يَكُون الانقطاع براوٍ واحد أو أكثر. وكل ذَلِكَ من نَوْع الانقطاع، والذي يعنينا الكلام عَلَيْهِ هنا هُوَ الكلام عن الانقطاع في آخر الإسناد، وَهُوَ مَا يُسَمَّى بالمرسل عِنْدَ المتأخرين، وَهُوَ مَا أضافه التَّابِعيّ إلى النَّبيّ ﷺ (٥).

стр. 228

لِذلِكَ فإن الحَدِيْث إذ روي مرسلاً مرة، وروي مرة أخرى موصولاً، فهذا يعد من الأمور الَّتِي تعلُّ بِهَا بَعْض الأحاديث، ومن العلماء من لا يعدُّ ذَلِكَ علة، وتفصيل الأقوال في ذَلِكَ عَلَى النحو الآتي: القَوْل الأول: ترجيح الرِّوَايَة الموصولة عَلَى الرِّوَايَة المرسلة؛ لأَنَّهُ من قبيل زيادة الثِّقَة (١). القَوْل الثَّانِي: ترجيح الرِّوَايَة المرسلة (٢). القَوْل الثَّالِث: الترجيح للأحفظ (٣). القَوْل الرابع: الاعتبار لأكثر الرواة عدداً (٤). القَوْل الخامس: التساوي بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ والتوقف (٥). هَذَا ما وجدته من أقوال لأهل العِلْم في هذِهِ المسألة، وَهِيَ أقوال متباينةٌ مختلفة، وَقَدْ أمعنت النظر في صنيع المتقدمين أصحاب القرون الأولى، وأجلت النظر كثيراً في أحكامهم عَلَى الأحاديث الَّتِي اختلف في وصلها وإرسالها، فوجدت بوناً شاسعاً بَيْنَ قَوْل المتأخرين وصنيع المتقدمين، إذ إن المتقدمين لا يحكمون عَلَى الحَدِيْث أول وهلة، وَلَمْ يجعلوا ذَلِكَ تَحْتَ قاعدة كلية تطرد عَلَيْهَا جَمِيْع الاختلافات، وَقَدْ ظهر لي من خلال دراسة مجموعة من الأحاديث الَّتِي اختلف في وصلها وإرسالها: أن الترجيح لا يندرج تَحْتَ قاعدة كلية، لَكِنْ يختلف الحال حسب المرجحات والقرائن، فتارة ترجح الرِّوَايَة المرسلة وتارة ترجح الرِّوَايَة الموصولة. وهذه المرجحات كثيرة يعرفها من اشتغل بالحديث دراية ورواية وأكثر التصحيح والتعليل، وحفظ جملة كبيرة من الأحاديث، وتمكن في علم الرِّجَال وعرف دقائق هَذَا الفن وخفاياه حَتَّى صار الحَدِيْث أمراً ملازماً لَهُ مختلطاً بدمه ولحمه.

стр. 229

ومن المرجحات: مزيد الحفظ، وكثرة العدد، وطول الملازمة للشيخ. وَقَدْ يختلف جهابذة الحديث في الحكم عَلَى حَدِيث من الأحاديث، فمنهم: من يرجح الرِّوَايَة المرسلة، ومنهم: من يرجح الرِّوَايَة الموصولة، ومنهم: من يتوقف. وسأسوق نماذج لِذلِكَ مَعَ بيان أثر ذَلِكَ في اختلاف الفُقَهَاء. مثال ذَلِكَ: رِوَايَة مَالِك بن أنس، عن زيد بن أسلم (١)، عن عطاء بن يسار (٢)؛ أن رَسُوْل الله ﷺ قَالَ: ((إذا شك أحدكم في صلاته فَلَمْ يدرِ كم صلى أثلاثاً أم أربعاً؟ فليصل رَكْعَة، وليسجد سجدتين وَهُوَ جالس قَبْلَ التسليم، فإن كَانَت الرَّكْعَة الَّتِي صلى خامسة شفعها بهاتين السجدتين، وإن كَانَتْ رابعة فالسجدتين ترغيم للشيطان)). هَذَا الحَدِيْث رَواهُ هكذا عن مَالِك جَمَاعَة الرواة مِنْهُمْ: ١ - سويد بن سعيد (٣). ٢ - عبد الرزاق بن همام (٤). ٣ - عبد الله بن مسلمة القعنبي (٥). ٤ - عَبْد الله بن وهب (٦). ٥ - عُثْمَان بن عُمَر (٧). ٦ - مُحَمَّد بن الحَسَن الشيباني (٨). ٧ - أبو مصعب الزُّهْرِيّ (٩). ٨ - يَحْيَى بن يَحْيَى الليثي (١٠).

стр. 230

فَهؤلاء ثمانيتهم رووه عن مَالِك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، بِهِ مرسلاً. والحديث رَواهُ الوليد بن مُسْلِم (١)، ويَحْيَى بن راشد (٢) المازني (٣) عن مَالِك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، بِهِ - متصلاً -. هكذا اختلف عَلَى الإمام مَالِك بن أنس في وصل هَذَا الحَدِيْث وإرساله، والراجح فِيهِ الوَصْل، وإن كَانَ رواة الإرسال أكثر وَهُوَ الصَّحِيح من رِوَايَة مَالِك (٤)، لما يأتي: وَهُوَ أن الإِمَام مالكاً توبع عَلَى وصل هَذَا الحَدِيْث: فَقَدْ رَواهُ فليح بن سليمان (٥)، وعبد العزيز بن عَبْد الله (٦) بن أبي سلمة (٧)، وسليمان بن بلال (٨)، ومُحَمَّد (٩) بن مطرف (١٠)، ومُحَمَّد بن عجلان (١١) خمستهم (١٢) رووه عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخُدْرِيّ، بِهِ متصلاً. وَقَدْ

стр. 231

خالفهم جميعاً يعقوب بن عَبْد الرحمان (١) القَارّي (٢)؛ فرواه عن زيد بن أسلم، عن عطاء، مرسلاً. لَكِنْ روايته لَمْ تقاوم أمام رِوَايَة الجَمْع (٣). إذن فالراجح في رِوَايَة هَذَا الحَدِيْث الوَصْل لكثرة العدد وشدة الحفظ. قَالَ الحافظ ابن عَبْد البر: ((والحَدِيْث مُتَّصِل مُسْنَد صَحِيْح، لا يضره تقصير من قصر بِهِ في اتصاله؛ لأن الَّذِيْنَ وصلوه حُفَّاظ مقبولةٌ زيادتهم (٤))). وَقَالَ في مَوْضِع آخر: ((قَالَ الأثرم: سألت أحمد بن حَنْبَل عن حَدِيث أبي سعيد في السهو، أتذهب إليه؟ قَالَ: نعم، أذهب إِليهِ، قلتُ: إنهم يختلفون في إسناده، قَالَ: إِنَّمَا قصر بِهِ مَالِك، وَقَدْ أسنده عدة، مِنْهُمْ: ابن عجلان، وعبد العزيز بن أبي سلمة (٥))). ثُمَّ إن هَذَا الحَدِيْث قَدْ تناوله الإمام العراقي الجهبذ أَبُو الحَسَن الدَّارَقُطْنِيّ في علله (٦) وانتهى إلى ترجيح الرِّوَايَة المسندة. أثر هَذَا الحَدِيْث في اختلاف الفُقَهَاء (مَوْضِع سجود السهو) اختلف الفُقَهَاء في مَوْضِع سجود السهو؛ فذهب أكثر العُلَمَاء إِلَى تصحيح الرِّوَايَة الموصولة، وأخذوا بالحَدِيْث السابق، وقالوا: إن السجود كله قَبْلَ السلام، وَهُوَ قَوْل أكثر الفُقَهَاء، وإليه ذهب الشَّافِعيّ (٧)، وأحمد في رِوَايَة (٨). وحَدِيث أبي سعيد نَص صريح عَلَى أن السجود في الزيادة قَبْلَ السلام. واحتجوا لِذلِكَ أيضاً بما رَواهُ عبدالله بن بحينة (٩)؛ قَالَ: ((صلى لَنَا رَسُوْل الله ﷺ رَكْعَتَيْنِ من بَعْض الصلوات. ثُمَّ قام فَلَمْ يجلس. فقام الناس مَعَهُ فَلَمَّا قضى صلاته، ونظرنا تسليمه كبر

стр. 232

فسجد سجدتين، وَهُوَ جالس قَبْلَ التسليم ثُمَّ سلم (١))). وهذا صريح في أنَّ السجود من النقص يَكُون قَبْلَ السلام ... وخالف في ذَلِكَ بَعْض الفُقَهَاء، فذهبوا إلى أن سجود السهو كله بَعْدَ السلام، روي هَذَا عن بَعْض السلف، وإليه ذهب أَبُو حَنِيْفَة (٢). والحجة لَهُمْ ١ - ما صح عن زياد بن علاقة، قَالَ: ((صلى بنا المغيرة بن شُعْبَة؛ فنهض في الرَّكْعَتَيْنِ؛ فسبح بِهِ من خلفه؛ فأشار إليهم: قوموا؛ فلما فرغ من صلاته، وسلم، ثُمَّ سجد سجدتين للسهو؛ فلما انصرف، قَالَ: رأيت رسول الله ﷺ يصنع كَمَا صنعت)) (٣). وهذا الحَدِيْث صححه الإمام التِّرْمِذِي (٤) وَقَالَ: ((والعَمَل عَلَى هَذَا عِنْدَ أهل العِلْم)) ثُمَّ قَالَ: ((ومن رأى قَبْلَ التسليم فحديثه أصح (٥))). ٢ - مَا صَحَّ عن أَبِي هُرَيْرَة: ((أن النَّبيّ ﷺ انصرف من اثنتين فَقَالَ ذو اليدين (٦): أقصرت

стр. 233

الصَّلاَة، أم نسيت يا رَسُوْل الله؟ فَقَالَ رَسُوْل الله ﷺ : أصدق ذو اليدين؟ فَقَالَ الناس: نعم، فقام رَسُوْل الله ﷺ فصلى اثنتين أخريين، ثُمَّ سلم، ثُمَّ كبر فسجد ... الحَدِيْث)) (١). وهذا دليل عَلَى أن السجود من الزيادة يَكُون بَعْدَ السلام؛ لأن النَّبيّ ﷺ تكلم. وَفِي رِوَايَة مُسْلِم: ((أَنَّهُ ﵊ قام فدخل المنْزل))، والمشي والكلام زيادة (٢). ٣ - مَا روي عن ثوبان، عن النَّبيّ ﷺ قَالَ: ((لكل سهوٍ سجدتان بَعْدَ السلام)) (٣). وهذا الحَدِيْث ضعفه البَيْهَقِيّ (٤). وأجيب: بأن إسماعيل إذا حدّث عن أهل بلده فروايته عَنْهُمْ صَحِيْحَة، وهذا مِنْها (٥). إلا أن علة الحَدِيْث زُهَيْر بن سالم العنسي (٦) قَالَ عَنْهُ الدَّارَقُطْنِيّ: ((حمصي منكر لَمْ يَسْمَع من ثوبان)) (٧).

стр. 234

وذهب بَعْض الفُقَهَاء إِلَى: أن السجود إذا كَانَ عن نقص في الصَّلاَة فمحله قَبْلَ السلام، وإذا كَانَ زيادة فمحله بَعْدَ السلام، وَهُوَ مَذْهَب مَالِك (١) وأحد قَوْلي الشَّافِعيّ (٢)، وإحدى الرِّوَايَتَيْنِ عن الإمام أحمد (٣). والحجة لَهُمْ: حَدِيث عَبْد الله بن بحينة السابق؛ فإنّ النَّبيّ ﷺ سجد لتركه التشهد الأول سجدتين قَبْلَ السلام؛ وهذا من نقصٍ في الصَّلاَة؛ فحملوا عَلَيْهِ كُلّ نقص، وجعلوا السجود لأجله قَبْلَ السلام. واستدلوا بحديث ذي اليدين؛ فإن النَّبيّ ﷺ سجد بَعْدَ السلام، لما حصل في الصَّلاَة من زيادة الكلام والمشي؛ فحملوا عَلَيْهِ كُلّ زيادة وجعلوا السجود لأجلها بَعْدَ السلام (٤). وذهب بعضهم إِلَى: أن السجود كله قَبْلَ السلام إلا في موضعين، فيكون بَعْدَ السلام، وهما: إذا سلم من نقص في صلاته، أو تحرى الإمام فبنى عَلَى غالب ظنه. وبذلك قَالَ أبو خيثمة، وسليمان بن دَاوُد، وَهُوَ رِوَايَة عن الإمام أحمد (٥)، واختاره بَعْض الشافعية (٦)، وَهُوَ مَذْهَب الظاهرية (٧). والحجة لَهُمْ: أن السجود إنما شرع لجبر خلل وقع في الصَّلاَة؛ فالمعقول أن يَكُون محله قَبْلَ السلام، ويستثنى من ذَلِكَ مَا ورد النص بأنه يَكُون بَعْدَ السلام، وَقَدْ ورد ذَلِكَ في النقص، وَهُوَ حَدِيث عبدالله بن بحينة. وفيما إذا تحرى الشاك فبنى عَلَى غالب ظنه؛ وَذَلِكَ لما صَحَّ عن ابن مَسْعُود ﵁ عن النَّبيّ ﷺ : ((إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصَّوَاب، وليتم عليه ثُمَّ ليسلم ثُمَّ يسجد سجدتين)) (٨).

стр. 235

النَّوع الثَّانِي: تعارض الوقف والرفع الوقف: مَصْدَر للفعل وقف وَهُوَ مَصْدَر بمعنى المفعول، أي مَوْقُوْف (١). والمَوْقُوْف: هُوَ مَا يروى عن الصَّحَابَة ﵃ من أقوالهم، أو أفعالهم ونحوها فيوقف عَلَيْهِمْ وَلاَ يتجاوز بِهِ إلى رَسُوْل الله ﷺ . (٢) والرَّفْع: مَصْدَر للفعل رَفَعَ، وَهُوَ مَصْدَر بمعنى المفعول، أي: مَرْفُوْع (٣)، والمَرْفُوْع: هُوَ مَا أضيف إلى رَسُوْل الله ﷺ خَاصَّة (٤). والاختلاف في بَعْض الأحاديث رفعاً ووقفاً أمرٌ طبيعي، وجد في كثيرٍ من الأحاديث، والحَدِيْث الواحد الَّذِي يختلف بِهِ هكذا محل نظر عِنْدَ المُحَدِّثِيْنَ، وَهُوَ أن المُحَدِّثِيْنَ إذا وجدوا حديثاً روي مرفوعاً إلى النَّبيّ ﷺ ، ثُمَّ نجد الحَدِيْث عينه قَدْ روي

стр. 236

عن الصَّحَابيّ نفسه موقوفاً عَلَيْهِ، فهنا يقف النقاد أزاء ذَلِكَ؛ لاحتمال كون المَرْفُوْع خطأً من بَعْض الرواة والصَّوَاب الوقف، أو لاحتمال كون الوقف خطأ والصَّوَاب الرفع؛ إذ إن الرفع علة للموقوف والوقف علة للمرفوع. فإذا حصل مِثْل هَذَا في حَدِيث ما، فإنه يَكُون محل نظر وخلاف عِنْدَ العُلَمَاء وخلاصة أقوالهم فِيْمَا يأتي: إذا كَانَ السَّنَد نظيفاً خالياً من بقية العلل؛ فإنّ للعلماء فِيهِ الأقوال الآتية: القَوْل الأول: يحكم للحديث بالرفع لأن راويه مثبت وغيره ساكت، وَلَوْ كَانَ نافياً فالمثبت مقدم عَلَى النافي؛ لأَنَّهُ علم ما خفي، وَقَدْ عدوا ذَلِكَ أيضاً من قبيل زيادة الثِّقَة، وَهُوَ قَوْل كَثِيْر من المُحَدِّثِيْنَ، وَهُوَ قَوْل أكثر أهل الفقه والأصول (١)، قَالَ العراقي: ((الصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور أن الرَّاوِي إذا رَوَى الحَدِيْث مرفوعاً وموقوفاً فالحكم للرفع، لأن مَعَهُ في حالة الرفع زيادة، هَذَا هُوَ المرجح عِنْدَ أهل الحَدِيْث)) (٢). القَوْل الثَّانِي: الحكم للوقف (٣). القَوْل الثَّالِث: التفصيل فالرفع زيادة، والزيادة من الثِّقَة مقبولة، إلا أن يوقفه الأكثر ويرفعه واحد، لظاهر غلطه (٤). والترجيح برواية الأكثر هُوَ الذي عَلَيْهِ العَمَل عِنْدَ المُحَدِّثِيْنَ؛ لأن رِوَايَة الجمع إذا كانوا ثقات أتقن وأحسن وأصح وأقرب للصواب؛ لذا قَالَ ابن المبارك: ((الحفاظ عن ابن شهاب ثلاثةٌ: مَالِك ومعمر وابن عيينة، فإذا اجتمع اثنان عَلَى قولٍ أخذنا بِهِ، وتركنا قَوْل الآخر)) (٥). قَالَ العلائي: ((إن الجماعة إذا اختلفوا في إسناد حَدِيث كَانَ القَوْل فِيْهِمْ للأكثر عدداً أو للأحفظ والأتقن ... ويترجح هَذَا أيضاً من جهة المَعْنَى، بأن مدار قبول خبر

стр. 237

الواحد عَلَى غلبة الظن، وعند الاختلاف فِيْمَا هُوَ مقتضى لصحة الحَدِيْث أو لتعليله، يرجع إلى قَوْل الأكثر عدداً لبعدهم عن الغلط والسهو، وَذَلِكَ عِنْدَ التساوي في الحفظ والإتقان. فإن تفارقوا واستوى العدد فإلى قَوْل الأحفظ والأكثر إتقاناً، وهذه قاعدة متفق عَلَى العَمَل بِهَا عِنْدَ أهل الحَدِيْث)) (١). القَوْل الرابع: يحمل المَوْقُوْف عَلَى مَذْهَب الرَّاوِي، والمُسْنَد عَلَى أَنَّهُ روايته فَلاَ تعارض (٢). وَقَدْ رجح الإمام النَّوَوِيّ من هذِهِ الأقوال القَوْل الأول (٣)، ومشى عَلَيْهِ في تصانيفه، وأكثر من القَوْل بِهِ. والذي ظهر لي - من صنيع جهابذة المُحَدِّثِيْنَ ونقادهم -: أنهم لا يحكمون عَلَى الحَدِيْث الَّذِي اختلف فِيهِ عَلَى هَذَا النحو أول وهلة، بَلْ يوازنون ويقارنون ثُمَّ يحكمون عَلَى الحَدِيْث بما يليق بِهِ، فَقَدْ يرجحون الرِّوَايَة المرفوعة، وَقَدْ يرجحون الرِّوَايَة الموقوفة، عَلَى حسب المرجحات والقرائن المحيطة بالروايات؛ فعلى هَذَا فإن حكم المُحَدِّثِيْنَ في مِثْل هَذَا لا يندرج تَحْتَ قاعدة كلية مطردة تقع تحتها جَمِيْع الأحاديث؛ لِذلِكَ فإن مَا أطلق الإمام النَّوَوِيّ ترجيحه يمكن أن يَكُون مقيداً عَلَى النحو الآتي: الحكم للرفع - لأن راويه مثبت وغيره ساكت، وَلَوْ كَانَ نافياً فالمثبت مقدم عَلَى النافي؛ لأَنَّهُ علم مَا خفي -، إلا إذَا قام لدى الناقد دليل أو ظهرت قرائن يترجح معها الوقف. وسأسوق أمثلة لأحاديث اختلف في رفعها ووقفها متفرعة عَلَى حسب ترجيحات المُحَدِّثِيْنَ. فمثال مَا اختلف في رفعه ووقفه وكانت كلتا الرِّوَايَتَيْنِ صَحِيْحَة: حَدِيث عَلِيٍّ ﵁: ((ينضح من بول الغلام، ويغسل بول الجارية)). قَالَ الإمام التِّرْمِذِي: ((رفع هشام الدستوائي هَذَا الحَدِيْث عن قتادة وأوقفه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، وَلَمْ يرفعه)) (٤). وَقَالَ الحافظ ابن حجر: ((إسناده صَحِيْح إلا أَنَّهُ اختلف في رفعه ووقفه، وَفِي

стр. 238

وصله وإرساله، وَقَدْ رجح البُخَارِيّ صحته وكذا الدَّارَقُطْنِيّ)) (١). والرواية المرفوعة: رواها معاذ بن هشام (٢)، قَالَ: حَدَّثَني أبي (٣)، عن قتادة (٤)، عن أبي حرب بن أبي الأسود (٥)، عن أبيه (٦)، عن عَلِيّ بن أبي طالب، مرفوعاً (٧). قَالَ البزار: ((هَذَا الحَدِيْث لا نعلمه يروى عن النَّبيّ ﷺ ، إلا من هَذَا الوجه بهذا الإسناد، وإنما أسنده معاذ بن هشام، عن أبيه، وَقَدْ رَواهُ غَيْر معاذ بن هشام، عن قتادة، عن أبي حرب، عن أبيه، عن عَلِيّ، موقوفاً)) (٨). أقول: إطلاق البزار في حكمه عَلَى تفرد معاذ بن هشام بالرفع غَيْر صَحِيْح إِذْ إن معاذاً قَدْ توبع عَلَى ذَلِكَ تابعه عَبْد الصمد بن عَبْد الوارث (٩) عِنْدَ أحمد (١٠)، والدارقطني (١١)، لذا فإن قَوْل الدَّارَقُطْنِيّ كَانَ أدق حِيْنَ قَالَ: ((يرويه قتادة، عن أبي حرب بن أبي الأسود، عن أبيه، رفعه هشام بن أبي عَبْد الله من رِوَايَة ابنه معاذ

стр. 239

وعبدالصمد بن عَبْد الوارث، عن هشام، ووقفه غيرهما عن هشام)) (١). والرواية الموقوفة: رواها يَحْيَى بن سعيد، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي حرب بن أبي الأسود، عن أبيه، عن عَلِيّ، فذكره موقوفاً (٢). فالرواية الموقوفة إسنادها صَحِيْح عَلَى أن الحَدِيْث مرفوعٌ صححه جهابذة المُحَدِّثِيْنَ: البُخَارِيّ والدارقطني - كَمَا سبق - وابن خزيمة (٣)، وابن حبان (٤)، والحاكم (٥) - وَلَمْ يتعقبه الذهبي -، ونقل صاحب عون المعبود عن المنذري (٦) قَالَ: ((قَالَ البُخَارِيّ: سعيد بن أبي عروبة لا يرفعه وهشام يرفعه، وَهُوَ حافظ)) (٧). أقول: هكذا صَحّح الأئمة رفع هَذَا الحَدِيْث، مَعَ أَنَّهُ قَدْ صَحَّ موقوفاً أيضاً؛ وهذا يدل عَلَى أن الحَدِيْث إذا صَحَّ رفعه، ووقفه، فإن الحكم عندهم للرفع، وَلاَ تضر الرِّوَايَة الموقوفة إلا إذا قامت قرائن تدل عَلَى أن الرفع خطأ. أثر هَذَا الحَدِيْث في اختلاف الفُقَهَاء (كيفية التطهر من بول الأطفال) وما دمت قَدْ فصلت القَوْل في حَدِيث عَلِيّ ﵁ مرفوعاً وموقوفاً فسأذكر اختلاف الفُقَهَاء في كيفية التطهر من بول الأطفال (٨).

стр. 240

وقبل أن أذكر آراء الفُقَهَاء، أذكر جملة من الأحاديث المتعلقة بالمسألة لأحيل عَلَيْهَا عِنْدَ الإشارة إلى الأدلة طلباً للاختصار. فأقول: ١ - صَحَّ عن عائشة زوج النَّبيّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ: ((أتي النَّبيّ ﷺ بصبي، فبال عَلَى ثوبه، فدعا النَّبيّ ﷺ بماء فأتبعه إياه)). رَواهُ مَالِك (١)، وزاد أحمد وَمُسْلِم وابن ماجه في روايتهم: ((وَلَمْ يغسله)) (٢). ٢ - صَحَّ عن أم قيس (٣) بنت محصن ((أَنَّهَا أتت بابن صَغِير لَهَا -لَمْ يأكل الطعام- إلى رَسُوْل الله ﷺ ؛ فأجلسه في حجره، فبال عَلَى ثوبه؛ فدعا رَسُوْل الله ﷺ بماءٍ، فنضحه وَلَمْ يغسله)). رَواهُ مَالِك، والشيخان: البُخَارِيّ وَمُسْلِم (٤). ٣ - حَدِيث عَلِيّ ﵁ وَقَدْ سبق: ((ينضح من بول الغلام، ويغسل من بول الجارية)). ٤ - صَحَّ عن أبي السمح (٥) ﵁ عن النَّبيّ ﷺ قَالَ: ((يغسل من بول الجارية، ويرش من بول الغلام)).

стр. 241

أخرجه: أبو دَاوُد (١)، وابن ماجه (٢)، وَالنَّسَائِيّ (٣)، وابن خزيمة (٤)، والدارقطني (٥)، والمزي (٦). وَقَد اختلف الفُقَهَاء في الأحكام المستفادة من هذِهِ الأحاديث عَلَى مذاهب أشهرها مَا يأتي: المذهب الأول: يرى أن التطهير من بول الرضيع - كالتطهير من بول الكبير - إنما يَكُون بغسله، وَلاَ فرق في ذَلِكَ بَيْنَ بول رضيع أكل الطعام أو لَمْ يأكل، كَمَا أَنَّهُ لا فرق في ذَلِكَ بَيْنَ الذكر والأنثى. وإلى ذَلِكَ ذهب أبو حَنِيْفَة، وَهُوَ المشهور عن مَالِك عَلَى خِلاَف بَيْنَهُمَا في كيفية الغسل الَّذِي يجزئ في التطهير من النجاسة، فإن أبا حَنِيْفَة يشترط لتطهير النجاسة غَيْر المرئية تعدد مرات غسلها - ثلاثاً أو سبعاً والعصر بَعْدَ كُلّ غسلة (٧)، وَلَمْ يشترط مَالِك أكثر من صب الماء عَلَى النجاسة بحيث يغمرها، ويذهب لونها وطعمها ورائحتها وَلاَ يشترط لإزالة النجاسة إمرار اليد والعصر، ونحو ذَلِكَ (٨). وَقَدْ حملوا: ((إتباع الماء)) و ((نضحه)) و ((رشه))، هذِهِ الألفاظ كلها حملوها عَلَى مَعْنَى الغسل، وَقَدْ أفاض الطحاوي في إيراد الآثار الدالة عَلَى أن هذِهِ الألفاظ قَدْ تطلق ويراد بِهَا الغسل (٩). لَكِن هَذَا يؤخذ عَلَيْهِ: ان هذِهِ الألفاظ، وإن كَانَتْ تطلق أحياناً عَلَى الغسل فإن الحال في مسألتنا هذِهِ لا يحتمل ذَلِكَ؛ لأَنَّهُ يؤدي إِلَى تناقض تتنَزه عَنْهُ نصوص

стр. 242

الشريعة؛ فحديث أم المؤمنين عائشة ﵂ قَدْ جاء بلفظ: ((فدعا النَّبيّ ﷺ بماءٍ فأتبعه وَلَمْ يغسله)) فإذا جَعَلَ أتبعه بمعنى غسله فإن المَعْنَى حينئذ يَكُون فغسله وَلَمْ يغسله. وَكَذَلِكَ حَدِيث أم قيس بنت محصن قَدْ جاء بلفظ: ((فنضحه وَلَمْ يغسله)) فلو حمل النضح عَلَى مَعْنَى الغسل لكان التقدير: فغسله وَلَمْ يغسله، وهذا تناقض غَيْر معقول. وأيضاً فإن النَّبيّ ﷺ عطف الغسل عَلَى النضح في حَدِيث عَلِيّ ﵁، وعطف الرش عَلَى الغسل في حَدِيث أبي السمح ﵁، والعطف يَقْتَضِي المغايرة. فلو أريد بهما مَعْنَى واحدٌ، لكان عبثاً يتنَزه عَنْهُ الشارع (١). المذهب الثَّانِي: نُسِبَ إلى الشَّافِعيّ قَوْلٌ: بأن بول الصبي الَّذِي لَمْ يأكل الطعام طاهر. ونسبت رِوَايَة إلى الإمام مَالِك: أَنَّهُ لا يغسل بول الجارية وَلاَ الغلام قَبْلَ أن يأكلا الطعام. لَكِنْ ذكر الباجي (٢) أن هذِهِ الرِّوَايَة عن مَالِك شاذة (٣). وذكر النَّوَوِيّ أن نقل هَذَا القَوْل عن الشَّافِعيّ باطل (٤). لِذلِكَ لا حاجة للتعليق عَلَى هَذَا المذهب. المذهب الثَّالِث: ينضح بول الطفل الرضيع الَّذِي لَمْ يأكل الطعام، فإذا أكل الطعام كَانَ حكم بوله كحكم بول الكبير يغسل. وَقَدْ فسّر هَذَا المذهب النضح: بأنه غمر مَوْضِع البول ومكاثرته بالماء مكاثرة لا يَبْلُغ جريانه وتردده وتقطره. فَهُوَ بمعنى الغسل الَّذِي سبق ذكره عن مَالِك (٥). وَقَدْ اعتمد هَذَا المذهب حَدِيث أم قيس بنت محصن، فَقَدْ جاء بلفظ: ((أَنَّهَا أتت بابن لَهَا صَغِير لَمْ يأكل الطعام ... الخ)).

стр. 243

وَقَد اعترض ابن حزم - القائل: بأن النضح يكفي في التطهير من بول الذكر كبيراً أو صغيراً -: بأن تخصيص ذَلِكَ بالصبي الَّذِي لَمْ يأكل لَيْسَ من كلام النَّبيّ ﷺ ، لِذلِكَ فالحديث لا دلالة فِيهِ عَلَى هَذَا التحديد (١). ويجاب عَلَى ذَلِكَ: بأنه نجاسة الأبوال المستتبعة لوجوب غسلها، كُلّ ذَلِكَ مستيقن بالأحاديث العامة الدالة عَلَى ذَلِكَ، كحديث ابن عَبَّاس في القبرين اللذين أخبر رَسُوْل الله ﷺ أن صاحبيهما يعذبان، وَقَالَ: ((أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستنْزه من البول)). أخرجه البُخَارِيّ وَمُسْلِم (٢). وحديث أبي هُرَيْرَة مرفوعاً: ((استنْزهوا من البول؛ فإن عامة عذاب القبر مِنْهُ)). رَواهُ أحمد (٣)، وابن ماجه (٤)، وابن خزيمة (٥)، والدارقطني (٦)، والحاكم (٧)، وصححه البُخَارِيّ (٨). وحديث ابن عَبَّاس مرفوعاً: ((تَنَزهوا من البول، فإن عامة عذاب القبْر مِنْهُ)). أخرجه: البزار (٩)، والطبراني (١٠)، والدارقطني (١١)، والحاكم (١٢). فنجاسة بول الآدمي ووجوب غسله كُلّ ذَلِكَ متيقن بهذه الأحاديث، وتخصيص بول الصبي الَّذِي لَمْ يأكل الطعام بالنضح متيقن بحديث أم قيس بنت محصن، وما عدا

стр. 244

ذَلِكَ مشكوك فِيهِ، فَلاَ يترك اليقين للشك. والاكتفاء بالنضح في التطهير من بول الرضيع خصه أحمد وجمهور الشافعية بالصبي الَّذِي لَمْ يأكل الطعام، أما بول الصبية فَلاَ يجزئ فِيهِ إلا الغسل (١). أما الشَّافِعيّ نَفْسه فَقَدْ نَصَّ عَلَى جواز الرش عَلَى بول الصبي مَا لَمْ يأكل الطعام، واستدل عَلَى ذَلِكَ بالحديث، ثُمَّ قَالَ: ((وَلاَ يبين لي في بول الصبي والجارية فرق من السُّنَّة الثابتة، وَلَوْ غسل بول الجارية كَانَ أحب إليَّ احتياطاً، وإن رش عَلَيْهِ مَا لَمْ تأكل الطعام أجزأ، إن شاء الله تَعَالَى)) (٢). وَقَدْ ذكر النَّوَوِيّ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - أَنَّهُ لَمْ يذكر عن الشَّافِعيّ غَيْر هَذَا (٣)، وَقَالَ البَيْهَقِيّ: ((والأحاديث المسندة في الفرق بَيْنَ بول الغلام والجارية في هَذَا الباب إذَا ضُمَّ بعضها إلى بَعْض قويت، وكأنها لَمْ تثبت عِنْدَ الشَّافِعيّ ﵀ حِيْنَ قَالَ: ((وَلاَ يتبين لي في بول الصبي والجارية فرق من السُّنَّة الثابتة)) (٤). وقول الشَّافِعيّ هَذَا مرويٌّ عن النخعي، وَهُوَ رِوَايَة عن الأوزاعي، ووجه لبعض الشافعية، ووصفه النَّوَوِيّ: بأنه ضَعِيْف (٥). وهنا يأتي دور حَدِيث عَلِيّ ﵁ ومثله حَدِيث أبي السمح ﵁ خادم النَّبيّ ﷺ ، فهي أحاديث ثابتة، وَقَدْ فرقت بَيْنَ بول الصبي وبين بول الصبية. وَقَدْ ثبت هَذَا عِنْدَ أحمد؛ لِذلِكَ أخذ بِهِ وفرق بَيْنَهُمَا في الحكم، أما الشَّافِعيّ فَقَدْ صرح بأنه لَمْ يثبت عنده من السُّنَّة مَا يفرق بَيْنَهُمَا؛ لِذلِكَ رأى أن النضح يكفي فِيْهِمَا - وإن كَانَ الأحب إليه غسل بول الصبي احتياطاً -؛ وَلَوْ ثبت عِنْدَ الشَّافِعيّ هذِهِ الأحاديث لأخذ بِهَا، فهذا هُوَ شأنه وشأن الفُقَهَاء كافة لا يتخطون السُّنَّة الثابتة عندهم إلى غيرها، مَا لَمْ يَكُنْ لَهَا عندهم معارض؛ ولذلك أطبق أصحاب الشَّافِعيّ عَلَى الفرق في الحكم بَيْنَ بول الصبي والصبية لما ثبتت عندهم هذِهِ الأحاديث (٦). نموذج آخر: وهو مثال لما تترجح فِيهِ الرِّوَايَة الموقوفة سبق أن ذكرت أن الحكم في اختلاف الرفع والوقف لا يندرج تَحْتَ قاعدة كلية،

стр. 245

فَقَدْ تترجح الرِّوَايَة الموقوفة، وَقَدْ تترجح الرِّوَايَة المرفوعة؛ وَذَلِكَ حسب المرجحات والقرائن المحيطة بالرواية، وهذه المرجحات مختلفة متفاوتة؛ إِذْ قَدْ تترجح رِوَايَة الأحفظ، أو الأكثر أو الألزم (١)، وما إلى غَيْر ذَلِكَ من المرجحات الَّتِي يراها نقاد الحَدِيْث وصيارفته، ومما رجحت فِيهِ الرِّوَايَة الموقوفة: مَا رَواهُ عائذ بن حبيب (٢)، قَالَ: حَدَّثَني عامر بن السِّمْط (٣)، عن أبي الغَريف (٤)، قَالَ: أُتي عَلِيٌّ بوَضوءٍ، فمضمض واستنشق ثلاثاً، وغسل وجهه ثلاثاً وغسل يديه وذراعيه ثلاثاً ثلاثاً، ثُمَّ مسح برأسه، ثُمَّ غسل رجليه، ثُمَّ قَالَ: هكذا رأيت رَسُوْل الله ﷺ توضأ، ثُمَّ قرأ شَيْئاً من القُرْآن، ثُمَّ قَالَ: ((هَذَا لِمَنْ لَيْسَ بجنب، فأما الجنب فَلاَ، وَلاَ آية)). رَواهُ: الإِمَام أحمد بن حَنْبَل (٥)، والبخاري في "تاريخه" (٦)، وَالنَّسَائِيّ في "مُسْنَد عَلِيّ" (٧)، وأبو يعلى (٨)، والضياء (٩) المقدسي (١٠)؛ جميعهم من طريق عائذ بن حبيب بهذا الإسناد. والذي يهمنا من هَذَا الحَدِيْث طرفه الأخير. وَقَدْ خولف عائذ في هَذَا الحَدِيْث، فَقَدْ أخرجه ابن أبي شَيْبَة (١١) من طريق

стр. 246

شريك ابن عَبْد الله النخعي. والدارقطني (١)، عن يزيد بن هارون (٢). والبيهقي (٣)، عن الحَسَن بن صالح بن حي. وأخرجه البَيْهَقِيّ (٤) أيضاً، عن خالد بن عَبْد الله (٥)؛ أربعتهم: (شريك بن عَبْد الله، ويزيد بن هارون، والحسن بن صالح بن حي، وخالد بن عَبْد الله)، رووه عن عامر بن السمط (٦)، عن أبي الغَريف الهمداني، عن عَلِيّ بن أبي طَالِب، موقوفاً. فرواية الجمع أصح وأولى؛ وَقَدْ صحح الإمام الدَّارَقُطْنِيّ الوقف، فَقَالَ عقب الرِّوَايَة الموقوفة: ((هُوَ صَحِيْح عن عَلِيّ)) (٧). ومما يؤكد صِحَّة رِوَايَة الجمع أن عَبْد الرزاق (٨) أخرجه عن سُفْيَان الثَّوْرِيّ، عن عامر الشَّعْبيّ، وابن المنذر (٩) أخرجه عن إسحاق، عن عامر السعدي؛ كلاهما (عامر الشَّعْبيّ وعامر السعدي) عن أبي الغريف، عن عَلِيّ بن أبي طالب، بِهِ موقوفاً. كُلّ هَذَا يؤكد خطأ عائذ بن حبيب في رفعه الحَدِيْث؛ ولعل هَذَا مِمَّا أنكر عَلَيْهِ. أثر هَذَا الحَدِيْث في اختلاف الفُقَهَاء (حكم قِرَاءة القُرْآن للجنب) اختلف العُلَمَاء في حكم قِرَاءة القُرْآن للجنب عَلَى قولين: القَوْل الأول: يحرم عَلَى الجنب قِرَاءة القُرْآن، وَهُوَ مَذْهَب عامة عُلَمَاء المسلمين، وبه قَالَ الحنفية (١٠)، والمالكية (١١)، والشافعية (١٢)،

стр. 247

والحنابلة (١). الحجة لَهُمْ: ١ - استدلوا بحديث عَلِيّ السابق مرفوعاً إلى النَّبيّ ﷺ ؛ قَالَ ابن المنذر: ((احتج الذين كرهوا للجنب قِرَاءة القُرْآن بحديث عَلِيّ)) (٢). وكأنهم قدموا الرفع عَلَى الوقف كَمَا هُوَ مَذْهَب جَمَاعَة من المُحَدِّثِيْنَ؛ أو لما للحديث من شواهد قَدْ يتقوى بِهَا. ٢ - مَا رَوَى عَبْد الله بن سلمة (٣)، عن عَلِيّ بن أبي طَالِب، أنه قَالَ: ((كَانَ رَسُوْل الله ﷺ يقرئنا القُرْآن عَلَى كُلّ حالٍ مَا لَمْ يَكُنْ جنباً)). أخرجه بهذا اللفظ ابن أبي شَيْبَة (٤)، والإمام أحمد (٥)، والترمذي (٦)، وَالنَّسَائِيّ (٧)، وأبو يعلى (٨)، وأخرجه غيرهم بلفظ مقارب (٩). قَالَ التِّرْمِذِي: ((حَدِيث عَلِيٍّ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ)) (١٠).هكذا قَالَ الإمام التِّرْمِذِي (١١) -يرحمه الله- إلا أن جهابذة المُحَدِّثِيْنَ قَدْ ضعّفوا هَذَا الحَدِيْث، قَالَ الإمام النَّوَوِيّ: ((خالف التِّرْمِذِي الأكثرون فضعفوا هَذَا الحَدِيْث)) (١٢)؛ وَقَالَ البُخَارِيّ: ((قَالَ

стр. 248

شُعْبَة عن عُمَرو بن مرة (١) قَالَ: كَانَ عَبْد الله يحدثنا فنعرف وننكر، وكَانَ قَدْ كبر)) (٢). وَقَالَ الخَطَّابِيّ: ((كَانَ أحمد يوهن هَذَا الحَدِيْث)) (٣). وَقَالَ البزار عقب تخريجه الحَدِيْث: ((ذ وهذا الحَدِيْث لا نعلمه يروى بهذا اللفظ إلا عن عَلِيّ، وَلاَ يروى عن عَلِيّ إلا من حَدِيث عَمْرو بن مرة، عن عَبْد الله بن سلمة، عن عَلِيّ، وَكَانَ عَمْرو بن مرة يحدِّث عن عَبْد الله بن سلمة فَيَقُوْلُ: يعرف في حديثه وينكر)) (٤). وَقَالَ البُخَارِيّ: ((عبد الله بن سلمة أبو العالية الكوفي لا يتابع في حديثه)) (٥)، وَقَالَ الشَّافِعيّ في (سُنَن حرملة): ((إن كَانَ هَذَا الحَدِيْث ثابتاً، ففيه دلالة عَلَى تحريم القُرْآن عَلَى الجنب))، وَقَالَ في (جماع كِتَاب الطهور): ((أهل الحَدِيْث لا يثبتونه)) (٦). قَالَ البَيْهَقِيّ: ((إنما قَالَ ذَلِكَ لأن عَبْد الله بن سلمة راويه كَانَ قَدْ تغير، وإنما رَوَى هَذَا الحَدِيْث بعدما كبر، قَالَه شُعْبَة)) (٧). ومع كُلّ هَذَا فَقَدْ قَالَ الحافظ ابن حجر: ((الحق أَنَّهُ من قبيل الحَسَن، يصلح للحجة)) (٨). وعلى تقدير صلاحيته للاحتجاج، فَلاَ حجة فِيهِ؛ لأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ نهيٌّ عن أن يقرأ الجنب القُرْآن، وإنما هُوَ فعلٌ مِنْهُ ﵇ لا يلزم، وَلاَ بيّن ﵇ أَنَّهُ إِنَّمَا يمتنع من قِرَاءة القُرْآن من أجل الجنابة (٩). ٣ - وما روي عن ابن عُمَر عن النَّبيّ ﷺ قَالَ: ((لا تقرأ الحائض وَلاَ الجنب شيئاً من القُرْآن)). أخرجه التِّرْمِذِي (١٠)، وابن ماجه (١١)، والدَّارَقُطْنِيّ (١٢)، والبيهقي (١٣)، والخطيب (١٤).

стр. 249

وَهُوَ حَدِيث ضَعِيْف لضعف إسناده فَهُوَ من رِوَايَة إِسْمَاعِيْل بن عياش، عن موسى بن عُقْبَة، عن نافع، عن ابن عُمَر. وإسماعيل بن عياش منكر الحَدِيْث عن أهل الحجاز وأهل العراق (١)، وحديثه هَذَا عن أهل الحجاز؛ لأن موسى بن عقبة مدني (٢). القَوْل الثَّانِي: يجوز للجنب قِرَاءة القُرْآن. وهذا القَوْل مرويٌّ عن ابن عَبَّاس (٣)، وسعيد بن المسيب (٤)، وعكرمة (٥)، وربيعة الرأي (٦)، وسعيد بن جبير (٧). وَهُوَ قَوْل ابن حزم الظاهري ونقله عن دَاوُد وعامة أصحابهم (٨). واختاره ابن المنذر (٩). والحجة لهذا المذهب: ١ - مَا صَحَّ أَنَّهُ ﵊: ((كَانَ يذكر الله عَلَى كُلّ أحيانه)). أخرجه مسلم (١٠)، وغيره (١١). قالوا: والقُرْآن ذكر. (١٢) قَالَ أبو بَكْر بن المنذر: ((فَقَالَ بعضهم: الذكر قَدْ يَكُون بقراءةِ القُرْآن وغيره، فكلُّ ما وقع عَلَيْهِ اسم ذكر الله فغير جائز أن يمنع مِنْهُ أحدٌ (١٣)، إذا كَانَ النَّبيّ ﷺ لا يمتنع من ذكر الله عَلَى أحيانه)) (١٤).

стр. 250

وأجاب أصحاب المذهب الأول عن هَذَا: بأن المراد من الذكر غَيْر القُرْآن، فَهُوَ المفهوم عند الإطلاق (١). ويجاب عن هَذَا: بأن التخصيص لا دليل عَلَيْهِ، فالأصل العموم حَتَّى يأتي دليل يخصصه. ولذا قَالَ القرطبي (٢): ((أصل الذكر التنبه بالقلب للمذكور والتيقظ لَهُ، وسمي الذكر باللسان ذكراً لأَنَّهُ دلالة عَلَى الذكر القلبي؛ غَيْر أَنَّهُ لما كثر إطلاق الذكر عَلَى القَوْل اللساني صار هُوَ السابق للفهم)) (٣). فالتخصيص عرفي لا شرعي. وقالوا أيضاً: لَمْ يصح دليل في منع المحدِث حدثاً أكبر من قِرَاءة القُرْآن، والأصل عدم التحريم. وَقَدْ خالف هذين المذهبين جَمَاعَة من الفُقَهَاء ففرقوا بَيْنَ القليل والكثير، وقالوا: تجوز قِرَاءة الآية والآيتين. روي ذَلِكَ عن: عَبْد الله (٤) بن مغفل (٥)، ومحمد الباقر (٦)، ورواية عن عكرمة (٧)، وسعيد بن جبير (٨). وَقَدْ شدد ابن حزم النكير عَلَى هَذَا القَوْل، وعدَّها أقوالاً فاسدة لا يعضدها دليل من قرآن أو سنة صَحِيْحَة وَلاَ سقيمة، ولا من إجماع، وَلاَ من قَوْل صاحب، وَلاَ من قياس، وَلاَ من رأي سديد؛ لأن بَعْض الآية والآية قرآن بلا شك، وَلاَ فرق بَيْنَ أن يباح لَهُ آية أو أن يباح لَهُ أخرى، أو بَيْنَ أن يمنع من آية أو يمنع من أخرى (٩). ومما تنبغي الإشارة إِليهِ مَذْهَب الإمام مَالِك، وَهُوَ أَنَّهُ أجاز قِرَاءة القُرْآن للحائض والنفساء دُوْنَ الجنب (١٠). والحجة للإمام مَالِك في تفريقه بَيْنَ الجنب، وبين الحائض والنفساء: أن الحيض
следующие страницы →