← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 1747

أثر اختلاف الأسانيد والمتون في اختلاف الفقهاء

ماهر الفحل

Полный текст (524 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

شريك ابن عَبْد الله النخعي. والدارقطني (١)، عن يزيد بن هارون (٢). والبيهقي (٣)، عن الحَسَن بن صالح بن حي. وأخرجه البَيْهَقِيّ (٤) أيضاً، عن خالد بن عَبْد الله (٥)؛ أربعتهم: (شريك بن عَبْد الله، ويزيد بن هارون، والحسن بن صالح بن حي، وخالد بن عَبْد الله)، رووه عن عامر بن السمط (٦)، عن أبي الغَريف الهمداني، عن عَلِيّ بن أبي طَالِب، موقوفاً. فرواية الجمع أصح وأولى؛ وَقَدْ صحح الإمام الدَّارَقُطْنِيّ الوقف، فَقَالَ عقب الرِّوَايَة الموقوفة: ((هُوَ صَحِيْح عن عَلِيّ)) (٧). ومما يؤكد صِحَّة رِوَايَة الجمع أن عَبْد الرزاق (٨) أخرجه عن سُفْيَان الثَّوْرِيّ، عن عامر الشَّعْبيّ، وابن المنذر (٩) أخرجه عن إسحاق، عن عامر السعدي؛ كلاهما (عامر الشَّعْبيّ وعامر السعدي) عن أبي الغريف، عن عَلِيّ بن أبي طالب، بِهِ موقوفاً. كُلّ هَذَا يؤكد خطأ عائذ بن حبيب في رفعه الحَدِيْث؛ ولعل هَذَا مِمَّا أنكر عَلَيْهِ. أثر هَذَا الحَدِيْث في اختلاف الفُقَهَاء (حكم قِرَاءة القُرْآن للجنب) اختلف العُلَمَاء في حكم قِرَاءة القُرْآن للجنب عَلَى قولين: القَوْل الأول: يحرم عَلَى الجنب قِرَاءة القُرْآن، وَهُوَ مَذْهَب عامة عُلَمَاء المسلمين، وبه قَالَ الحنفية (١٠)، والمالكية (١١)، والشافعية (١٢)،

стр. 247

والحنابلة (١). الحجة لَهُمْ: ١ - استدلوا بحديث عَلِيّ السابق مرفوعاً إلى النَّبيّ ﷺ ؛ قَالَ ابن المنذر: ((احتج الذين كرهوا للجنب قِرَاءة القُرْآن بحديث عَلِيّ)) (٢). وكأنهم قدموا الرفع عَلَى الوقف كَمَا هُوَ مَذْهَب جَمَاعَة من المُحَدِّثِيْنَ؛ أو لما للحديث من شواهد قَدْ يتقوى بِهَا. ٢ - مَا رَوَى عَبْد الله بن سلمة (٣)، عن عَلِيّ بن أبي طَالِب، أنه قَالَ: ((كَانَ رَسُوْل الله ﷺ يقرئنا القُرْآن عَلَى كُلّ حالٍ مَا لَمْ يَكُنْ جنباً)). أخرجه بهذا اللفظ ابن أبي شَيْبَة (٤)، والإمام أحمد (٥)، والترمذي (٦)، وَالنَّسَائِيّ (٧)، وأبو يعلى (٨)، وأخرجه غيرهم بلفظ مقارب (٩). قَالَ التِّرْمِذِي: ((حَدِيث عَلِيٍّ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ)) (١٠).هكذا قَالَ الإمام التِّرْمِذِي (١١) -يرحمه الله- إلا أن جهابذة المُحَدِّثِيْنَ قَدْ ضعّفوا هَذَا الحَدِيْث، قَالَ الإمام النَّوَوِيّ: ((خالف التِّرْمِذِي الأكثرون فضعفوا هَذَا الحَدِيْث)) (١٢)؛ وَقَالَ البُخَارِيّ: ((قَالَ

стр. 248

شُعْبَة عن عُمَرو بن مرة (١) قَالَ: كَانَ عَبْد الله يحدثنا فنعرف وننكر، وكَانَ قَدْ كبر)) (٢). وَقَالَ الخَطَّابِيّ: ((كَانَ أحمد يوهن هَذَا الحَدِيْث)) (٣). وَقَالَ البزار عقب تخريجه الحَدِيْث: ((ذ وهذا الحَدِيْث لا نعلمه يروى بهذا اللفظ إلا عن عَلِيّ، وَلاَ يروى عن عَلِيّ إلا من حَدِيث عَمْرو بن مرة، عن عَبْد الله بن سلمة، عن عَلِيّ، وَكَانَ عَمْرو بن مرة يحدِّث عن عَبْد الله بن سلمة فَيَقُوْلُ: يعرف في حديثه وينكر)) (٤). وَقَالَ البُخَارِيّ: ((عبد الله بن سلمة أبو العالية الكوفي لا يتابع في حديثه)) (٥)، وَقَالَ الشَّافِعيّ في (سُنَن حرملة): ((إن كَانَ هَذَا الحَدِيْث ثابتاً، ففيه دلالة عَلَى تحريم القُرْآن عَلَى الجنب))، وَقَالَ في (جماع كِتَاب الطهور): ((أهل الحَدِيْث لا يثبتونه)) (٦). قَالَ البَيْهَقِيّ: ((إنما قَالَ ذَلِكَ لأن عَبْد الله بن سلمة راويه كَانَ قَدْ تغير، وإنما رَوَى هَذَا الحَدِيْث بعدما كبر، قَالَه شُعْبَة)) (٧). ومع كُلّ هَذَا فَقَدْ قَالَ الحافظ ابن حجر: ((الحق أَنَّهُ من قبيل الحَسَن، يصلح للحجة)) (٨). وعلى تقدير صلاحيته للاحتجاج، فَلاَ حجة فِيهِ؛ لأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ نهيٌّ عن أن يقرأ الجنب القُرْآن، وإنما هُوَ فعلٌ مِنْهُ ﵇ لا يلزم، وَلاَ بيّن ﵇ أَنَّهُ إِنَّمَا يمتنع من قِرَاءة القُرْآن من أجل الجنابة (٩). ٣ - وما روي عن ابن عُمَر عن النَّبيّ ﷺ قَالَ: ((لا تقرأ الحائض وَلاَ الجنب شيئاً من القُرْآن)). أخرجه التِّرْمِذِي (١٠)، وابن ماجه (١١)، والدَّارَقُطْنِيّ (١٢)، والبيهقي (١٣)، والخطيب (١٤).

стр. 249

وَهُوَ حَدِيث ضَعِيْف لضعف إسناده فَهُوَ من رِوَايَة إِسْمَاعِيْل بن عياش، عن موسى بن عُقْبَة، عن نافع، عن ابن عُمَر. وإسماعيل بن عياش منكر الحَدِيْث عن أهل الحجاز وأهل العراق (١)، وحديثه هَذَا عن أهل الحجاز؛ لأن موسى بن عقبة مدني (٢). القَوْل الثَّانِي: يجوز للجنب قِرَاءة القُرْآن. وهذا القَوْل مرويٌّ عن ابن عَبَّاس (٣)، وسعيد بن المسيب (٤)، وعكرمة (٥)، وربيعة الرأي (٦)، وسعيد بن جبير (٧). وَهُوَ قَوْل ابن حزم الظاهري ونقله عن دَاوُد وعامة أصحابهم (٨). واختاره ابن المنذر (٩). والحجة لهذا المذهب: ١ - مَا صَحَّ أَنَّهُ ﵊: ((كَانَ يذكر الله عَلَى كُلّ أحيانه)). أخرجه مسلم (١٠)، وغيره (١١). قالوا: والقُرْآن ذكر. (١٢) قَالَ أبو بَكْر بن المنذر: ((فَقَالَ بعضهم: الذكر قَدْ يَكُون بقراءةِ القُرْآن وغيره، فكلُّ ما وقع عَلَيْهِ اسم ذكر الله فغير جائز أن يمنع مِنْهُ أحدٌ (١٣)، إذا كَانَ النَّبيّ ﷺ لا يمتنع من ذكر الله عَلَى أحيانه)) (١٤).

стр. 250

وأجاب أصحاب المذهب الأول عن هَذَا: بأن المراد من الذكر غَيْر القُرْآن، فَهُوَ المفهوم عند الإطلاق (١). ويجاب عن هَذَا: بأن التخصيص لا دليل عَلَيْهِ، فالأصل العموم حَتَّى يأتي دليل يخصصه. ولذا قَالَ القرطبي (٢): ((أصل الذكر التنبه بالقلب للمذكور والتيقظ لَهُ، وسمي الذكر باللسان ذكراً لأَنَّهُ دلالة عَلَى الذكر القلبي؛ غَيْر أَنَّهُ لما كثر إطلاق الذكر عَلَى القَوْل اللساني صار هُوَ السابق للفهم)) (٣). فالتخصيص عرفي لا شرعي. وقالوا أيضاً: لَمْ يصح دليل في منع المحدِث حدثاً أكبر من قِرَاءة القُرْآن، والأصل عدم التحريم. وَقَدْ خالف هذين المذهبين جَمَاعَة من الفُقَهَاء ففرقوا بَيْنَ القليل والكثير، وقالوا: تجوز قِرَاءة الآية والآيتين. روي ذَلِكَ عن: عَبْد الله (٤) بن مغفل (٥)، ومحمد الباقر (٦)، ورواية عن عكرمة (٧)، وسعيد بن جبير (٨). وَقَدْ شدد ابن حزم النكير عَلَى هَذَا القَوْل، وعدَّها أقوالاً فاسدة لا يعضدها دليل من قرآن أو سنة صَحِيْحَة وَلاَ سقيمة، ولا من إجماع، وَلاَ من قَوْل صاحب، وَلاَ من قياس، وَلاَ من رأي سديد؛ لأن بَعْض الآية والآية قرآن بلا شك، وَلاَ فرق بَيْنَ أن يباح لَهُ آية أو أن يباح لَهُ أخرى، أو بَيْنَ أن يمنع من آية أو يمنع من أخرى (٩). ومما تنبغي الإشارة إِليهِ مَذْهَب الإمام مَالِك، وَهُوَ أَنَّهُ أجاز قِرَاءة القُرْآن للحائض والنفساء دُوْنَ الجنب (١٠). والحجة للإمام مَالِك في تفريقه بَيْنَ الجنب، وبين الحائض والنفساء: أن الحيض

стр. 251

والنفاس مدتها طويلة؛ فلو منعناهما من قِرَاءة القُرْآن لتعرضتا لنسيانه (١). وَقَدْ أجاب ابن حزم عن هَذَا فَقَالَ: ((هُوَ محال؛ لأَنَّهُ إن كَانَتْ قراءتها للقرآن حراماً فَلاَ يبيحه لَهَا طول أمرها، وإن كَانَ ذَلِكَ لَهَا حلالاً فَلاَ مَعْنَى للاحتجاج بطول أمرها)) (٢). النوع الثالث: تعارض الاتصال والانقطاع تقدم الكلام بأن الاتصال شرط أساسيٌّ لصحة الحديث النبوي، وعلى هذا فالمنقطع ضعيف لفقده شرطاً أساسياً من شروط الصحة، وقد أولى المحدثون عنايتهم في البحث والتنقير في الأحاديث من أجل البحث عن توفر هذا الشرط من عدمه؛ وذلك لما له من أهمية بالغة في التصحيح والتضعيف والتعليل. وتقدم الكلام أن ليس كل ما ورد فيه التصريح بالسماع فهو متصل؛ إذ قَدْ يقع الخطأ في ذلك فيصرح بالسماع في غير ما حديث، ثم يكشف الأئمة النقاد بأن هذا التصريح خطأ، أو أن ما ظاهره متصل منقطع، وهذا ليس لكل أحد إنما هو لأولئك الرجال الذين أفنوا أعمارهم شموعاً أضاءت لنا الطريق من أجل معرفة الصحيح المتصل من الضعيف المنقطع. إذن فليس كل ما ظاهره الاتصال متصلاً، فقد يكون السند معللاً بالانقطاع. وعليه فقد يأتي الحديث مرة بسند ظاهره الاتصال، ويُروى بسند آخر ظاهره الانقطاع، فيرجح تارة الانقطاع وأخرى الاتصال، ويجري فيه الخلاف الذي مضى في زيادة الثقة. وأمثلة ذلك كثيرة. منها: ما رواه أحمد بن منيع (٣)، قال: حدثنا كثير بن هشام (٤)، قال: حدثنا جعفر بن برقان (٥)، عن الزهري (٦)، عن

стр. 252

عروة (١)، عن عائشة، قالت: كنت أنا وحفصة (٢) صائمتين فعرض لنا طعام اشتهيناه فأكلنا منه، فجاء رسول الله ﷺ فبدرتني إليه حفصة، وكانت ابنة أبيها، فقالت: يا رسول الله، إنا كنا صائمتين فعرض لنا طعام اشتهيناه فأكلنا منه، قال: ((اقضيا يوماً آخر مكانه)). أخرجه الترمذي (٣)، والبغوي (٤)، وأخرجه غيرهما من طريق جعفر (٥). هكذا روى هذا الحديث جعفر بن برقان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، متصلاً. وقد توبع على روايته، تابعه سبعة من أصحاب الزهري على هذه الرواية وهم: ١ - صالح بن أبي الأخضر (٦)، وهو ضعيف يعتبر به عند المتابعة (٧). ٢ - سفيان بن حسين (٨)، وهو ثقة في غير الزهري باتفاق العلماء (٩). ٣ - صالح بن كيسان (١٠)، وهو ثقة (١١). ٤ - إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة (١٢)، وهو ثقة (١٣).

стр. 253

٥ - حجاج بن أرطأة (١)، وهو صدوق كثير الخطأ والتدليس (٢). ٦ - عبد الله بن عمر العمري (٣)، وهو ضعيف (٤). ٧ - يحيى بن سعيد (٥). فهؤلاء منهم الثقة، ومنهم من يصلح حديثه للمتابعة، قَدْ رووا الحديث أجمعهم، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، متصلاً، إلا أنه قَدْ تبين بعد التفتيش والتمحيص والنظر أن رواية الاتصال خطأ، والصواب: أنّه منقطع بين الزهري وعائشة، وذكر عروة في الإسناد خطأ. لذا قال الإمام النسائي عن الرواية الموصولة: ((هذا خطأ)) (٦)، وقد فسّر المزي مقصد النسائي فقال: ((يعني أن الصواب حديث الزهري، عن عائشة وحفصة مرسل)) (٧). وقد نص كذلك الترمذي على أن رواية الاتصال خطأ، والصواب أنه منقطع وذكر الدليل القاطع على ذلك، فقال: ((روي عن ابن جريج، قال: سألت الزهري، قلت له: أَحدَّثَكَ عروة، عن عائشة؟، قال: لم أسمع عن عروة في هذا شيئاً، ولكني سَمِعتُ في خلافة سليمان بن عبد الملك (٨) من ناس عن بعض من سأل عائشة عن هذا الحديث)) (٩). ومن قبل سأل الترمذي شيخه البخاري فَقَالَ: ((سألت محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث، فقال: لا يصح حديث الزهري، عن عروة، عن عائشة)) (١٠). وحكم أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان بترجيح الرواية المنقطعة على الموصولة (١١). قلت: قَدْ رواه الثقات الأثبات من أصحاب الزهري منقطعاً، وهم ثمانية أنفس:

стр. 254

١ - مالك بن أنس (١)، وهو ثقة إمام أشهر من أن يعرف. ٢ - معمر بن راشد (٢)، وهو ثقة ثبت فاضل (٣). ٣ - عبيد الله بن عمر العمري (٤)، وهو ثقة ثبت (٥). ٤ - يونس بن يزيد الأيلي (٦)، وهو ثقة أحد الأثبات (٧). ٥ - سفيان بن عيينة (٨)، وهو ثقة حافظ فقيه إمام حجة (٩). ٦ - عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج (١٠)، وهو ثقة (١١). ٧ - محمد بن الوليد الزبيدي (١٢)، وهو ثقة ثبت (١٣). ٨ - بكر بن وائل (١٤)، وهو صدوق (١٥). فهؤلاء جميعهم رووه عن الزهري، عن عائشة منقطعاً، وروايتهم هذه هي المحفوظة، وهي تخالف رواية من رواه متصلاً. وهذا يدلل أن المحدّثين ليس لهم في مثل هذا حكم مطرد، بل مرجع ذلك إلى القرائن والترجيحات المحيطة بالرواية.

стр. 255

وللحديث طريق أخرى (١)، فقد أخرجه النسائي (٢)، والطحاوي (٣)، وابن حبان (٤)، وابن حزم في المحلى (٥)، من طريق جرير بن حازم (٦)، عن يحيى بن سعيد الأنصاري (٧)، عن عمرة (٨)، عن عائشة. هكذا الرواية وظاهرها الصحة، إلا أن جهابذة المحدّثين قَدْ عدوها غلطاً من جرير بن حازم، خطّأه في هذا أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، والبيهقي (٩)، قال البيهقي: ((والمحفوظ عن يحيى بن سعيد، عن الزهري، عن عائشة، مرسلاً)) (١٠). ثم أسند البيهقي إلى أحمد بن منصور الرمادي (١١) قال: قلت لعلي بن المديني: يا أبا الحسن تحفظ عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة، قالت: أصبحت أنا وحفصة صائمتين. فقال لي: من روى هذا؟ قلت: ابن وهب، عن جرير بن حازم، عن يحيى بن سعيد. قال: فضحك، فقال: مثلك يقول هذا!، حدثنا: حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد، عن الزهري: أن عائشة وحفصة أصبحتا صائمتين. وقد أشار النسائي كذلك إلى خطأ جرير (١٢). فهؤلاء أربعة من أئمة الحديث أشاروا إلى خطأ جرير بن حازم في هذا الحديث، وعدم إقامته لإسناده. ولم يرتض ابن حزم على هذه التخطئة، وأجاب عن ذلك فقال: ((لم يتحقق علينا قول من قال أن جرير بن حازم أخطأ في هذا الخبر إلا أن هذا ليس بشيء؛ لأن جريراً ثقة، ودعوى الخطأ باطل إلا أن يقيم المدعي له برهاناً على صحة دعواه، وليس انفراد

стр. 256

جرير بإسناده علة؛ لأنه ثقة)) (١). ويجاب على كلام ابن حزم: بأن ليس كل ما رواه الثقة صحيحاً، بل يكون فيه الصحيح وغير ذلك؛ لذا فإن الشذوذ والعلة إنما يكونان في حديث الثقة؛ فالعلة إذن هي معرفة الخطأ في أحاديث الثقات، ثم إن اطباق أربعة من أئمة الحديث على خطأ جرير، لم يكن أمراً اعتباطياً، وإنما قالوا هذا بعد النظر الثاقب والتفتيش والموازنة والمقارنة. أما إقامة الدليل على كل حكم في إعلال الأحاديث، فهذا ربما لا يستطيع الجهبذ الناقد أن يعبر عنه إنما هو شيء ينقدح في نفسه تعجز عبارته عنه (٢). ثم إن التفرد ليس علة كما سبق أن فصلنا القول فيه في مبحث التفرد، وإنما هو مُلقٍ لِلضوءِ على العِلّة ومواقع الخلل وكوامن الخطأ، ثم إنا وجدنا الدليل على خطأ جرير ابن حازم، إذ قَدْ خالفه الإمام الثقة الثبت حماد بن زيد (٣)، فرواه عن يحيى بن سعيد ولم يذكر عمرة (٤). وللحديث طريق أخرى فقد أخرجه الطبراني (٥) من طريق: يعقوب بن مُحَمَّد الزهري، قال: حدثنا هشام بن عبد الله بن عكرمة بن عبد الرحمان، عن الحارث بن هشام، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. قال الطبراني عقب روايته له: ((لم يرو هذا الحديث عن هشام بن عروة إلا هشام ابن عكرمة. تفرد به يعقوب بن مُحَمَّد الزهري)). قلت: هذه الرواية ضعيفة لا تصلح للمتابعة، إذ فيها علتان: الأولى: يعقوب بن مُحَمَّد الزهري، فيه كلام ليس باليسير، فقد قال فيه الإمام أحمد: ((ليس بشيء))، وَقَالَ مرة: ((لا يساوي حديثه شيئاً))، وَقَالَ الساجي: ((منكر الحديث)) (٦). والثانية: هشام بن عبد الله بن عكرمة، قال ابن حبان: ((ينفرد عن هشام بن عروة بما لا أصل له من حديثه - كأنه هشام آخر -، لا يعجبني الاحتجاج بخبره إذا

стр. 257

انفرد)) (١). وللحديث طريق أخرى، فقد أخرجه ابن أبي شيبة (٢) من طريق خصيف بن عبد الرحمان، عن سعيد بن جبير: أن عائشة وحفصة ... الحديث. وهو طريق ضعيف لضعف خصيف بن عبد الرحمان، فقد ضعّفه الإمام أحمد، وأبو حاتم، ويحيى القطان، على أن بعضهم قَدْ قواه (٣). وللحديث طريق أخرى فقد أخرجه البزار (٤)، والطبراني (٥) من طريق حماد بن الوليد، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر ... الحديث. وهو طريق ضعيف، قال الهيثمي: ((فيه حماد بن الوليد ضعفه الأئمة)) (٦). وللحديث طريق أخرى فقد أخرجه العقيلي (٧)، والطبراني (٨) من طريق مُحَمَّد بن أبي سلمة المكي، عن مُحَمَّد بن عمرو (٩)، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: أهديت لعائشة وحفصة ... الحديث. وهو طريق ضعيف، قال الهيثمي: ((فيه مُحَمَّد بن أبي سلمة المكي، وقد ضُعِّفَ بهذا الحديث)) (١٠). خلاصة القول: إن الحديث لم يصح متصلاً ولم تتوفر فيه شروط الصحة؛ فهو

стр. 258

حديث ضعيف لانقطاعه؛ ولضعف طرقه الأخرى (١). أثر هذا الحديث في اختلاف الفقهاء (حكم من أفطر في صيام التطوع) وما دمنا قَدْ تكلمنا بإسهاب عن حديث الزهري متصلاً ومنقطعاً، وذكرنا طرقه وشواهده، وبيّنا ما يكمن فيها من ضعف وخلل، فسأتكلم عن أثر هذا الحديث في اختلاف الفقهاء، فأقول: من شَرَعَ في صوم تطوع، أو صلاة تطوع ولم يتم نفله، هل يجب عليه القضاء أم لا؟ اختلف الفقهاء في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: ذهب بعض العلماء إلى أن النفل يجب على المكلف بالشروع فيه، فإذا أبطل وجب عليه قضاؤه صوماً كان أم صلاةً أم غيرهما. وهو مروي عن: ابن عباس (٢)، وإبراهيم النخعي (٣)، والحسن البصري (٤)، وأنس (٥) بن سيرين (٦)، وعطاء (٧)، ومجاهد (٨)، والثوري (٩)، وأبي ثور (١٠).

стр. 259

وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والظاهرية (٣). والحجة لهذا المذهب: ١ - قوله تَعَالَى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (٤): قال الجصاص الحنفي: ((يحتج به في أن كل من دخل في قربة لا يجوز له الخروج منها قبل إتمامها؛ لما فيه من إبطال عمله نحو الصلاة والصوم والحج وغيره)) (٥). وللشافعي جواب عن هذا فقال: ((المراد بذلك إبطال ثواب العمل المفروض، فنهي الرجل عن إحباط ثوابه. فأما ما كان نفلاً فلا؛ لأنه ليس واجباً عليه، فإن زعموا أن اللفظ عام فالعام يجوز تخصيصه، ووجه تخصيصه أن النفل تطوع، والتطوع يقتضي تخييراً)) (٦). ٢ - جعلوا عمدة قولهم حديث الزهري السابق، وكأنهم رجحوا الاتصال على الانقطاع، أو أخذوا بالحديث لما له من طرق، وجعل ابن حزم الظاهري عمدة قوله حديث جرير بن حازم، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة. ودافع عن زيادة جرير (٧). وقد تقدم الكلام بأن جريراً مخطئٌ في حديثه، وقد ذكرنا كلام ابن حزم وأجبنا عنه. القول الثاني: ذهب فريق من الفقهاء إلى استحباب الإتمام ولا قضاء عليه، وهو مذهب أكثر أهل العلم، وهو مروي عن: علي (٨)، وعبد الله بن مسعود (٩)، وعبد الله بن عمر (١٠)، وابن

стр. 260

عباس (١)، وجابر بن عبد الله (٢). وإبراهيم النخعي (٣)، ومجاهد (٤)، والثوري (٥)، وإسحاق (٦). وهو مذهب الشافعية (٧)، والحنابلة (٨). والحجة لهم: وهو أن حديث الزهري لم يصح، فهو ضعيف منقطع، ولم يروا الآية دليلاً لذلك، فقد احتجوا بجملة من الأحاديث، منها: ١ - حديث عائشة بنت طلحة (٩)، عن عائشة أم المؤمنين، قالت: دخل عَلَيَّ النبيُّ ﷺ ذات يوم، فقال: هل عندكم شيءٌ؟ فقلنا: لا، قال: فإني إذن صائم. ثم أتانا يوماً آخر، فقلنا: يا رسول الله، أهدي لنا حيس (١٠)، فقال: أَرينيه، فلقد أصبحت صائماً، فأكل)). رواه مسلم (١١).

стр. 261

٢ - عن أبي جحيفة (١) قال: ((آخى النبي ﷺ بين سلمان (٢) وأبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء، فرآى أم الدرداء (٣) متبذلة (٤)، فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء لَيْسَ لَهُ حاجة في الدنيا. فجاء أبو الدرداء فصنع لَهُ طعاماً، فَقَالَ: كُلْ، قَالَ: فإني صائم، قَالَ: ما أنا بآكل حَتَّى تأكل، قَالَ: فأكل، فَلَمَّا كَانَ الليل ذهب أبو الدرداء يقوم، فَقَالَ: نَمْ، فنام، ثُمَّ ذهب يقوم، فَقَالَ: نَمْ، فَلَمَّا كَانَ من آخر الليل، قَالَ سلمان: قم الآن، فصليا، فَقَالَ لَهُ سلمان: إن لربك عليك حقاً، ولنفسك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، فاعطِ كُلّ ذي حق حقه، فأتى النَّبِيّ ﷺ فذكر لَهُ، فَقَالَ النَّبِيّ ﷺ : ((صدق سلمان)). أخرجه البُخَارِيّ (٥)، والترمذي (٦)، وابن خزيمة (٧)، والبيهقي (٨). فهذه أحاديث صحيحة أجازت لصائم النفل الإفطار، ولم تأمره بقضاء. ٣ - حديث أم هانئ عن النبي ﷺ قال: ((الصائم المتطوع أمين نفسه، إن شاء صام وإن شاء أفطر)). أخرجه الإمام أحمد (٩)، والترمذي (١٠)، والنسائي (١١)، والدارقطني (١٢)، والبيهقي (١٣). قال الترمذي: ((في إسناده مقال)) (١٤). القول الثالث: التفصيل وهو مذهب المالكية، قالوا: إن أفطر بعذر جاز، وإن أفطر بغير عذر

стр. 262

لزمه القضاء (١). النوع الرابع أن يروي الحديث قوم - مثلاً - عن رجلٍ عن تابعي عن صحابي، ويرويه غيرهم عن ذلك الرجل عن تابعي آخر عن الصحابي بعينه . هذا أحد الأنواع الرئيسة التي تعتري اختلاف الأسانيد، وهو من الاختلافات التي تومئ بعدم ضبط راويها، وتخرج الحديث عن كونه عن رجل إلى رجل آخر، وهنا نقف أمام أمرين، وهما: هل أن الراوي أخطأ بهذا الاختلاف فالصواب عن أحدهما والآخر غلط؟ أم أن هذا الراوي سمع الحديث من كلا الرجلين فتارة يحدّث به عن هذا، وتارة يحدّث به عن الآخر، وكلا هذين الراويين قَدْ سمعاه من هذا الصحابي عينه. مثال ذلك: ما أخرجه الدارقطني (٢)، من طريق سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن ابن أبي صعير (٣)، عن أبي هريرة رواية (٤) أنه قال: ((زكاة الفطر على الغني والفقير)). فهذا الحديث مِمَّا اختلف فيه على الزهري. فقد رواه سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة (٥). والحديث أخرجه: عبد الرزاق (٦)، وأحمد (٧)، والبخاري (٨)، والطحاوي (٩)،

стр. 263

والدارقطني (١)، والبيهقي (٢) من طريق معمر، عن الزهري، عن الأعرج، عن أبي هريرة، به. موقوفاً ثم قال: - يعني: معمراً -: وبلغني أن الزهري كان يرويه إلى النبي ﷺ . والحديث اختلف فيه كثيراً على الزهري غير هذا الاختلاف سأفصل ذلك - إن شاء الله - في النوع السادس، وأذكر أثر هذا الحديث في اختلاف الفقهاء. النوع الخامس: زيادة رجلٍ في أحد الأسانيد إن من الشروط الأساسية لصحة الحديث الضبط، والزيادة والنقصان في سند من الأسانيد مع اتحاد المدار أمارة من أمارات عدم الضبط، وعدم الضبط مخرج للحديث من حال الصحة إلى حال الضعف. وعليه فإذا روي حديث بأسانيد متعددة، وكان مدار الحديث على رجلٍ واحد، وزيد في أحد الأسانيد رجلٌ ونقص من بقية الأسانيد، ولم نستطع الترجيح بين الروايات؛ مما يدل على أن الخطأ من الذي دار عليه الإسناد، فرواه مرة هكذا، ومرة هكذا، فتبين لنا أن هذا الراوي لم يضبط هذا الحديث، فيحكم على الحديث بالاضطراب، ويتوقف الاحتجاج به حتى نجد له ما يعضده من متابعات، أو شواهد ترفعه من حال الضعف إلى حال القبول. وأحياناً توجد زيادة رجلٍ في أحد الأسانيد، إلا أنّ الزيادة لا تقدح عند الأئمة إذا كان المزيد ثقة؛ لأن الإسناد كيفما دار دار على ثقة. وقد تختلف أنظار المحدّثين في نحو مثل هذا فبعضهم يعد الزيادة قادحة وبعضهم لا يعدها قادحة. ومما وردت فيه زيادة واختلفت أنظار المحدّثين فيها، والراجح عدم القدح: ما رواه بكير بن عبد الله (٣)، عن سليمان بن يسار (٤)، عن عبد الرحمان بن جابر ابن عبد الله (٥)، عن أبي بردة (٦) ﵁، قال: كان النبي ﷺ يقول: ((لا يجلد فوق عشر

стр. 264

جلدات إلا في حدٍ من حدود الله)). فهذا الحديث مداره على بكير بن عبد الله (١)، وهو هكذا من غير زيادة في إسناده وقد صححه من هذا الوجه الإمام البخاري (٢)، والترمذي (٣). ورواه الليث بن سعد (٤)، وهو ثقة ثبت (٥)، عن يزيد بن أبي حبيب، عن بكير بن عبد الله، به. وتابعه سعيد بن أبي أيوب (٦)، وهو ثقة ثبت (٧)، فهذه متابعة تامة لليث بن سعد. وتابعه عبد الله بن لهيعة (٨) متابعة نازلة فرواه عن بكير بن عبد الله، به لكن قَدْ خولف الإمام الليث بن سعد. خالفه زيد بن أبي أنيسة (٩) - وهو ثقة (١٠) - عن يزيد بن أبي حبيب، عن بكير بن عبد الله، عن سليمان بن يسار، عن عبد الرحمان بن جابر، عن أبيه (١١)، عن أبي بردة بن

стр. 265

ينار ... الْحَدِيْث، فقد زاد زيد بن أبي أنيسة زيادة فأدخل جابر بن عبد الله بين عبد الرحمان وأبي بردة. وقد توبع زيد بن أبي أنيسة على هذا متابعة نازلةً، تابعه اثنان: الأول: عمرو بن الحارث (١)، وهو ثقة فقيه حافظ (٢). الثاني: أسامة بن زيد (٣)، وهو صدوق يهم (٤). فروياه عن بكير بن عبد الله، عن سليمان بن يسار، عن عبد الرحمان بن جابر، عن أبيه، عن أبي بردة. هكذا روياه بزيادة: ((أبيه)) بين عبد الرحمان وأبي بردة فتابعا زيد بن أبي أنيسة. هكذا حصلت الزيادة في أحد أسانيد الحديث، ومداره على راوٍ واحد. وقد اختلفت وجهات نظر المحدّثين: فقد صحّح الرواية بدون الزيادة الترمذي - كما سبق -، والدارقطني في العلل (٥)، والبخاري: وصحح الرواية مع الزيادة البخاري - أيضاً - ومسلم وأبو حاتم (٦)، والدارقطني في التتبع (٧). وقد حكم باضطراب الحديث الأصيلي (٨) قال الحافظ: ((أدعى الأصيلي أن الحديث مضطرب، فلا يحتج به لاضطرابه)) (٩). وَقَالَ الشوكاني: ((تكلم في إسناده ابن المنذر والأصيلي من جهة الاختلاف فيه)) (١٠). ولم أجد النقل صريحاً عن ابن المنذر إلا أنه قال في الإشراف: ((لم نجد في

стр. 266

عدد الضرب في التعزير خبراً عن رسولِ الله ثابتاً)) (١). أقول: ما ذكر من إعلال الحديث بالاضطراب هو أمرٌ غير صحيح؛ إذ إنَّهُ اختلاف غَيْر قادح فَهُوَ كيفما دار فَهُوَ عن ثقة، وَقَدْ دافع الحَافِظ ابن حجر عن هَذَا الْحَدِيْث دفاعاً مجيداً، فَقَالَ: ((لَمْ يقدح هَذَا الاختلاف عن الشيخين في صحة الْحَدِيْث؛ فإنه كيفما دار يدور على ثقة، ويحتمل أن يكون عبد الرحمان وقع له فيه ما وقع لبكير بن الأشج (٢) في تحديث عبد الرحمان بن جابر لسليمان بحضرة بكير؛ ثم تحديث سليمان بكيراً به عن عبد الرحمان، أو أن عبد الرحمان سمع أبا بردة لما حدّث به أباه، وثبته فيه أبوه، فحدّث به تارة بواسطة أبيه وتارة بغير واسطة ... وقد اتفق الشيخان على تصحيحه، وهما العمدة في التصحيح)) (٣). وللحديث شواهد فقد أخرجه عبد الرزاق (٤)، والبخاري (٥)، والنسائي في الكبرى (٦) من طريق مسلم بن أبي مريم (٧)، عن عبد الرحمان بن جابر (٨)، عمن سمع النبي ﷺ ... الحديث. وقد أخرجه الحارث (٩) بن أبي أسامة (١٠)، من رواية عبد الله بن أبي بكر بن الحارث بن هشام (١١) رفعه. وقوّى الحافظ ابن حجر سنده إلا أنه

стр. 267

مرسل (١)، وله شاهد آخر من حديث أبي هريرة عند ابن ماجه (٢)، إلا أنه لا يفرح به لتفرد عباد بن كثير الثقفي به؛ وَهُوَ متروك (٣). أثر هذا الحديث في اختلاف الفقهاء (مقدار التعزير) وما دمنا قَدْ تكلمنا عن حديث أبي بردة بتفصيل، وبينا الزيادة الواردة في بعض أسانيده، وبينا أن هذه الزيادة لم تقدح عند الشيخين -وهما من هما في الحفظ والإتقان-؛ فسنذكر أثر هَذَا الْحَدِيْث في اختلاف الفقهاء. فأقول أولاً: الْحَدِيْث أصلٌ في حد عقوبة التعزير المعينة بالجلد (٤). والتعزير لغة: مصدر عَزَرَ من العَزْر، وهو الرد والمنع، ويقال: عزر أخاه بمعنى نصره؛ لأنَّهُ منع عدوه من أن يؤذيه، ويقال: عزرته بمعنى: وقرّته، وبمعنى أدبته، فَهُوَ من أسماء الأضداد. وسميت العقوبة تعزيراً؛ لأن من شأنها أن تدفع الجاني وترده عن ارتكاب الجرائم، أو العودة إليها (٥). وفي الاصطلاح: هو عقوبة غير مقدرة شرعاً، تجب حقاً لله، أو لآدمي، في كل معصية ليس فيها حدٌ ولا كفارة غالباً (٦). وقد اختلف الفقهاء في أعلى المقدار الذي يعاقب به من استحق التعزير بالجلد على أقوالٍ: القول الأول: أن لا يزاد على عشر جلدات. وهو قول كثير من أهل العلم، وبه قال الليث (٧)، وأحمد في المشهور عَنْهُ (٨) وإسحاق (٩) ووجه عند الشافعية (١٠) وبه قال الظاهرية (١١).

стр. 268

وحجة أصحاب هذا القول هو حديث أبي بردة الذي سبق تفصيله وهو حديث صحيح، ولم يقدح فيه إعلال الأصيلي وابن المنذر (١)، وقد أجاب عن الحديث وأظهر صحته الرافعي (٢) وابن حجر (٣). وقد زعم بعض الشافعية: بأن الحديث منسوخ بإجْماع الصحابة على خلاف الْحَدِيْث (٤). وقد أجاب عن ذلك ابن دقيق العيد، فقال: ((وهذا ضعيف جداً، لأنه يتعذر عليه إثبات إجماع الصحابة على العمل بِخلافه، وفعل بعضهم أو فتواه لا يدل على النسخ)) (٥). القول الثاني: لا يبلغ به الحد. وفي تحديد المقصود من "لا يبلغ به الحد"، مذاهب: المذهب الأول: أن لا يبلغ بالتعزير أدنى حد مشروع، فعلى هذا لا ينبغي أن يزاد الحد على تسعة وثلاثين سوطاً؛ لأن حد العبد في الخمر والقذف أربعون سوطاً. وإلى هَذَا ذهب أبو حَنِيْفَةَ (٦). المذهب الثاني: يجب أن ينقص الجلد عن أقل حدود المعزَّر فلا يزاد العبد على تسعة عشر سوطاً، وللحر أن لا يزاد على تسعة وثلاثين سوطاً. وهذا هو المعتبر عند الشافعية (٧). المذهب الثالث: أدنى حد مشروع بالنسبة للحرِّ هو ثمانون سوطاً، فلا يبلغ بالتعزير هذا المقدار، وله أن يبلغ به تسعة وسبعين سوطاً. وبه قال القاضي أبو يوسف (٨) في رواية النوادر عنه، وزفر (٩)، وحجته: أن اعتبار

стр. 269

الحرية عند الناس هو الأصل، وأقل حد للحر ثمانون جلدة. المذهب الرابع: أن لا يتجاوز التعزير خمسة وسبعين سوطاً، وهو قول ابن أبي (١) ليلى (٢)، وأحد قولي أبي يوسف (٣)، ورواية عن الإمام مالك (٤). القول الثالث: يجوز أن يزاد التعزير على الحد إذا رأى الإمام ذلك، وإن بلغ التعزير ما بلغ، وهو قول الإمام مالك (٥)، وأبي ثور (٦)، وإحدى الروايات عن أبي يوسف (٧)، وبه قال أبو جعفر الطحاوي (٨) وهو اختيار ابن تيمية (٩)، وهو أن التعزير يكون بحسب كثرة الذنب في الناس وقلته وعلى حسب حال المذنب. القول الرابع: أن لا يزاد في الجلد على عشرين سوطاً. وهو المروي عن سيدنا عمر بن الخطاب في كتابه إلى أبي موسى الأشعري: ((أن لا يبلغ بنكالٍ فوق عشرين سوطاً)) (١٠)، وعنه رواية أخرى: أن لا يتعدَّى التعزير ثلاثين سوطاً (١١). النموذج الثاني حديث رِفاعة بن رافع الزُّرقي (١٢)، قال: جاء رجل ورسول الله ﷺ في المسجد، فصلى قريباً منه، ثم انصرف إليه، فسلّم عليه، فقال له رسول الله ﷺ : ((أعِدْ صلاتك، فإنك لم تصل)) قال: فرجع، فصلى نحواً مما صلى ثم انصرف إلى رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : ((أعد صلاتك فإنك لم تصلِّ)). فقال: يا رسول الله، كيف أصنعُ؟ فقال:

стр. 270

((إذا استقبلت القبلة، فكبر، ثم أقرأْ بأم القرآن، ثم أقرأ بما شئت، فإذا ركعت، فاجعل راحتيك على ركبتيك، وامدد ظهرك، فإذا رفعت رأسك، فأقم صلبك حتى ترجع العظام إلى مفاصلها، فإذا سجدت، فمكن سجودك، فإذا رفعت رأسك، فاجلس على فخذك اليسرى، ثم اصنع ذلك في كل ركعة)). هذا الحديث أخرجه الشَّافِعِيّ (١)، وعبد الرزاق (٢)، وأحمد (٣)، والدارمي (٤)، والبخاري (٥)، وأبو داود (٦)، وابن ماجه (٧)، والنسائي (٨)، وابن الجارود (٩)، والطحاوي (١٠)، وابن حبان (١١)، والطبراني (١٢)، والدارقطني (١٣)، والحاكم (١٤)، والبيهقي (١٥)، وابن حزم (١٦) من طريق علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن عمه رفاعة بن رافع، فذكره. وأخرجه الطيالسي (١٧)، وأبو داود (١٨)، والترمذي (١٩)، والنسائي (٢٠)، وابن

стр. 271

خزيمة (١)، والطحاوي (٢)، والطبراني في "الكبير" (٣)، والبيهقي (٤)، والبغوي (٥) من طريق يحيى بن علي بن يحيى بن خلاّد (٦)، عن أبيه (٧)، عن جده (٨)، عن رفاعة بن رافع، فذكره. وأخرجه الطحاوي (٩) من طريق يحيى بن علي بن يحيى بن خلاّد، عن أبيه، عن جده رفاعة بن رافع، فذكره. وأخرجه الشافعي (١٠)، وأحمد (١١)، والبخاري (١٢)، وأبو داود (١٣)، والطحاوي (١٤)، والطبراني (١٥)، من طريق علي بن يحيى، عن رفاعة بن رافع، فذكره (١٦). هكذا اضطرب في هذا الحديث وزيد في إسناده، وقد نوه على الاختلاف الطحاوي (١٧) إلا أن هذا الحديث لم يقدح بصحته أحد - فيما أعلم - لصحته من حديث أبي هريرة (١٨)، على أن الإمام النووي صحح حديث رفاعة فقال: ((حديث رفاعة

стр. 272

صحيح، والطمأنينة واجبة في السجود عندنا وعند الجمهور)) (١). أثر هذا الحديث في اختلاف الفقهاء (حكم الطمأنينة في الركوع والسجود، وبين السجدتين، والاعتدال من الركوع) وما دمنا قَدْ تكلمنا عن تخريج حديث رفاعة بإسهاب، فسأذكر ما له من أثر في اختلاف الفقهاء: الطمأنينة في الركوع والسجود اختلف الفقهاء ﵏ في هذه المسألة على قولين: الأول: الطمأنينة في الركوع والسجود فرض فَمَنْ تَرَكَها فصلاته باطلة. وهو قول الإمام سعيد بن المسيب (٢)، وإليه ذهب أحمد (٣)، والشافعي (٤)، وأبو يوسف (٥)، وهو وجه للمالكية (٦). ودليلهم حديث رفاعة، وحديث أبي هريرة ولاسيما قوله ﷺ للمسيء في صلاته: ((ارجع، فصلِّ؛ فإنكَ لم تُصلِّ)) ثم قوله بعد ذلك: ((اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً)) (٧). ووجه الدلالة: أن النبي ﷺ جعل الصلاة الخالية من الطمأنينة كلا صلاة، ثم أمره بعد ذلك بالطمأنينة في الركوع والسجود، والأمر للوجوب (٨).

стр. 273

الثاني: إن الطمأنينة في الركوع والسجود واجبة وليست بفرض وهو قول أبي حنيفة ومحمد بن الحسن (١) وهو وجه للمالكية (٢). ودليلهم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ (٣)، وهو أمر لمطلق الركوع والسجود والركوع في اللغة هو الانحناء والميل والسجود هو التطأطؤ والخفض فإذا أتى بأصل الانحناء والوضع فقد امتثل لإتيانه بما ينطلق عَلَيْهِ الاسم فأما الطمأنينة فدوام على أصل الفعل والأمر بالفعل لا يقتضي الدوام، وأما حديث الأعرابي - المسيء صلاته - فهو من الآحاد فلا يصلح ناسخاً للكتاب، ولكن يصلح مكملاً فيحمل أمره بالاعتدال على الوجوب ونفيه الصلاة على نفي الكمال وتمكن النقصان الفاحش الذي يوجب عدمها من وجه، وأمره بالإعادة على الوجوب جبراً للنقصان أو على الزجر من المعاودة إلى مثله. كالأمر بكسر دنان الخمر عند نزول تحريمها تكميلاً للغرض والحديث حجة عليهم، لأن النبي ﷺ مَكن الأعرابي من المضي في الصلاة في جميع المرات ولم يأمره بالقطع فلو لم تكن تلك الصلاة جائزة لكان الاشتغال بها عبثاً إذ الصلاة لا تمضي في فاسدها فينبغي أن لا يمكنه منه (٤). ورد صاحب "المغني" على دليل هذا الفريق بقوله: ((الآية حجة لنا لأن النبي ﷺ فسّر الركوع بفعله وقوله فالمراد بالركوع ما بينه النبي ﷺ )) (٥). أما تمكين النبي ﷺ للأعرابي من إكمال الصلاة فهذا لا يقتضي صحتها؛ لأن النبي ﷺ قال له: ((إنك لم تصل)). أما كونه خبر آحاد فلا يصلح ناسخاً، فهذا بعيد؛ لأنه ليس نسخاً، بل غاية ما فيه أنه مبين وشارح للآية الكريمة فلا تعارض بينه وبين الآية. النوع السادس: الاختلاف في اسم الراوي ونسبه إذا كان متردداً بين ثقة وضعيف الاختلاف في الأسانيد ملحظ مهم للرجل الذي يحب الكشف عن العلل الكامنة في الأسانيد؛ لأن الاختلافات تومئ إِلَى عدم ضبط الروايات وتخرج الْحَدِيْث غالباً من حيّز القبول إِلَى درجات الرد. والاختلافات الَّتِي تقدح في صحة الإسناد هِيَ الَّتِي يَكُوْن

стр. 274

مدارها واحداً، ومصدر خروجها واحداً، فإذا حصل الاختلاف على من هذا شأنه فهو أمر يهتم به العلماء غاية الاهتمام؛ إذ هو يدلل على خلل طارئ من الأصل الذي روى الحديث أو من الرواة عنه. فإذا توبع الرواة على اختلاف رواياتهم فالحمل إذن على من دارت عليه الأسانيد، فهو بلا شك حدث الجميع على أوجهٍ مختلفة متباينة فهو إذن فاقد لضبط الحديث في هذا الحديث خاصة، وإن كان من الثقات الأثبات ومن أنواع تلك الاختلافات الكثيرة: الاختلاف في اسم الراوي ونسبه. ومما اختلف الرواة فيه اختلافاً كبيراً ما رواه الطحاوي (١) من طريق عفان ومسدد، عن حماد بن زيد، عن النعمان بن راشد، عن الزهري، عن ثعلبة بن أبي صُعَيْر، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أدوا زكاة الفطر صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، أو نصف صاع من بر - أو قال: قمح - عن كل إنسان صغير أو كبير، ذكر أو أنثى، حر أو مملوك، غني أو فقير)). أقول: هذا الحديث هو حديث شيخ الزهري ثعلبة بن أبي صعير - كما في الرواية الآنفة -، وقد اختلف في اسمه ونسبه اختلافاً كثيراً حتى إن بعض أهل العلم ضعّف الحديث به. قال ابن حزم: ((هذا الحديث راجع إلى رجل مجهول الحال، مضطرب عنه، مختلف في اسمه، مرة: عبد الله بن ثعلبة، ومرة: ثعلبة بن عبد الله، ولا خلاف في أن الزهري لم يلق ثعلبة بن أبي صُعَيْر، وليس لعبد الله بن ثعلبة صحبة)) (٢). وَقَالَ الزيلعي في "نصب الراية": ((حاصل ما يعلل به هذا الحديث أمران: أحدهما: الاختلاف في اسم أبي صُعَيْر، فقد تقدم من جهة أبي داود عن مسدد: ثعلبة بن أبي صُعَيْر، أو ثعلبة بن عبد الله بن أبي صُعَيْر، وكذلك أيضاً عن أبي داود في رواية بكر ابن وائل المتقدمة: ثعلبة بن عبد الله، أو قال: عبد الله بن ثعلبة على الشك، وعنده أيضاً من رواية محمد بن يحيى، وفيه الجزم بعبد الله بن ثعلبة بن أبي صُعَيْر، وكذلك رواية ابن جريج، وعند الدارقطني من رواية مسدد عن ابن أبي صُعَيْر، عن أبيه لم يسمه ...)) (٣). ولهذا الاختلاف الشديد مال الحافظ إلى التفريق وجعلهما اثنين فقال: ((هذا

стр. 275

يقتضي أن يكون ثعلبة بن صُعَيْر غير ثعلبة بن أبي صُعَيْر، والله أعلم)) (١). وقد حاولت جاهداً جمع طرق الحديث، والتنقيب عن الاختلافات الواردة فيه، وسأفصل ذلك، فأقول: الحديث سبق ذكره من رواية النعمان بن راشد، وعنه حماد بن زيد وقد اختلف على هذا الطريق: فقد أخرجه الإمام أحمد (٢) من طريق عفان بن مسلم، عن حماد بن زيد، عن النعمان بن راشد، عن الزهري، عن ابن ثعلبة بن أبي صعير، عن أبيه. وأخرجه البخاري (٣) عن مسدد عن الزهري، عن ثعلبة بن صعير، عن أبيه. وأخرجه أبو داود (٤)، عن سليمان بن داود، عن حماد بن زيد، عن النعمان بن راشد، عن الزهري، عن ثعلبة بن عبد الله بن أبي صعير، عن أبيه. وأخرجه الفسوي (٥)، عن أبي النعمان، عن حماد بن زيد، عن النعمان بن راشد، عن الزهري، عن عبد الله بن ثعلبة، عن أبيه. وأخرجه ابن (٦) قانع (٧)، قَالَ: حدثنا: الحسن بن المثنى (٨)، قَالَ: حدثنا: عفان، قَالَ: حدثنا: أحمد بن بشر المرثدي (٩)، قَالَ: حدثنا: خالد بن خداش (١٠) جميعاً، عن حماد بن زيد، عن النعمان بن راشد، عن الزهري، عن ثعلبة بن أبي صعير، عن أبيه.

стр. 276

وأخرجه الدارقطني (١)، عن إسحاق بن أبي إسرائيل (٢)، عن حماد بن زيد، عن النعمان بن راشد، عن الزهري، عن ثعلبة بن صعير أو عبد الله بن ثعلبة بن صعير، عن أبيه. وأخرجه أيضاً (٣)، عن يزيد بن هارون، عن حماد بن زيد، عن النعمان بن راشد، عن الزهري، عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير أو عن ثعلبة عن أبيه. وأخرجه أيضاً (٤)، عن سليمان بن حرب (٥)، عن حماد بن زيد، عن النعمان بن راشد، عن الزهري، عن ثعلبة بن أبي صعير، عن أبيه. وأخرجه أيضاً (٦)، عن مسدد، عن حماد بن زيد، عن النعمان بن راشد، عن الزهري، عن ابن أبي صعير، عن أبيه. وأخرجه البيهقي (٧)، عن مسدد عن حماد بن زيد، عن النعمان بن راشد، عن الزهري، عن ثعلبة بن أبي صعير، عن أبيه. وأخرجه أيضاً (٨)، عن سليمان بن داود ومسدد، عن حماد بن زيد، عن النعمان بن راشد، عن الزهري -وفي رواية سليمان بن داود-، عن عبد الله بن ثعلبة، وثعلبة بن عبد الله بن أبي صعير عن أبيه. والحديث رواه غير النعمان بن راشد، عن الزهري، وحصل فيه الاختلاف عينه في اسم راويه. فقد أخرجه البخاري (٩)، وأبو داود (١٠)، وابن أبي (١١) عاصم (١٢)،

стр. 277

وابن خزيمة (١)، والطحاوي (٢)، وابن قانع (٣)، والطبراني (٤)، والحاكم (٥)، وابن الأثير (٦)، من طريق بكر بن وائل، عن الزهري، عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير، عن أبيه. وأخرجه أبو نعيم (٧)، وابن حزم (٨) من طريق بكر بن وائل، عن الزهري، عن عبد الله بن ثعلبة بن أبي صُعير، عن أبيه. وأخرجه أبو نعيم (٩) من طريق بحر السقاء، عن الزهري، عن عبد الله بن ثعلبة ابن صعير، عن أبيه. ثم إن الحديث قَدْ اختلف فيه اختلافاً غير هذا، واضطرب في إسناده فقد أخرجه الدارقطني (١٠) من طريق سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن ابن أبي صعير، عن أبي هريرة، به. وأخرجه عبد الرزاق (١١)، وأحمد (١٢)، والبخاري (١٣)، والطحاوي في شرح المعاني (١٤)، والدارقطني (١٥)، والبيهقي (١٦) عن معمر، عن الزهري، عن الأعرج، عن أبي هريرة، به موقوفاً ثم قال - يعني: معمراً -: وبلغني أن الزهري كان يرويه إلى النبي ﷺ . وأخرجه الدارقطني (١٧)، من طريق سليمان بن أرقم (١٨)، عن الزهري، عن

стр. 278

قبيصة بن ذؤيب (١)، عن زيد بن ثابت. وأخرجه عبد الرزاق (٢)، والبخاري (٣)، والدارقطني (٤)، من طريق ابن جريج، عن الزهري، عن عبد الله بن ثعلبة، عن النبي ﷺ (٥). وأخرجه ابن أبي شيبة (٦)، من طريق سفيان بن حسين، والبخاري (٧)، من طريق إبراهيم بن سعد الزهري، والطحاوي (٨)، والبيهقي (٩) كلاهما من طريق عبد الرحمان بن خالد وعقيل. أربعتهم: (سفيان وإبراهيم وعبد الرحمان وعقيل)، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، به مرسلاً. هذا ما استطعت جمعه من طرق الحديث، وهذه الاختلافات الشديدة مضعفة للحديث للإشعار بعدم ضبط راويه. والحديث لم يقتصر على الخلاف في سنده، بل اختلف في متنه، قال الدارقطني: ((واختلفوا أيضاً في متنه في حديث سفيان بن حسين عن الزهري صاعاً من القمح، وكذلك قال النعمان بن راشد عن الزهري عن ثعلبة بن أبي صعير، عن أبيه صاع من قمح عن كل إنسان، وفي حديث الآخرين نصف صاع قمح، وأصحهما عن الزهري، عن سعيد بن المسيب مرسلاً)) (١٠). قال ابن المنذر: ((لا نعلم في القمح خبراً ثابتاً عن النبي ﷺ يعتمد عليه، ولم يكن البر بالمدينة ذلك الوقت إلا الشيء اليسير منه، فلما كثر في زمن الصحابة رأوا أن نصف صاعٍ منه يقوم مقام صاع من شعير وهم الأئمة)) (١١).

стр. 279

وَقَالَ البيهقي: ((وقد وردت أخبار عن النبي ﷺ في صاع من بر، ووردت أخبار في نصف صاع، ولا يصح شيء من ذلك، وقد بينت علة كل واحد منهما في الخلافيات)) (١). وَقَالَ ابن عبد البر: ((هذا نص في موضع الخلاف، إلا أنه لم يروه كبار أصحاب ابن شهاب، ولا من يحتج بروايته منهم إذا انفرد)) (٢). أثر هذا الحديث في اختلاف الفقهاء لهذا الحديث أثر في الفقه الإسلامي، إذ بنيت على هذا الحديث مسألتان فقهيتان، وترتب في ضوء العمل بهذا الحديث، وعدم العمل به خلاف فقهيٌّ بين أهل العلم. وسأسوق كل مسألة مفردة عن أختها. المسألة الأولى: إجزاء نصف صاع من البر في صدقة الفطر اختلف الفقهاء في إمكان إجزاء نصف صاع من البر في صدقة الفطر على قولين: القول الأول: يجزئ نصف صاع من البر لصدقة الفطر وهذا مرويٌّ عن: أبي بكر الصديق (٣)، وعمر بن الخطاب (٤)، وعثمان بن عفان (٥)، وأسماء (٦) بنت أبي بكر (٧)، وعبد الله بن مسعود (٨)، ومعاوية (٩) بن أبي

стр. 280

سفيان (١)، والحكم (٢)، وحماد (٣)، وعبد الرحمان بن القاسم (٤)، وسعد بن إبراهيم (٥)، وعطاء (٦)، ومجاهد (٧)، وعروة بن الزبير (٨)، وسعيد بن جبير (٩)، وطاووس (١٠)، وعمر بن عبد العزيز (١١)، وأبي سلمة بن عبد الرحمان (١٢)، وعبد الله (١٣) ابن شداد (١٤)، وسعيد بن المسيب (١٥)، وغيرهم (١٦). وهو إحدى الروايتين عن: علي بن أبي طالب (١٧)، وعبد الله بن عباس (١٨)، وعبدالله (١٩) بن الزبير (٢٠)، والحسن البصري (٢١). وذهب إلى ذلك أبو حنيفة (٢٢).

стр. 281

والحجة لهم الحديث السابق الذكر والتفصيل. القول الثاني: وهو أنه لا يجزئ في صدقة الفطر إلا صاع سواء كان من البر أو غيره وهو المروي عن: عائشة (١)، وعبد الله بن عمر (٢). ومسروق (٣)، ومحمد بن سيرين (٤)، وأبي العالية (٥)، وغيرهم (٦). وهي الرواية الثانية عن: علي بن أبي طَالِب (٧)، وعبد الله بن عَبَّاسٍ (٨)، وعبد الله بن الزبير (٩)، والحسن البصري (١٠). وذهب إلى هذا الإمام مالك (١١)، والشافعي (١٢)، وأحمد بن حنبل (١٣). وهو أنهم لم يحتجوا بحديث ابن أبي صعير للاختلاف الكبير الذي حصل فيه، واحتجوا لمذهبهم بما رواه زيد بن أسلم، عن عياض بن عبد الله، عن أبي سعيد الخدري، قال: كُنّا نُخْرِجُ زَكَاة الفِطْرِ - إذْ كانَ فِينا رَسُولُ الله ﷺ صَاعاً من طَعامٍ، أو صَاعاً من شَعِيرٍ، أو صَاعاً من تَمْرٍ، أو صاعاً من زَبيبٍ، أو صَاعاً من أقطٍ، فلم نَزَلْ نُخْرِجهُ حتّى قَدِمَ معاويةُ المَدِينَةَ، فَتَكَلّمَ، فَكانَ فِيما كلَّمَ به النّاسَ: إنِي لأرَى مُدَّيْنِ

стр. 282

من سَمْرَاءِ الشّامِ تَعْدلُ صَاعاً من تَمْرٍ. قال فأخذَ النَّاسُ بذلك. قال أبو سعيد: فلا أزالُ أخرجهُ كما كُنْتُ أخرجهُ (١). وخالف ذلك كله ابن حزم ﵀ فذهب إلى أنه لا يجزئ في زكاة الفطر إلا صاعٌ من التمر أو الشعير، ولا يجزئ غيره (٢). وحجته تضعيفه لحديث ابن أبي صعير، واقتصاره على ما ورد في حديث ابن

стр. 283

عمر: ((أن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر من رمضان على الناس صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، على كل حر أو عبد، ذكر أو أنثى، من المسلمين)) (١). المسألة الثانية: إيجاب صدقة الفطر على الفقير والغني اختلف الفقهاء في بيان ما إذا تجب زكاة الفطر على الفقير أم لا؟ فقد ذهب أبو حنيفة إلى أن زكاة الفطر تفرض على المتمكن فقط، ومعيار معرفة المتمكن لديه، هو أن يملك مئتي درهمٍ (٢). وحجته: قوله ﷺ ((لا صدقة إلا عن ظهر غنىً)) (٣). أما الإمام مالك فقد نقلت عنه عدة روايات منها: ((أن زكاة الفطر واجبة على الذي له معيشة خمسة عشر يوماً ونحوه أو شهراً ونحوه))، وفي رواية قال: ((إنما هي زكاة الأبدان))، وفي رواية أخرى: ((إنها لا تجب على من ليس عنده))، وفي رواية

стр. 284

أخرى: ((إنها واجبة على المحتاج أيضاً))، وفي رواية: ((إن من له أخذ زكاة الفطر فهي لا تجب عليه))، وفي رواية مشهورة عنه: ((إن زكاة الفطر واجبة على الفقير الذي يفضل عن قوته، وقوت من يمونه صاعٌ كوجوبها على الغني)) (١). وذهب الشافعي إلى أنه من كان عنده فضل عن قوته وقوت من يمونه، وما يوفي به زكاته أداها عنه وعنهم، وإن لم يَكُنْ عنده إلا ما يؤدي عن بعضهم أداها عن بعضهم، وإن لم يكن عنده سوى مؤونته ومؤونتهم في يومه فليس عليه ولا على من يمونه زكاة (٢). وذهب إلى ذلك علي، وأبو هريرة، وعطاء، وابن سيرين (٣)، وأبو سليمان (٤)، وهي إحدى الروايات عن مالك كما تقدم. وذهب الإمام أحمد إلى أن زكاة الفطر واجبة على كل من تلزمه مؤونة نفسه إذا فضل عنده عن قوته، وقوت عياله يوم العيد، وليلته صاعاً من أي صنف تجوز الزكاة منه، فإن لم يفضل عنده إلا أقل من صاع فيؤديه في إحدى الروايتين عنه، وفي الرواية الأخرى لا تجب عليه زكاة الفطر (٥). وذهب عبيد الله بن الحسن إلى أن من أصاب فضلاً عن غدائه وعشائه فعليه أن يأخذ ويعطي صدقة الفطر (٦). وهنا يأتي دور حديث ابن أبي صعير السابق الذكر والتفصيل؛ فَهُوَ حجة لِمَنْ أوجب الصدقة عَلَى الفقير؛ قال ابن قدامة: ((ولنا ما روي عن ثعلبة بن أبي صعير، عن أبيه؛ أن رسول الله ﷺ قال: ((أدوا صدقة الفطر ...)) (٧).

стр. 285

القسم الثاني الاضطراب في المتن سبق الكلام أن الاضطراب نوعان: اضطراب يقع في السند، واضطراب يقع في المتن، وقد شرحت الاضطراب الذي يعتري الأسانيد. أمّا هنا فسيكون الكلام على النوع الثاني، وهو الاضطراب في المتن؛ إذ كَمَا أن الاضطراب يَكُوْن في سند الْحَدِيْث فكذلك يَكُوْن في متنه. وذلك إذا وردنا حَدِيْث اختلف الرُّوَاة في متنه اختلافاً لا يمكن الجمع بَيْنَ رواياته المختلفة، ولا يمكن ترجيح إحدى الروايات عَلَى البقية، فهذا يعد اضطراباً قادحاً في صحة الْحَدِيْث، أما إذا أمكن الجمع فَلاَ اضطراب، وكذا إذا أمكن ترجيح إحدى الروايات عَلَى البقية، فَلاَ اضطراب إذن فالراجحة محفوظة (١) أو معروفة (٢) والمرجوحة شاذة (٣) أو منكرة (٤). وإذا كان المخالف ضعيفاً فلا تعل رِوَايَة الثقات برواية الضعفاء (٥) فمن شروط الاضطراب تكافؤ الروايات (٦). وقد لا يضر الاختلاف إذا كان من عدة رواة عن النبي ﷺ ؛ لأن النَّبِيّ ﷺ قَدْ يذكر الْجَمِيْع، ويخبر كُلّ راوٍ بِمَا حفظه عن النَّبِيّ ﷺ (٧). وَلَيْسَ كُلّ اختلاف يوجب الضعف (٨) إنما الاضطراب الَّذِي يوجب الضعف هُوَ عِنْدَ اتحاد المدار، وتكافؤ الروايات، وعدم إمكان الجمع، فإذا حصل هذا فهو اضطراب مضعف للحديث، يومئ إلى عدم حفظ هذا الراوي أو الرواة لهذا الحديث. قال ابن دقيق العيد: ((إذا اختلفت الروايات، وكانت الحجة ببعضها دون بعضٍ توقف الاحتجاج بشرط تعادل الروايات، أما إذا وقع الترجيح لبعضها؛ بأن يكون رواتها أكثر عدداً أو أتقن حفظاً فيتعين العمل بالراجح، إذ الأضعف لا يكون مانعاً من العمل بالأقوى، والمرجوح لا يمنع التمسك بالراجح)) (٩).
следующие страницы →