← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 1747

أثر اختلاف الأسانيد والمتون في اختلاف الفقهاء

ماهر الفحل

Полный текст (524 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

والحجة لهم الحديث السابق الذكر والتفصيل. القول الثاني: وهو أنه لا يجزئ في صدقة الفطر إلا صاع سواء كان من البر أو غيره وهو المروي عن: عائشة (١)، وعبد الله بن عمر (٢). ومسروق (٣)، ومحمد بن سيرين (٤)، وأبي العالية (٥)، وغيرهم (٦). وهي الرواية الثانية عن: علي بن أبي طَالِب (٧)، وعبد الله بن عَبَّاسٍ (٨)، وعبد الله بن الزبير (٩)، والحسن البصري (١٠). وذهب إلى هذا الإمام مالك (١١)، والشافعي (١٢)، وأحمد بن حنبل (١٣). وهو أنهم لم يحتجوا بحديث ابن أبي صعير للاختلاف الكبير الذي حصل فيه، واحتجوا لمذهبهم بما رواه زيد بن أسلم، عن عياض بن عبد الله، عن أبي سعيد الخدري، قال: كُنّا نُخْرِجُ زَكَاة الفِطْرِ - إذْ كانَ فِينا رَسُولُ الله ﷺ صَاعاً من طَعامٍ، أو صَاعاً من شَعِيرٍ، أو صَاعاً من تَمْرٍ، أو صاعاً من زَبيبٍ، أو صَاعاً من أقطٍ، فلم نَزَلْ نُخْرِجهُ حتّى قَدِمَ معاويةُ المَدِينَةَ، فَتَكَلّمَ، فَكانَ فِيما كلَّمَ به النّاسَ: إنِي لأرَى مُدَّيْنِ

стр. 282

من سَمْرَاءِ الشّامِ تَعْدلُ صَاعاً من تَمْرٍ. قال فأخذَ النَّاسُ بذلك. قال أبو سعيد: فلا أزالُ أخرجهُ كما كُنْتُ أخرجهُ (١). وخالف ذلك كله ابن حزم ﵀ فذهب إلى أنه لا يجزئ في زكاة الفطر إلا صاعٌ من التمر أو الشعير، ولا يجزئ غيره (٢). وحجته تضعيفه لحديث ابن أبي صعير، واقتصاره على ما ورد في حديث ابن

стр. 283

عمر: ((أن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر من رمضان على الناس صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، على كل حر أو عبد، ذكر أو أنثى، من المسلمين)) (١). المسألة الثانية: إيجاب صدقة الفطر على الفقير والغني اختلف الفقهاء في بيان ما إذا تجب زكاة الفطر على الفقير أم لا؟ فقد ذهب أبو حنيفة إلى أن زكاة الفطر تفرض على المتمكن فقط، ومعيار معرفة المتمكن لديه، هو أن يملك مئتي درهمٍ (٢). وحجته: قوله ﷺ ((لا صدقة إلا عن ظهر غنىً)) (٣). أما الإمام مالك فقد نقلت عنه عدة روايات منها: ((أن زكاة الفطر واجبة على الذي له معيشة خمسة عشر يوماً ونحوه أو شهراً ونحوه))، وفي رواية قال: ((إنما هي زكاة الأبدان))، وفي رواية أخرى: ((إنها لا تجب على من ليس عنده))، وفي رواية

стр. 284

أخرى: ((إنها واجبة على المحتاج أيضاً))، وفي رواية: ((إن من له أخذ زكاة الفطر فهي لا تجب عليه))، وفي رواية مشهورة عنه: ((إن زكاة الفطر واجبة على الفقير الذي يفضل عن قوته، وقوت من يمونه صاعٌ كوجوبها على الغني)) (١). وذهب الشافعي إلى أنه من كان عنده فضل عن قوته وقوت من يمونه، وما يوفي به زكاته أداها عنه وعنهم، وإن لم يَكُنْ عنده إلا ما يؤدي عن بعضهم أداها عن بعضهم، وإن لم يكن عنده سوى مؤونته ومؤونتهم في يومه فليس عليه ولا على من يمونه زكاة (٢). وذهب إلى ذلك علي، وأبو هريرة، وعطاء، وابن سيرين (٣)، وأبو سليمان (٤)، وهي إحدى الروايات عن مالك كما تقدم. وذهب الإمام أحمد إلى أن زكاة الفطر واجبة على كل من تلزمه مؤونة نفسه إذا فضل عنده عن قوته، وقوت عياله يوم العيد، وليلته صاعاً من أي صنف تجوز الزكاة منه، فإن لم يفضل عنده إلا أقل من صاع فيؤديه في إحدى الروايتين عنه، وفي الرواية الأخرى لا تجب عليه زكاة الفطر (٥). وذهب عبيد الله بن الحسن إلى أن من أصاب فضلاً عن غدائه وعشائه فعليه أن يأخذ ويعطي صدقة الفطر (٦). وهنا يأتي دور حديث ابن أبي صعير السابق الذكر والتفصيل؛ فَهُوَ حجة لِمَنْ أوجب الصدقة عَلَى الفقير؛ قال ابن قدامة: ((ولنا ما روي عن ثعلبة بن أبي صعير، عن أبيه؛ أن رسول الله ﷺ قال: ((أدوا صدقة الفطر ...)) (٧).

стр. 285

القسم الثاني الاضطراب في المتن سبق الكلام أن الاضطراب نوعان: اضطراب يقع في السند، واضطراب يقع في المتن، وقد شرحت الاضطراب الذي يعتري الأسانيد. أمّا هنا فسيكون الكلام على النوع الثاني، وهو الاضطراب في المتن؛ إذ كَمَا أن الاضطراب يَكُوْن في سند الْحَدِيْث فكذلك يَكُوْن في متنه. وذلك إذا وردنا حَدِيْث اختلف الرُّوَاة في متنه اختلافاً لا يمكن الجمع بَيْنَ رواياته المختلفة، ولا يمكن ترجيح إحدى الروايات عَلَى البقية، فهذا يعد اضطراباً قادحاً في صحة الْحَدِيْث، أما إذا أمكن الجمع فَلاَ اضطراب، وكذا إذا أمكن ترجيح إحدى الروايات عَلَى البقية، فَلاَ اضطراب إذن فالراجحة محفوظة (١) أو معروفة (٢) والمرجوحة شاذة (٣) أو منكرة (٤). وإذا كان المخالف ضعيفاً فلا تعل رِوَايَة الثقات برواية الضعفاء (٥) فمن شروط الاضطراب تكافؤ الروايات (٦). وقد لا يضر الاختلاف إذا كان من عدة رواة عن النبي ﷺ ؛ لأن النَّبِيّ ﷺ قَدْ يذكر الْجَمِيْع، ويخبر كُلّ راوٍ بِمَا حفظه عن النَّبِيّ ﷺ (٧). وَلَيْسَ كُلّ اختلاف يوجب الضعف (٨) إنما الاضطراب الَّذِي يوجب الضعف هُوَ عِنْدَ اتحاد المدار، وتكافؤ الروايات، وعدم إمكان الجمع، فإذا حصل هذا فهو اضطراب مضعف للحديث، يومئ إلى عدم حفظ هذا الراوي أو الرواة لهذا الحديث. قال ابن دقيق العيد: ((إذا اختلفت الروايات، وكانت الحجة ببعضها دون بعضٍ توقف الاحتجاج بشرط تعادل الروايات، أما إذا وقع الترجيح لبعضها؛ بأن يكون رواتها أكثر عدداً أو أتقن حفظاً فيتعين العمل بالراجح، إذ الأضعف لا يكون مانعاً من العمل بالأقوى، والمرجوح لا يمنع التمسك بالراجح)) (٩).

стр. 286

وَقَالَ الحافظ ابن حجر: ((الاختلاف على الحفاظ في الحديث لا يوجب أن يكون مضطرباً إلا بشرطين: أحدهما استواء وجوه الاختلاف فمتى رجح أحد الأقوال قدم، ولا يعل الصحيح بالمرجوح. ثانيهما: مع الاستواء أن يتعذر الجمع على قواعد الْمُحَدِّثِيْن، ويغلب على الظن أن ذلك الحافظ لم يضبط ذلك الحديث بعينه، فحينئذ يحكم على تلك الرواية وحدها بالاضطراب، ويتوقف عن الحكم بصحة ذلك الحديث لذلك)) (١). وَقَالَ المباركفوري: ((قَدْ تقرر في أصول الحديث أن مجرد الاختلاف، لا يوجب الاضطراب، بل من شرطه استواء وجوه الاختلاف، فمتى رجح أحد الأقوال قدم)) (٢). وقد يكون هناك اختلاف، ولا يمكن الترجيح إلا أنه اختلاف لا يقدح عند العلماء لعدم التعارض التام، مثل حديث الواهبة نفسها، وهو ما رواه أبو حازم (٣)، عن سهل بن سعد، قال: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إني قَدْ وهبت لك من نفسي، فقال رجلٌ: زوجنيها، قال: ((قَدْ زوجناكها بما معك من القرآن)). فهذا الحديث تفرد به أبو حازم (٤)، واختلف الرواة عنه فِيْهِ فبعضهم قال: ((أنكحتُكها)) وبعضهم قال: ((زوجتكها))، وبعضهم قال: ((ملكتكها))، وبعضهم قال: ((مُلِّكْتَها)) وبعضهم قال: ((زوجناكها))، وبعضهم قال: ((فزوجه))، وبعضهم قال: ((أنكحتك))، وبعضهم قال: ((أملكتها))، وبعضهم قال: ((أملكتكها))، وبعضهم قال: ((زوجتك))، وبيان ذلك في الحاشية (٥).

стр. 287

....................................................

стр. 288

ومع هذا فلم يقدح هذا الاختلاف عند العلماء، قال الحافظ ابن حجر: ((وأكثر هذه الروايات في الصحيحين، فمن البعيد جداً أن يكون سهل بن سعد ﵁ شهد هذه القصة من أولها إلى آخرها مراراً عديدة، فسمع في كل مرة لفظاً غير الذي سمعه في الأخرى (١). بل ربما يعلم ذلك بطريق القطع - أيضاً - فالمقطوع به أن النبي ﷺ لم يقل هذه الألفاظ كلها في مرة واحدة تلك الساعة، فلم يبق إلا أن يقال: إن النبي ﷺ قال لفظاً منها، وعبر عنه بقية الرواة بالمعنى)) (٢). أثر هذا الحديث في اختلاف الفقهاء لاختلاف هذه الروايات وتعددها أثر بارز في الفقه الإسلامي، إذ بنيت على هذه الروايات اختلافات فقهية فيما يصح به عقد النكاح من ألفاظ التزويج، وعلى النحو الآتي: أجمع العلماء على أن النكاح ينعقد بلفظ التزويج، أو الإنكاح، واختلفوا في انعقاد النكاح بغير ذلك من الألفاظ على مذاهب، وهي:

стр. 289

المذهب الأول: لا يجوز عقد النكاح إلا بلفظ الزواج أو الإنكاح، أو التمليك أو الإمكان، ولا يجوز بلفظ الهبة، وهو مذهب داود الظاهري وابن حزم محتجين باختلاف الروايات الواردة في الحديث، وقد ساق ابن حزم الروايات المختلفة ثم قال: ((كل ذلك صحيح)) (١)، ثم روى من طريق البخاري عن أنس بن مالك عن النَّبِيّ ﷺ : ((إنه كان إذا تكلّم بالكلمة أعادها ثلاثاً حتى تفهم عنه)) (٢)، ثم قال: ((فصح أنها ألفاظ كلها قالها ﵊ معلماً لنا ما ينعقد به النكاح)) (٣). المذهب الثاني جواز عقد النكاح بأي لفظ دال على التمليك، وهو مذهب الثوري، والحسن بن صالح، وأبي ثور، وأبي عبيد (٤)، وأبي حنيفة (٥). النموذج الأول ما رواه الإمام أحمد بن حنبل (٦)، عن أبي معاوية الضرير: محمد بن خازم (٧)،

стр. 290

قال: حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة (١)، عن أم سلمة: أن رسول الله ﷺ أمرها أن توافي معه صلاة الصبح يوم النحر (٢) بمكة. فهذا الحديث مضطرب المتن، وقد اضطرب فيه على أبي معاوية، ثم إن الحديث معل بالإرسال، والصواب فيه الإرسال، والوصل فيه خطأ أخطأ فيه أبو معاوية، وسأتكلم عن اضطراب متنه ثم أشرح كيف أنه معل بالإرسال. فأبو معاوية رواه عنه عدة من الرواة، وقد تغير متن الحديث عند كل راوٍ من الرواة عن أبي معاوية فالحمل عليه إذن، وبيان ذلك: قَدْ روى الحديث أسد بن موسى (٣) عن أبي معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة، قالت: أمرها رسول الله ﷺ أن توافي معه صلاة الصبح بمكة (٤). وقد روى الحديث أبو كريب (٥): محمد بن العلاء، عن أبي معاوية، عن هشام، عن أبيه، عن زينب، عن أم سلمة، قالت: أمرها رسول الله ﷺ أن توافي مكة صلاة الصبح يوم النحر (٦). ورواه عبد الله بن جعفر الرقي (٧)، عن أبي معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة: أن النَّبِيّ ﷺ أمرها أن توافي معه يوم النحر بمكة (٨). ورواه أبو خيثمة: زهير بن حرب (٩)، عن أبي معاوية، قال: حدثنا هشام بن عروة،

стр. 291

عن أبيه، عن زينب بنت أم سلمة، عن أم سلمة: أن رسول الله ﷺ أمرها أن توافي صلاة الصبح يوم النحر بمكة (١). ورواه محمد بن عَمْرو (٢) السوسي، عن أبي معاوية، عن هشام، عن أبيه، عن زينب، عن أم سلمة: أن النَّبِيّ ﷺ أمرها أن توافي الضحى معه بمكة يوم النحر (٣). ورواه يحيى بن يحيى النيسابوري (٤)، عن أبي معاوية، عن هشام، عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة. ورواه سعيد بن سليمان، عن أبي معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أم سلمة، عن أم سلمة: أن رسول الله ﷺ أمرها أن توافيه صلاة الصبح بمكة يوم النحر (٥): أن رسول الله ﷺ أمرها أن توافي صلاة الصبح يوم النحر بمكة)) (٦). هكذا اضطرب فيه أبو معاوية، واختلف الرواة عنه فيه. قال ابن التركماني: ((مضطربٌ سنداً ومتناً)) (٧). وَقَالَ الطحاوي: ((تأملنا هذا الحديث، فوجدناه إنما دار بهذا المعنى على أبي معاوية، ووجدنا أبا معاوية قَدْ اضطرب فيه)) (٨). وحديث أبي معاوية معل بالإرسال - كما سبق -. فقد رواه سفيان بن عيينة (٩)، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أم سلمة ﵂ أن رسول الله ﷺ أمرها أن تصلي الفجر بمكة يوم النحر (١٠).

стр. 292

ورواه وكيع بن الجراح، عن هشام، عن أبيه: أن النَّبِيّ ﷺ أمر أم سلمة أن توافيه صلاة الصبح بمنى (١). ورواه حماد بن سلمة (٢)، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن يوم أم سلمة دار إلى يوم النحر، فأمرها رسول الله، فرمت الجمرة، وصلت الفجر بمكة (٣). ورواه داود بن عبد الرحمان العطار (٤)، وعبد العزيز الدراوردي (٥) مقرونين، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: دار رسول الله ﷺ إلى أم سلمة يوم النحر فأمرها أن تعجل الإفاضة من جمع حتى تأتي مكة فتصلي بها الصبح، وكان يومها فأحب أن توافقه وفي إحدى نسخ الشافعي: ((توافيه)) (٦). فهؤلاء ثقات تلامذة هشام: (سفيان، ووكيع، وحماد، وداود، وعبد العزيز) خمستهم رووه عن هشام، عن أبيه مرسلاً، وروايتهم أصح فهم أكثر عدداً، والعدد أولى بالحفظ (٧)، وقد نص إمام المعللين أبو الحسن الدارقطني على ترجيح الرواية المرسلة (٨). ونقل الأثرم عن الإمام أحمد أنه قال: ((لم يسنده غيره - يعني: أبا معاوية - وهو خطأ)) (٩). وهناك مناقشات أخرى لإعلال متن الحديث ذكرها ابن القيم (١٠). وللحديث طريق أخرى، فقد رواه الضحاك بن عثمان (١١)، عن هشام بن عروة،

стр. 293

عن أبيه، عن عائشة، أنها قالت: أرسل رسول الله ﷺ بأم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر، ثم مضت، فأفاضت، وكان ذلك اليوم الذي كان رسول الله ﷺ يعني عندها - (١). والحديث من هذا الوجه منكر أنكره الإمام أحمد وغيره (٢). أثر الحديث في اختلاف الفقهاء لحديث أبي معاوية أثر كبير في الفقه الإسلامي؛ فَهُوَ أصل لِمَنْ أجاز الرمي ليلاً، وسأتكلم عن الرمي وبعض أحكامه، ثُمَّ أفصل القول في حكم رمي جمرة العقبة ليلاً. الرمي لغةً: يطلق بمعنى القذف، وبمعنى الإلقاء، يقال: رميت الشيء وبالشيء، إذا قذفته (٣). أما اصطلاحاً: فرمي الجمار، وهو رمي الحصيات المعينة العدد في الأماكن الخاصة بالرمي في منى - الجمرات -، وليست الجمرة هي الشاخص - العمود - الذي يوجد في منتصف المرمى، بل الجمرة هي المرمى المحيط بذلك الشاخص، والجمرات التي ترمى ثلاث، هي: ١ - الجمرة الأولى: وتسمى الصغرى، أو الدنيا، وهي أول جمرة بعد مسجد الخيف بمنى، سميت ((دنيا)) من الدنو، لأنها أقرب الجمرات إلى مسجد الخيف. ٢ - الجمرة الثانية: وتسمى الوسطى، بعد الجمرة الأولى، وقيل جمرة العقبة. ٣ - جمرة العقبة: وهي الثالثة، وتسمى أيضاً: ((الجمرة الكبرى))،وتقع في آخر منى تجاه الكعبة. وقد اتفق الفقهاء على أنّ رمي الجمار واجب من واجبات الحج قال الكاساني:

стр. 294

((إن الأمة أجمعت على وجوبه)) (١). ووقت رمي الجمار أربعة أيام لمن لم يتعجل، هي: يوم النحر، وثلاثة أيام بعده، وتسمى أيام التشريق. ويوم النحر ترمى جمرة العقبة وحدها، وهنا يأتي دور حديث أبي معاوية، وهو من أين يبدأ أول وقت الرمي ليوم النحر. اختلف الفقهاء في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: أول وقت الرمي يوم النحر الذي يجوز فيه الرمي، هو نصف الليل من ليلة النحر، وهو قول عطاء، وابن أبي ليلى، وعكرمة (٢) بن خالد (٣)، والشافعي (٤)، وأحمد بن حنبل في أرجح الروايتين عنه (٥). وحجة هذا القول: أولاً: حديث أبي معاوية السابق قال الإمام الشافعي: ((أحب أن لا يرمي أحدٌ حتى تطلع الشمس، ولا بأس عليه أن يرمي قبل طلوع الشمس، وقبل الفجر إذا رمى بعد نصف الليل؛ أَخْبَرَنَا داود (٦) بن عَبْد الرحمان وعبد العزيز بن مُحَمَّد الدراوردي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قَالَ: دار رَسُوْل الله ﷺ يوم النحر إِلَى أم سلمة فأمرها أن تعجل الإفاضة من جمع حَتَّى ترمي الجمرة، وتوافي صلاة الصبح بمكة، وَكَانَ يومها فأحب أن توافيه. أَخْبَرَنَا الثقة (٧)، عن

стр. 295

هشام، عن أبيه عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة، عن النبي ﷺ مثله)) (١). قال البيهقي: ((كأن الشافعي - يرحمه الله - أخذه من أبي معاوية الضرير، وقد رواه أبو معاوية موصولاً)) (٢).

стр. 296

أقول: لا شك في أن الشافعي إنما أخذه من أبي معاوية، فهو الذي تفرد بوصله هكذا، وقد ذكر العلماء الحمل عليه فيه. وقد شرح الطحاوي استنباط الشافعي من حديث أبي معاوية فقال: ((فاحتج الشافعي كما حكى لنا المزني عنه بهذا الحديث، وَقَالَ: فيه ما قَدْ دل على أنه ﷺ قَدْ أباحها أن تنفر من جمعٍ، قبل طلوع الفجر؛ لأنه لا يمكن أن يكون ذلك منها مع موافاتها مكة ضحىً إلا وقد خرجت من جمع قبل طلوع الفجر لبعد ما بين مكة وجمعٍ، وفي ذلك ما قَدْ دل على أنها قَدْ كانت رمت الجمرة قبل طلوع الفجر. قال أبو جعفر: وهذا قول لم نعلم أحداً من أهل العلم سواه قاله (١)، ولا ذهب إليه، فكلهم على خلافه فيه، وعلى أنه ليس لأحد من الحاج أن يرمي جمرة العقبة في الليل قبل طلوع الفجر، فتأملنا هذا الحديث، فوجدناه إنما دار بهذا المعنى على أبي معاوية. ووجدنا أبا معاوية قَدْ اضطرب فيه ...)) (٢) ثم دلل على ذلك. ثانياً: ما صح عن عبد الله مولى أسماء عن أسماء، أنها نزلت ليلة جمع عند المزدلفة فقامت تصلي، فصلت ساعة، ثُمَّ قالت: يا بني هل غاب القمر؟ قلت: لا، فصلت ساعة ثم قالت: هل غاب القمر؟ قلت: نعم، قالت: فارتحلوا، فارتحلنا ومضينا، حتى رمت الجمرة، ثم رجعت فصلت الصبح في منْزلها، فقلت لها: هنتاه (٣) ما أرانا إلا قَدْ غَلَّسْنا، قالت: يا بني، إن رسول الله أذن للظعن)) (٤) وقالوا: إن الأحاديث التي فيها النَّبِيّ ﷺ رمى بعد طلوع الشمس محمولة على الاستحباب (٥).

стр. 297

القول الثاني أول وقت الرمي في يوم النحر بعد طلوع الفجر من هذا اليوم، فلا يجوز الرمي قبل هذا الوقت والمستحب بعد طلوع الشمس، وذهب إلى هذا القول أبو حنيفة (١)، ومالك (٢)، وإسحاق، وابن المنذر (٣)، والزيدية (٤)، وهو رواية عن أحمد (٥). واحتج أصحاب هذا المذهب بما روي عن ابن عباس، قال: كان رسول الله ﷺ يقدِّم ضعفاء أهله بغلس، ويأمرهم، يعني: لا يرمون الجمرة حتى تطلع الشمس (٦). وبما رواه ابن عباس، أن النَّبِيّ ﷺ كان يأمر نساءه وثقله صبيحة جمع أن يفيضوا مع أول الفجر بسواد، ولا يرموا الجمرة إلا مصبحين)) (٧). وقد وفّق أصحاب هذا المذهب بين الحديثين بأن الأول وقت الاستحباب والثاني وقت الجواز (٨).

стр. 298

القول الثالث أول وقت الرمي في يوم النحر بعد طلوع الشمس، ضحىً وهو قول مجاهد، والثوري والنخعي (١)، والظاهرية (٢). واستدلوا بحديث ابن عباس السابق وفيه: ((لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس)). قال ابن حزم: ((إنما نهى رسول الله ﷺ عن رميها ما لم تطلع الشمس من يوم النحر)) وَقَالَ أيضاً: ((أما الرمي قبل طلوع الشمس فلا يجزئ أحداً لا امرأة ولا رجلاً)) (٣). النموذج الثَّانِي مَا روي عن عَمَّار بن ياسر من أحاديث في صِفَة التيمم فَقَدْ ذكر بَعْض العُلَمَاء أنَّ هَذَا من المضطرب، وسأشرح ذَلِكَ بتفصيل: فَقَدْ روى الزُّهْرِيّ، قَالَ: حَدَّثَني عبيد الله بن عَبْد الله، عن ابن عَبَّاس، عن عَمَّار بن ياسر؛ أن رَسُوْل الله ﷺ عَرَّسَ (٤) بأولات الجيش ومعه عَائِشَة فانقطع عِقدٌ لَهَا من جَزْعِ ظِفار، فحبس الناس ابتغاء عقدها ذَلِكَ، حَتَّى أضاء الفجر، وَلَيْسَ مَعَ الناس ماء فتغيظ عَلَيْهَا أبو بَكْر، وَقَالَ: حبستِ الناس، وَلَيْسَ مَعَهُمْ ماءٌ، فأنزل الله تَعَالَى عَلَى رسولهِ ﷺ رخصة التَّطَهُّرِ بالصعيد الطيب، فقام المسلمون مَعَ رَسُوْل الله ﷺ فضربوا بأيديهم إِلَى الأرض، ثُمَّ رفعوا أيديهم، وَلَمْ يقبضوا من التراب شيئاً، فمسحوا بِهَا وجوههم، وأيديهم إِلَى المناكب، ومن بطون أيديهم إِلَى الآباط (٥).

стр. 299

وَقَدْ ورد حَدِيث آخر لعمار في التيمم بلفظ: ((أن النَّبيّ ﷺ أمره بالتيمم للوجه والكفين))، وَفِي رِوَايَة: ((إنما يكفيك أن تَقُوْل بيديك هكذا: ثُمَّ ضرب الأرض ضربة وَاحِدَة، ثُمَّ مسح الشمال عَلَى اليمين، وظاهر كفيه ووجهه))، وَفِي رِوَايَة: ((ضرب النَّبيّ ﷺ بكفيه الأرض، ونفخ فِيْهما، ثُمَّ مسح بهما وجهه وكفيه))، وَفِي رِوَايَة: ((ثُمَّ ضرب بيديه الأرض ضربة وَاحِدَة))، وَفِي رِوَايَة: ((وأمرني بالوجه والكفين ضربة وَاحِدَة))، وَفِي رِوَايَة: ((يكفيك الوجه والكفان)) (١).

стр. 300

فهذا الحَدِيْث يختلف عن الحَدِيْث الأول مِمَّا دعى بَعْض العُلَمَاء إلى الحكم عليه بالاضطراب، قَالَ الإِمَام التِّرْمِذِي: ((ضعف بَعْض أهل العِلْم حَدِيث عَمَّار عن النَّبيّ ﷺ في التيمم للوجه والكفين لما روي عَنْهُ حَدِيث المناكب والآباط)) (١). وَقَالَ ابن عَبْد البر: ((كُلّ مَا يروى في هَذَا الباب فمضطرب مختلف فِيهِ)) (٢). إلا أن بَعْض العُلَمَاء حاولوا أن يوفقوا بَيْنَ الحَدِيْث الأول والثَّانِي باعتبار التقدم والتأخر، وباعتبار أن الأول من فعلهم دُوْنَ النَّبيّ ﷺ . قَالَ الأثرم: ((إِنَّمَا حكى فِيهِ فعلهم دُوْنَ النَّبيّ ﷺ كَمَا حكى في الآخر أَنَّهُ أجنب؛ فعلّمه ﵊) (٣). وَقَالَ ابن حبان: ((كَانَ هَذَا حَيث نزل آية التيمم قَبْلَ تعليم النَّبيّ ﷺ عماراً كَيْفِيَّة التيمم ثُمَّ علمه ضربة وَاحِدَة للوجه والكفين لما سأل عمارٌ النبيَّ ﷺ عن التيمم)) (٤). وذهب الحنفية إلى ترجيح روايته إلى المرفقين لحديثين أحدهما حَدِيث أبي أمامة الباهلي وحَدِيث الأسلع (٥). وَقَالَ البَغَوِيّ: ((وما روي عن عَمَّار أَنَّهُ قَالَ: تيممنا إلى المناكب، فَهُوَ حكاية فعله، لَمْ ينقله عن رَسُوْل الله ﷺ كَمَا حكى عن نَفْسه التمعك في حالة الجنابة، فلما سأل النَّبيّ ﷺ وأمره بالوجه والكفين انتهى إليه، وأعرض عن فعله)) (٦). قُلْتُ: وما ذكر من توجيه عَلَى هَذَا النحو يشكل عَلَيْهِ أَنَّهُ ورد في الحَدِيْث الأول: ((فقام المسلمون مَعَ رَسُوْل الله فضربوا بأيديهم ...)). أثر حَدِيثي عَمَّار في اختلاف الفُقَهَاء لهذين الحديثين السابقين أثر في الفقه الاسلامي، فَقَدْ بنيت عَلَيْهما اجتهادات وأبين ذَلِكَ في مسألتين للفقهاء، وسأبين ذَلِكَ في مسألتين: المسألة الأولى: عدد ضربات التيمم اختلف الفُقَهَاء ﵏ في عدد ضربات التيمم عَلَى قولين:

стр. 301

الأول: التيمم ضربة وَاحِدَة للوجه والكفين. روي هَذَا عن ابن عَبَّاس (١)، وعمار (٢)، وعطاء (٣)، وإسحاق (٤)، ومكحول (٥)، وداود بن عَلِيّ (٦)، والأشهر عن الاوزاعي (٧) وَهُوَ إحدى الرِّوَايَتَيْنِ عن عَلِيّ (٨)، والشَّعْبيّ (٩)، وسعيد بن المسيب (١٠)، وإليه ذهب مَالِك (١١) وأحمد (١٢)، واختاره ابن المنذر (١٣). والحجة لهذا المذهب حَدِيث عَمَّار الثَّانِي وأسوق لفظه حَتَّى يظهر مِنْهُ الاستدلال قَالَ: ((بعثني رَسُوْل الله ﷺ في حاجة فأجنبت، فلم أجد الماء، فتمرغت في الصعيد كَمَا تمرغ الدابة، ثُمَّ أتيت النَّبيّ ﷺ فذكرت ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: إنما يكفيك أن تَقُوْل بيديك هكذا: ثُمَّ ضرب الأرض ضربة وَاحِدَة، ثُمَّ مسح الشمال عَلَى اليمين، وظاهر كفيه ووجهه)). هَذَا لفظ رِوَايَة مُسْلِم (١٤). وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ: ((فضرب النَّبيّ ﷺ بيده الأرض فمسح وجهه وكفيه)) (١٥). وَفِي رِوَايَة أخرى قَالَ: ((يكفيك الوجه والكفين (١٦))) (١٧).

стр. 302

وَفِي أخرى: ((فمسح وجهه وكفيه وَاحِدَة)). واعترض عَلَى هَذَا الاستدلال: بأن المراد بِذَلِكَ: بيان صورة الضرب للتعليم، وَلَيْسَ المراد بيان جَمِيْع مَا يحصل بِهِ التيمم (١). وأجيب: بأن سياق القصة يدل عَلَى أَنَّ المراد بيان جَمِيْع ذَلِكَ؛ لأن ذَلِكَ هُوَ الظاهر من قوله ﵊: ((إِنَّمَا يكفيك أن تَقُوْل هكذا ...)) وقوله في إحدى الروايات: ((يكفيك الوجه والكفان)) صريح في ذَلِكَ (٢). القَوْل الثَّانِي: التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين وإليه ذهب أبو حَنِيْفَة (٣)، والشَّافِعيّ (٤). وَقَدْ روي ذَلِكَ عن ابن عُمَر (٥)، وجابر (٦)، والحَسَن البصري (٧)، وسالم (٨)، وعبد العزيز بن أبي سلمة (٩)، وطاووس (١٠)، والزُّهْرِيّ (١١)، والثَّوْرِيّ (١٢)، والليث (١٣)، وَهُوَ رِوَايَة عن عَلِيّ (١٤)، والشعبي (١٥)، وابن المسيب (١٦)، والأوزاعي (١٧)، واستحب ذَلِكَ أبو ثور (١٨). والحجة لهذا القَوْل: من القُرْآن والسُّنَّة. فالقرآن قوله تَعَالَى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (١٩)، ثُمَّ ذكر

стр. 303

الباري -جل شأنه- التيمم فَقَالَ: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ (١). وجه الاستدلال: إن الله ﵎ ذكر أعضاء الوضوء الأربعة في صدر الآية، ثُمَّ أسقط مِنْها عضوين في التيمم في آخرها، فبقي العضوان في التيمم عَلَى ماذكرهما في الوضوء؛ وَقَدْ ذَكَرَ في الوضوء: غسل اليدين إِلَى المرفقين؛ فهما كَذلِكَ في التيمم؛ إذ لَوْ اختلفا لبينهما (٢). أما السُّنَّة فما روي عن جابر عن النَّبيّ ﷺ قَالَ: ((التيمم ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين)). أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ (٣)، والحَاكِم (٤)، والبَيْهَقِيّ (٥)، وَفِي إسناده عُثْمَان بن مُحَمَّد الأنماطي (٦) متكلم فِيهِ (٧)، وَهُوَ معلول بالوقف قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ عقب تخريجه: ((الصَّوَاب مَوْقُوْف)). وما روي عن ابن عُمَر عن النَّبيّ ﷺ قَالَ: ((التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين)). رَواهُ الطبراني (٨)، والدَّارَقُطْنِيّ (٩)، والحَاكِم (١٠)، وابن عدي (١١) من طريق عَلِيّ بن ظبيان، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عُمَر، بِهِ. وَهُوَ حَدِيث ضَعِيْف لا يصح مرفوعاً لتفرد عَلِيّ بن ظبيان برفعه وَهُوَ ضَعِيْف قَالَ عَنْهُ النَّسَائِيّ: ((كوفيٌّ متروك الحَدِيْث)) (١٢). قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: ((هكذا رَواهُ عَلِيّ بن ظبيان مرفوعاً، ووقفه يَحْيَى القطان، وهشيم

стр. 304

وغيرهما)) (١). وَكَذَلِكَ قَالَ الحَاكِم (٢)، ومن قبلهم جميعاً أبو زرعة الرَّازِيّ (٣). وحديث عَائِشَة ﵂ قَالَتْ: ((لما نزلت آية التيمم ضرب رَسُوْل الله ﷺ بيده عَلَى الأرض فمسح بِهَا وجهه، وضرب بيده الأخرى ضربة فمسح بِهَا كفيه)). أخرجه البزار (٤)، وابن عدي (٥) من حَدِيث الحريش بن الخريت، عن ابن أبي ملكية، عن عائشة، بِهِ. أقول: قَدْ تفرد بِهِ الحريش نَصَّ عَلَيْهِ البزار (٦)، والحريش ضَعِيْف قَالَ الهيثمي (٧): ((رَواهُ البزار، وفيه الحريش بن الخريت ضعفه أبو حاتم، وأبو زرعة، والبُخَارِيّ)) (٨). وهذه الأحاديث ضعّفها ابن المنذر فَقَالَ: ((أما الأخبار الثَّلاثَة الَّتِي احتج بِهَا من رأى أن التيمم ضربتين (٩) ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين، فمعلولة كلها، لا يجوز أن يحتج بشيءٍ مِنْها)) (١٠). المسألة الثانية: المقدار الواجب مسحه في التيمم اختلف الفُقَهَاء في المقدار الواجب مسحه في فرض التيمم عَلَى أقوال: القَوْل الأول: يَجِبُ مسح اليدين إلى الإبطين، وَهُوَ مَذْهَب الإمام الزُّهْرِيّ (١١)، وحجته: حَدِيث عَمَّار الأول السابق الذكر: ((تيممنا مَع رَسُوْل الله فمسحنا بوجوهنا وأيدينا إلى المناكب)).

стр. 305

وَقَدْ أجاب ابن حزم عَلَى هَذَا الاستدلال بقوله: ((هَذَا أثر صَحِيْح إلا أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ نَص ببيان أن رَسُوْل الله ﷺ أمر بِذَلِكَ، فيكون ذَلِكَ حكم التيمم وفرضه، وَلاَ نَص بيان بأنه ﵇ عَلِمَ بِذَلِكَ فأقره، فيكون ذَلِكَ ندباً مستحباً)) (١). ويجاب عَلَى قَوْل ابن حزم بأن الحَدِيْث ورد فِيهِ: ((مَعَ رَسُوْل الله)) فهذا يدل عَلَى أَنَّهُ حصل بعلم النَّبيّ ﷺ ، ومثل هَذَا يعدُّ من قبيل المَرْفُوْع، قَالَ ابن الصَّلاح: ((قَوْل الصَّحَابيّ: ((كنا نفعل كَذَا أو كنا نقول كَذَا)) إن لَمْ يضفه إلى زمان رَسُوْل الله فَهُوَ من قبيل المَوْقُوْف، وإن أضافه إلى زمان رَسُوْل الله ﷺ ، فالذي قطع بِهِ أبو عَبْد الله بن البيع (٢) الحافظ، وغيره من أهل الحَدِيْث وغيرهم أن ذَلِكَ من قبيل المَرْفُوْع)) (٣). لَكِنْ سبق القَوْل عن الحَدِيْث بأن بعضهم أعله بالاضطراب، وبعضهم جعله من اجتهاد عَمَّار قَبْلَ نزول آية التيمم، والله أعلم. القَوْل الثَّانِي: ذهب الحنفية إلى أن الواجب في التيمم المسح إلى المرفقين (٤)، واحتجوا بأحاديث جابر وعائشة ﵃ وابن عُمَر، وَقَدْ سبق النقل في تضعيفها، وبيان عللها، واحتجوا كَذلِكَ. بحديث الربيع بن بدر، عن أبيه، عن جده، عن الأسلع (٥)، قَالَ: أراني كَيْفَ علّمه رَسُوْل الله ﷺ التيمم، فضرب بكفيه الأرض، ثُمَّ نفضهما، ثُمَّ مسح بِهما وجهه، ثُمَّ أَمَرَّ عَلَى لحيته، ثُمَّ أعادهُما إلى الأرض فمسح بهما الأرض، ثُمَّ دلك إحداهما بالأخرى، ثُمَّ مسح ذراعيه ظاهرهِما وباطنهما))،هَذَا لفظ إِبْرَاهِيم الحربي، وقَالَ يَحْيَى بن إسحاق (٦) في حديثه: فأراني رَسُوْل الله كَيْفَ أمسح فمسحت، قَالَ:

стр. 306

فضرب بكفيه الأرض، ثُمَّ رفعهما لوجهه، ثُمَّ ضرب ضربة أخرى فمسح ذراعيه باطنهما وظاهرهُما، حَتَّى مس بيديه المرفقين)). أخرجه الطبراني (١)، والدَّارَقُطْنِيّ (٢)، والبيهقي (٣). قَالَ الهيثمي: ((فِيهِ الربيع بن بدر، وَقَدْ أجمعوا عَلَى ضعفه)) (٤). قَالَ البَيْهَقِيّ: ((الربيع بن بدر ضَعِيْف إلا أَنَّهُ غَيْر مُنْفَرِد بِهِ)) (٥). وَقَدْ ردَّ عَلَيْهِ ابن دقيق العيد، فَقَالَ: ((قَوْل البَيْهَقِيّ: إنه لَمْ ينفرد بِهِ، لا يكفي في الاحتجاج حَتَّى ينظر مرتبته، ومرتبة مشاركه، فليس كُلّ من يوافق مَعَ غيره في الرِّوَايَة يَكُون موجباً للقوة والاحتجاج)) (٦). واحتجوا كَذلِكَ بحديث أبي أمامة عن النَّبيّ ﷺ قَالَ: ((التيمم ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين))، قَالَ الهيثمي: ((رَواهُ الطبراني في الكبير، وفيه جَعْفَر بن الزُّبَيْر (٧) قَالَ شُعْبَة فِيهِ: وضع أربع مئة حَدِيث)) (٨). وَقَد احتجوا بالقياس قَالَ السرخسي: ((التيمم بدل عن الوضوء، ثُمَّ الوضوء في اليدين إلى المرفقين؛ فالتيمم كَذلِكَ، وتقريره: أَنَّهُ سقط في التيمم عضوان أصلاً، وبقي عضوان، فيكون التيمم فِيْهَا كالوضوء في الكل، كَمَا أن الصَّلاَة في السفر سقط مِنْهُ ركعتان كَانَ الباقي مِنْها بصفة الكمال؛ ولهذا شرطنا الاستيعاب في التيمم)) (٩).

стр. 307

أما الشافعية: فَقَدْ ذهبوا أيضاً إِلَى أن المسح إِلَى المرفقين، وإِلَى دخول المرفقين في التيمم (١). استدلالاً بقوله تَعَالَى: ((وأيديكم مِنْهُ)) (٢) فقالوا: إطلاق اسم اليد يتناول المنكب فدخل الذراع في عموم الاسم، ثُمَّ اقتصر في التيمم عَلَى تقييده بالوضوء بِهِ. وأخرج الشَّافِعيّ من حَدِيث الأعرج عن ابن الصِّمَّة (٣)، قَالَ: إن رَسُوْل الله ﷺ تيمم فمسح وجهه وذراعيه (٤). إلا أن الحَدِيْث معلول بالانقطاع؛ لأن الأعرج (٥) لَمْ يَسْمَع من ابن الصِّمَّة (٦) ونقل أَبُو ثور، والزعفراني (٧)، عن الإِمَام الشَّافِعيّ في القديم أَنَّهُ قَالَ: إِلَى الكوعين. وَقَدْ ردّ النووي هَذَا النقل (٨). القَوْل الثَّالِث: إن مسح اليدين إلى الرسغ روي هَذَا عن عَلِيّ ﵁ (٩)، وَهُوَ مَذْهَب الإمام أحمد (١٠)، والزيدية (١١)، والظاهرية (١٢). ودليلهم هُوَ أن مسح الكفين إلى الرسغ هُوَ أقل مَا يقع عَلَيْهِ اسم اليدين، واستدلوا أيضاً بحديث عَمَّار الثَّانِي.

стр. 308

النموذج الآخر أخرج الإمام أحمد (١)، وابن خزيمة (٢)، والخطيب في تاريخه (٣) من طريق: روح (٤)، قَالَ: حَدَّثَنَا ابن جريج (٥)، قَالَ: أخبرني عَبْد الله بن مُسافع (٦)، أن مصعب بن شَيْبَة (٧) أخبره، عن عُقْبَة بن مُحَمَّد بن الحارث (٨)، عن عَبْد الله بنجَعْفَر (٩)، عن النَّبيّ ﷺ ، قَالَ: ((من شك في صلاته، فليسجد سجدتين، وَهُوَ جالس)). فهذا الحَدِيْث اختلف في لفظه الأخير، فَقَدْ أخرجه النَّسَائِيّ (١٠) من طريق حجاج (١١) وروح مقرونين، عن ابن جريج، عن عَبْد الله بن مسافع، عن مصعب بن شَيْبَة، عن عتبة بن مُحَمَّد، عن عَبْد الله بن جَعْفَر، بِهِ: قَالَ النَّسَائِيّ: ((قَالَ حجاج: ((بعدما يسلم))، وَقَالَ روح: ((وَهُوَ

стр. 309

جالس)))) (١). وأخرجه النَّسَائِيّ (٢) أيضاً من طريق الوليد بن مُسْلِم وعبد الله بن المبارك فرّقهما؛ كلاهما (الوليد، وابن المبارك) عن ابن جريج، عَنْ عَبْدِ اللهِ بن مسافع، عن عتبة (٣) بن مُحَمَّد، عن عَبْد الله بن جَعْفَر (٤)، بِهِ بلفظ: ((بعدما يسلم))، وَفِي بعضها: ((بَعْدَ التسليم)). أخرجه أحمد (٥)، وأبو دَاوُد (٦)، والنَّسَائِيّ (٧)، والبَيْهَقِيّ (٨)، والمزي (٩) من طريق حجاج، وأخرجه أحمد (١٠) عن روح. كلاهما (حجاج وروح) عن ابن جريج، عن عَبْد الله بن مسافع، عن مصعب ابن شَيْبَة، عن عتبة بن مُحَمَّد، عن عَبْد الله بن جَعْفَر، به بلفظ: ((بعدما يسلم)) وَفِي بعضها: ((بَعْدَ أن يسلم)). فهذا الحَدِيْث اضطرب في لفظه: ((وَهُوَ جالس)). ويفهم مِنْهُ أَنَّهُ قَبْلَ التسليم، والرِّوَايَة الأخرى: ((بعدما يسلم)). أثر هَذَا الحَدِيْث في اختلاف الفُقَهَاء حكم الشك في عدد ركعات الصَّلاَة من شك في صلاته فلم يدر أصلى اثنين أم ثلاثاً، أو ثلاثاً أم أربعاً، أو وَاحِدَة أم اثنتين فماذا يعمل؟ حصل خِلاَف في ذَلِكَ بَيْنَ أهل العِلْم، عَلَى أقوالِ:- القَوْل الأول: ذهب جَمَاعَة من الفُقَهَاء إِلَى أن من شك في صلاته زيادة أو نقصاً في عدد الركعات يبني عَلَى غالب ظنه. وَهُوَ مرويٌّ عن أنس بن مَالِك (١١)، وأبي زيد

стр. 310

الأنصاري (١)، وإبراهيم النخعي (٢)، والحَسَن البصري (٣)، وعطاء (٤). وَهُوَ مَذْهَب الظاهرية (٥). والحجة لَهُمْ: ١ - الحَدِيْث السابق. ٢ - وحديث أَبِي هُرَيْرَة مرفوعاً: ((إذا لَمْ يدر أحدكم كم صلى ثلاثاً أو أربعاً فليسجد سجدتين وَهُوَ جالس)) (٦). ٣ - وحديث ابن مَسْعُود مرفوعاً: ((إنما أنا بشرٌ، فإذا نسيت فذكروني، إذا أوهم أحدكم في صلاته فليتحر أقرب ذَلِكَ من الصَّوَاب، ثُمَّ ليتم عَلَيْهِ، ثُمَّ يسجد سجدتين)) (٧). القَوْل الثَّانِي: هُوَ قَوْل الإمام أحمد - التفصيل بَيْنَ الإمام والمأموم، وَفِي كليهما رِوَايَتَانِ، فنقل الأثرم عَنْهُ أن الإمام يبني عَلَى غالب الظن، وفيه رِوَايَة أخرى البناء عَلَى اليقين، وَهِيَ الَّتِي صححها أبو الخطاب (٨)، أما إذا كَانَ منفرداً أو مأموماً فيبني عَلَى

стр. 311

اليقين وفيه رِوَايَة أخرى أَنَّهُ يبني عَلَى غلبة الظن (١). القَوْل الثَّالِث:- وَهُوَ قَوْل أبي حَنِيْفَة - إن كَانَ شكه في ذَلِكَ مرة، بطلت صلاته، وإن كَانَ الشك يعتاده ويتكرر لَهُ، يبني عَلَى غالب الظن بحكم التحري، فإن لَمْ يقع لَهُ ظن بنى عَلَى الأقل (٢). والحجة لهذا المذهب: مَا روي من حَدِيث عَبْد الرحمان بن عوف مرفوعاً: ((إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر واحدةً صلى أو اثنتين فليبن عَلَى وَاحِدَة، فإن لَمْ يدر ثنتين صلى أو ثلاثاً فليبن عَلَى ثنيتين، فإن لَمْ يدر ثلاثاً صلى أو أربعاً فليبن عَلَى ثلاث، وليسجد سجدتين قَبْلَ أن يسلم)) (٣)، قَالَ التِّرْمِذِي عَنْهُ: ((هَذَا حَدِيث حَسَن صَحِيْح)) (٤). وَقَدْ شدد ابن حزم النكير عَلَى هَذَا القَوْل (٥). القَوْل الرابع: قالوا: من شك في صلاته فلم يدر أثلاثاً صلى أم أربعاً، فعليه أن يبني عَلَى مَا استيقن. وهذا القَوْل مروي عن أبي بَكْر، وعمر، وابن مَسْعُود (٦)، وعلي بن أبي طَالِب (٧)، وابن عُمَر (٨)، وابن عَبَّاس (٩)، وبه قال سعيد بن جبير (١٠)، وعطاء (١١)، والأوزاعي (١٢)،

стр. 312

والثَّوْرِيّ (١)، وإليه ذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣). والحجة لأصحاب هَذَا القَوْل: مَا صَحَّ عن أبي سعيد الخُدْرِيّ؛ أن رَسُوْل الله ﷺ قَالَ: ((إذا شك أحدكم في صلاته فَلَمْ يدركم صلى فليبنِ عَلَى اليَقِيْن، حَتَّى إذا استيقن أن قَدْ أتم فليسجد سجدتين)) (٤). المبحث الثاني: الاختلاف في الزيادات تمهيد: الزيادات الواقعة في المتون أو الأسانيد لَها أهمية بالغة عِنْدَ عُلَمَاء الحَدِيْث؛ إذ أن لَهَا عندهم مجال نظرٍ وبحثٍ واسع. وَلَمْ يَكُنْ أمرها عِنْدَ المُحَدِّثِيْنَ اعتباطياً، ثُمَّ إن الزيادات الواردة في المتون أو الأسانيد قَدْ كشفت عن قدرات المتكلمين فِيْهَا، وأبانت عن قدرات محدّثي الأمة وصيارفة الحَدِيْث في النقد والتعليل والكشف والتصحيح والتضعيف. والزيادات الواردة في بَعْض الأماكن دُوْنَ بَعْض نَوْع من أنواع الاختلاف سَوَاء كَانَ في المَتْن أم في السَّنَد. ومَعْرِفَة الزيادات هِيَ إحدى قضايا علل الحَدِيْث الَّتِي مرجعها إلى الاختلاف بالروايات. واختلاف الرواة في بَعْض الأحايين سنداً أو متناً أمرٌ طبيعيٌّ ولا غرابة فِيهِ، إذ إن الرواة يبعد أنْ يكونوا جميعاً في مستوى واحد من التيقظ والضَّبْط والحفظ، وليسوا في مستوى واحد من الاهتمام والتثبت والدقة. واختلاف المقدار قَدْ يَكُون مداه طويلاً من حِيْن تلقي الأحاديث من أصحابها إلى حِيْنَ أدائها، إذ إن شرط الضَّبْط أن يَكُون من حِيْن التحمل إلى حِيْن الأداء (٥)، وما دامت المواهب متفاوتة حفظاً وضبطاً فإن الاختلاف في الزيادات واردٌ لا محالة. فالرواة مِنْهُمْ من بَلَغَ أعلى مراتب الحفظ والإتقان، ومنهم دُوْنَ ذَلِكَ ومنهم أدنى بكثير. ثُمَّ إن الرواة كثيراً مَا يشتركون في سَمَاع الحَدِيْث الواحد من شيخ واحد، فحين

стр. 313

يحدِّثون بهذا الحَدِيْث بَعْدَ فترة من الزمن يَكُون الاختلاف بينهم بحسب مقدار حفظهم وتيقظهم وتثبتهم. عَلَى أن أحد الرواة الثِّقات لَوْ زاد زيادة لَمْ تكن عِنْدَ البقية فإن ذَلِكَ لا يَقْدَح بصدقه وعدالته وضبطه، قَالَ الحافظ ابن حجر: ((إن الواحد الثِّقَة إذا كَانَ في مجلس جَمَاعَة، ثُمَّ ذكر عن ذَلِكَ المجلس شيئاً لا يمكن غفلتهم عَنْهُ، وَلَمْ يذكره غيره، إن ذَلِكَ لا يَقْدَح في صدقه)) (١). إلاّ إذا كثر ذَلِكَ مِنْهُ فإنه مجال بحث ونظر عِنْدَ المُحَدِّثِيْنَ، فمن أكثر من ذَلِكَ فَهُوَ مكثر من المخالفة، وكثرة المخالفة منافية للضبط، إذ إن الضَّبْط يعرف بموافقة الرَّاوِي للثقات الضابطين (٢). ومن ذَلِكَ مَا نقل عن الإمام أحمد بن حَنْبَل في ترجمة حجاج بن أرطاة، فَقَدْ قَالَ أبو طالب عن أحمد بن حَنْبَل: كَانَ من الحفاظ. قِيلَ: فَلِمَ لَيْسَ هُوَ عِنْدَ الناس بذاك؟ قَالَ: لأن في حديثه زيادة عَلَى حَدِيث الناس، لَيْسَ يكاد لَهُ حديثٌ إلا فِيهِ زيادة (٣). ثُمَّ إن مَعْرِفَة الزيادات تَكُون بجمع الطرق والأبواب (٤) والزيادات الَّتِي هِيَ مجال نظر وبحث إنما هِيَ الَّتِي تَكُون من بَعْدِ الصَّحَابَة، أما من الصَّحَابَة فهي مقبولة اتفاقاً (٥). والزيادات في الأحاديث تَكُون من الثِّقات ومن الضعفاء، والزيادة من الضَّعِيف غَيْر مقبولة؛ لأن حديثه مردود أصلاً سَوَاء زاد أم لَمْ يزد (٦). أما الزيادة من الثِّقَة فهي مجال بحثنا هنا. وَقَدْ قسمت الْحَدِيْث عَنْهَا في مطالب. المطلب الأول: تعريفها وزيادة الثِّقَة: هِيَ مَا يتفرد بِهِ الثِّقَة في رِوَايَة الحَدِيْث من لفظة أو جملة في السَّنَد أو المَتْن.

стр. 314

المطلب الثَّانِي: أقسام زيادة الثِّقَة فعلى هَذَا التعريف هِيَ تنقسم قِسْمَيْن: القِسْم الأول: الزيادة في السَّنَد، وكثيراً مَا يَكُون اختلاف الرواة في وصل الحَدِيْث وإرساله، وكذا في رفعه ووقفه أو زيادة راو (١). والقسم لثاني: وَهِيَ أن يَرْوِي أحدُ الرواة زيادة لفظة أو جملة في متن الحَدِيْث لا يرويها غيره (٢). وما دمتُ قدمتُ إضاءة عن زيادة الثِّقَة، فسأتكلم عن مذاهب العُلَمَاء في رد زيادة الثِّقَة أو قبولها. المطلب الثَّالِث: حكم زيادة الثقة إن الزيادة في المَتْن إذا جاءت من الثِّقَة فَلاَ تخرج الرِّوَايَة عن ثلاثة أمور: أ. أن يختلف المجلس، أي مجلس السَّمَاع فتقبل الرِّوَايَة الزائدة إذا اختلف المجلس لاحتمال سَمَاع الرَّاوِي لهذه الزيادة في مجلس لَمْ يَكُنْ فِيهِ أحدٌ مِمَّنْ سَمِعَ الحَدِيْث في المجلس الأول، وَقَالَ الزَّرْكَشِيّ: ((زعم الأبياري وابن الحاجب والهندي وغيرهم أَنَّهُ لا خِلاَف في هَذَا القِسْم، وَلَيْسَ كَذلِكَ)) (٣). ب. أن لا يعلم الحال هَلْ تعدد المجلس أم اتحد، فألحقها الأبياري بالتي قبلها أي تقبل بلا خلاف، وَقَالَ الهندي: ((ينبغي أن يَكُون فِيْهَا خِلاَف يترتب عَلَى الخلاف في الاتحاد وأولى بالقبول؛ لأن المقتضي لتصديقه حاصل والمعارض لَهُ غَيْر محقق)) (٤)، وَقَالَ الآمدي: حكمه حكم المتحد وأولى بالقبول؛ نظراً إِلَى احتمال التعدد، وأشار أبو الْحُسَيْن في "المعتمد" (٥) إلى التوقف والرجوع إلى الترجيح ثُمَّ قَالَ: والصَّحِيح أن يقال: يَجِبُ حمل الخبرين عَلَى أنهما جريا في مجلسين. وَقَالَ

стр. 315

ابن دقيق العيد قِيلَ: إن احتمل تعدد المجلس قبلت الزيادة اتفاقاً وهذا فِيهِ نظر في بَعْض المواضع (١). ج. أما إذا اتحد المجلس فَقَدْ اختلف في قبول الزيادة عَلَى عدّة أقوال، مِنْها:- ١ - قِيلَ تقبل مطلقاً سَوَاء كَانَتْ الزيادة من الرَّاوِي بأن يرويها مرة ويتركها مرة أو من غيره، وسواء تعلق بِهَا حكم شرعي أم لا، وسواء غيرت الحكم الثابت أم لا، وسواء أوجبت نقصاً ثبت بخبر لَيْسَ في تِلْكَ الزيادة أم لا، وسَوَاء كثر الساكتون عَنْهَا أم لا، وهذا مَا ذهب إِليهِ جُمْهُور الفُقَهَاء والمُحَدِّثِيْنَ والأصوليين كَمَا صرح بِذَلِكَ الْخَطِيْب (٢). وَقَالَ السخاوي: ((وجرى عَلَيْهِ النَّوَوِيّ في مصنفاته وَهُوَ ظاهر تصرف مُسْلِم في صحيحه)) (٣)، وَهُوَ أيضاً مَا ذهب إِليهِ الحَاكِم (٤)، وابن حزم (٥)، وأَبُو إسحاق (٦) الشيرازي (٧)، وإمام الحرمين (٨)، والغزالي (٩)، وابن الصَّلاح (١٠)،

стр. 316

وغيرهم (١) وذهبوا إلى أن الرَّاوِي إذا انفرد برواية خبر واحَد دُوْنَ الثقات قُبِلَ ذَلِكَ الخبر مِنْهُ، فكذلك الزيادة؛ لأَنَّهُ عدل. ٢ - وَقِيلَ: لا تقبل الزيادة مطلقاً وهذا مَا نقل عن معظم الحنفية، وعزاه السمعاني لبعض أهل الحَدِيْث، وَقَالَ الشَّافِعيّ ((من تناقض القَوْل الجمع بَيْنَ قبول رِوَايَة القِرَاءة الشاذة في القُرْآن ورد الزيادة الَّتِي ينفرد بِهَا بَعْض الرواة، وحق القُرْآن أن ينقل تواتراً بخلاف الأخبار. وما كَانَ أصله التواتر وقبل فِيهِ زيادة الواحد، فلأن يقبل فِيهِ مَا سواه الآحاد أولى)) وحكاه الْقَاضِي عَبْد الوهاب (٢) عن أبي بَكْر الأبْهري وغيره من أصحابهم (٣). ٣ - وَقِيلَ: لا تقبل من الثِّقَة إذا كَانَتْ من جهته، أي أَنَّهُ رَواهُ ناقصاً ثُمَّ رَواهُ بالزيادة، وتقبل من غيره من الثِّقات، وَهُوَ قَوْل جَمَاعَة من الشافعية كَمَا حكاه الخطيب (٤). ٤ - ذهب ابن دقيق العيد إلى أَنَّهُ إذا اتحد المجلس فالقول للأكثر، سَوَاء كانوا رواة الزيادة أو غيرهم، تغليباً لجانب الكثرة فإنها عن الخطأ أبعد، فإن استووا قُدِّمَ الأحفظ والأضبط، فإن استووا قُدِّمَ المثبت عَلَى النافي، وَقِيلَ: النافي؛ لأن الأصل عدمها. والتحقيق أن الزيادة إن نافت المزيد عَلَيْهِ أحتج للترجيح لتعذر الجمع ... وإن لَمْ تنافه لَمْ يحتج إلى الترجيح، بَلْ يعمل بالزيادة إذا أثبتت كَمَا في المطلق والمقيد (٥). قَالَ أبو نصر بن الصباغ (٦): ((إذَا رَوَى خبراً واحداً راويان فذكر أحدهما زيادة في

стр. 317

خبره لَمْ يروها الآخر، نظرت فإن رويا ذَلِكَ عن مجلسين كَانَا خبرين وعمل بهما وإن رويا ذَلِكَ عن مجلس واحد فَهُوَ خبر واحد، فإن كَانَ الَّذِي نقل الزيادة واحداً والباقون جَمَاعَة لا يجوز عَلَيْهِمْ الوهم، سقطت الزيادة؛ لأَنَّهُ لايجوز أن يَسْمَع جَمَاعَة كلاماً واحداً فيحفظ الواحد ويهم الجماعة، وإن كَانَ الذين نقلوا الزيادة عدداً كبيراً، فالزيادة مقبولة، وإن كَانَ الَّذِي رَوَى الزيادة واحداً والذي سكت عَنْهَا واحداً أيضاً فإن كَانَ الَّذِي رَوَى الزيادة معروفاً بقلة الضَّبْط كَانَ مَا رَواهُ المعروف بالضبط أولى، وإن كَانَا ضابطين ثقتين كَانَ الأخذ بالزيادة)) (١). وَقَالَ الآمدي (٢): ((إن كَانَ من لَمْ يرو الزيادة قَدْ انتهوا إلى عدد لا يتصور في العادة غفلة مثلهم عن سَمَاع تِلْكَ الزيادة وفهمها، فَلاَ يخفى إن تطرق الغلط والسهو إلى واحد فِيْمَا نقله من الزيادة يَكُون أولى من تطرق ذَلِكَ إلى العدد المفروض فيجب ردها، وإن لَمْ ينتهوا إلى هَذَا الحد فَقَدْ اتفق جَمَاعَة الفُقَهَاء والمتكلمين عَلَى وجوب قبول الزيادة، خلافاً لجماعة من المُحَدِّثِيْنَ ولأحمد بن حَنْبَل في إحدى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ)) (٣). وذهب إلى هَذَا القَوْل ابن الحاجب (٤) والقرافي وغيرهما (٥)، وَقَالَ أبو الخطاب الكلوذاني: ((إن كَانَ ناقل الزيادة جَمَاعَة كثيرة فالزيادة مقبولة والواحد قَدْ وهم، وإن كَانَ راوي الزيادة واحداً وراوي النقصان واحداً قدّم أشهرهما بالحفظ والضَّبْط والثِّقَة، وإن كَانَا سواءً في جَمِيْع ذَلِكَ فذكر شَيْخُنَا (٦) عن أحمد رِوَايَتَيْنِ: أحدهما: أن الأخذ بالزيادة أولى، قَالَهُ في رِوَايَة أحمد بن قاسم والميموني (٧)، وبه قَالَ عامة الفُقَهَاء والمتكلمين. والأخرى الزيادة مطروحة. أومأ إليه في رِوَايَة المروذي وأبي طالب، وبه

стр. 318

قَالَ جَمَاعَة من أصحاب الحَدِيْث. وَلَيْسَ هذِهِ الرِّوَايَة في هذِهِ الصورة، وإنما قالها أحمد في جَمَاعَة رووا حديثاً انفرد أحدهم بزيادة، فرجح رِوَايَة الجماعة، فأما فِيْمَا ذكرنا من هذِهِ الصورة فَلاَ أعلم عَنْهُ مَا يدل عَلَى اطراح الزيادة)) (١). ٥ - إذَا كَانَت الزيادة تغير إعراب الباقي كانا متعارضين فتردُّ الزيادة، وَهُوَ مَاذهب إِليهِ الأكثرون كَمَا حكاه الهندي (٢)، وَقَالَ الرازي: ((الرواي الواحد إذَا رَوَى الزيادة مرة وَلَمْ يروها غَيْر تِلْكَ المرة، فإن أسندهما إلى مجلسين قبلت الزيادة، سَوَاء غيرت إعراب الباقي أو لَمْ تغير، وإن أسندهما إلى مجلس واحد، فالزيادة إن كَانَتْ مغيرة للإعراب تعارضت روايتاه كَمَا تعارضتا من راويين وإن لَمْ تغير الإعراب فإما أن تَكُون روايته للزيادة مرات أقل من مرات الإمساك أو بالعكس، أو يتساويان: فإن كَانَتْ مرات الزيادة أقل من مرات الإمساك: لَمْ تقبل الزيادة؛ لأن حمل الأقل عَلَى السهو أولى من حمل الأكثر عَلَيْهِ، اللهم إلا أن يَقُول الرَّاوِي: إني سهوت تِلْكَ المرات وتذكرت في هذِهِ المرة. فهنا يرجح المرجوح عَلَى الراجح لأجل هَذَا التصريح، وان كَانَتْ مرات الزيادة أكثر: قبلت لا محالة ... وأما أن يتساويا قبلت الزيادة لما بيّنا: أن هَذَا السهو أولى من ذَلِكَ. واللهُ أَعْلَمُ)) (٣). وقبلها الْقَاضِي عَبْد الجبار (٤) إذَا أثرت في المَعْنَى دُوْنَ اللفظ وَلَمْ يقبلها إذَا أثرت في إعراب اللفظ. (٥) ٦ - إنها لا تقبل إلا إذَا أفادت حكماً شرعياً فإذا لَمْ تفد حكماً شرعياً لَمْ تعتبر حكاه الْقَاضِي عَبْد الوهاب وحكاه ابن القشيري (٦)، فَقَالَ: ((وَقِيلَ: إنما تقبل إذَا اقتضت

стр. 319

فائدةً جديدةً)) (١). ٧ - إنها تقبل إذَا رجعت إلى لفظ لا يتضمن حكماً زائداً كَمَا حكاه ابن القشيري أو كَانَتْ في اللفظ دُوْنَ المَعْنَى كَمَا حكاه الْقَاضِي أبو بكر (٢). ٨ - الوقف؛ لأن في كُلّ واحد من الاحتمالات بعداً والأصل وإن كَانَ عدم الصدور، لَكِنْ الأصل أيضاً صدق الرَّاوِي. وَإِذَا تعارضا وجب التوقف. حكاه الهندي (٣). ٩ - إذَا كَانَ راوي الزيادة ثِقَة وَلَمْ يشتهر بنقل الزيادة ولكن كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى طريق الشذوذ قبلت كرواية مَالِك ((من المُسْلِمِيْنَ)) (٤) في صدقة الفطر، وإن اشتهر بكثرة الزيادات مَعَ اتحاد المجلس وَلَمْ يَكُنْ هناك امتياز بسماع فاختلفوا فِيهِ، فمذهب الأصوليين قبول زيادته، ومذهب المُحَدِّثِيْنَ ردها للتهمة. قَالَهُ أَبُو الحَسَن الأبياري (٥). ١٠ - قَالَ الْقَاضِي عَبْد الوهاب المالكي: ((إذَا انفرد بَعْض رواة الحَدِيْث بزيادة وخالفهم بقية الرواة، فعن مَالِك وأبي فرج من أصحابنا تقبل إن كَانَ ثِقَة ضابطاً (٦). وَقِيلَ: إنَّهَا تقبل إذَا كَانَ راويها حافظاً عالماً بالأخبار، فإذا لَمْ يَكُنْ يلحق من لَمْ يَرْوِ الزيادة بالحفظ لَمْ تقبل وَهُوَ قَوْل ابن خزيمة (٧). واشترط الْخَطِيْب (٨): أن يَكُون راوي الزيادة حافظاً متقناً، وَقَالَ الصَّيْرَفِيّ: ((إن كُلّ من لَوْ أنفرد بحديث يقبل، فإن زيادته مقبولة وإن خالف الحفاظ)) (٩). ١١ - قَالَ ابن حبان: ((وأما زيادة الألفاظ في الروايات فإنا لا نقبل شيئاً مِنْها إلا عمّن كَانَ الغالب عَلَيْهِ الفقه حَتَّى يعلم أَنَّهُ كَانَ يَرْوِي الشيء ويعلمه حَتَّى لا يشك فِيهِ أَنَّهُ أزاله عن سننه أو غيرّه عن معناه أم لا؛ لأن أصحاب الحَدِيْث الغالب عَلَيْهِمْ حفظ الأسامي والأسانيد دُوْنَ المتون، والفُقَهَاء الغالب عَلَيْهِمْ

стр. 320

حفظ المتون وأحكامها وأداؤها بالمعنى دُوْنَ حفظ الأسانيد وأسماء المُحَدِّثِيْنَ، فإذا رفع محدّث خبراً وَكَانَ الغالب عَلَيْهِ الفقه لَمْ أقبل رفعه إلا من كِتَابه؛ لأَنَّهُ لا يعلم المُسْنَد من المُرْسَل وَلاَ المَوْقُوْف من المُنْقَطِع وإنما همته إحكام المَتْن فَقَطْ، وَكَذَلِكَ لا أقبل عن صاحب حَدِيث حافظ متقن أتى بزيادة لفظة في الخبر؛ لأن الغالب عَلَيْهِ إحكام الإسناد وحفظ الأسامي والإغضاء عن المتون ومَا فِيْهَا من الألفاظ إلا من كتابه، هَذَا هُوَ الاحتياط في قبول الزيادات في الألفاظ)) (١). ١٢ - وَقَدْ ذهب الزَّرْكَشِيّ (٢) إلى أن الزيادة تقبل بشروط وَهِيَ: أ. أن لا تَكُون منافية لأصل الخبر. ب. أن لا تَكُون عظيمة الوقع بحيث لا يذهب عَلَى الحاضرين علمها ونقلها وأما مَا يجل خطره فبخلافه. ج. أن لا يكذبه الناقلون في نقل الزيادة. د. أن لا يُخَالِف الأحفظ والأكثر عدداً فإن خالف فظاهر كلام الشَّافِعيّ-﵀ في "الأم" (٣) إنَّهَا مردودة فَقَالَ: ((إنما يدل عَلَى غلط المحدّث أن يُخَالِف غيره مِمَّنْ هُوَ أحفظ مِنْهُ أو أكثر مِنْهُ)) (٤). وَقَدْ عقّب العلائي عَلَى كلام الشَّافِعيّ هَذَا بقوله: ((فأشار الشَّافِعيّ رَحْمةُ اللهِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ إلى أن هذِهِ الزيادة الَّتِي زادها مَالِك ﵀ في الحَدِيْث لَمْ يُخَالِف فِيْهَا من هُوَ أحفظ مِنْهُ وَلاَ أكثر عدداً فَلاَ يَكُون غلطاً، وَفِي ذَلِكَ إشارة ظاهرة إلى أن الزيادة متى تضمنت مخالفة الأحفظ والأكثر عدداً أَنَّهَا تَكُون مردودة، وَلَمْ يفرق بَيْنَ بلوغهم إلى حد يمتنع عَلَيْهِمْ الغفلة والذهول وبين غيره، بَل اعتبر مطلق الأكثرية الزيادة في الحفظ)) (٥). ١٣ - أما أئمة الحَدِيْث كيحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمان بن مهدي وعلي بن المديني وأحمد بن حَنْبَل، ويحيى بن معين، والبُخَارِيّ، والتِّرْمِذِي، والنَّسَائِيّ، وأبي حاتم، وأبي زرعة الرازيين، والدَّارَقُطْنِيّ، وغيرهم كُلّ هَؤُلاَء يَقْتَضِي
следующие страницы →