← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 1747

أثر اختلاف الأسانيد والمتون في اختلاف الفقهاء

ماهر الفحل

Полный текст (524 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وغيرهم (١) وذهبوا إلى أن الرَّاوِي إذا انفرد برواية خبر واحَد دُوْنَ الثقات قُبِلَ ذَلِكَ الخبر مِنْهُ، فكذلك الزيادة؛ لأَنَّهُ عدل. ٢ - وَقِيلَ: لا تقبل الزيادة مطلقاً وهذا مَا نقل عن معظم الحنفية، وعزاه السمعاني لبعض أهل الحَدِيْث، وَقَالَ الشَّافِعيّ ((من تناقض القَوْل الجمع بَيْنَ قبول رِوَايَة القِرَاءة الشاذة في القُرْآن ورد الزيادة الَّتِي ينفرد بِهَا بَعْض الرواة، وحق القُرْآن أن ينقل تواتراً بخلاف الأخبار. وما كَانَ أصله التواتر وقبل فِيهِ زيادة الواحد، فلأن يقبل فِيهِ مَا سواه الآحاد أولى)) وحكاه الْقَاضِي عَبْد الوهاب (٢) عن أبي بَكْر الأبْهري وغيره من أصحابهم (٣). ٣ - وَقِيلَ: لا تقبل من الثِّقَة إذا كَانَتْ من جهته، أي أَنَّهُ رَواهُ ناقصاً ثُمَّ رَواهُ بالزيادة، وتقبل من غيره من الثِّقات، وَهُوَ قَوْل جَمَاعَة من الشافعية كَمَا حكاه الخطيب (٤). ٤ - ذهب ابن دقيق العيد إلى أَنَّهُ إذا اتحد المجلس فالقول للأكثر، سَوَاء كانوا رواة الزيادة أو غيرهم، تغليباً لجانب الكثرة فإنها عن الخطأ أبعد، فإن استووا قُدِّمَ الأحفظ والأضبط، فإن استووا قُدِّمَ المثبت عَلَى النافي، وَقِيلَ: النافي؛ لأن الأصل عدمها. والتحقيق أن الزيادة إن نافت المزيد عَلَيْهِ أحتج للترجيح لتعذر الجمع ... وإن لَمْ تنافه لَمْ يحتج إلى الترجيح، بَلْ يعمل بالزيادة إذا أثبتت كَمَا في المطلق والمقيد (٥). قَالَ أبو نصر بن الصباغ (٦): ((إذَا رَوَى خبراً واحداً راويان فذكر أحدهما زيادة في

стр. 317

خبره لَمْ يروها الآخر، نظرت فإن رويا ذَلِكَ عن مجلسين كَانَا خبرين وعمل بهما وإن رويا ذَلِكَ عن مجلس واحد فَهُوَ خبر واحد، فإن كَانَ الَّذِي نقل الزيادة واحداً والباقون جَمَاعَة لا يجوز عَلَيْهِمْ الوهم، سقطت الزيادة؛ لأَنَّهُ لايجوز أن يَسْمَع جَمَاعَة كلاماً واحداً فيحفظ الواحد ويهم الجماعة، وإن كَانَ الذين نقلوا الزيادة عدداً كبيراً، فالزيادة مقبولة، وإن كَانَ الَّذِي رَوَى الزيادة واحداً والذي سكت عَنْهَا واحداً أيضاً فإن كَانَ الَّذِي رَوَى الزيادة معروفاً بقلة الضَّبْط كَانَ مَا رَواهُ المعروف بالضبط أولى، وإن كَانَا ضابطين ثقتين كَانَ الأخذ بالزيادة)) (١). وَقَالَ الآمدي (٢): ((إن كَانَ من لَمْ يرو الزيادة قَدْ انتهوا إلى عدد لا يتصور في العادة غفلة مثلهم عن سَمَاع تِلْكَ الزيادة وفهمها، فَلاَ يخفى إن تطرق الغلط والسهو إلى واحد فِيْمَا نقله من الزيادة يَكُون أولى من تطرق ذَلِكَ إلى العدد المفروض فيجب ردها، وإن لَمْ ينتهوا إلى هَذَا الحد فَقَدْ اتفق جَمَاعَة الفُقَهَاء والمتكلمين عَلَى وجوب قبول الزيادة، خلافاً لجماعة من المُحَدِّثِيْنَ ولأحمد بن حَنْبَل في إحدى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ)) (٣). وذهب إلى هَذَا القَوْل ابن الحاجب (٤) والقرافي وغيرهما (٥)، وَقَالَ أبو الخطاب الكلوذاني: ((إن كَانَ ناقل الزيادة جَمَاعَة كثيرة فالزيادة مقبولة والواحد قَدْ وهم، وإن كَانَ راوي الزيادة واحداً وراوي النقصان واحداً قدّم أشهرهما بالحفظ والضَّبْط والثِّقَة، وإن كَانَا سواءً في جَمِيْع ذَلِكَ فذكر شَيْخُنَا (٦) عن أحمد رِوَايَتَيْنِ: أحدهما: أن الأخذ بالزيادة أولى، قَالَهُ في رِوَايَة أحمد بن قاسم والميموني (٧)، وبه قَالَ عامة الفُقَهَاء والمتكلمين. والأخرى الزيادة مطروحة. أومأ إليه في رِوَايَة المروذي وأبي طالب، وبه

стр. 318

قَالَ جَمَاعَة من أصحاب الحَدِيْث. وَلَيْسَ هذِهِ الرِّوَايَة في هذِهِ الصورة، وإنما قالها أحمد في جَمَاعَة رووا حديثاً انفرد أحدهم بزيادة، فرجح رِوَايَة الجماعة، فأما فِيْمَا ذكرنا من هذِهِ الصورة فَلاَ أعلم عَنْهُ مَا يدل عَلَى اطراح الزيادة)) (١). ٥ - إذَا كَانَت الزيادة تغير إعراب الباقي كانا متعارضين فتردُّ الزيادة، وَهُوَ مَاذهب إِليهِ الأكثرون كَمَا حكاه الهندي (٢)، وَقَالَ الرازي: ((الرواي الواحد إذَا رَوَى الزيادة مرة وَلَمْ يروها غَيْر تِلْكَ المرة، فإن أسندهما إلى مجلسين قبلت الزيادة، سَوَاء غيرت إعراب الباقي أو لَمْ تغير، وإن أسندهما إلى مجلس واحد، فالزيادة إن كَانَتْ مغيرة للإعراب تعارضت روايتاه كَمَا تعارضتا من راويين وإن لَمْ تغير الإعراب فإما أن تَكُون روايته للزيادة مرات أقل من مرات الإمساك أو بالعكس، أو يتساويان: فإن كَانَتْ مرات الزيادة أقل من مرات الإمساك: لَمْ تقبل الزيادة؛ لأن حمل الأقل عَلَى السهو أولى من حمل الأكثر عَلَيْهِ، اللهم إلا أن يَقُول الرَّاوِي: إني سهوت تِلْكَ المرات وتذكرت في هذِهِ المرة. فهنا يرجح المرجوح عَلَى الراجح لأجل هَذَا التصريح، وان كَانَتْ مرات الزيادة أكثر: قبلت لا محالة ... وأما أن يتساويا قبلت الزيادة لما بيّنا: أن هَذَا السهو أولى من ذَلِكَ. واللهُ أَعْلَمُ)) (٣). وقبلها الْقَاضِي عَبْد الجبار (٤) إذَا أثرت في المَعْنَى دُوْنَ اللفظ وَلَمْ يقبلها إذَا أثرت في إعراب اللفظ. (٥) ٦ - إنها لا تقبل إلا إذَا أفادت حكماً شرعياً فإذا لَمْ تفد حكماً شرعياً لَمْ تعتبر حكاه الْقَاضِي عَبْد الوهاب وحكاه ابن القشيري (٦)، فَقَالَ: ((وَقِيلَ: إنما تقبل إذَا اقتضت

стр. 319

فائدةً جديدةً)) (١). ٧ - إنها تقبل إذَا رجعت إلى لفظ لا يتضمن حكماً زائداً كَمَا حكاه ابن القشيري أو كَانَتْ في اللفظ دُوْنَ المَعْنَى كَمَا حكاه الْقَاضِي أبو بكر (٢). ٨ - الوقف؛ لأن في كُلّ واحد من الاحتمالات بعداً والأصل وإن كَانَ عدم الصدور، لَكِنْ الأصل أيضاً صدق الرَّاوِي. وَإِذَا تعارضا وجب التوقف. حكاه الهندي (٣). ٩ - إذَا كَانَ راوي الزيادة ثِقَة وَلَمْ يشتهر بنقل الزيادة ولكن كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى طريق الشذوذ قبلت كرواية مَالِك ((من المُسْلِمِيْنَ)) (٤) في صدقة الفطر، وإن اشتهر بكثرة الزيادات مَعَ اتحاد المجلس وَلَمْ يَكُنْ هناك امتياز بسماع فاختلفوا فِيهِ، فمذهب الأصوليين قبول زيادته، ومذهب المُحَدِّثِيْنَ ردها للتهمة. قَالَهُ أَبُو الحَسَن الأبياري (٥). ١٠ - قَالَ الْقَاضِي عَبْد الوهاب المالكي: ((إذَا انفرد بَعْض رواة الحَدِيْث بزيادة وخالفهم بقية الرواة، فعن مَالِك وأبي فرج من أصحابنا تقبل إن كَانَ ثِقَة ضابطاً (٦). وَقِيلَ: إنَّهَا تقبل إذَا كَانَ راويها حافظاً عالماً بالأخبار، فإذا لَمْ يَكُنْ يلحق من لَمْ يَرْوِ الزيادة بالحفظ لَمْ تقبل وَهُوَ قَوْل ابن خزيمة (٧). واشترط الْخَطِيْب (٨): أن يَكُون راوي الزيادة حافظاً متقناً، وَقَالَ الصَّيْرَفِيّ: ((إن كُلّ من لَوْ أنفرد بحديث يقبل، فإن زيادته مقبولة وإن خالف الحفاظ)) (٩). ١١ - قَالَ ابن حبان: ((وأما زيادة الألفاظ في الروايات فإنا لا نقبل شيئاً مِنْها إلا عمّن كَانَ الغالب عَلَيْهِ الفقه حَتَّى يعلم أَنَّهُ كَانَ يَرْوِي الشيء ويعلمه حَتَّى لا يشك فِيهِ أَنَّهُ أزاله عن سننه أو غيرّه عن معناه أم لا؛ لأن أصحاب الحَدِيْث الغالب عَلَيْهِمْ حفظ الأسامي والأسانيد دُوْنَ المتون، والفُقَهَاء الغالب عَلَيْهِمْ

стр. 320

حفظ المتون وأحكامها وأداؤها بالمعنى دُوْنَ حفظ الأسانيد وأسماء المُحَدِّثِيْنَ، فإذا رفع محدّث خبراً وَكَانَ الغالب عَلَيْهِ الفقه لَمْ أقبل رفعه إلا من كِتَابه؛ لأَنَّهُ لا يعلم المُسْنَد من المُرْسَل وَلاَ المَوْقُوْف من المُنْقَطِع وإنما همته إحكام المَتْن فَقَطْ، وَكَذَلِكَ لا أقبل عن صاحب حَدِيث حافظ متقن أتى بزيادة لفظة في الخبر؛ لأن الغالب عَلَيْهِ إحكام الإسناد وحفظ الأسامي والإغضاء عن المتون ومَا فِيْهَا من الألفاظ إلا من كتابه، هَذَا هُوَ الاحتياط في قبول الزيادات في الألفاظ)) (١). ١٢ - وَقَدْ ذهب الزَّرْكَشِيّ (٢) إلى أن الزيادة تقبل بشروط وَهِيَ: أ. أن لا تَكُون منافية لأصل الخبر. ب. أن لا تَكُون عظيمة الوقع بحيث لا يذهب عَلَى الحاضرين علمها ونقلها وأما مَا يجل خطره فبخلافه. ج. أن لا يكذبه الناقلون في نقل الزيادة. د. أن لا يُخَالِف الأحفظ والأكثر عدداً فإن خالف فظاهر كلام الشَّافِعيّ-﵀ في "الأم" (٣) إنَّهَا مردودة فَقَالَ: ((إنما يدل عَلَى غلط المحدّث أن يُخَالِف غيره مِمَّنْ هُوَ أحفظ مِنْهُ أو أكثر مِنْهُ)) (٤). وَقَدْ عقّب العلائي عَلَى كلام الشَّافِعيّ هَذَا بقوله: ((فأشار الشَّافِعيّ رَحْمةُ اللهِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ إلى أن هذِهِ الزيادة الَّتِي زادها مَالِك ﵀ في الحَدِيْث لَمْ يُخَالِف فِيْهَا من هُوَ أحفظ مِنْهُ وَلاَ أكثر عدداً فَلاَ يَكُون غلطاً، وَفِي ذَلِكَ إشارة ظاهرة إلى أن الزيادة متى تضمنت مخالفة الأحفظ والأكثر عدداً أَنَّهَا تَكُون مردودة، وَلَمْ يفرق بَيْنَ بلوغهم إلى حد يمتنع عَلَيْهِمْ الغفلة والذهول وبين غيره، بَل اعتبر مطلق الأكثرية الزيادة في الحفظ)) (٥). ١٣ - أما أئمة الحَدِيْث كيحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمان بن مهدي وعلي بن المديني وأحمد بن حَنْبَل، ويحيى بن معين، والبُخَارِيّ، والتِّرْمِذِي، والنَّسَائِيّ، وأبي حاتم، وأبي زرعة الرازيين، والدَّارَقُطْنِيّ، وغيرهم كُلّ هَؤُلاَء يَقْتَضِي

стр. 321

تصرفهم من الزيادة قبولاً ورداً الترجيح بالنسبة إلى مَا يقوى عِنْدَ الواحد مِنْهُمْ في كُلّ حَدِيث، وَلاَ يحكمون في المسألة بحكم كلي يعم جَمِيْع الأحاديث (١). من هَذَا العرض يتبين أن كثيراً من الفُقَهَاء والأصوليين وفريقاً من المُحَدِّثِيْنَ قَدْ أطلقوا القَوْل بقبول زيادة الثِّقَة وجنحوا لِذلِكَ في كَثِيْر من الأحيان، والمرجوع إليه في مِثْل هذِهِ الأمور المُحَدِّثُوْنَ لا غيرهم، فَقَدْ كَانَ المُحَدِّثُوْنَ يحكمون عَلَى كُلّ رِوَايَة بما يناسبها، وهم المعوّل عَلَيْهِمْ في مَعْرِفَة أحكام زيادة الثِّقَة، فيجب الرجوع إليهم وحدهم لكونها من ضمن تخصصاتهم النقدية، وليست هِيَ من تخصصات غيرهم. ونظر المُحَدِّثِيْنَ يختلف في الحكم عَلَى الأحاديث؛ إِذْ إن زيادة الثِّقَة عندهم مِنْهَا ما هُوَ مقبول، ومنها مَا هُوَ مردود تبعاً للقرائن المحيطة بِهَا، والقرائن هِيَ الَّتِي تجعل الحكم مختلفاً من حَدِيْث لآخر فمن القرائن مَا يدل عَلَى أن الزيادة تَكُون أحياناً مدرجة في الحَدِيْث، أو أَنَّهَا من قَوْل أحد رُوَاة الإسناد أو من حَدِيث آخر. قَالَ الحَافِظ ابن حجر: ((مَا تفرد بَعْض الرُّوَاة بزيادة فِيهِ دُوْنَ من هُوَ أكثر عدداً أو اضبط مِمَّنْ لَمْ يذكرها، فهذا يؤثر التعليل بِهِ، إلا إن كَانَتْ الزيادة منافية بِحَيْثُ يتعذر الجمع. أما إن كَانَتِ الزيادة لا منافاة فِيْهَا بِحَيْثُ تَكُون كالحديث المستقل فَلاَ، اللَّهُمَّ إلا إن وضح بالدلائل القوية أن تِلْكَ الزيادة مدرجة في المَتْن من كلام بَعْض رواته، فما كَانَ من هَذَا القِسْم فَهُوَ مؤثر)) (٢). وربما تَكُون الزيادة غَيْر صَحِيْحَة لأمر آخر رُبَّمَا لا يفصح عَنْهُ المحدّث كَمَا لا يستطيع أنْ يفصح الجوهري عن زيف الزائف (٣). وربما قبل المُحَدِّثُوْنَ الزيادة الواقعة في بَعْض المتون أو الأسانيد لقرائن تخص ذَلِكَ ومرجحات خَاصَّة، وَهِيَ كثيرة، قَالَ العلائي: ((ووجوه الترجيح كثيرة لا تنحصر، وَلاَ ضابط لَهَا بالنسبة إلى جَمِيْع الأحاديث، بَلْ كُلّ حَدِيث يقوم بِهِ ترجيح خاص. وإنما ينهض بِذَلِكَ الممارس الفطن الَّذِي أكثر من الطرق والروايات؛ ولهذا لَمْ يحكم المتقدمون في هَذَا المقام بحكم كلي يشمل القاعدة، بَلْ يختلف نظرهم بحسب مَا يقوم عندهم في كُلّ حَدِيث بمفرده)) (٤). وَقَدْ توهم من ظن أنَّ النقاد موقفهم واحدٌ في كُلّ الزيادات؛ إِذْ إن النقاد إذَا كانوا

стр. 322

قَدْ نصوا في بَعْض المناسبات عَلَى قبول زيادة الثِّقَة أو الأوثق، بحيث يخيل إلى القارئ المتعجل أن موقفهم في ذَلِكَ هُوَ القبول المطلق، فَهُوَ تخيل غَيْر صَحِيْح، إِذْ إن عمل النقاد النقدي المتمثل في رد الزيادة مرة وقبولها أخرى بغض النظر عن حال الرَّاوِي الثِّقَة أو الأوثق يَكُون ذَلِكَ كافياً للتفسير بأن ذَلِكَ لَيْسَ حكماً مطرداً مِنْهُمْ، وإنما قبلوا في حال الرَّاوِي الثِّقَة الَّذِي زاد في الحَدِيْث زيادة بَعْدَ تأكدهم من سلامته من جَمِيْع الملابسات الدالة عَلَى احتمال الخطأ والوهم أو النسيان، ويؤكد هَذَا المَعْنَى الحَاكِم النيسابوري قائلاً: ((الحجة فِيهِ عندنا الحفظ والفهم والمَعْرِفَة لا غَيْر)) (١). لَكِن الخطيب البغدادي - فِيْمَا أعلم - هُوَ أول المُحَدِّثِيْنَ في النقل عن الْجُمْهُور بقبول زيادة الثِّقَة ورجح ذَلِكَ فَقَالَ: ((والَّذِي نختاره من هذِهِ الأقوال: أن الزيادة الواردة مقبولة عَلَى كُلّ حال معمول بِهَا إذَا كَانَ راويها عدلاً ومتقناً ضابطاً)) (٢). وَقَدْ ناقشه ابن رجب الحنبلي فِيْمَا استدل بِهِ فَقَالَ: ((وذكر في الكفاية حكاية عن البُخَارِيّ: أَنَّهُ سُئل عن حَدِيث أبي إسحاق (٣) في النكاح بلا ولي (٤) -قَالَ: الزيادة من

стр. 323

....................................................

стр. 324

.....................................................

стр. 325

الثقة مقبولة وإسرائيل (١) ثِقَة. وهذه الحكاية - إن صحت - فإن مراده الزيادة في هَذَا الحَدِيْث، وإلا فمن تأمل كِتَاب "تأريخ البُخَارِيّ" (٢) تبين لَهُ قطعاً أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يرى أن

стр. 326

زيادة كُلّ ثِقَة في الإسناد مقبولة، وهكذا الدَّارَقُطْنِيّ يذكر في بَعْض المواضع: ((أن الزيادة من الثِّقَة مقبولة))، ثُمَّ يرد في أكثر (١) المواضع زياداتٍ كثيرةٍ من الثِّقات، ويرجح الإرسال عَلَى الإسناد (٢)، فدل عَلَى أن مرادهم زيادة الثِّقَة في مِثْل تِلْكَ المواضع الخاصة، وَهِيَ إذَا كَانَ الثِّقَة مبرزاً في الحفظ)) (٣) وهذا الكلام تحقيق جدٌ لصنيع جهابذة المُحَدِّثِيْنَ في الحكم عَلَى زيادة الثِّقَة؛ إِذْ أن الَّذِي ينظر في صنيع الأئمة السابقين والمختصين في هَذَا الشأن يراهم لا يقبلونها مطلقاً وَلاَ يردونها مطلقاً، بَلْ مرجع ذَلِكَ عندهم إِلَى القرائن والترجيح: فتقبل تارة وترد أخرى. ويتوقف فِيْها أحياناً؛ قَالَ الحافظ ابن حجر: ((والمنقول عن أئمة الحَدِيْث المتقدمين - كعبد الرحمان بن مهدي، ويحيى القطان، وأحمد بن حَنْبَل، ويَحْيَى بن معين، وعَلِيّ بن المديني، والبُخَارِيّ، وأَبِي زرعة، وأَبِي حاتم، والنَّسَائِيّ، والدَّارَقُطْنِيّ وغيرهم - اعتبار الترجيح فِيْمَا يتعلق بالزيادة وغيرها، وَلاَ يعرف عن أحد مِنْهُمْ إطلاق قبول الزيادة)) (٤). وهذا هُوَ الصَّوَاب وَهُوَ الرأي المختار المتوسط الَّذِي هُوَ بَيْنَ القبول والرد، فيكون حكم الزيادة حسب القرائن المحيطة بِهَا حسب مَا يبدو للناقد العارف بعلل الحَدِيْث وأسانيده وأحوال الرواة بَعْدَ النظر في ذَلِكَ أما الجزم بوجه من الوجوه من غَيْر نظر إلى عمل النقاد فذلك فِيهِ مجازفة كبيرة، قَالَ الزيلعي: ((من الناس من يقبل الزيادة مطلقاً، ومنهم من لا يقبلها، والصَّحِيح التفصيل، وَهُوَ أَنَّهَا تقبل في مَوْضِع دُوْنَ موضع، فتقبل إذَا كَانَ الرَّاوِي الَّذِي رواها ثِقَة حافظاً ثبتاً والَّذِي لَمْ يذكرها مِثْلَهُ أو دونه في الثِّقَة ... ، وتقبل في مَوْضِع آخر لقرائن تخصها، ومن حكم في ذَلِكَ حكماً عاماً فَقَدْ غلط، بَلْ كُلّ زيادة لَهَا حكم يخصها)) (٥).

стр. 327

المطلب الرابع نماذج من زيادة الثِّقَة، وأثرها في اختلاف الفُقَهَاء النموذج الأول مَثَّل ابن الصَّلاح لزيادة الثِّقَة بمثالين الأول:- قَالَ ابن الصَّلاح-: ((مثاله مَا رَواهُ مَالِك، عن نافع، عن ابن عمر: أن رَسُوْل الله ﷺ فرض زكاة الفطر من رمضان عَلَى كُلِّ حرٍ أو عَبْد، ذكر أو أنثى من المسلمين فذكر أبو عيسى الترمذي أن مالكاً تفرد من بَيْنَ الثِّقات بزيادة قوله: ((من المُسْلِمِيْنَ)) (١) وروى عبيد الله بن عُمَر، وأيوب، وغيرهما هَذَا الحَدِيْث، عن نافع، عن ابن عُمَر دُوْنَ هذِهِ الزيادة)) (٢). ورغم أن لفظة: ((من المُسْلِمِيْنَ)) لا تندرج تَحْتَ مَوْضُوْع

стр. 328

...................................................

стр. 329

.................................................

стр. 330

زيادة الثِّقَة، وإنما ذكرناها لأن ابن الصَّلاح مَثّل بِهَا، فهي لا تخلو من أثر الفقه الإسلامي، وسأشرح ذَلِكَ. أثر الحَدِيْث في اختلاف الفُقَهَاء حكم دفع صدقة الفطر عن الكافر اختلف الفُقَهَاء ﵏ أيجب عَلَى المُسْلِم أداء زكاة الفطر عمن تلزمه نفقته كزوجة أو مملوك أو قريب إذَا كانوا غَيْر مسلمين أم لا؟ القَوْل الأول: لا يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ وإِلَيْهِ ذهب مَالِك (١) والشافعي (٢) وأحمد (٣) والزيدية (٤) وَهُوَ الْمَرْوِيّ عن عَلِيّ (٥) وجابر (٦) والحَسَن (٧) وأَبِي ثور (٨) وسعيد بن المسيب (٩) ودليلهم حَدِيث ابن عُمَر ﵁: ((أن رَسُوْل الله ﷺ فرض زكاة الفطر من رَمَضَان عَلَى كُلّ حر أو عَبْد ذَكَرَ أو أنثى من المُسْلِمِيْنَ)) (١٠).

стр. 331

وجه الدلالة: وَهُوَ أن زيادة: ((من المُسْلِمِيْنَ)) خصصت صدقة الفطر الواجبة فهي تجب عَلَى المسلمين لا غَيْر. القَوْل الثَّانِي: يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ وإليه ذهب أبو حَنِيْفَةَ (١) والظاهرية (٢) وَهُوَ المروي عن ابن عَبَّاس (٣) وأبي هُرَيْرَة (٤) وابن عُمَر (٥) وعمر بن عَبْد العزيز (٦) وعطاء (٧) وإِبْرَاهِيم النخعي (٨) وسفيان الثوري (٩) وإسحاق (١٠) وابن المبارك (١١). ودليلهم مَا روي عن عَبْد الله بن ثعلبة (١٢) قَالَ: خطب رَسُوْل الله ﷺ الناس قَبْلَ الفطر بيوم أو يومين، فَقَالَ: ((أدوا صاعاً من بر أو قمح بَيْنَ اثنين أو صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير، عن كُلّ حر وعَبْد، وصغير وكبير)) (١٣). ووجه الدلالة أن النَّبيّ ﷺ أمر بإخراج الصدقة عن العبد من غَيْر أن يفرق بَيْنَ مُسْلِم وغيره. وأجيب بأن إطلاق حَدِيث عَبْد الله بن ثعلبة مُقَيَّد بحديث عَبْد الله بن عُمَر فَقَدْ جاء عن البُخَارِيّ مُقَيَّداً بقوله: (من المسلمين). واستدلوا بما روي عن ابن عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُوْل الله ﷺ : ((صدقة الفطر عن كُلّ صغير وكبير، ذكر وأنثى يهودي أو نصراني، حر أو مملوك، نصف صاع من بر أو

стр. 332

صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير)) (١) قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: ((سلام الطويل متروك الحَدِيْث، وَلَمْ يسنده غيره)). قُلْتُ: لذا فحديث ابن عَبَّاس غَيْر صالح للاحتجاج به (٢). المثال الثَّانِي: -قَالَ ابن الصَّلاح-: ((ومن أمثلة ذَلِكَ: حَدِيث: ((جعلت لَنَا الأرض مسجداً وجعلت ترتبتها لَنَا طهوراً)) (٣) فهذه الزيادة تفرد بِهَا أبو مَالِك: سعد بن طارق الأشجعي (٤)، وسائر الروايات لفظها: ((وجعلت لَنَا الأرض مسجداً وطهوراً)) (٥) فهذا وما

стр. 333

أشبهه يُشبهُ القِسْم الأول من حَيْثُ إن مَا رَواهُ الجماعة عام وما رَواهُ المنفرد بالزيادة مخصوص، وَفِي ذَلِكَ مغايرة في الصفة ونوع من المخالفة يختلف بِهَا الحكم، ويشبه أيضاً القِسْم الثَّانِي من حَيْثُ إنه لا منافاة بَيْنَهُمَا)) (١). وهذا من الحافظ ابن الصَّلاح نظر دقيق وعميق إذَ لَيْسَ في الحَدِيْث زيادة ذكرها راوٍ لَمْ يذكرها بقية الرواة عن نَفْس المدار واتحاد المخرج. إذ إن أبا مَالِك قَدْ تفرد بجملة الحَدِيْث عن ربعي، وتفرد ربعي (٢) عن حذيفة بِهِ، إلا أن في هَذَا الحَدِيْث زيادة عَلَى مَا ذكر في أحاديث أخر عن صحابة آخرين وللحافظ ابن حجر تعقيب عَلَى صنيع ابن الصَّلاح فَقَدْ قَالَ: ((هَذَا التمثيل لَيْسَ بمستقيم أيضاً؛ لأن أبا مَالِك قَدْ تفرد بجملة الحَدِيْث عن ربعي بن حراش ﵁ كَمَا تفرد برواية جملته ربعي عن حذيفة ﵁. فإن أراد أن لفظة (تربتها) زائدة في هَذَا الحَدِيْث عَلَى باقي الأحاديث في الجملة، فإنه يرد عَلَيْهِ: أَنَّهَا في حَدِيث عَلِيّ ﵁ أيضاً ... وإن أراد: أن أبا مَالِك تفرد بِهَا، وأن رفقته عن ربعي ﵁ لَمْ يذكروها كَمَا هُوَ ظاهر كلامه، فليس بصحيح)) (٣). ومع مراد ابن الصَّلاح أياً كَانَ فإن لهذا الحَدِيْث وزيادته أثراً في الفقه الإسلامي. اختلف الفُقَهَاء فِيْمَا يجوز بِهِ التيمم عَلَى قولين: ١ - لا يصح إلا بتراب لَهُ غبار يعلق باليد، وبهذا قَالَ ابن عَبَّاس (٤)، والشَّافِعيّ (٥)، وأحمد (٦)، وإسحاق (٧)، وأبو يوسف (٨)،

стр. 334

وابن المنذر (١)، ودَاوُد (٢)، والزيدية (٣). وروي عن ابن عَبَّاس، وإسحاق اشتراط أن يَكُون التراب عذباً (٤). ٢ - يجوز التيمم بكل ماكان من جنس الأرض: وبهذا قَالَ حماد بن سليمان (٥)، وأبو حَنِيْفَة (٦)، ومُحَمَّد (٧)، ويحيى بن سعيد (٨)، وَقَالَ مَالِك: يجوز بكل مَا كَانَ وجه الأرض (٩). وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْرِيّ: إن كَانَ في ثوبك أو سرجك أو بردعتك تراب أو عَلَى شجر فتيمم بهِ (١٠). ٣ - يصح حَتَّى بالثلج: وبه قَالَ كُلّ من مَالِك (١١)، والأوزاعي (١٢)، والثَّوْرِيّ (١٣)، وَفِي رِوَايَة عن مَالِك يصح بكل مَا كَانَ متصلاً بالأرض من النبات (١٤). ٤ - يجوز التيمم بالرمل: وَهُوَ رِوَايَة عن الشَّافِعيّ (١٥)، وأبي يوسف (١٦)، وأحمد (١٧)، والأوزاعي (١٨)، وأبي ثور (١٩). ٥ - ومذهب ابن حزم أن الأرض قسمان تراب وغير تراب فأما التراب فالتيمم بِهِ جائز إن كَانَ في موضعه من الأرض أما غَيْر التراب من الحصى أو الصفا أو

стр. 335

الرخام أو الرمل أو الزرنيخ أو الجص أو الثلج فإن كَانَ في الأرض غَيْر مزال عَنْهَا إلى شيء آخر فجائز التيمم بِهِ وإن كَانَ مزالاً عَنْهَا فَلاَ يجوز التيمم به (١). مثال آخر للزيادة المقبولة بسبب كثرة الرواة رَوَى عَبْد الأعلى (٢)، عن عبيد الله (٣) بن عُمَر، عن نافع أن عَبْد الله بن عُمَر كَانَ إذَا دخل في الصَّلاَة كبر ورفع يديه، وإذَا ركع رفع يديه، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ الله لِمَنْ حمده رفع يديه، وَإِذَا قام من الركعتين رفع يديه، رفع (٤) ذَلِكَ ابن عُمَر إلى النَّبيّ ﷺ . هكذا رَواهُ الإِمَام البُخَارِيّ (٥) وابن حزم (٦) من طريق عياش (٧)، وأبو دَاوُد (٨)، والبيهقي (٩) من طريق نصر بن عَلِيّ (١٠)، والبيهقي (١١)، والبغوي (١٢) من طريق إسماعيل بن بشر بن مَنْصُوْر (١٣)؛ ثلاثتهم (عياش، ونصر بن عَلِيّ، وإسماعيل بن بشر) رووه عن عَبْد الأعلى من هَذَا الوجه. وَقَدْ خولف عَبْد الأعلى في هَذَا الحَدِيْث مرتين: خولف في رفعه وخولف بذكر

стр. 336

زيادة: ((وَإِذَا قام من الركعتين رفع يديه)) (١). فَقَدْ خالفه عَبْد الله بن إدريس (٢) وعَبْد الوهاب الثقفي (٣)، والمعتمر بن سليمان (٤) فرووه عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عُمَر موقوفاً. وَقَدْ خولف عَبْد الأعلى لعدم ذكر الزيادة خالفه الإِمَام مَالِك (٥) فرواه عن نافع، عن ابن عُمَر موقوفاً، بدون ذكر الزيادة. وخالفه أيضاً حماد بن سلمة (٦) وإبراهيم بن طهمان (٧) فروياه عن أيوب السختياني، ورواه ابن طهمان عن موسى بن عُقْبَة (٨). ورواه صالح بن كيسان (٩)؛ ثلاثتهم (أيوب، وموسى، وصالح)، عن نافع، عن ابن

стр. 337

عُمَر مرفوعاً، بدون ذكر الزيادة. إلا أن عَبْد الأعلى لَمْ ينفرد بالحديث، فَقَدْ توبع عَلَيْهِ متابعات تامة ونازلة، تابعه عَلَى الرفع والزيادة محارب بن دثار (١) فرواه عن عَبْد الله بن عُمَر. وتوبع عَلَى ذكر الزيادة أيضاً، لَكِنْ من طرق موقوفة عَلَى ابن عُمَر، تابعه ابن جريج (٢)، والليث بن سعد (٣) متابعة نازلة عن نافع إلا أنهم رووه موقوفاً. وَقَدْ توبع عَبْد الأعلى بذكر الزيادة والرفع فرواه معتمر بن سليمان (٤)، عن عبيد الله بن عَبْد الله، عن الزُّهْرِيّ، عن سالم، عن ابن عُمَر، بِهِ. وعبد الوهاب الثقفي (٥)، عن عبيد الله، عن الزُّهْرِيّ، عن نافع، عن ابن عمر، بِهِ. ثُمَّ إن لحديث عَبْد الأعلى بزيادته شواهد من حَدِيث أبي حميد الساعدي (٦)، والإِمَام

стр. 338

عَلِيّ (١)، وأبي هُرَيْرَةَ (٢). وهناك شاهد أخرجه أبو داود (٣)، قَالَ: حَدَّثَنَا قتيبة بن سعيد، قَالَ: حَدَّثَنَا ابن لهيعة، عن أبي هبيرة (٤)، عن ميمون المكي (٥)، أَنَّهُ رأى عَبْد الله بن الزُّبَيْر وصلى بهم يشير بكفيه حِيْنَ يقوم، وحين يركع، وحين يسجد، وحين ينهض للقيام، فيقوم فيشير بيديه، فانطلقت إلى ابن عَبَّاس فقلت: إني رأيت ابن الزُّبَيْر صلى صلاة لَمْ أر أحداً يصليها، فوصفت لَهُ هذِهِ الإشارة، فَقَالَ: إن أحببت أن تنظر إلى صلاة رَسُوْل الله ﷺ فاقتد بصلاة عَبْد الله بن الزُّبَيْر. وابن لهيعة وإن كَانَ فِيهِ مقال، إلا أن رِوَايَة قتيبة بن سعيد عَنْهُ جيدة، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الإمام المبجل أحمد بن حَنْبَل (٦). وَقَدْ اعترض عَلَى هَذَا الحَدِيْث صاحب عون المعبود فَقَالَ: ((هَذَا يدل عَلَى مشروعية الرفع عِنْدَ القيام من السجود، لَكِنَّهُ مَعَ ضعفه معارض بحديث ابن عُمَر المروي في صَحِيْح البُخَارِيّ، وفيه: ((ولايفعل ذَلِكَ حِيْنَ يسجد وَلاَ حِيْنَ يرفع رأسه من السجود)))) (٧). لَكِن الَّذِي يبدو لي: أن لا معارضة بَيْنَ الحديثين فيحمل حَدِيث ابن الزُّبَيْر عَلَى العموم، وحديث ابن عُمَر مخصص لَهُ فخرج من العموم إلى الخصوص، وهذا أولى من ادعاء التعارض.

стр. 339

أثر هَذَا الحَدِيْث في اختلاف الفُقَهَاء حكم رفع اليدين في الصَّلاَة هناك مواضع متعددة ترفع فِيْهَا الأيدي في الصَّلاَة حصل بَيْنَ العُلَمَاء خِلاَف كبير في مشروعيتها، وسأبحث هَذَا في مسائل: المسألة الأولى: رفع اليدين عِنْدَ الركوع وعند الرفع مِنْهُ اختلف الفُقَهَاء في هَذَا عَلَى قولين: القَوْل الأول: تُرْفَعُ اليدان عِنْدَ الركوع وعِنْدَ الرفع مِنْهُ. وَهُوَ قَوْل أبي بَكْر، وعمر، وعلي، وأنس، وأبي سعيد الخُدْرِيّ، وجابر بن عَبْد الله، وابن عَبَّاس، وأبي هُرَيْرَة، وأبي موسى الأشعري، وابن عُمَر، وعبد الله بن عَمْرو، ووائل بن حُجر، وأبي قتادة الأنصاري، وأَبِي الدرداء، وسهل بن سعد، وأبي أسيد، ومالك بن الحويرث، ومحمد بن مسلمة، وعَبْد الله بن الزُّبَيْر، وعقبة بن عامر، وعبد الله بن جابر البياضي، وأم الدرداء، وأَبِي حميد الساعدي، وأبي قلابة، وابن الزُّبَيْر، والحَسَن البصري، وابن عينية، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، ونافع، وسالم بن عَبْد الله، وسعيد بن جبير، وعبيد الله بن عُمَر، وقتادة، ومكحول، وابن سيرين، والليث بن سعد، والقاسم بن مُحَمَّد، وعَبْد الله بن المبارك، وأصحابه وهم (عَلِيّ بن حسين، وعبد الله بن عُمَر، ويَحْيَى بن يَحْيَى)، والأوزاعي، وعمر بن عَبْد العزيز، وإسحاق، وأبي ثور، والنُّعْمَان بن أبي عياش، وعبد الله بن دينار، وابن أبي نجيح، والحَسَن بن مُسْلِم، وقيس بن سعد، وعلي بن عَبْد الله، وهشام بن الحَسَن، ومعتمر بن سليمان، ومحمد بن جرير الطبري، وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي، ويحيى القطان، وعَبْد الرحمان بن مهدي، وإسماعيل بن عُلية، وعُمَر بن هارون، والنضر بن شميل، والحميدي، والبُخَارِيّ، ومحدثي أهل بخارى وهم (عيسى بن موسى، وكعب بن سعيد، ومحمد بن سلام، وعَبْد الله بن مُحَمَّد المسندي)، وجرير بن عَبْد الحميد، وابن وهب، ومحمد بن نصر المروزي، وعَبْد الرحمان بن سابط، والربيع، ومُحَمَّد بن نمير، ويَحْيَى بن معين، وعَلِيّ بن المديني، وابني عَبْد الله بن عَبْد الحكم (١) وإليه ذهب الشَّافِعيّ (٢)

стр. 340

وأحمد (١) وابن حزم (٢) وَهُوَ رِوَايَة عن مَالِك (٣) واستدلوا بحديث ابن عُمَر المتقدم (٤). قَالَ الشَّافِعيّ: ((وَقَدْ رَوَى هَذَا سوى ابن عُمَر اثنا عشر رجلاً عن النَّبيّ ﷺ )) (٥). وذكر العراقي أَنَّهُ مرويٌ عن رَسُوْل الله ﷺ من حَدِيث خمسين صحابياً (٦). القَوْل الثَّانِي: لا ترفع اليدان عِنْدَ الركوع وعِنْدَ الرفع مِنْهُ، وإنما ترفعان عِنْدَ تكبيرة الإحرام فَقَطْ. وَهُوَ قَوْل أبي بَكْر في رِوَايَة، وعمر في رِوَايَة، وعلي، وابن مَسْعُود، وابن عُمَر في رِوَايَة، وابن عَبَّاس في رِوَايَة، والثَّوْرِيّ، والشَّعْبيّ، والنخعي، وابن أبي ليلى، والحَسَن بن صالح بن حيّ، والأسود، وعلقمة، وخيثمة، وقيس بن أبي حازم، وأَبِي إسحاق السَّبِيْعِيّ (٧)، وإِليهِ ذهب أبو حَنِيْفَة وأصحابه (٨)، وَهُوَ رِوَايَة عن مَالِك (٩) وَهُوَ مَذْهَب أهل الكوفة (١٠). واستدلوا بحديث جابر بن سمرة (١١) قَالَ: ((خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُوْل الله ﷺ فَقَالَ: مالي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس أسكنوا في الصَّلاَة)) (١٢).

стр. 341

وبما روي عن ابن مَسْعُود أَنَّهُ قَالَ: ((ألا أصلي بكم صلاة النَّبيّ ﷺ فصلى وَلَمْ يرفع يديه إلا في أول مرة)) (١). وَقَالَ البُخَارِيّ مُعلقاً عَلَى حَدِيث جابر بن سمرة: ((فإنما كَانَ هَذَا في التشهد لا في القيام كَانَ يُسلم بعضهم عَلَى بَعْض فنهى النَّبيّ ﷺ عن رفع الأيدي في التشهد، وَلاَ يحتج بهذا من لَهُ حظ من العِلْم هَذَا مَعْرُوف مَشْهُور لا اختلاف فِيهِ، وَلَوْ كَانَ كَمَا ذهب إليه لكان رفع الأيدي في أول التكبيرة وأيضاً تكبيرات العيد منهياً عَنْهَا؛ لأَنَّهُ لَمْ يستثنِ رفعاً دُوْنَ رفع وَقَدْ ثبت حَدِيث)) (٢). أما حَدِيْث ابن مسعود فضعفه عَبْد الله بن المبارك فَقَالَ: ((لَمْ يثبت)) (٣). وَقَالَ أبو حاتم الرازي: ((هَذَا خطأ)) (٤). وَقَالَ أبو داود: ((لَيْسَ هُوَ بصحيح عَلَى هَذَا اللفظ)) (٥). إلا أن الزيدية أنكروا رفع اليدين عِنْدَ الإحرام (٦). المسألة الثانية: هَلْ ترفع اليدان في مَوْضِع آخر، وَهُوَ عِنْدَ القيام من التشهد الأول إلى الركعة الثالثة ، عَلَى قولين القَوْل الأول: ترفع اليدان عِنْدَ القيام من الركعتين. وهذا القَوْل رَواهُ الإِمَام عَلِيّ، وأبو حميد الساعدي في عَشْرَة من أصحاب النَّبيّ

стр. 342

- ﷺ فِيْهِمْ أبو قتادة (١). وَهُوَ قَوْل ابن عُمَر (٢)، وعطاء (٣)، والبخاري (٤). وإليه ذهب بَعْض أصحاب الشَّافِعيّ (٥)، وَهُوَ رِوَايَة عن الإِمَام أحمد (٦)، وابن حزم (٧). مستدلين بزيادة عَبْد الأعلى السابقة الذكر والتفصيل وخالف في ذَلِكَ جَمَاعَة من أهل العِلْم (٨) فلم يروا رفع اليدين في هَذَا الموضع. المسألة الثالثة: رفع اليدين عِنْدَ السجود وعند الرفع مِنْهُ . وَقَد اختلف الفُقَهَاء في ذَلِكَ عَلَى قولين: القَوْل الأول: ترفع اليدان عِنْدَ السجود وعِنْدَ الرفع مِنْهُ. وَهُوَ قَوْل أنس، وابن عُمَر، وابن عَبَّاس، ونافع، وعطاء، وطاووس، وأيوب، والحَسَن، وابن سيرين (٩)، وهُوَ رِوَايَة عن الإِمَام أحمد (١٠)، وإليه ذهب ابن حزم (١١). وَهُوَ قَوْل بَعْض أهل الحَدِيْث وَقَدْ جاءت بِذَلِكَ آثار لا تثبت (١٢). واستدلوا بحديث

стр. 343

وائل بن حجر ﵁ (١). وَقَالَ ابن عَبْد البر في التمهيد: ((زيادة وائل بن حجر في حديثه رفع اليدين بَيْنَ السجدتين قَدْ عارضه في ذَلِكَ ابن عُمَر بقوله: ((وَكَانَ لا يرفع بَيْنَ السجدتين))، والسنن لا تثبت إذَا تعارضت وتدافعت، ووائل بن حجر إنما رآه أياماً قليلة في قدومه عَلَيْهِ، وابن عُمَر صحبه إِلَى أن تُوُفِّي ﷺ فحديث ابن عُمَر أصح عندهم وأولى أن يُعمل بِهِ)) (٢). القَوْل الثَّانِي: لا ترفع اليدان عِنْدَ السجود وعند الرفع مِنْهُ وَهُوَ مَذْهَب الْجُمْهُور (٣). المسألة الرابعة: إلى أين ترفع اليدان ، وَفِي ذَلِكَ أقوال: القَوْل الأول: ترفع اليدان إلى حذو المنكبين. وَهُوَ قَوْل عُمَر، وأبي هُرَيْرَة، وابن عُمَر، وعبد الله بن الزُّبَيْر، وأم الدرداء، وسالم، ونافع، ومحمد بن سيرين، وطاووس، وعطاء، والقاسم، ومكحول، وإسحاق (٤). وَهُوَ المشهور عن مَالِك (٥)، وإليه ذهب الشَّافِعيّ (٦)، وَهُوَ المشهور عن أحمد (٧). واستدلوا بحديث ابن عمر (٨). القَوْل الثَّانِي: ترفع اليدان إلى حذو الأذنين. وَهُوَ قَوْل عطاء، ووهب بن منبه (٩)، وأبي جَعْفَر، وإبراهيم، والثَّوْرِيّ (١٠).

стр. 344

وإليه ذهب أبو حَنِيْفَة (١)، وروي ذَلِكَ عن أحمد (٢)، وَهُوَ قَوْل ابن حبيب من المالكية (٣). واستدلوا بحديث وائل (٤). القَوْل الثَّالِث: ترفع اليدان إلى الصدر. وَهُوَ قَوْل للإمام مالك (٥) ورواية عن الإِمَام أحمد (٦). القَوْل الرابع: التخيير بَيْنَ رفع اليدين إلى الأذنين أو المنكبين. وَهُوَ رِوَايَة عن الإِمَام أحمد (٧)، وحكاه ابن المنذر عن بَعْض أهل الحَدِيْث واستحسنه (٨). القَوْل الخامس: ترفع اليدان حَتَّى تجاوزا الرأس في تكبيرة الافتتاح. هَذَا القَوْل حكاه العبيدي عن طاووس، وَهُوَ قَوْل ابنه، وهذا باطل لا أصل لَهُ (٩). فائدة: ويجمع الشَّافِعيّ بَيْنَ هذِهِ الأحاديث فيقول: يجعل كفيه حذو منكبيه، وإبهاميه عِنْدَ شحمة أذنيه، ورؤوس أصابعه عِنْدَ فروع أذنيه (١٠). مثال مَا حقق فِيهِ أنَّ الزيادة خطأ: مَا أخرجه عَبْد الرزاق (١١)، قَالَ: أخبرنا معمر، عن ثابت وقتادة، عن أنس، قَالَ: ((نظر بَعْض أصحاب النَّبيّ ﷺ وضوءاً فلم يجده، فَقَالَ النَّبيّ ﷺ : ها هنا ماءٌ فرأَيت

стр. 345

النَّبيّ ﷺ وضع يده في الإناء الَّذِي فِيهِ الماءُ، ثُمَّ قَالَ: توضئوا (١) بسم الله، فرأيت الماءَ يفور من بَيْنَ أصابعه، والقوم يتوضئون، حَتَّى توضئوا من عِنْدَ آخرهم)). ومعمر شيخ عَبْد الرزاق هُوَ معمر بن راشد الأزدي ثِقَة ثبت فاضل (٢)، وشيخاه في هَذَا الحَدِيْث ثابت بن أسلم البناني وَهُوَ ثِقَة عابد (٣)، وقتادة بن دعامة السدوسي وَهُوَ ثِقَة ثبت (٤). إلا أن معمر بن راشد قَدْ أخطأ بذكر زيادة: ((بسم الله)) في الحَدِيْث؛ إِذْ إن الجمع من الرواة عن ثابت وقتادة لَمْ يذكروا هذِهِ الزيادة الَّتِي تفرد بِهَا معمر مِمَّا يدل عَلَى خطئه ووهمه بِهَا، وشرْح ذَلِكَ فِيْمَا يأتي: أخرج الحَدِيْث ابن سعد (٥)، وأحمد (٦)، وعَبْد بن حميد (٧)، والفريابي (٨)، وأبو يعلى (٩)، وابن حبان (١٠) من طريق سليمان بن المغيرة (١١). وأخرجه ابن سعد (١٢)، وأحمد (١٣)، وعبد بن حميد (١٤)، والبُخَارِيّ (١٥)، ومسلم (١٦)، والفريابي (١٧)، وأبو يعلى (١٨)، وابن خزيمة (١٩)، وابن حبان (٢٠)،

стр. 346

والبَيْهَقِيّ (١)، من طريق حماد بن زيد. وأخرجه ابن سعد (٢)، وأحمد (٣) من طريق حماد بن سلمة (٤). فهؤلاء ثلاثتهم (سليمان، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة) رووه عن ثابت عن أنس، بِهِ. وَلَيْسَ فِيهِ ذكر الزيادة. وَكَذَلِكَ رَوَى الحَدِيْث عن قتادة جَمَاعَة لَمْ يذكروا فِيهِ الزيادة. فَقَدْ أخرج الحَدِيْث أحمد (٥)، والبُخَارِيّ (٦)، ومسلم (٧)، وأبو يعلى (٨)، واللالكائي (٩)، والبَغَوِيّ (١٠) من طريق سعيد بن أبي عروبة (١١). وأخرجه أحمد (١٢)، والفريابي (١٣)، وأبو يعلى (١٤)، وأبو عوانة (١٥)، وابن حبان (١٦)، وأبو نُعَيْم (١٧) من طريق همام بن يَحْيَى. وأخرجه مُسْلِم (١٨) من طريق هشام الدستوائي. وأخرجه أبو يعلى (١٩) من طريق شُعْبَة بن الحَجَّاج. فهؤلاء أربعتهم (سعيد بن أبي عروبة، وهمام، وهشام، وشعبة) رووه عن قتادة عن أنس بِهِ، وَلَمْ يذكروا هذِهِ الزيادة. إذن فليس من المعقول أن يغفل جَمِيْع الرواة من أصحاب ثابت وقتادة فيغيب عَنْهُمْ حفظ هذِهِ الزيادة، ثُمَّ يحفظها معمر بن راشد. ثُمَّ إن ثابتاً وقتادة قَدْ توبعا عَلَى رِوَايَة الحَدِيْث، وَلَيْسَ فِيهِ ذكر الزيادة؛ تابعهما عَلَيْهِ إسحاق بن عبدالله (٢٠) -وَهُوَ

стр. 347

ثِقَة حجة (١) - وحميد الطويل (٢) وَهُوَ ثِقَة (٣) والحسن البصري (٤). فغياب زيادة: ((بسم الله)) عِنْدَ هذِهِ الكثرة يسلط الضوء عَلَى أن الوهم في ذكرها من معمر، والله أعلم. أثر الحَدِيْث في اختلاف الفُقَهَاء حكم التسمية في ابتداء الوضوء اختلف الفُقَهَاء - رحمهم الله تَعَالَى - في حكم التسمية عِنْدَ الوضوء عَلَى قولين القَوْل الأول: التسمية واجبة، وَهُوَ قَوْل الحسن (٥)، والإمام أحمد في إحدى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ (٦)، وإسحاق بن راهويه (٧)، والزيدية (٨). ودليلهم زيادة معمر السابقة الذكر والتفصيل. وما روي عن رَسُوْل الله ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ((لاصلاة إلا بوضوء، وَلاَ وضوء لِمَنْ لَمْ يذكر اسم الله عَلَيْهِ)) (٩).

стр. 348

فإن تركها ساهياً ففي المسألة قولان:

стр. 349

الأول: لا تسقط بالسهو، وَهُوَ إحدى الرِّوَايَتَيْنِ عن الإمام أحمد (١)، الثَّانِي: تسقط بالسهو، وَهُوَ إحدى الرِّوَايَتَيْنِ عن الإمام أحمد (٢)، وَهُوَ المروي عن إسحاق بن راهويه (٣)؛ وإن تركها عمداً بطلت طهارته، وَهُوَ إحدى الرِّوَايَتَيْنِ عن الإمام أحمد (٤). القَوْل الثَّانِي: التسمية سنة، وإليه ذهب أبو حَنِيْفَة (٥)، ومالك (٦)، والشافعي (٧)، وإحدى الرِّوَايَتَيْنِ عن الإمام أحمد (٨)، والظاهرية (٩)، والحسن (١٠)، والثوري (١١)، وأبوعبيد (١٢). فإن سها سمى متى ذكر، وإن كَانَ قَبْلَ أن يكمل الوضوء. وإن ترك التسمية ناسياً أو عامداً لَمْ يفسد وضوؤه (١٣). مثال آخر للزيادة الشاذة بسبب كثرة المخالفة: روى حماد بن زيد (١٤)، عن هشام بن حسان (١٥)، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة حديث ذي اليدين، وذكر فيه زيادة: ((كبر))، فَقَالَ: ((كبر ثم كبر وسجد)) (١٦).

стр. 350

وقد تفرد حماد بن زيد بذكر هذه الزيادة عن هشام بن حسان. إذ إن هشيمَ بن بشير (١) -وهو ثقة (٢) -، ووهيب بن خالد (٣) -وهو ثقة (٤) -، وحماد بن أسامة (٥) -وهو ثقة (٦) -، وعبد الله بن بكر السهمي (٧) -وهو ثقة (٨) -، وأبا خالد الأحمر (٩) - وهو صدوق يخطئ (١٠) -، وأبا بكر بن عياش (١١) - وهو ثقة عابد إلا أنه لما كبر ساء حفظه وكتابه صحيح (١٢) -. فهؤلاء ستتهم (هشيم، ووهيب، وحماد، وعبد الله، وأبو خالد، وأبو بكر) رووا هذا الحديث عن هشام بن حسان لم يذكروا الزيادة. ثُمَّ إن الحديث قد رواه جماعة عن محمد بن سيرين، منهم: أيوب السختياني (١٣) -وهو ثقة ثبت حجة (١٤) -، وعبد الله بن عون (١٥) -وهو ثقة ثبت فاضل من أقران أيوب

стр. 351

في العلم والعمل والسن (١) -، ويزيد بن إبراهيم (٢) -وهو ثقة ثبت (٣) -، وسلمة بن علقمة (٤) -وهو ثقة (٥) -، وقتادة بن دِعامة (٦) -وهو ثقة ثبت (٧) -، وخالد الحذاء (٨) -وهو ثقة (٩) -، ويحيى بن عتيق (١٠) -وهو ثقة (١١) -، ويونس بن عبيد (١٢) -وهو ثقة ثبت (١٣) -، وعاصم الأحول (١٤) -وهو ثقة (١٥) -، وحبيب ابن الشهيد (١٦) -وهو ثقة (١٧) -، وحميد الطويل (١٨) -وهو ثقة (١٩) -، وسعيد بن أبي عروبة (٢٠) -وهو ثقة (٢١) -، وسفيان بن حسين (٢٢) -وهو ثقة (٢٣) -، وأشعث ابن سوار (٢٤) -وهو ضعيف (٢٥) -،

стр. 352

وقرة بن خالد (١) -وهو ثقة (٢) -، وحماد بن سلمة (٣) -وهو ثقة (٤) -. فهؤلاء جميعهم رووه عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، ولم يذكروا الزيادة، قال أبو داود: ((روى هذا الحديث أيضاً حبيب بن الشهيد، وحميد، ويونس، وعاصم الأحول، عن محمد، عن أبي هريرة لم يذكر أحد منهم ما ذكره حماد بن زيد، عن هشام أنه كبر ثم كبر وسجد، وروى حماد بن سلمة، وأبو بكر بن عياش هذا الحديث عن هشام لم يذكروا عنه هذا الذي ذكره حماد بن زيد أنه كبر ثم كبر)) (٥). وقال البيهقي: ((تفرد به حماد بن زيد عن هشام)) (٦)، وأشار إلى نحو هذا العلائي (٧). فتفرد حماد أمام هذا الجمع الغفير إمارة على أن زيادته خطأ، إذ ليس من المعقول أن يغفل عنها الجمع من تلامذة هشام، وليس من المعقول أن يغفل عنها الجمع من تلامذة مُحَمَّد بن سيرين. ثم إن الحديث رواه جماعة عن أبي هريرة غير ابن سيرين، لم يذكر أحد منهم هذه الزيادة التي انفرد بها حماد، مما يؤكد وهمه بها. فقد رواه عن أبي هريرة: أبو سُفْيَان (٨) مولى ابن أبي أحمد (٩)، وأبو سلمة

стр. 353

منفرداً (١)، وضمضم (٢) بن جوس (٣)، وسعيد بن المسيب، وأبو بكر بن عبد الرحمان، وأبو سلمة، وعبيد الله بن عبد الله أربعتهم مقرونين (٤)، وأبو سلمة، وأبو بكر بن سليمان (٥) مقرونين (٦)، وأبو سلمة، وسعيد بن المسيب، وعبيد الله بن عبد الله ثلاثتهم مقرونين (٧)، وسعيد بن المسيب، وأبو سلمة، وأبو بكر بن عبد الرحمان، وأبو بكر بن سليمان مقرونين (٨)، وسعيد بن أبي سعيد المقبري (٩)، وسعيد بن المسيب (١٠)، وأبو بكر بن عبد الرحمان وأبو سلمة وعبيد الله بن عبد الله ثلاثتهم مقرونين (١١).

стр. 354

فهؤلاء جميعهم رووه عن أبي هريرة، لم يذكروا ما ذكره حماد من زيادة تكبيرة الإحرام لسجود السهو مما يؤكد الجزم بوهمه ﵀. أثر زيادة حماد في اختلاف الفقهاء هل يشترط لسجود السهو تكبيرة التحريم ؟ ذهب جمهور العلماء إلى عدم اشتراط تكبيرة الإحرام قبل سجود السهو (١). وذهب الزيدية (٢)، ومالك في رواية عنه (٣)، وهو وجه عند الشافعية (٤) إلى اشتراط تكبيرة الإحرام لسجود السهو مستدلين بزيادة حماد السابقة، قال القرطبي: ((ما يتحلل منه بسلام لابد له من تكبيرة إحرام، ويؤيده ما رواه أبو داود من طريق حماد بن زيد، عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين في هذا الحديث قال: فكبر ثم كبر وسجد للسهو)) (٥). وقد يختلف النقاد في زيادة من الزيادات فيقبلها بعضهم دون بعض. مثال ذلك: ما رواه ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله، قال: ((كان معاذ يصلي مع النبي ﷺ العشاء، ثم ينطلق إلى قومه فيصليها، هي له تطوع، وهي لهم مكتوبة)) (٦). قال الحافظ ابن حجر: ((هو حديث صحيح رجاله رجال الصحيح، وقد صرح (٧)

стр. 355

ابن جريج في رواية عبد الرزاق (١) بسماعه فيه فانتفت تهمة تدليسه)) (٢). أقول: إن ابن جريج قد تفرد في هذا الحديث بزيادة جملة: ((هي له تطوع، وهي لهم مكتوبة))، فقد روي هذا الحديث من طريق سفيان بن عيينة -وهو ثقة (٣) - عن عمرو بن دينار، عن جابر، به (٤)، دون ذكر الزيادة التي انفرد بها ابن جريج. وقد أعلّ الطحاوي الزيادة في حديث ابن جريج فقال: ((فكان من الحجة للآخرين عليهم أن ابن عيينة قد روى هذا الحديث عن عمرو بن دينار كما رواه ابن جريج، وجاء به تاماً وساقه أحسن من سياق ابن جريج، غير أنه لم يقل فيه هذا الذي قاله ابن جريج)) (٥). وقد أجاب الحافظ ابن حجر عن هذا فقال: ((تعليل الطحاوي له بأن ابن عيينة ساقه عن عمرو أتم من سياق ابن جريج، ولم يذكر هذه الزيادة ليس بقادح، في صحته؛ لأن ابن جريج أسن وأجل من ابن عيينة وأقدم أخذاً عن عمرو منه، ولو لم يكن كذلك فهي زيادة من ثقة حافظ ليست منافية لرواية من هو أحفظ منه ولا أكثر عدداً، فلا معنى للتوقف في الحكم بصحتها)) (٦). أقول: لكن سفيان بن عيينة لم ينفرد بعدم ذكر الزيادة فقد تابعه عدد من الرواة على عدم ذكرها؛ فيكون ابن جريج مخالفاً بذكر هذه الزيادة، إذ روى الحديث الجم الغفير دون ذكر هذه الزيادة.
следующие страницы →