← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 1747

أثر اختلاف الأسانيد والمتون في اختلاف الفقهاء

ماهر الفحل

Полный текст (524 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

١٢ - القاسم بن محمد، أخرجه: البخاري (١)، والنسائي (٢). ١٣ - محمد بن سيرين، أخرجه: عبد الرزاق (٣)، وأحمد (٤)، وابن الأعرابي (٥)، والطبراني (٦). ١٤ - نافع، أخرجه: ابن أبي شيبة (٧)، وأحمد (٨)، والدارمي (٩)، والبخاري (١٠)، والطرسوسي (١١)، وابن ماجه (١٢)، والترمذي (١٣)، والنسائي (١٤)، وأبو يعلى (١٥)، وابن خزيمة (١٦)، والطحاوي (١٧)، وابن قانع (١٨)، وابن حبان (١٩)، والطبراني (٢٠)، والخطيب (٢١)، وابن عبد البر (٢٢)، والبغوي (٢٣).

стр. 387

١٥ - أبو سلمة بن عبد الرحمان بن عوف، أخرجه: الحميدي (١)، وأحمد (٢)، وابن ماجه (٣)، والنسائي (٤)، وابن خزيمة (٥)، وابن حبان (٦). ١٦ - أبو مجلز (لاحق بن حميد) (٧)، أخرجه: ابن ماجه (٨). ١٧ - نافع وعبد الله بن دينار مقرونين، أخرجه: مالك (٩)، والشافعي (١٠)، والبخاري (١١)، ومسلم (١٢)، وأبو داود (١٣)، والنسائي (١٤)، وأبو عوانة (١٥)، والطحاوي (١٦)، وأبو نعيم (١٧)، والبيهقي (١٨)، والبغوي (١٩). ١٨ - سالم بن عبد الله بن عمر وحميد بن عبد الرحمان مقرونين، أخرجه: عبد (٢٠) الرزاق (٢١)، وأحمد (٢٢)، ومسلم (٢٣)، والنسائي (٢٤)، وأبو عونة (٢٥)،

стр. 388

والطحاوي (١)، وأبو نعيم (٢). ١٩ - أبو سلمة بن عبد الرحمان بن عوف ونافع مقرونين، أخرجه: أحمد (٣)، والطرسوسي (٤)، والنسائي (٥)، والطحاوي (٦). والمتأمل الناظر يجد الأزدي قد خالف جميع الرواة عن ابن عمر إذ قال الترمذي: ((والصحيح ما روي عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: ((صلاة الليل مثنى مثنى))، وروى الثقات عن عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ ولم يذكروا فيه صلاة النهار)) (٧). وقال النسائي: ((هذا الحديث عندي خطأ والله تعالى أعلم)) (٨)، وقال أيضاً: ((هَذَا إسناد جيد ولكن أصحاب ابن عمر خالفوا علياً الأزدي ...)) (٩). وقال البيهقي: إن البخاري قد سئل عن حديث يعلى بن عطاء أصحيح هو؟ فقال: نعم. قال أبو عبد الله وقال سعيد بن جبير كان ابن عمر لا يصلي أربعاً لا يفصل بينهن إلا المكتوبة (١٠). وقال ابن عبد البر: ((لم يقله أحد عن ابن عمر غيره وأنكروه عليه)) (١١) وساق ابن عبد البر بسنده عن مضر بن محمد أنه قال: ((سألت يحيى بن معين عن صلاة الليل والنهار فقال: صلاة النهار أربعاً لا يفصل بينهن فاصل، وصلاة الليل ركعتين، فقلت له: إن أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول صلاة الليل والنهار مثنى مثنى، فقال: بأي حديث؟ فقلت: بحديث شعبة، عن يعلى بن عطاء، عن عَلِيّ الأزدي، عن ابن عمر أن النَّبِيّ ﷺ قَالَ: ((صلاة الليل والنهار مثنى مثنى)) فَقَالَ: ومن عَلِيّ الأزدي حَتَّى أقبل مِنْهُ هَذَا)) (١٢). وقال ابن تيمية: ((فهذا الحديث يرويه الأزدي عن علي بن عبد الله البارقي، عن

стр. 389

ابن عمر (١)، وهو خلاف ما رواه الثقات المعروفون عن ابن عمر فإنهم رووا ما في الصحيحين أنه سئل عن صلاة الليل فقال: ((صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خفت الفجر فاوتر بواحدة)))) (٢). وقد أفاض ابن تيمية في تضعيف هذه الزيادة في مجموعة فتاويه (٣). وقال الزيلعي: ((والحديث في الصحيحين من حديث جماعة عن ابن عمر ليس فيه ذكر النهار (٤))) (٥). أثر الحديث في اختلاف الفقهاء (كيف تصلى نافلة النهار) ؟ اختلف العلماء في نافلة النهار كيف تصلى على مذهبين: المذهب الأول: وهو أن تصلى مثنى مثنى، وهو ما ذهب إليه سعيد بن جبير (٦)، والحسن البصري (٧)، وحماد بن أبي سليمان (٨)، ومالك (٩)، والشافعي (١٠)، وهو ما فضّله أحمد (١١)، وداود (١٢)، وابن المنذر (١٣). قال الشافعي ﵀: ((صلاة الليل والنهار من النافلة سواء يسلم في كل

стр. 390

ركعتين، هكذا جاء الخبر عن النبي ﷺ في صلاة الليل، وقد يروى عنه خبر يثبت أهل الحديث مثله في صلاة النهار، ولو لم يثبت كان إذ أمر رسول الله ﷺ في صلاة الليل أن يسلم من كل ركعتين كان معقولاً في الخبر عنه أنه أراد والله تعالى أعلم الفرق بين الفريضة والنافلة، ولا تختلف النافلة في الليل والنهار كما لا تختلف المكتوبة في الليل والنهار؛ لأنها موصولة كلها)) (١). وقال أيضاً: ((وهكذا ينبغي أن تكون النافلة في الليل والنهار)) (٢). المذهب الثاني: أنها تصلى أربعاً وهو ما ذهب إليه ابن عمر (٣)، وأبو حنيفة (٤)، إذ ذهب إلى أنه يصلى في نفل النهار أربعاً بتسليمة أو اثنتين، والأفضل أربع، والأوزاعي (٥)، وأبو يوسف (٦)، ومحمد (٧)، وإسحاق (٨)، واستدلوا بحديث أبي أيوب الأنصاري عن النبي ﷺ أنه قال: ((أربع قبل الظهر لا يسلم فيهن تفتح لهن أبواب السماء)) (٩)، وأجاز ذلك أحمد (١٠)، وقال ابن قدامة في المغني: ((وحديث أبي أيوب يرويه عبيد الله بن

стр. 391

معتب وهو ضعيف، ومفهوم الحديث المتفق عليه يدل على جواز الأربع لا على تفضيلها، وأما حديث البارقي فإنه تفرد بزيادة لفظة النهار من بين سائر الرواة، وقد رواه عن ابن عمر نحو خمسة عشر نفساً لم يقل ذلك أحد سواه وكان ابن عمر يصلي أربعاً فيدل ذلك على ضعف روايته أو على أن المراد بذلك الفضيلة مع جواز غيره والله تعالى أعلم)) (١). المبحث الثالث اختلاف الثقة مع الثقات، وأثر ذلك في اختلاف الفقهاء إن الاختلافات الواردة في المتن أو الإسناد تتفرع أنواعاً متعددة، لكل نوع اسمه الخاص به، ومن تلك الاختلافات هو أن يخالف الثقة ثقات آخرين، مثل هذه المخالفة تختلف، ربما تكون من ثقة يخالف ثقة آخر، أو من ثقة يخالف عدداً من الثقات، وإذا كان المخالف واحداً وليس جمعاً فيشترط فيه أن يكون أوثق ممن حصل فيه الاختلاف، وهذا النوع من المخالفة يطلق عليه عند علماء المصطلح الشاذ (٢)، وهو: أن يخالف الثقة من هو أوثق منه عدداً أو حفظاً. وهذا التعريف مأخوذ من تعريف الشافعي للشاذ، فقد روي عن يونس بن عبد الأعلى (٣)، قال: قال لي الشافعي ﵀: ((ليس الشاذ من الحديث أن يروي الثقة ما لا يروي غيره، إنما الشاذ: أن يروي الثقة حديثاً يخالف ما روى الناس)) (٤).

стр. 392

والشاذ في اللغة: المنفرد، يقال: شذّ يَشُذُّ ويشِذُّ - بضم الشين وكسرها - أي: انفرد عن الجمهور، وشذَّ الرجلُ: إذا انفرد عن أصحابه. وكذلك كل شيء منفرد فهو شاذ. ومنه: هو شاذ من القياس، وهذا مما يشذ عن الأصول، وكلمة شاذة ... وهكذا (١). إذن: الشذوذ هو مخالفة الثقة للأوثق حفظاً أو عدداً، وهذا هو الذي استقر عليه الاصطلاح (٢)، قال الحافظ ابن حجر: ((يختار في تفسير الشاذ أنه الذي يخالف رواية من هو أرجح منه)) (٣). ثم إن مخالفة الثقة لغيره من الثقات أمر طبيعي إذ إن الرواة يختلفون في مقدار حفظهم وتيقظهم وتثبتهم من حين تحملهم الأحاديث عن شيوخهم إلى حين أدائها. وهذه التفاوتات الواردة في الحفظ تجعل الناقد البصير يميز بين الروايات، ويميز الرواية المختلف فيها من غير المختلف فيها، والشاذة من المحفوظة، والمعروفة من المنكرة. ومن الأمثلة لحديث ثقة خالف في ذلك حديث ثقة أوثق منه: ما رواه معمر بن راشد (٤)، عن يحيى بن أبي كثير (٥)، عن عبد الله بن أبي قتادة (٦)، عن أبيه (٧)، قال: ((خرجت مع رسول الله ﷺ زمن الحديبية، فأحرم أصحابي ولم أحرم، فرأيت حماراً فحملت عليه، فاصطدته، فذكرت شأنه لرسول الله ﷺ ، وذكرت أني لم

стр. 393

أكن أحرمت، وأني إنما اصطدته لك؟ فأمر النَّبِيّ ﷺ أصحابه فأكلوا، وَلَمْ يأكل مِنْهُ حِيْنَ أخبرته أني اصطدته لَهُ)) (١). فهذا الحديث يتبادر إلى ذهن الناظر فيه أول وهلة أنه حديث صحيح، إلا أنه بعد البحث تبين أن معمر بن راشد - وهو ثقة - قد شذ في هذا الحديث فقوله: ((إنما اصطدته لك))، وقوله: ((ولم يأكل منه حين أخبرته أني اصطدته له)). جملتان شاذتان شذ بهما معمر بن راشد عن بقية الرواة. قال ابن خزيمة: ((هذه الزيادة: ((إنما اصطدته لك))، وقوله: ((ولم يأكل منه حين أخبرته أني اصطدته لك))، لا أعلم أحداً ذكره في خبر أبي قتادة غير معمر في هذا الإسناد، فإن صحت هذه اللفظة فيشبه أن يكون ﷺ أكل من لحم ذلك الحمار قبل [أن] (٢) يعلمه أبو قتادة أنه اصطاده من أجله، فلما أعلمه أبو قتادة أنه اصطاده من أجله امتنع من أكله بعد إعلامه إياه أنه اصطاده من أجله؛ لأنه قد ثبت عنه ﷺ أنه قد أكل من لحم ذلك الحمار)) (٣). هكذا جزم الحافظ ابن خزيمة بتفرد معمر بن راشد بهاتين اللفظتين، وهو مصيب في هذا، إلا أنه لا داعي للتأويل الأخير لجزمنا بعدم صحة هاتين اللفظتين - كما سيأتي التدليل عليه -. وقال أبو بكر بن زياد النيسابوري (٤) - شيخ الدارقطني -: ((قوله: "اصطدته لك"، وقوله: "ولم يأكل منه"، لا أعلم أحداً ذكره في هذا الحديث غير معمر)) (٥). وقال البيهقي: ((هذه لفظة غريبة لم نكتبها إلا من هذا الوجه، وقد روينا عن أبي

стр. 394

حازم بن دينار، عن عبد الله بن أبي قتادة في هذا الحديث أن النبي ﷺ أكل منها، وتلك الرواية أودعها صاحبا الصحيح (١) كتابيهما دون رواية معمر وإن كان الإسنادان صحيحين)) (٢). وقال ابن حزم: ((لا يخلو العمل في هذا من ثلاثة أوجه. إما أن تغلب رواية الجماعة (٣) على رواية معمر لا سيما وفيهم من يذكر سماع يحيى من أبي قتادة (٤)، ولم يذكر معمرا، أو تسقط رواية يحيى بن أبي كثير جملة؛ لأنه اضطرب عليه (٥)، ويؤخذ برواية أبي حازم وأبي محمد وابن موهب الذين لم يضطرب عليهم؛ لأنه لا يشك ذو حسٍّ أن إحدى الروايتين وهم، إذ لا يجوز أن تصح الرواية في أنه ﵇ أكل منه، وتصح الرواية في أنه ﵇ لم يأكل منه، وهي قصة واحدة في وقت واحد في مكان واحد في صيد واحد)) (٦). وسأشرح الآن شذوذ رواية معمر، فأقول: خالف معمر رواية الجمع عن يحيى، فقد رواه هشام الدستوائي (٧) - وهو ثقة ثبت (٨) -، وعلي بن المبارك (٩) -وهو ثقة (١٠) -، ومعاوية بن سلام (١١) -وهو

стр. 395

ثقة (١) -، وشيبان بن عبد الرحمان (٢) -وهو ثقة (٣) -، فهؤلاء أربعتهم رووه عن يحيى بن أبي كثير، ولم يذكروا هاتين اللفظتين. كما أن الحديث ورد من طريق عبد الله بن أبي قتادة من غير طريق يحيى بن أبي كثير، ولم تذكر فيه اللفظتان مما يؤكد ذلك شذوذ رواية معمر بتلك الزيادة؛ فَقَدْ رَوَاهُ عثمان بن عَبْد الله بن موهب (٤) - وَهُوَ ثقة (٥) -، وأبو حازم سلمة بن دينار (٦) - وهو ثقة (٧) -، وعبد العزيز بن رفيع (٨) -وهو ثقة (٩) -، وصالح بن أبي حسان (١٠) - وهو صدوق (١١) -؛ فهؤلاء أربعتهم رووه عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، ولم يذكروا هاتين اللفظتين، كما أن هذا الحديث روي من طرق أخرى عن أبي قتادة، وليس فيه هاتان اللفظتان: فقد رواه نافع مولى أبي قتادة (١٢)

стр. 396

-وهو ثقة (١) -، وعطاء بن يسار (٢) - وهو ثقة (٣) -، ومعبد بن كعب بن مالك (٤) - وهو ثقة (٥) -، وأبو صالح مولى التوأمة (٦) - وهو مقبول (٧) - فهؤلاء أربعتهم رووه دون ذكر اللفظتين اللتين ذكرهما معمر، وهذه الفردية الشديدة مع المخالفة تؤكد شذوذ رواية معمر لعدم وجودها عند أحدٍ من أهل الطبقات الثلاث. والذي يبدو لي أن السبب في شذوذ رواية معمر بن راشد دخول حديث في حديث آخر؛ فلعله توهم بما رواه هو عن الزهري، عن عروة، عن يحيى بن عبد الرحمان ابن حاطب، عن أبيه أنه اعتمر مع عثمان في ركب، فأهدي له طائر، فأمرهم بأكله، وأبى أن يأكل، فقال له عمرو بن العاص: أنأكل مما لست منه آكلاً، فقال: إني لست في ذاكم مثله، إنما اصطيد لي وأميت باسمي (٨).

стр. 397

فربما اشتبه عليه هذا الحديث بالحديث السابق، والله أعلم. أثر رِوَايَة معمر في اختلاف الفقهاء (أكل المحرم من لحم الصيد) اختلف العلماء ﵏ في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: القول الأول: ما صاده الحلال للمحرم أو من أجله لا يجوز له أكله، وما لم يصد له ولا من أجله فلا بأس بأكله. وهذا هو الصحيح عن عثمان في هذا الباب (١)، وهو قول عطاء في رواية، وإسحاق، وأبي ثور (٢). وبه قال مالك (٣)، والشافعي (٤)، وأحمد (٥)، والزيدية (٦). واستدلوا بحديث معمر السابق وبحديث جابر عن النبي ﷺ قال: ((لحم صيد البر لكم حلال وأنتم حرم ما لم تصيدوه أو يصاد لكم)) (٧). القول الثاني: يحرم أكل لحم الصيد للمحرم على كل حال. وهذا قول علي، وابن عمر، وابن عباس، ومعاذ، وزيد، وعائشة، وطاووس، وجابر بن زيد، والليث، والثوري، وإسحاق، وداود بن علي، وأبي بكر بن داود (٨). وبه قال الهادوية من الزيدية (٩). واستدلوا بعموم قوله تعالى: ((وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُما)) (١٠).

стр. 398

وبحديث الصعب بن جَثَّامة أنه أهدى لرسول الله ﷺ حمار وحش بالأبواء أو بودَّان، فرده عليه، وقال: ((لم نرده عليك إلا أنا حرم)) (١). القول الثالث: يحل للمحرم أكل ما صاده الحلال إذا لم يعنه، حتى ولو صاده من أجله. وهذا قول عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان في رواية، وابن مسعود، وأبي هريرة، والزبير بن العوام، وكعب الأحبار، وطلحة، وأبي ذر، وابن عمر في رواية، وعطاء في رواية، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والليث في رواية (٢). وبه قال الحنفية (٣)، والظاهرية (٤). المبحث الرابع اختلاف الضعيف مع الثقات وأثر ذَلِكَ في اختلاف الفقهاء إذا خولف الثقة في حَدِيْث من الأحاديث فهنا مسألة يأخذها النقاد بنظر الاعتبار فيوازنون ويقارنون بَيْنَ المختلفين فإذا خولف الثقة من قِبَلِ ثقة آخر فيحكم حينئذٍ لرواية من الروايات بحكم يليق بِهَا وكذا تأخذ المقابلة الحكم بالضد أما إذا خولف الثقة برواية ضعيف من الضعفاء، فلا يضر حينئذٍ الاختلاف لرواية الثقة؛ إذ إن رِوَايَة الثقات لا تعل برواية الضعفاء (٥)؛ فرواية الثقة معروفة ورواية الضعيف منكرة فعلى هَذَا المنكر من الْحَدِيْث هُوَ: المنفرد المخالف لما رَوَاهُ الثقات (٦) قَالَ الإمام مُسْلِم:

стр. 399

((وعلامة المنكر في حَدِيْث المحدّث إذا ما عرضت روايته للحديث عَلَى رِوَايَة غيره من أهل الحفظ والرضا خالفت روايته روايتهم أو لَمْ تكد توافقها)) (١). وعليه فإن رِوَايَة الضعيف شبه لا شيء أمام رِوَايَة الثقات الأثبات ولا تعل الرِّوَايَة الصحيحة بالرواية الضعيفة، وَقَدْ وجدنا خلال البحث والسبر أن بعض العلماء قَدْ عملوا بأحاديث بعض الضعفاء وَهِيَ مخالفة لرواية الثقات، ومثل هَذَا يحمل عَلَى حسن ظنهم برواية الضعيف وعلى عدم اطلاعهم عَلَى رِوَايَة الثقات. مثال ذَلِكَ: ما رَوَاهُ أبو سعيد يحيى بن سليمان الجعفي (٢)، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن وهب (٣)، قَالَ: أخبرني يحيى بن أيوب (٤)، عن يحيى بن سعيد، عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري (٥)، عن أبيه (٦) ((أن الصعب بن جَثامة (٧) أهدى للنبي ﷺ عجز حمار وحش،

стр. 400

وَهُوَ بالجُحْفَة (١) فأكل مِنْهُ وأكل القوم)) (٢). فهذا الْحَدِيْث مخالف لرواية الثقات، وفيه راويان فيهما مقال: الأول: يحيى بن أيوب الغافقي: فهو وإن حسّن الرأي فِيْهِ جَمَاعَة من الْمُحَدِّثِيْنَ فَقَدْ تَكَلَّمَ فِيْهِ آخرون، فَقَدْ ضعّفه أبو زرعة (٣)، والعقيلي (٤)، وَقَالَ أحمد: كَانَ سيء الحفظ (٥)، وَقَالَ أبو حاتم: ((محله الصدق يكتب حديثه ولا يحتج بِهِ)) (٦)، وَقَالَ النسائي: ((ليس بذاك القوي)) (٧)، وَقَالَ ابن سعد: ((منكر الْحَدِيْث)) (٨)، وَقَالَ الذهبي: ((حديثه فِيْهِ مناكير)) (٩)، وَقَالَ ابن القطان: ((هُوَ ممن قَدْ علمت حاله، وأنه لا يحتج بِهِ لسوء حفظه)) (١٠)، وَقَالَ: ((يحيى بن أيوب يضعف)) (١١)، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: ((في بعض حديثه اضطراب)) (١٢)، وَقَدْ ضعفه ابن حزم (١٣).

стр. 401

الثاني: يحيى بن سليمان الجعفي: قَالَ عَنْهُ أبو حاتم: ((شيخ)) (١)، وَقَالَ النسائي: ((ليس بثقة)) (٢). وذكره ابن حبان في "الثقات" وَقَالَ: ((ربما أغرب)) (٣). ومع تفرد هذين الراويين بهذا الْحَدِيْث فَقَدْ خالفا الثقات في روايته قَالَ ابن القيم عن هَذِهِ الرِّوَايَة: ((غلط بلا شك، فإن الواقعة واحدة، وَقَد اتفق الرُّوَاة أنه لَمْ يأكل مِنْهُ، إلا هَذِهِ الرِّوَايَة الشاذة المنكرة)) (٤). والرواية المعروفة الصَّحِيْحة هِيَ ما وردت برواية الجم الغفير عن ابن شهاب الزهري، عن عبيد الله بن عَبْد الله بن عتبة بن مسعود، عن عَبْد الله بن عَبَّاسٍ، عن الصعب بن جثامة الليثي، أنه أهدى لرسول الله ﷺ حماراً وحشياً وَهُوَ بالأبواء (٥)، أو بودان (٦)، فرده عليه، فلما رأى ما في وجهه قَالَ: ((إنا لَمْ نرده عليك إلا أنا حرم)) (٧).

стр. 402

أثر هَذَا الْحَدِيْث في اختلاف الفقهاء هَذِهِ الرِّوَايَة المخالفة لرواية الثقات كانت إحدى الأدلة لِمَنْ قَالَ بجواز أكل لحم الصيد للمحرم إذا لَمْ يعنه، حَتَّى وَلَوْ صاده من أجله، وَقَدْ سبق تفصيل المسألة في المبحث السابق فانظرها هناك. المثال الآخر: تفرد أبو هلال مُحَمَّد بن سليم (١) بحَدِيْث، عن عَبْد الله بن سوادة (٢)، عن أنس بن مالك من بني عَبْد الله بن كعب، قَالَ: ((أغارت علينا خيل رَسُوْل الله ﷺ ، فأتيت رَسُوْل الله ﷺ وَهُوَ يتغدى فَقَالَ: ((أدن فكل)) قلت: إني صائم، قَالَ: ((اجلس أحدثك عن الصوم أو الصيام، إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة وعن المسافر والحامل والمرضع الصوم، أو الصيام ...)). رَوَاهُ بهذه الرِّوَايَة: ابن أبي شيبة (٣)، وابن سعد (٤)، وأحمد (٥)، وعبد بن حميد (٦)، وأبو داود (٧)، وابن ماجه (٨)، والفسوي (٩)، وابن أَبِي عاصم (١٠)، وعبد الله بن أحمد (١١)، وابن خزيمة (١٢)، والطحاوي (١٣)، وابن قانع (١٤)، والطبراني (١٥)، وابن عدي (١٦)، وأبو نعيم (١٧)، والبيهقي (١٨)، والمزي (١٩). ورواه الترمذي (٢٠) من هَذَا الطريق دون أن يذكر (عن المسافر) الثانية وهذه اللفظة - أي: (عن المسافر) - منكرة وذلك لتفرد أبي هلال بِهَا وَهُوَ: مُحَمَّد بن سليم

стр. 403

الراسبي، وثقه أبو داود (١)، وَكَانَ عَبْد الرحمان يحدّث عَنْهُ، ولكن كَانَ يحيى لا يحدث عَنْهُ (٢)، وَقَالَ ابن سعد: ((فِيْهِ ضعف)) (٣)، وَقَالَ أحمد: ((احتمل حديثه)) (٤)، وأورده البخاري في "الضعفاء الصغير" (٥)، وَقَالَ أبو حاتم: ((محله الصدق وَلَمْ يَكُنْ بذاك المتين)) (٦)، وَقَالَ أبو زرعة: ((لين)) (٧)، وَقَالَ النسائي: ((ليس بقوي)) (٨)، وساق لَهُ ابن عدي في "الكامل" (٩) عدداً من المناكير ثُمَّ قَالَ: ((ولأبي هلال غَيْر ما ذكرت، وفي بعض رواياته ما لا يوافقه الثقات عليه))، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: ((ضعيف)) (١٠)، وأورده ابن حبان في "المجروحين" (١١)، وَقَالَ: ((وَكَانَ أبو هلال شيخاً صدوقاً، إلا أنه كَانَ يخطئ كثيراً من غَيْر تعمد حَتَّى صار يرفع المراسيل ولا يعلم ... وأكثر ما كَانَ يحدث من حفظه، فوقع المناكير في حديثه من سوء حفظه، وَقَالَ ابن حجر: ((صدوق فِيْهِ لين)))) (١٢). فَقَدْ رَوَاهُ وهيب بن خالد، عن عَبْد الله بن سوادة، عن أبيه، عن أنس، بِهِ عِنْدَ النسائي (١٣)، والفسوي (١٤)، والبيهقي (١٥). ورواه سفيان الثوري، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك القشيري، بِهِ عِنْدَ البخاري في "تاريخه" (١٦)، والنسائي (١٧)، وابن خزيمة (١٨)، والطبري (١٩)، والبيهقي (٢٠).

стр. 404

وروي من طرق أخرى عن أيوب، عن أبي قلابة، عن رجل من بني عامر، عن أنس في بعض الروايات، عن أبي قلابة، عن رجل قَالَ: حَدَّثَنِي قريب لي يقال لَهُ أنس بن مالك، بِهِ عِنْدَ عَبْد الرزاق (١)، وأحمد (٢)، والبخاري في "تاريخه" (٣)، والنسائي (٤)، وابن خزيمة (٥)، والطبراني (٦)، وللحديث طرق أخرى (٧). كُلّ هَذِهِ الروايات ليس فِيْهَا لفظة ((عن المسافر)) الَّتِيْ في رِوَايَة أَبِي هلال، كَمَا ويكفي لرد هَذِهِ الزيادة حذف الترمذي لها مع أنها ثابتة من طريقه وَقَدْ حسن الْحَدِيْث بدونها (٨). وَقَدْ وجدت لأبي هلال متابعة عَلَى روايته عِنْدَ الطبراني (٩) من طريق أشعث بن سوار، عن عَبْد الله بن سوادة، عن أنس بن مالك القشيري، بِهِ، وهذه المتابعة لا تعضد رِوَايَة أبي هلال لضعف أشعث بن سوار فَقَدْ ضعّفه أحمد بن حَنْبَل (١٠)، وأبو زرعة (١١)، والنسائي (١٢)، والدارقطني (١٣). أثر الْحَدِيْث في اختلاف الفقهاء (حكم صوم المسافر) إِذَا سافر المكلف في رَمَضَان سفراً تتغير بِهِ الأحكام الشرعية، فهل إن فطره من صومه رخصة أم حتم؟ اختلف الفقهاء في هَذَا عَلَى ثلاثة أقوال: القول الأول: لا يجوز للمسافر صوم رَمَضَان في سفره، وَلَوْ صامه لَمْ يصح وَعَلَيْهِ قضاؤه.

стр. 405

وإلى هَذَا ذهب الظاهرية (١)، والإمامية (٢). القول الثاني: إن إفطار المسافر في رَمَضَان رخصة، إن شاء أفطر وإن شاء صام، لَكِن الفطر أفضل. وإليه ذهب أحمد (٣). القول الثالث: إن الفطر رخصة، والصيام أفضل بشرط عدم الضرر والتلف. وبه قَالَ جمهور الفقهاء. وإليه ذهب أبو حَنِيْفَةَ (٤)، ومالك (٥)، والشافعي (٦)، والزيدية (٧). واستدل أصحاب المذهب الأول بزيادة ((المسافر)) الثانية في حَدِيْث أبي هلال، وَقَدْ بينا نكارة هَذِهِ اللفظة فَلَمْ يصح الاحتجاج بِهَا (٨).

стр. 406

المبحث الخامس: الإدراج، وأثره في اختلاف الفقهاء وفيه خَمسة مطالب: المطلب الأول: تعريفه. المطلب الثاني: أنواعه. المطلب الثالث: كيف يقع الإدراج أو أسباب وقوع الإدراج المطلب الرابع: طرق الكشف عن الإدراج. المطلب الخامس: حكم الإدراج.

стр. 407

المطلب الأول: تعريفه المُدْرَجُ لغة - بضم الميم وفتح الراء -: اسم مفعول من (أدرج)، تقول: أدرجت الكتاب إذا طويته، وتقول: أدرجت الميت في القبر إذا أدخلته فِيْهِ، وتقول: أدرجت الشيء في الشيء إذا أدخلته فِيْهِ وضمنته إيّاه (١). قَالَ ابن فارس: ((الدال والراء والجيم أصل واحد يدل عَلَى مُضِيِ الشيء والمُضِيِّ في الشيء)) (٢). ودَرَجَ الشيءَ في الشيء: أدخله في ثناياه (٣)، ومنه: الدَّرَجة وَهِيَ المرقاة؛ لأنها توصل إلى الدخول في الشيء حسياً أو معنوياً، فهي من باب تسمية السبب بنتيجته. وفي اصطلاح الْمُحَدِّثِيْنَ: هُوَ ما كانت فِيْهِ زيادة ليست مِنْهُ. أو هُوَ الْحَدِيْث الَّذِيْ يعرف أن في سنده أو متنه زيادة ليست مِنْهُ، وإنما من أحد الرُّوَاة من غَيْر توضيح لهذه الزيادة (٤). العلاقة بَيْنَ المعنى اللغوي والاصطلاحي: وجدنا أن معنى الفعل الثلاثي المجرد (دَرَجَ) يدور عَلَى أمرين: ١ - طوي الشيء. ٢ - إدخال الشيء في الشيء. وكأنَّ المُدْرِج طوى البيان، فَلَمْ يوضّح تفصيل الأمر في الْحَدِيْث. أو كأنه أدخل الْحَدِيْث في الْحَدِيْث، فالاستعمال الاصطلاحي باقٍ عَلَى الوضع اللغوي الأول، وَلَمْ يخرج إلى المجاز.

стр. 408

المطلب الثاني: أنواعه يتفق الباحثون والكتّاب في مجال علوم الْحَدِيْث عَلَى جعل المدرج عَلَى أنواع. لَكِنْ تقسيمهم لهذه الأنواع يختلف زيادة ونقصاً، كَمَا يختلف باعتبار الحيثيات الَّتِيْ ينبني عَلَيْهَا ذَلِكَ التقسيم. وهكذا نجد الحافظ ابن الصَّلاَحِ يصدر كلامه عن المدرج بقوله: ((وَهُوَ أقسام، مِنْهَا ما أدرج في حَدِيْث رَسُوْل الله ﷺ من كلام بعض رواته بأن يذكر الصَّحَابِيّ أو مَنْ بعده عقيب ما يرويه من الْحَدِيْث كلاماً من عِنْدَ نفسه، فيرويهِ مَنْ بعده موصولاً بالحديث غَيْر فاصل بينهما بذكر قائله، فيلتبس الأمر فِيْهِ عَلَى من لا يعلم حقيقة الحال، ويتوهم أن الجميع عن رَسُوْل الله ﷺ )) (١). فنراه قيّد وقوع الإدراج بكونه عقب الْحَدِيْث، والحق أن هَذَا التنظير خلاف الواقع، وإذا كَانَ غالب الإدراج أن يقع عقب الْحَدِيْث، فليس هَذَا مسوغاً لحصر الإدراج بِهِ، فنجد أنه قَدْ يقع في أول الْحَدِيْث كَمَا يقع وسطه وآخره. زدْ على أنه يقع في الإسناد أَيْضاً لا كَمَا يوهم كلام ابن الصَّلاَحِ من انحصاره بالمتن فَقَطْ. وعلى هَذَا يدل صنيع الْخَطِيْب البغدادي في كتابه "الفصل للوصل المدرج في النقل" (٢). وتأسيساً عَلَى ما مضى يمكننا أن نقسم الإدراج من حَيْثُ مكان وقوعه إلى نوعين: النوع الأول: الإدراج في الْمَتْن . النوع الثاني: الإدراج في السند. النوع الأول: الإدراج في الْمَتْن: وَهُوَ أن تقع الزيادة في متن الْحَدِيْث دون إسناده. ويمكن تقسيم هَذَا النوع باعتبار مكان وقوعه من الْمَتْن إلى ثلاثة أقسام (٣): ١ - أن يقع الإدراج في أول الْمَتْن. ٢ - أن يقع الإدراج في وسط الْمَتْن. ٣ - أن يقع الإدراج في آخر الْمَتْن.

стр. 409

فمثال ما وقع الإدراج في أول الْمَتْن حَدِيْث أبي هُرَيْرَة ﵁ عن رَسُوْل الله ﷺ : ((أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار)). فرواه الْخَطِيْب البغدادي في كتابه "الفصل" (١) من طريق أبي قطن وشبابة -فرّقهما- عن شعبة، عن مُحَمَّد بن زياد، عن أبي هُرَيْرَة، بِهِ. فقوله: ((أسبغوا الوضوء)) مدرج من كلام أبي هُرَيْرَة، نص عَلَى هَذَا الْخَطِيْب وغيره فَقَالَ: ((وَهِمَ أبو قطن عمرو بن الهيثم وشبابة بن سوار في روايتهما هَذَا الْحَدِيْث عن شعبة عَلَى ما سقناه، وذلك أن قوله: ((أسبغوا الوضوء)) كلام أبي هُرَيْرَة، وقوله: ((ويل للأعقاب من النار)) كلام النَّبِيّ ﷺ )) (٢). وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيْث عن شعبة عامة أصحابه فبينوا أن هَذِهِ الزيادة من كلام أبي هُرَيْرَة، وهم: ١ - آدم بن أبي إياس، عِنْدَ البخاري (٣). ٢ - حجاج بن مُحَمَّد، عِنْدَ أَحْمَد (٤). ٣ - أبو داود الطيالسي، كَمَا في "مسنده" (٥). ٤ - عاصم بن علي (٦)، عِنْدَ الْخَطِيْب (٧). ٥ - علي بن الجعد (٨)، عِنْدَ الْخَطِيْب (٩). ٦ - عيسى بن يونس (١٠)، عِنْدَ الْخَطِيْب (١١).

стр. 410

٧ - غندر (١)، عِنْدَ أَحْمَد (٢). ٨ - معاذ بن معاذ (٣)، عِنْدَ الْخَطِيْب (٤). ٩ - النضر بن شميل (٥)، عِنْدَ الْخَطِيْب (٦). ١٠ - هاشم بن القاسم، عِنْدَ الدارمي (٧). ١١ - هشيم بن بشير، عِنْدَ الْخَطِيْب (٨). ١٢ - وكيع بن الجراح، عِنْدَ أَحْمَد (٩)، ومسلم (١٠)، والخطيب (١١). ١٣ - وهب بن جرير، عِنْدَ الْخَطِيْب في "الفصل" (١٢). ١٤ - يحيى بن سعيد، عِنْدَ أَحْمَد (١٣). ١٥ - يزيد بن زريع (١٤)، عِنْدَ النسائي (١٥). وَقَدْ رَوَاهُ البخاري -كَمَا مضى- من طريق آدم بن أبي إياس، عن شعبة، عن مُحَمَّد بن زياد (١٦)، عن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: أسبغوا الوضوء، فإن أبا القاسم ﷺ قَالَ: ((ويل

стр. 411

للأعقاب من النار)) فهؤلاء خمسة عشر نفساً من أصحاب شعبة اتفقوا عَلَى جعل قوله: ((أسبغوا الوضوء)) من كلام أبي هُرَيْرَة، في حين أخطأ أبو قطن وشبابة فأدرجاه في الْحَدِيْث (١). وهذا القسم أقل الأقسام وروداً، وَهُوَ قليل جداً، الأمر الَّذِيْ دفع الحافظ ابن حجر لأن يقول: ((وفتشت ما جمعه الْخَطِيْب في المدرج، ومقدار ما زدت عليه مِنْهُ فَلَمْ أجد لَهُ مثالاً آخر إلا ما جاء في بعض طرق حَدِيْث بسرة الآتي من رواية مُحَمَّد بن دينار (٢)، عن هشام بن حسان)) (٣). وهذا يناقض قَوْل ابن الجلال المحلي وَهُوَ يتحدث عن الإدراج في أول الْحَدِيْث: ((وَهُوَ أكثر مِمَّا في وسطه؛ لأن الرَّاوِي يقول كلاماً يريد أن يستدل عليه بالحديث فيأتي بلا فصل، فيتوهم أن الكل حَدِيْث)) (٤). ومثال ما وقع الإدراج في وسطه ما رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ في "سننه" (٥) من طريق عَبْد الحميد بن جعفر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن بسرة بنت صفوان، قالت: سَمِعْتُ رَسُوْل الله ﷺ يقول: ((مَنْ مَسّ ذَكَرَهُ، أو أنثييه أَوْ رفغه فليتوضأ)). فَقَدْ أدرج عَبْد الحميد بن جعفر ذكر ((الأنثيين والرفغ)) في الْحَدِيْث المرفوع، قال الدَّارَقُطْنِيّ: ((والمحفوظ أن ذَلِكَ من قول عروة غَيْر مرفوع)) (٦). وَقَالَ الْخَطِيْب البغدادي: ((وذكر الأنثيين والرفغين ليس من كلام رَسُوْل الله ﷺ ، وإنما من قول عروة بن الزبير فأدرجه الرَّاوِي في متن الْحَدِيْث وَقَدْ بيّن ذَلِكَ حماد بن

стр. 412

زيد وأيوب السختياني في روايتهما عن هشام)) (١). فوهم عَبْد الحميد بن جعفر وأدرج كلام عروة في الحديث، في حين اقتصر الثقات من أصحاب هشام عَلَى ذكر ((الذَّكَر))، وهم: ١ - أبو أسامة حماد بن أسامة، وروايته عِنْدَ الترمذي (٢)، وابن خزيمة (٣)، وابن الجارود (٤)، والطبراني (٥). ٢ - إِسْمَاعِيْل بن عياش، عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيّ (٦). ٣ - أنس بن عياض (٧)، عِنْدَ البيهقي (٨). ٤ - أيوب السختياني، وسيأتي التفصيل في طريقه. ٥ - حماد بن زيد، عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيّ (٩)، والطبراني (١٠)، والحاكم (١١)، والخطيب (١٢). ٦ - حماد بن سلمة، عِنْدَ الطبراني (١٣). ٧ - ربيعة بن عثمان (١٤)، عِنْدَ ابن حبان (١٥)، والطبراني (١٦)، والحاكم (١٧).

стр. 413

٨ - سعيد بن عَبْد الرَّحْمَان (١)، عِنْدَ البيهقي (٢). ٩ - سفيان بن سعيد الثوري، عِنْدَ ابن حبان (٣)، والدارقطني (٤)، والطبراني (٥). ١٠ - شعيب بن إسحاق (٦)، عِنْدَ ابن حبان (٧)، والدارقطني (٨)، والحاكم (٩)، والبيهقي (١٠). ١١ - عَبْد الله بن إدريس، عِنْدَ ابن ماجه (١١)، والطبراني (١٢). ١٢ - علي بن المبارك (١٣)، عِنْدَ ابن حبان (١٤). ١٣ - علي بن مسهر، عِنْدَ الطبراني (١٥). ١٤ - عنبسة بن عَبْد الواحد (١٦)، عِنْدَ الْحَاكِم (١٧)، والبيهقي (١٨).

стр. 414

١٥ - المنذر بن عَبْد الله (١)، عِنْدَ الْحَاكِم (٢). ١٦ - وهيب بن خالد، عِنْدَ الطبراني (٣). ١٧ - يحيى بن سعيد القطان، عِنْدَ الطبراني (٤). ١٨ - يزيد بن سنان (٥)، عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيّ (٦). فهؤلاء ثمانية عشر نفساً من أصحاب هشام رووه عَنْهُ مقتصرين عَلَى ((الذَّكَر)) من غَيْر إدراج للرفغ والأنثيين في المرفوع مِنْهُ. أما رِوَايَة أيوب الَّتِيْ أرجأنا الكلام عَنْهَا، فَقَدْ رَوَى الْحَدِيْث عن أيوب يزيد بن زريع، واختلف عَلَى يزيد في روايته وأكثر الرُّوَاة عَنْهُ يروونه عَنْهُ، عن أيوب، عن هشام من غَيْر إدراج وهم: ١ - أَحْمَد بن عبيد الله العنبري (٧)، عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيّ (٨). ٢ - أَحْمَد بن المقدام (٩)، عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيّ (١٠). ٣ - عبيد الله بن عمر (١١) القواريري (١٢). ٤ - عمرو بن علي، عِنْدَ الْخَطِيْب (١٣).

стр. 415

لذا عدَّ الْخَطِيْب أيوب ممن بَيّنَ الإدراج في الْحَدِيْث (١). في حين أن أبا كامل الجحدري رَوَاهُ عن يزيد بن زريع، عن أيوب مدرجاً، كَمَا أخرجه الطبراني (٢)، فعاد الْخَطِيْب فعدّ أيوب ممن أدرج الْحَدِيْث (٣). فالذي يترجح رِوَايَة الجمع عن أيوب، فيعدّ أيوب ممن بيّن الإدراج، وبالتالي فتترجح رِوَايَة الجمع ممن بَيّنَ الإدراج في روايتهم عن هشام بن عروة، ويؤيد هَذَا قَوْل الْخَطِيْب: ((رَوَى كافة أصحاب هشام بن عروة عَنْهُ حَدِيْث الوضوء من مس الذكر خاصة، وَلَمْ يذكر أحد مِنْهُمْ الأنثيين والرفغين في روايته)) (٤). وَقَدْ حكم الْخَطِيْب البغدادي عَلَى عَبْد الحميد بن جعفر بتفرده بالإدراج عن هشام بن عروة (٥). واعترض عليه الحافظ العراقي برواية أبي كامل الجحدري (٦) الَّتِيْ مضى الكلام عَلَيْهَا، وبرواية ابن جريج، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن مروان، عن بسرة بلفظ: ((إذا مس أحدكم ذكره أو أنثييه)) (٧). والذي يبدو أن حكم الْخَطِيْب حكم مقيد لا مطلق، والمقيد ذهني إِذْ أنه عنى التفرد من طريق يعتد بِهَا، أما هاتان الطريقان فلا اعتماد عليهما لما يأتي: أما رِوَايَة أبي كامل فَقَدْ بينا أنه خالف فِيْهَا جمهور الرُّوَاة عن أيوب، فلا يلتفت إِلَيْهَا. وأما رِوَايَة ابن جريج فَقَدْ حكم الدَّارَقُطْنِيّ والحافظ ابن حجر عَلَيْهَا بالإدراج أَيْضاً (٨). وهناك طريقان آخران عن هشام بن عروة ورد فيهما الإدراج (٩): فَقَدْ رَوَى مُحَمَّد بن دينار، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن بسرة هَذَا الْحَدِيْث مدرجاً، وروايته أخرجها: الطبراني (١٠)، والدارقطني (١١).

стр. 416

ومحمد بن دينار ليس ممن يعتمد عَلَى حفظه (١). وروى هشام بن حسان، عن هشام بن عروة، عن أَبِيْهِ، عن بسرة مدرجاً. وَقَدْ رَوَاهُ عن هشام هكذا مدرجاً اثنان من أصحابه هما (٢): عَبْد الأعلى بن عَبْد الأعلى، حَيْثُ رَوَاهُ ابن شاهين في كتاب "الأبواب" من طريق ابن أبي داود ويحيى بن صاعد -كلاهما- عن مُحَمَّد بن بشار، عن عَبْد الأعلى، عن ابن حسان (٣). ورواه الدَّارَقُطْنِيّ في "العلل" (٤) من طريق عَبْد الله بن بزيع، عن هشام بن حسان، بِهِ. والظاهر أن هشام بن حسان لَمْ يضبط الْحَدِيْث جيداً، إِذْ رَوَاهُ يزيد بن هارون عَنْهُ بلفظ: ((إذا مس أحدكم ذكره، أو قَالَ: فرجه، أو قَالَ: أنثييه، فليتوضأ)) رَوَاهُ ابن شاهين (٥) في كتاب "الأبواب" (٦)، والدارقطني في "العلل" (٧). قَالَ ابن حجر: ((فتردده يدل عَلَى أنه ما ضبطه)) (٨). وَقَدْ رَوَاهُ عمار بن عمر، عن هشام بن حسان، من غَيْر إدراج، وروايته أخرجها الطبراني في "الكبير" (٩)، والدارقطني في "العلل" (١٠). فانتهت نتيجة البحث إلى ضعف المتابع الأول، وعدم ضبط الثاني (١١). وَقَدْ كَانَ لهذا الْحَدِيْث أثر في اختلاف الفقهاء تقدم الكلام عَنْهُ في الفصل الثاني المبحث الثالث: ما تعم بِهِ البلوى، ولا نريد إعادته بغية عدم الإطالة. ومثال ما وقع الإدراج في آخر الْحَدِيْث: ما رَوَاهُ زهير بن معاوية، عن الحسن بن الحر (١٢)، عن القاسم بن

стр. 417

مخيمرة (١)، عن علقمة، عن عَبْد الله بن مسعود أن رَسُوْل الله ﷺ علّمه التشهد في الصلاة، فَقَالَ: ((قل: التحيات لله .. فذكر الْحَدِيْث)). وفي آخره: ((أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رَسُوْل الله، فإذا قلت هَذَا فَقَدْ قضيت صلاتك إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد)) (٢). فزيادة: ((فإذا قلت هَذَا ...)) إلى نهاية الرِّوَايَة، مدرجة من قَوْل ابن مسعود، أدرجها زهير بن معاوية في روايته عن الحسن بن الحر، نصَّ عَلَى هَذَا جمع من الحفاظ مِنْهُمْ: الدَّارَقُطْنِيّ (٣)، والحاكم (٤)، والبيهقي (٥)، والخطيب البغدادي (٦)، ونقل النووي في "الخلاصة" اتفاق الحفاظ عَلَى إدراجها (٧). واستدل الحافظ ابن الصلاح عَلَى الإدراج بقوله: ((ومن الدليل عليه أن الثقة الزاهد (٨) عَبْد الرحمان بن ثابت بن ثوبان (٩)، رَوَاهُ عن راويه الحسن بن الحر كذلك، واتفق

стр. 418

حسين الجعفي (١) وابن عجلان وغيرهما في روايتهم عن الحسن بن الحر عَلَى ترك ذكر هَذَا الكلام في آخر الْحَدِيْث، مع اتفاق كُلّ من رَوَى التشهد عن علقمة - وعن غيره - عن ابن مسعود عَلَى ذَلِكَ، ورواه شبابة، عن أبي خيثمة ففصله أَيْضاً)) (٢). وهذا كلام مجمل بيانه فِيْمَا يأتي: أولاً: رَوَاهُ عَبْد الرحمان بن ثابت بن ثوبان، عن الحسن بن الحر، بسند زهير بن معاوية، وفَصَل نهاية الرِّوَايَة وبيّن أنها من قَوْل ابن مسعود، وروايته عِنْدَ ابن حبان (٣)، والطبراني (٤)، والدارقطني (٥)، والحاكم (٦)، والبيهقي (٧)، والخطيب البغدادي (٨). ثانياً: رَوَاهُ حسين الجعفي وابن عجلان واتفقا عَلَى عدم ذكر هذا الكلام في نهاية الرِّوَايَة. ورواية حسين أخرجها ابن أبي شيبة (٩)، وأحمد (١٠)، وابن حبان (١١)، والطبراني (١٢)، والدارقطني (١٣)، والخطيب (١٤). وأما رِوَايَة ابن عجلان فأخرجها الطبراني (١٥)، والدارقطني (١٦)، والخطيب (١٧).

стр. 419

ثالثاً: إن الرُّوَاة عن زهير بن معاوية اختلفوا عليه في رِوَايَة هَذَا الْحَدِيْث، فرواه كُلّ من: ١ - أحمد بن عَبْد الله بن يونس اليربوعي (١). ٢ - أبو داود الطيالسي (٢). ٣ - عاصم بن علي (٣). ٤ - عَبْد الله بن مُحَمَّد (٤) النفيلي (٥). ٥ - علي بن الجعد (٦). ٦ - مالك بن إسماعيل (٧) النهدي (٨). ٧ - موسى بن داود (٩) الضبي (١٠).

стр. 420

٨ - أبو النضر هاشم بن القاسم (١). ٩ - يحيى بن أبي بكير (٢) الكرماني (٣). ١٠ - يحيى بن يحيى النيسابوري (٤). عشرتهم عَنْهُ مدرجاً. ورواه شبابة بن سوار (٥)، عَنْهُ - أعني: زهير بن معاوية - ففصله وبين أنه من قَوْل عَبْد الله بن مسعود، وروايته عِنْدَ: الدَّارَقُطْنِيّ (٦)، والبيهقي (٧)، والخطيب (٨). وهذا النوع من الإدراج هُوَ الغالب من حَيْثُ وقوعه في متون الأحاديث (٩). أثره في اختلاف الفقهاء (حكم التشهد والسلام) اختلف الفقهاء في حكم التشهد والسلام عَلَى مذهبين: المذهب الأول: ذهب بَعْض الفقهاء إِلَى أن التشهد والسلام ليسا بفرضين. وبه قَالَ جمع من السلف، وإليه ذهب أبو حَنِيْفَةَ (١٠)، لكنه يَقُوْل بوجوبهما وترك الواجب عنده لا ينبني عَلَيْهِ بطلان الصَّلاَة، فإن تركه عامداً كَانَ آثماً، وإن تركه ناسياً جبره بسجود السهو. وحجتهم الزيادة الواردة في الْحَدِيْث السابق، فقالوا: إنها زيادة مرفوعة وليست مدرجة (١١).

стр. 421

المذهب الثاني: ذهب جمهور الفقهاء إِلَى القول بفرضيتهما (١). واستدلوا: ١ - بِمَا روي عن عَبْد الله بن مسعود ﵁، قَالَ: ((كنا نقول قَبْلَ أن يفرض التشهد: السلام عَلَى الله السلام عَلَى جبريل وميكائيل. فَقَالَ رَسُوْل الله ﷺ : لا تقولوا هكذا فإن الله هُوَ السلام، وَلَكِنْ قولوا: التحيات لله ... الْحَدِيْث)) (٢). ووجه الدلالة من هَذَا الْحَدِيْث أمران: أ. قوله: ((قَبْلَ أن يفرض التشهد)) فدل ذَلِكَ عَلَى أن التشهد فرض. ب. قوله: ((قولوا: التحيات)) أمر، والأمر يقتضي الوجوب. ٢ - استدلوا أَيْضاً بِمَا روي عن عَلِيّ ﵁، عن النَّبِيّ ﷺ قَالَ: ((مفتاح الصَّلاَة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم)) (٣). قَالَ التِّرْمِذِيّ عقب روايته لَهُ: ((هَذَا الْحَدِيْث أصح شيء في الباب وأحسن)). النوع الثاني: أن يقع الإدراج في السند دون الْمَتْن ويمكن أن نجعل هَذَا النوع عَلَى خمسة أقسام (٤): القسم الأول: أن يَكُوْن الْمَتْن مختلف الإسناد بالنسبة إلى أفراد رواته، فيرويه راوٍ واحد عَنْهُمْ، فيحمل بعض رواياتهم عَلَى بعض ولا يميز بينها. ومثاله ما رَوَاهُ عَبْد الرحمان بن مهدي ومحمد بن كثير العبدي، عن سفيان الثوري، عن منصور والأعمش وواصل الأحدب (٥)، عن أبي وائل، عن عمرو بن شرحبيل (٦)، عن ابن مسعود، قُلْتُ: ((يا رَسُوْل الله أي الذنب أعظم؟ ... الْحَدِيْث)) (٧).

стр. 422

فَقَدْ أدرج عَبْد الرحمان بن مهدي ومحمد بن كثير في هَذَا السند، إِذْ إن منصوراً والأعمش يرويانه عن أبي وائل، عن عمرو بن شرحبيل، عن ابن مسعود، أما واصل فيرويه عن أبي وائل، عن ابن مسعود لا يذكر فِيْهِ عمرو بن شرحبيل. وَقَدْ رَوَاهُ عن واصل بن حيان الأسديِّ الأحدبِ جَمَاعَة من الرُّوَاة مِنْهُمْ: ١ - سعيد بن مسروق (١): عِنْدَ الْخَطِيْب (٢). ٢ - شعبة بن الحجاج: وروايته عِنْدَ: الطيالسي (٣)، وأحمد (٤)، والترمذي (٥)، والنسائي (٦)، والخطيب (٧). ٣ - مالك بن مِغْوَل (٨): عِنْدَ: النسائي في "الكبرى" (٩)، والخطيب (١٠)، قَالَ ابن حجر: ((أخرجه ابن مردويه من طريق مالك بن مغول بإسقاط أبي ميسرة)) (١١). ٤ - مهدي بن ميمون (١٢): عِنْدَ: أحمد (١٣)، والخطيب (١٤). فَلَمْ يذكروا في روايتهم عن واصل عمرو بن شرحبيل، وإنما عمرو مذكور في رِوَايَة منصور والأعمش. وَقَدْ بيّن الإسنادين يحيى بن سعيد القطان في روايته، فأخرج:

стр. 423

البخاري (١)، والدارقطني (٢)، والخطيب (٣)، من طرق عن يحيى بن سعيد القطان، عن سفيان، قَالَ: حَدَّثَنَا منصور والأعمش، عن أبي وائل، عن أبي ميسرة، عن عَبْد الله. قَالَ سفيان: وحدثني واصل، عن أبي وائل، عن عَبْد الله، بِهِ (٤). قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: ((قَالَ لنا أبو بكر النيسابوري: هكذا رَوَاهُ يحيى، وَلَمْ يذكر في حَدِيْث واصل عمرو بن شرحبيل ورواه عَبْد الرَّحْمَان بن مهدي ومحمد بن كَثِيْر فجمعا بَيْنَ واصل ومنصور والأعمش، عن أبي وائل، عن عَمْرو بن شرحبيل، عن عَبْد الله، فيشبه أن يَكُوْن الثوري جمع بَيْنَ الثلاثة لعبد الرحمن بن مهدي ولابن كثير فجعل إسنادهم واحداً، وَلَمْ يذكر بينهم خلافاً، وحمل حَدِيْث واصل عَلَى حَدِيْث الأعمش ومنصور، وفصله يحيى بن سعيد فجعل حَدِيْث واصل عن أبي وائل، عن عَبْد الله -وَهُوَ الصواب-؛ لأن شعبة ومهدي بن ميمون روياه عن واصل، عن أبي وائل، عن عَبْد الله كَمَا رَوَاهُ يَحْيَى، عن الثوري، عَنْهُ، والله أعلم)) (٥). القسم الثاني: أن يَكُوْن متن الْحَدِيْث عِنْدَ الرَّاوِي بإسناد إلا طرفاً مِنْهُ فإنه عنده بإسناد آخر، فيدرجه من رَوَاهُ عَنْهُ عَلَى الإسناد الأول ويسوق الْمَتْن تاماً، ولا يذكر الإسناد الثاني. مثاله: ما رَوَاهُ سفيان بن عيينة وزائدة بن قدامة، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر - وذكر حَدِيْث صفة صلاة النَّبِيّ ﷺ وفي آخره: ((ثُمَّ جئتهم بَعْدَ ذَلِكَ في زمان فِيْهِ برد شديد فرأيتهم يحركون أيديهم من تحت الثياب)) (٦). فقوله: ((ثُمَّ جئتهم بَعْدَ ذَلِكَ ...)) من رِوَايَة عاصم بن كليب، عن عَبْد الجبار بن وائل، عن بعض أهله، عن وائل بن حجر، وممن رَوَاهُ عَلَى هَذِهِ الشاكلة فميز بَيْنَ

стр. 424

جزأي الْمَتْن: ١ - زهير بن معاوية: وروايته عِنْدَ: أحمد (١)، والطبراني (٢)، والخطيب (٣). ٢ - شجاع بن الوليد: عِنْدَ الْخَطِيْب (٤). ومما يقوي الحكم بالإدراج في إسناد هَذَا الْحَدِيْث أن أحد عشر راوياً وهم: سفيان الثوري، وشعبة، وأبو الأحوص، وأبو عوانة، وخالد بن عَبْد الله (٥)، وصالح بن عمر، وعبد الواحد بن زياد، وجرير بن عَبْد الحميد، وبشر بن المفضل، وعبيدة بن حميد (٦)، وعبد العزيز بن مُسْلِم، رووا هَذَا الْحَدِيْث عن عاصم وَلَمْ يتطرقوا إلى ذكر هَذَا الإدراج (٧). قَالَ الحافظ موسى بن هارون الحمال: ((وذلك - يعني رِوَايَة سفيان وزائدة - عندنا وَهم، وإنما أدرج عليه، وَهُوَ من رِوَايَة عاصم، عن عَبْد الجبار بن وائل، عن بعض أهله، عن وائل، هكذا رَوَاهُ مبيناً زهير بن معاوية وأبو بدر شجاع بن الوليد، فميزا قصة تحريك الأيدي من تحت الثياب وفصلاها من الْحَدِيْث وذكرا إسنادهما كَمَا ذكرنا)). ثُمَّ قَالَ: ((وهذه رِوَايَة مضبوطة، اتفق عليه زهير وشجاع بن الوليد، وهما أثبت لَهُ رِوَايَة ممن رَوَى ((رفع الأيدي من تحت الثياب)) عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل)) (٨). القسم الثالث: أن يَكُوْن المتنان مختلفي الإسناد، فيدرج بعض الرُّوَاة شَيْئاً من أحدهما في الآخر ولا يَكُوْن ذَلِكَ الشيء من رِوَايَة ذَلِكَ الرَّاوِي.

стр. 425

مثاله: ما رَوَاهُ أبو مُحَمَّد سعيد بن أبي مريم الحكم بن مُحَمَّد المصري (١)، عن مالك، عن الزهري، عن أنس، أن رَسُوْل الله ﷺ قَالَ: ((لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تنافسوا، وكونوا عباد الله إخواناً ... الْحَدِيْث))، رَوَاهُ من هَذِهِ الطريق: الْخَطِيْب (٢)، وابن عَبْد البر (٣). قَالَ الحافظ حمزة بن مُحَمَّد الكناني (٤): ((لا أعلم أحداً قَالَ في هَذَا الْحَدِيْث عن مالك: ((ولا تنافسوا)) غَيْر سعيد بن أبي مريم)) (٥). فسعيد أدرج لفظ: ((ولا تنافسوا)) من متن حَدِيْث آخر، رَوَاهُ مالك، عن أبي الزناد (٦)، عن الأعرج، عن أبي هُرَيْرَة مرفوعاً: ((إياكم والظن، فإن الظن أكذب الْحَدِيْث، ولا تجسسوا، ولا تحسسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا)). والحديثان عَلَى الصواب عِنْدَ رواة "الموطأ" كافة مِنْهُمْ: ١ - أحمد بن أبي بكر (٧): عِنْدَ ابن حبان (٨). ٢ - إسحاق بن عيسى الطباع: عِنْدَ أحمد (٩). ٣ - إسماعيل بن أبي أويس (١٠): عِنْدَ البخاري في "الأدب المفرد" (١١).
следующие страницы →