← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 1747

أثر اختلاف الأسانيد والمتون في اختلاف الفقهاء

ماهر الفحل

Полный текст (524 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

المذهب الثاني: ذهب جمهور الفقهاء إِلَى القول بفرضيتهما (١). واستدلوا: ١ - بِمَا روي عن عَبْد الله بن مسعود ﵁، قَالَ: ((كنا نقول قَبْلَ أن يفرض التشهد: السلام عَلَى الله السلام عَلَى جبريل وميكائيل. فَقَالَ رَسُوْل الله ﷺ : لا تقولوا هكذا فإن الله هُوَ السلام، وَلَكِنْ قولوا: التحيات لله ... الْحَدِيْث)) (٢). ووجه الدلالة من هَذَا الْحَدِيْث أمران: أ. قوله: ((قَبْلَ أن يفرض التشهد)) فدل ذَلِكَ عَلَى أن التشهد فرض. ب. قوله: ((قولوا: التحيات)) أمر، والأمر يقتضي الوجوب. ٢ - استدلوا أَيْضاً بِمَا روي عن عَلِيّ ﵁، عن النَّبِيّ ﷺ قَالَ: ((مفتاح الصَّلاَة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم)) (٣). قَالَ التِّرْمِذِيّ عقب روايته لَهُ: ((هَذَا الْحَدِيْث أصح شيء في الباب وأحسن)). النوع الثاني: أن يقع الإدراج في السند دون الْمَتْن ويمكن أن نجعل هَذَا النوع عَلَى خمسة أقسام (٤): القسم الأول: أن يَكُوْن الْمَتْن مختلف الإسناد بالنسبة إلى أفراد رواته، فيرويه راوٍ واحد عَنْهُمْ، فيحمل بعض رواياتهم عَلَى بعض ولا يميز بينها. ومثاله ما رَوَاهُ عَبْد الرحمان بن مهدي ومحمد بن كثير العبدي، عن سفيان الثوري، عن منصور والأعمش وواصل الأحدب (٥)، عن أبي وائل، عن عمرو بن شرحبيل (٦)، عن ابن مسعود، قُلْتُ: ((يا رَسُوْل الله أي الذنب أعظم؟ ... الْحَدِيْث)) (٧).

стр. 422

فَقَدْ أدرج عَبْد الرحمان بن مهدي ومحمد بن كثير في هَذَا السند، إِذْ إن منصوراً والأعمش يرويانه عن أبي وائل، عن عمرو بن شرحبيل، عن ابن مسعود، أما واصل فيرويه عن أبي وائل، عن ابن مسعود لا يذكر فِيْهِ عمرو بن شرحبيل. وَقَدْ رَوَاهُ عن واصل بن حيان الأسديِّ الأحدبِ جَمَاعَة من الرُّوَاة مِنْهُمْ: ١ - سعيد بن مسروق (١): عِنْدَ الْخَطِيْب (٢). ٢ - شعبة بن الحجاج: وروايته عِنْدَ: الطيالسي (٣)، وأحمد (٤)، والترمذي (٥)، والنسائي (٦)، والخطيب (٧). ٣ - مالك بن مِغْوَل (٨): عِنْدَ: النسائي في "الكبرى" (٩)، والخطيب (١٠)، قَالَ ابن حجر: ((أخرجه ابن مردويه من طريق مالك بن مغول بإسقاط أبي ميسرة)) (١١). ٤ - مهدي بن ميمون (١٢): عِنْدَ: أحمد (١٣)، والخطيب (١٤). فَلَمْ يذكروا في روايتهم عن واصل عمرو بن شرحبيل، وإنما عمرو مذكور في رِوَايَة منصور والأعمش. وَقَدْ بيّن الإسنادين يحيى بن سعيد القطان في روايته، فأخرج:

стр. 423

البخاري (١)، والدارقطني (٢)، والخطيب (٣)، من طرق عن يحيى بن سعيد القطان، عن سفيان، قَالَ: حَدَّثَنَا منصور والأعمش، عن أبي وائل، عن أبي ميسرة، عن عَبْد الله. قَالَ سفيان: وحدثني واصل، عن أبي وائل، عن عَبْد الله، بِهِ (٤). قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: ((قَالَ لنا أبو بكر النيسابوري: هكذا رَوَاهُ يحيى، وَلَمْ يذكر في حَدِيْث واصل عمرو بن شرحبيل ورواه عَبْد الرَّحْمَان بن مهدي ومحمد بن كَثِيْر فجمعا بَيْنَ واصل ومنصور والأعمش، عن أبي وائل، عن عَمْرو بن شرحبيل، عن عَبْد الله، فيشبه أن يَكُوْن الثوري جمع بَيْنَ الثلاثة لعبد الرحمن بن مهدي ولابن كثير فجعل إسنادهم واحداً، وَلَمْ يذكر بينهم خلافاً، وحمل حَدِيْث واصل عَلَى حَدِيْث الأعمش ومنصور، وفصله يحيى بن سعيد فجعل حَدِيْث واصل عن أبي وائل، عن عَبْد الله -وَهُوَ الصواب-؛ لأن شعبة ومهدي بن ميمون روياه عن واصل، عن أبي وائل، عن عَبْد الله كَمَا رَوَاهُ يَحْيَى، عن الثوري، عَنْهُ، والله أعلم)) (٥). القسم الثاني: أن يَكُوْن متن الْحَدِيْث عِنْدَ الرَّاوِي بإسناد إلا طرفاً مِنْهُ فإنه عنده بإسناد آخر، فيدرجه من رَوَاهُ عَنْهُ عَلَى الإسناد الأول ويسوق الْمَتْن تاماً، ولا يذكر الإسناد الثاني. مثاله: ما رَوَاهُ سفيان بن عيينة وزائدة بن قدامة، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر - وذكر حَدِيْث صفة صلاة النَّبِيّ ﷺ وفي آخره: ((ثُمَّ جئتهم بَعْدَ ذَلِكَ في زمان فِيْهِ برد شديد فرأيتهم يحركون أيديهم من تحت الثياب)) (٦). فقوله: ((ثُمَّ جئتهم بَعْدَ ذَلِكَ ...)) من رِوَايَة عاصم بن كليب، عن عَبْد الجبار بن وائل، عن بعض أهله، عن وائل بن حجر، وممن رَوَاهُ عَلَى هَذِهِ الشاكلة فميز بَيْنَ

стр. 424

جزأي الْمَتْن: ١ - زهير بن معاوية: وروايته عِنْدَ: أحمد (١)، والطبراني (٢)، والخطيب (٣). ٢ - شجاع بن الوليد: عِنْدَ الْخَطِيْب (٤). ومما يقوي الحكم بالإدراج في إسناد هَذَا الْحَدِيْث أن أحد عشر راوياً وهم: سفيان الثوري، وشعبة، وأبو الأحوص، وأبو عوانة، وخالد بن عَبْد الله (٥)، وصالح بن عمر، وعبد الواحد بن زياد، وجرير بن عَبْد الحميد، وبشر بن المفضل، وعبيدة بن حميد (٦)، وعبد العزيز بن مُسْلِم، رووا هَذَا الْحَدِيْث عن عاصم وَلَمْ يتطرقوا إلى ذكر هَذَا الإدراج (٧). قَالَ الحافظ موسى بن هارون الحمال: ((وذلك - يعني رِوَايَة سفيان وزائدة - عندنا وَهم، وإنما أدرج عليه، وَهُوَ من رِوَايَة عاصم، عن عَبْد الجبار بن وائل، عن بعض أهله، عن وائل، هكذا رَوَاهُ مبيناً زهير بن معاوية وأبو بدر شجاع بن الوليد، فميزا قصة تحريك الأيدي من تحت الثياب وفصلاها من الْحَدِيْث وذكرا إسنادهما كَمَا ذكرنا)). ثُمَّ قَالَ: ((وهذه رِوَايَة مضبوطة، اتفق عليه زهير وشجاع بن الوليد، وهما أثبت لَهُ رِوَايَة ممن رَوَى ((رفع الأيدي من تحت الثياب)) عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل)) (٨). القسم الثالث: أن يَكُوْن المتنان مختلفي الإسناد، فيدرج بعض الرُّوَاة شَيْئاً من أحدهما في الآخر ولا يَكُوْن ذَلِكَ الشيء من رِوَايَة ذَلِكَ الرَّاوِي.

стр. 425

مثاله: ما رَوَاهُ أبو مُحَمَّد سعيد بن أبي مريم الحكم بن مُحَمَّد المصري (١)، عن مالك، عن الزهري، عن أنس، أن رَسُوْل الله ﷺ قَالَ: ((لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تنافسوا، وكونوا عباد الله إخواناً ... الْحَدِيْث))، رَوَاهُ من هَذِهِ الطريق: الْخَطِيْب (٢)، وابن عَبْد البر (٣). قَالَ الحافظ حمزة بن مُحَمَّد الكناني (٤): ((لا أعلم أحداً قَالَ في هَذَا الْحَدِيْث عن مالك: ((ولا تنافسوا)) غَيْر سعيد بن أبي مريم)) (٥). فسعيد أدرج لفظ: ((ولا تنافسوا)) من متن حَدِيْث آخر، رَوَاهُ مالك، عن أبي الزناد (٦)، عن الأعرج، عن أبي هُرَيْرَة مرفوعاً: ((إياكم والظن، فإن الظن أكذب الْحَدِيْث، ولا تجسسوا، ولا تحسسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا)). والحديثان عَلَى الصواب عِنْدَ رواة "الموطأ" كافة مِنْهُمْ: ١ - أحمد بن أبي بكر (٧): عِنْدَ ابن حبان (٨). ٢ - إسحاق بن عيسى الطباع: عِنْدَ أحمد (٩). ٣ - إسماعيل بن أبي أويس (١٠): عِنْدَ البخاري في "الأدب المفرد" (١١).

стр. 426

٤ - جويرية بن أسماء (١): عِنْدَ الْخَطِيْب في "الفصل" (٢). ٥ - روح بن عبادة: عِنْدَ أحمد (٣). ٦ - سويد بن سعيد الحدثاني: كَمَا في "الموطأ" بروايته (٤). ٧ - عَبْد الرحمان بن القاسم: كَمَا في "موطئه" (٥). ٨ - عَبْد الله بن مسلمة القعنبي: عِنْدَ: أبي داود (٦)، وأبي نعيم (٧)، والخطيب (٨). ٩ - عَبْد الله بن وهب: عِنْدَ الطحاوي في "شرح المشكل" (٩). ١٠ - عَبْد الله بن يوسف التنيسي: عِنْدَ البخاري (١٠). ١١ - الفضل بن دكين: عِنْدَ ابن عَبْد البر (١١). ١٢ - قتيبة بن سعيد: عِنْدَ: أبي أحمد الْحَاكِم (١٢)، والخطيب (١٣)، والعلائي (١٤). ١٣ - مُحَمَّد بن الحسن: كَمَا في "موطئه" (١٥). ١٤ - مُحَمَّد بن سليمان المصيصي (لوين) (١٦): عِنْدَ أبي أحمد الْحَاكِم (١٧). ١٥ - أبو مصعب الزهري: كَمَا في "الموطأ" بروايته (١٨).

стр. 427

١٦ - معن بن عيسى القزاز: عِنْدَ الْخَطِيْب (١). ١٧ - يحيى بن بكير: عِنْدَ العلائي (٢). ١٨ - يحيى بن يحيى الليثي: كَمَا في "موطئه" (٣). ١٩ - يحيى بن يحيى النيسابوري: عِنْدَ مُسْلِم (٤). وَلَمْ ينفرد مالك بهذا الحديث، بَلْ تابعه متابعة تامة عليه: ١ - سفيان بن عيينة وابن أبي ذئب وزمعة عِنْدَ: الطيالسي (٥)، وسفيان وحده عِنْدَ: الحميدي (٦)، وأحمد (٧)، ومسلم (٨)، والترمذي (٩)، وأبي يعلى (١٠). ٢ - شعيب بن أبي حمزة: عِنْدَ: أحمد (١١)، والبخاري (١٢). ٣ - مُحَمَّد بن الوليد الزبيدي (١٣): عِنْدَ مُسْلِم (١٤). ٤ - معمر بن راشد: عِنْدَ: عَبْد الرزاق (١٥)، وأحمد (١٦)، ومسلم (١٧). فظهر أن الحديثين اختلطا عَلَى سعيد بن أبي مريم فأدرج من متن الثاني لفظاً في الْمَتْن الأول بإسناد الأول (١٨). القسم الرابع: أن يَكُوْن الْمَتْن عِنْدَ راوٍ إلا جزءاً مِنْهُ، فإنه لَمْ يسمعه من شيخه فِيْهِ، وإنما سمعه من واسطة بينه وبين شيخه، فيدرج الرُّوَاة الجزء من الْحَدِيْث من غَيْر تفصيل (١٩).

стр. 428

مثاله: الْحَدِيْث الَّذِيْ رَوَاهُ إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير (١)، عن حميد الطويل، عن أنس في قصة العرنيين، وأن رَسُوْل الله ﷺ قَالَ لَهُمْ: ((لَوْ خرجتم إلى إبلنا فشربتم من ألبانها وأبوالها)) (٢). فلفظه: ((وأبوالها)) لَمْ يسمعها حميد من أنس مباشرة، وإنما سمعها من قتادة، عن أنس، فأدرجها إسماعيل في الْمَتْن الأول بإسناد الْحَدِيْث الأول من غَيْر تفصيل، قَالَ الحافظ الْخَطِيْب البغدادي: ((هكذا رَوَى إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري جميع هَذَا الْحَدِيْث عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك، وفيه لفظة واحدة لَمْ يسمعها حميد عن أنس، وإنما رواها عن قتادة عن أنس، وَهِيَ قوله: ((وأبوالها)))) (٣). وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيْث عَلَى الصواب ففصل رِوَايَة قتادة عدة رواة من أصحاب حميد، مِنْهُمْ: ١ - ابن أَبِي عدي (٤): عِنْدَ: أَحْمَد (٥)، والنسائي (٦)، والخطيب (٧). ٢ - بشر بن المفضل: عِنْدَ الْخَطِيْب (٨). ٣ - خالد بن الحارث (٩): عِنْدَ النسائي (١٠).

стр. 429

٤ - عَبْد الله بن بكر السهمي (١): عِنْدَ الطحاوي (٢)، والخطيب (٣). ٥ - مروان بن معاوية الفزاري (٤): عِنْدَ الْخَطِيْب (٥). ٦ - معتمر بن سليمان: عِنْدَ الْخَطِيْب (٦). ٧ - يزيد بن هارون: عِنْدَ أحمد (٧)، وأبي عوانة (٨)، والبغوي (٩)، والخطيب (١٠). قَالَ الحافظ ابن حجر: ((كلهم يقول فِيْهِ: ((فشربتم من ألبانها)) قَالَ حميد: قَالَ قتادة، عن أنس - رضي الله تَعَالَى عَنْهُ -: ((وأبوالها)) فرواية إسماعيل عَلَى هَذَا فِيْهَا إدراج وتسوية)) (١١). وأصرح الروايات في هَذَا رِوَايَة أبي عوانة من طريق يزيد بن هارون، عن حميد، وفيه: ((قَالَ حميد: قَالَ قتادة: ((وابوالها))، لَمْ أسمعه أنا من أنس)) (١٢). هكذا مثّل الْخَطِيْب البغدادي (١٣) وابن حجر (١٤) لهذا النوع بهذا المثل، واستدرك بعضهم (١٥) بأن إسماعيل بن جعفر متابع تابعه: أ. عَبْد الوهاب بن عَبْد المجيد الثقفي: كَمَا عِنْدَ ابن ماجه (١٦).

стр. 430

ب. وعبد الله بن عمر: عِنْدَ: النسائي (١)، وأبي عوانة (٢). ج. وهشيم بن بشير الواسطي: عِنْدَ مُسْلِم (٣). والذي يبدو لي أن هَذِهِ الطرق لا يصح استدراكها عَلَى هذين الحافظين لما يأتي: ١ - أما متابعة عَبْد الله بن عمر، فعبد الله بن عمر: ضعيف، ضعفه أحمد والعقيلي وابن معين وابن المديني ويحيى بن سعيد وصالح جزرة والنسائي وابن سعد والترمذي وابن حبان والدارقطني وأبو أحمد الْحَاكِم (٤). ٢ - وأما متابعة هشيم، فإنما رَوَاهُ هشيم عن حميد وثابت وقتادة ثلاثتهم مقرونين، فلعله حمل رِوَايَة بعض عَلَى بعض وَلَمْ يفصّل فِيْهَا. ٣ - فَلَمْ تبق إلا رِوَايَة عَبْد الوهاب، ويتخرّج أمرها عَلَى محملين: الأول: إنها وإن تابع فِيْهَا عَبْد الوهاب إسماعيل بن جعفر فكل منهما لا يقوى عَلَى مقاومة خلاف أصحاب حميد وهم سبعة أنفس. وهذا أقوى المحملين. الثاني: أن تصح فيصير الحمل حينئذ عَلَى حميد، فكأنه كَانَ يبين لبعض الرُّوَاة الأمر، ويجمله لبعضهم. والله أعلم. القسم الخامس: أن يسوق المحدّث إسناده فَقَطْ من غَيْر أن يذكر الْمَتْن، ثُمَّ يقطعه قاطع فيذكر كلاماً فيظن بعض من سمعه أن ذَلِكَ الكلام هُوَ متن الإسناد (٥). ومثاله الْحَدِيْث الَّذِيْ رَوَاهُ ثابت بن موسى (٦) الزاهد، عن شريك القاضي، عن الأعمش، عن أَبِي سفيان، عن جابر مرفوعاً: ((من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار)) (٧).

стр. 431

قَالَ الْحَاكِم: ((هَذَا ثابت بن موسى الزاهد دخل عَلَى شريك بن عَبْد الله القاضي والمستملي بَيْنَ يديه، وشريك يقول: حَدَّثَنَا الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قَالَ: قَالَ رَسُوْل الله ﷺ وَلَمْ يذكر الْمَتْن، فلما نظر إلى ثابت بن موسى قَالَ: من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار. وإنما أراد بِذَلِكَ ثابت بن موسى لزهده وورعه، فظن ثابت بن موسى أنه رَوَى الْحَدِيْث مرفوعاً بهذا الإسناد، فكان ثابت بن موسى يحدِّث بِهِ عن شريك، عن الأعمش، عن أَبِي سفيان، عن جابر، وليس لهذا الْحَدِيْث أصل إلا من هَذَا الوجه، وعن قوم من المجروحين سرقوه من ثابت بن موسى فرووه عن شريك)) (١). قَالَ الحافظ العراقي: ((فعلى هَذَا هُوَ من أقسام المدرج)) (٢). المطلب الثالث أسباب وقوع الإدراج إن الباعث للراوي عَلَى الإدراج يختلف من شخص لآخر، ومن حَدِيْث إلى حَدِيْث غيره، ما بَيْنَ بيان لتفسير كلمة، أَوْ استنباط لحكم، أَوْ قلة ضبط. ويمكننا أن نجمل سبب وقوع الإدراج فِيْمَا يأتي (٣): ١ - أن يريد الرَّاوِي تفسير بعض الألفاظ الغريبة الواردة في متن الْحَدِيْث، فيحملها عَنْهُ بعض الرُّوَاة من غَيْر تفصيل لتفسير تِلْكَ الألفاظ. مثاله: حَدِيْث عقيل (٤)، عن ابن شهاب الزهري، عن عروة بن الزبير، عن عائشة أم المؤمنين في قصة بدء الوحي، وفيه: ((وَكَانَ يخلو بغار حراء فيتحنث فِيْهِ، وَهُوَ التعبد ...)) (٥). فقوله: ((وَهُوَ التعبد)) مدرج من كلام الزهري في الْحَدِيْث (٦).

стр. 432

٢ - أن يقصد الرَّاوِي إثبات حكم ويستدل عليه بالحديث المرفوع. ومثاله ما سبق (١) في حَدِيْث أَبِي هُرَيْرَة ﵁: ((أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار)). ٣ - أن يريد الرَّاوِي بيان حكم يُستَنبطُ من كلام النَّبِيّ ﷺ . ومثاله ما تقدم (٢) في حَدِيْث بسرة بنت صفوان ﵂: ((مَنْ مس ذكره أو رفغه أو أنثييه فليتوضأ)). قَالَ السيوطي: ((فعروة لمّا فهم من لفظ الخبر أن سبب نقض الوضوء مظنة الشهوة جعل حكم ما قرب من الذكر كذلك فَقَالَ ذَلِكَ، فظن بعض الرُّوَاة أنه من صلب الخبر فنقله مدرجاً فِيْهِ، وفهم الآخرون الحال ففصلوا)) (٣). ٤ - اختصار الْحَدِيْث والرواية بالمعنى. ٥ - الخطأ الناشئ عن عدم ضبط الرَّاوِي لمروياته. المطلب الرابع طرق الكشف عن الإدراج لَمْ يَكُن النقد الحديثي في وقت من أوقاته عبارة عن إلقاء للكلام عَلَى عواهنه، بَلْ هُوَ أمر في غاية العسر، تحكمه القرائن وتقويه المرجحات وتسنده أقوال أئمة هَذَا الشأن. ولا ريب أن الكشف عن الْحَدِيْث المعل بأية علة كانت يفتقر إلى اطلاع واسع وخبرة بالرجال ودراية بأقوال النقاد وملاحظة مواضع كلامهم، ومن هنا كَانَ الحكم عَلَى حَدِيْث ما بالإدراج شَيْئاً ليس بالهين. لذا نجد الإمام ابن دقيق العيد يضعف الحكم بالإدراج عَلَى الْحَدِيْث إذا كَانَ اللفظ المدرج في أثناء متن الْحَدِيْث، ويضعف أكثر إذا كَانَ قَبْلَ اللفظ المرفوع، أو معطوفاً عليه بواو العطف (٤). ويعلل هَذَا الضعف بقوله: ((لما فِيْهِ من اتصال هَذِهِ اللفظة بالعامل الَّذِيْ هُوَ من

стр. 433

لفظ الرسول ﷺ )) (١). والحق أنه إذا قامت قرائن ومرجحات تقوي في نفس الناقد الحكم عَلَى تِلْكَ اللفظة بالإدراج فلا مانع من ذَلِكَ، وفي هَذَا يقول الحافظ ابن حجر: ((وفي الجملة إذا قام الدليل عَلَى إدراج جملة معينة بحيث يغلب عَلَى الظن ذَلِكَ، فسواء كَانَ في الأول أو الوسط أَو الآخر، فإن سبب ذَلِكَ الاختصار من بعض الرُّوَاة بحذف أداة التفسير أَو التفصيل، فيجيء مَن بعده فيرويه مدمجاً من غَيْر تفصيل فيقع ذَلِكَ)) (٢). وَقَد وضع العلماء جملة من القواعد الَّتِيْ يعرف بِهَا كون الْحَدِيْث مدرجاً، يمكننا حصرها فِيْمَا يأتي: ١ - أن يَكُوْن لفظه مِمَّا تستحيل إضافته إلى النَّبِيّ ﷺ . مثاله: حَدِيْث عَبْد الله بن المبارك، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُوْل الله ﷺ : ((للعبد المملوك أجران، والذي نفسي بيده لولا الجهاد في سبيل الله والحج وبر أمي لأحببت أن أموت وأنا مملوك)) (٣). فقوله: ((والذي نفسي بيده ... الخ الْحَدِيْث))، مِمَّا تستحيل نسبته إلى النَّبِيّ ﷺ إِذْ لا يجوز في حقه أن يتمنى الرِّق، وأيضاً لَمْ تكن لَهُ أم يبرها، ولما فتشنا وجدناه مدرجاً من كلام أبي هُرَيْرَة. فَقَدْ أخرجه البخاري (٤) عن بشر بن محمد (٥)، عن عَبْد الله بن المبارك، عن يونس، عن الزهري، عن أبي هُرَيْرَة، بِهِ. فأدرج كلام أبي هُرَيْرَة في المرفوع، وفصل القدر المدرج ثلاثة من الرُّوَاة عن ابن المبارك هم: ١ - إِبْرَاهِيْم بن إسحاق الطالقاني: عِنْدَ أحمد (٦).

стр. 434

٢ - عبدان المروزي (١): عِنْدَ البيهقي (٢). ٣ - حبان بن موسى المروزي (٣): عِنْدَ الْخَطِيْب (٤). كَمَا أن ابن المبارك متابع في روايته عن يونس متابعة تامة، تابعه: ١ - أبو صفوان الأموي (٥): عِنْدَ مُسْلِم (٦). ٢ - سليمان بن بلال: عِنْدَ البخاري في "الأدب المفرد" (٧). ٣ - عَبْد الله بن وهب: عِنْدَ مُسْلِم (٨)، وأبي عوانة (٩)، والخطيب (١٠). ٤ - عثمان بن عمر (١١): عِنْدَ أحمد (١٢)، وأبي عوانة (١٣). فظهر أن هَذَا الجزء من الْمَتْن مدرج في حَدِيْث رَسُوْل الله ﷺ من كلام أبي هُرَيْرَة، قَالَ الْخَطِيْب: ((وقول النَّبِيّ ﷺ هُوَ: ((للعبد الصالح أجران)) فَقَطْ، وما بَعْدَ ذَلِكَ إنما هُوَ كلام أبي هُرَيْرَة)) (١٤).

стр. 435

٢ - أن يرد التصريح من الصَّحَابِيّ بأنه لَمْ يَسْمَع تِلْكَ الجملة من النَّبِيّ ﷺ مثاله: ما رواه أحمد بن عَبْد الجبار العطاردي (١)، عن أبي بكر بن عياش (٢)، عن عاصم بن أبي النجود، عن زر بن حبيش (٣)، عن عَبْد الله بن مسعود، عن النَّبِيّ ﷺ : ((من مات وَهُوَ لا يشرك بالله شَيْئاً دخل الجنة، ومن مات وَهُوَ يشرك بالله شَيْئاً دخل النار)) (٤). فأحمد بن عَبْد الجبار وهم في هَذَا الْحَدِيْث، فأدرج الجملة الثانية في المرفوع من الْحَدِيْث وَهُوَ الجملة الأولى، قَالَ الْخَطِيْب: ((هكذا رَوَى هَذَا الْحَدِيْث أحمد بن عَبْد الجبار العطاردي، عن أبي بكر بن عياش، ووهم في إسناده وفي متنه. أما الوهم في إسناده فإن عاصماً إنما كَانَ يرويه عن أبي وائل شقيق بن سلمة، عن عَبْد الله، لا عن زر، وَقَدْ رَوَاهُ كذلك عن أبي بكر: أسود بن عامر (٥) شاذان، وأبو هشام مُحَمَّد بن يزيد الرفاعي (٦)، وأبو كريب مُحَمَّد بن العلاء الهمداني، ووافقهم حماد ابن شعيب (٧) والهيثم بن جهم (٨) والد عثمان بن الهيثم المؤذن، فروياه عن عاصم، عن

стр. 436

أبي وائل كذلك. وأما الوهم في متن الْحَدِيْث: فإن العطاردي في روايته جعله كله كلام النَّبِيّ ﷺ وليس كذلك، وإنما الفصل في ذكر من مات مشركاً قَوْل رَسُوْل الله ﷺ ، والفصل الثاني في ذكر من مات غَيْر مشرك قَوْل عَبْد الله بن مسعود)) (١). وَقَدْ رَوَاهُ جمع من الرُّوَاة عن أبي بكر بن عياش وميزوا بَيْنَ الفصلين، وهم: ١ - أبوكريب مُحَمَّد بن العلاء: عِنْدَ الْخَطِيْب في "الفصل" (٢). ٢ - الأسود بن عامر (شاذان): عِنْدَ: أحمد (٣)، ومن طريقه الْخَطِيْب (٤). ٣ - مُحَمَّد بن يزيد أبو هاشم الرفاعي: عِنْدَ أبي يعلى (٥)، والخطيب (٦). ثُمَّ إن أبا بكر بن عياش متابع عليه في روايته عن عاصم، تابعه: ١ - حماد بن شعيب: عند الْخَطِيْب (٧). ٢ - الهيثم بن جهم: عِنْدَ الْخَطِيْب أَيْضاً (٨). ٣ - أبو أيوب الإفريقي (٩): عِنْدَ الطبراني في "الكبير" (١٠) و "الأوسط" (١١). ورواه أحمد بن يونس، عن أبي بكر بن عياش مقتصراً عَلَى اللفظ المرفوع (١٢). ولفظ الْحَدِيْث كَمَا رَوَاهُ أحمد (١٣) من طريق أسود بن عامر: قَالَ عَبْد الله: سَمِعْتُ رَسُوْل الله ﷺ يقول: ((من جعل لله نداً جعله الله في النار))، وَقَالَ: وأخرى أقولها لَمْ أسمعها مِنْهُ: من مات لا يجعل لله نداً أدخله الله الجنة.

стр. 437

٣ - أن يفصِّل بعض الرُّوَاة فيبينوا المدرج ويَفْصِلُوه عن الْمَتْن المرفوع، ويضيفوه إلى قائله: مثاله: ما رَوَاهُ عَبْد الله بن خيران (١)، عن شعبة، عن أنس بن سيرين، أنه سَمِعَ ابن عمر رضي الله تَعَالَى عنهما يقول: طلقت امرأتي وَهِيَ حائض، فذكر عمر ﵁ ذَلِكَ للنبي ﷺ فَقَالَ: ((مُرهُ فليراجعها، فإذا طهرت فليطلقها)) قَالَ: فتحتسب بالتطليقة؟ قَالَ: فمه (٢). قَالَ الْخَطِيْب: ((والصواب أن الاستفهام من قَوْل أنس بن سيرين، وأن جوابه من قول ابن عمر)) (٣). وَقَدْ بيّن ذَلِكَ جَمَاعَة الرُّوَاة عن شعبة، وهم: ١ - بهز بن أسد (٤): وروايته عِنْدَ أحمد (٥)، ومسلم (٦). ٢ - الحجاج بن منهال (٧): عِنْدَ الطحاوي (٨). ٣ - خالد بن الحارث: عِنْدَ مُسْلِم (٩). ٤ - سليمان بن حرب: عِنْدَ البخاري (١٠). ٥ - مُحَمَّد بن جعفر (غندر): عِنْدَ أحمد (١١)، ومسلم (١٢)، والخطيب (١٣).

стр. 438

٦ - النضر بن شميل المازني عِنْدَ الْخَطِيْب (١). ٧ - يحيى بن سعيد القطان: عِنْدَ الْخَطِيْب (٢). ٨ - يزيد بن هارون: عِنْدَ ابن الجارود (٣). فظهر أن عَبْد الله بن خيران أدرج سؤال ابن سيرين وجواب ابن عمر لَهُ في الْحَدِيْث وجعل صورة الكل كأنه مرفوع. ولفظ الْحَدِيْث كَمَا أخرجه أحمد (٤) من طريق مُحَمَّد بن جعفر (غندر)، عن شعبة، عن أنس بن سيرين، أنه سَمِعَ ابن عمر قَالَ: طلقت امرأتي وَهِيَ حائض، فأتى عمر النَّبِيّ ﷺ فأخبره، فَقَالَ: ((مُره فليراجعها، ثُمَّ إذا طهرت فليطلقها)). قُلْتُ لابن عمر: أحسب تِلْكَ تطليقة؟ قَالَ: فمه!! إلا أن الحَافِظ ابن حجر استدرك عَلَى حكمنا عَلَى الْحَدِيْث بالإدراج موافقة لهذه القاعدة الثالثة بأن البت بالحكم هنا لَيْسَ لَهُ قوة البت بالحكم في النوعين الماضيين، فَقَالَ: ((والحكم عَلَى هَذَا القسم الثالث بالإدراج يَكُوْن بحسب غلبة ظن المحدّث الحَافِظ الناقد، ولا يوجب القطع بِذَلِكَ خلاف القسمين الأولين، وأكثر هَذَا الثالث يقع تفسيراً لبعض الألفاظ الواقعة في الْحَدِيْث كَمَا في أحاديث الشغار والمحاقلة والمزابنة)) (٥). المطلب الخامس: حكم الإدراج اتضح لنا فِيْمَا مضى أن الإدراج علة يعل بِهَا الْحَدِيْث، سواء وقعت في الْمَتْن أو الإسناد، لذا فتعمد الإدراج حرام (٦)، بَلْ هُوَ أمر قادح في عدالة الرَّاوِي، لا سيما إذا انبنى عَلَى ذَلِكَ شيء من الأحكام العلمية أَوْ العملية، قَالَ الإمام أبو المظفر السمعاني: ((وأما من يدلس في المتون فهذا مطرح الْحَدِيْث مجروح العدالة، وَهُوَ مِمَّنْ يحرف

стр. 439

الكلم عن مواضعه وإن كَانَ ملحقاً بالكذابين وَلَمْ يقبل حديثه)) (١). إلا أن الحافظ السيوطي رأى أن تفسير الغريب الَّذِيْ يقع في متن الْحَدِيْث غَيْر ممنوع، واستدل بفعل الزهري وغيره من أساطين الرِّوَايَة لَهُ (٢). والذي أراه أن لا بأس بهذا الاستثناء لا سيما إذا أتي بفصل يبين المدرج، والله أعلم. المبحث السادس الاختلاف بسبب خطأ الراوي الخطأ في رِوَايَة الثقات أمرٌ وارد، إِذْ لا يلزم من رِوَايَة الثقة أن تكون صواباً، إِذ الأصل فِيْهَا الصواب والخطأ طارئٌ محتمل، فالراوي الثقة مهما بلغ أعلى مراتب الضبط والإتقان فالخطأ في روايته يبقى أمراً محتملاً وليس بعيداً، ومعرفة الخطأ في حَدِيْث الثقة لا يتمكن من مَعْرِفَته إلا الأئمة الجامعون، وَقَدْ يطلع الجهبذ من أئمة الْحَدِيْث عَلَى حَدِيْث ما فيحكم عليه بخطأ راويه الثقة مع أن ظاهر الْحَدِيْث السلامة من هَذِهِ العلة القادحة، لَكِن العالم الفهم لا يحكم بِذَلِكَ عن هوى بَلْ يترجح لديه أن أحد الرُّوَاة قَدْ أخطأ في هَذَا الْحَدِيْث، وذلك للقرائن الَّتِيْ تحيط بالحديث، ومثل هَذِهِ الْمَعْرِفَة لا تتضح لكل أحد، بَلْ هِيَ لِمَنْ منحه الله فهماً دقيقاً واطلاعاً واسعاً وإدراكاً كبيراً ومعرفة بعلل الأسانيد ومتونها ومشكلاتها وغوامضها، ومعرفة واسعة بطرق الْحَدِيْث ومخارجه، وأحوال الرُّوَاة وصفاتهم. وما دام إدراك الخطأ في حَدِيْث الثقة أمراً خفياً لا يتمكن مِنْهُ كُلّ أحد، ولا ينكشف لكل ناقد فإن بعضاً من أخطاء الثقات قَدْ ظن بِهَا جَمَاعَة من القوم صحيحة لظاهر ثقة رجالها واتصال إسنادها وظاهر خلوها من العلة، وَقَدْ أخذوا بتلك الأحاديث وعملوا بِهَا تحسيناً لظنهم بأولئك الرُّوَاة الثقات فحصل اختلاف بَيْنَ الأحاديث مِمَّا أدى إلى اختلاف في الفقه الإسلامي. مثال ذَلِكَ: حَدِيْث وائل بن حجر في الجهر بآمين بَعْدَ قِرَاءة الفاتحة في الصلاة. فَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيْث: سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل (٣)، عن حجر بن

стр. 440

العنبس (١)، عن وائل بن حجر، قَالَ: ((سَمِعْتُ النَّبِيّ ﷺ قرأ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ فَقَالَ: آمين ومد بِهَا صوته)) (٢). وَقَدْ أخطأ الإمام الحافظ شعبة بن الحجاج، في هَذَا الْحَدِيْث فخالف سفيان في رِوَايَة هَذَا الْحَدِيْث إِذْ رَوَاهُ عن سلمة بن كهيل، عن حجر أبي العنبس، عن علقمة بن وائل، عن وائل، قَالَ: ((صلى بنا رَسُوْل الله ﷺ فلما قرأ: ﴿غَيْر المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ قَالَ: آمين وأخفى بِهَا صوته)) (٣). فَقَدْ خالف شعبة سفيان في سند الْحَدِيْث: ١ - عندما أضاف علقمة. ٢ - أبدل حجر بن عنبس بـ: (حجر أبو العنبس). ٣ - خالفه في الْمَتْن فَقَالَ: ((خفض بِهَا صوته))

стр. 441

قَالَ الإمام الترمذي: ((سَمِعْتُ مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيْل - البخاري - يقول: ((حَدِيْث سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل في هَذَا الباب أصح من حَدِيْث شعبة، وشعبة أخطأ في هَذَا الْحَدِيْث في مواضع، قَالَ: ((عن سلمة بن كهيل، عن حجر أبي العنبس، وإنما هُوَ حجر بن عنبس، عن وائل بن حجر، ليس فِيْهِ علقمة، وَقَالَ: ((وخفض بِهَا صوته)) وَالصَّحِيْح أنه جهر بِهَا)) وسألت أبا زرعة فَقَالَ: ((حَدِيْث سفيان أصح من حَدِيْث شعبة، وَقَدْ رَوَاهُ العلاء بن صالح (١))) (٢). وَقَدْ عقّب الحافظ البيهقي عَلَى قَوْل هذين الجهبذين فَقَالَ: ((أما خطؤه في متنه فبين، وأما قوله: ((حجر أبو العنبس)) فكذلك ذكره مُحَمَّد بن كثير عن الثوري (٣)، وأما قوله: عن علقمة فَقَدْ بين في روايته أن حجراً سمعه من علقمة، وَقَدْ سمعه أَيْضاً من وائل نفسه (٤)، وَقَدْ رَوَاهُ أبو الوليد الطيالسي عن شعبة نحو رِوَايَة الثوري)) (٥). وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: ((كَذَا قَالَ شعبة وأخفى بِهَا صوته، ويقال: إنه وهم فِيْهِ؛ ولأن سفيان الثوري ومحمد بن سلمة بن كهيل، وغيرهما رووه عن سلمة، فقالوا: ورفع صوته بآمين، وَهُوَ الصواب)) (٦). والذي يهمنا في مجال بحثنا هُوَ خطأ الإمام شعبة بقوله: ((أخفى بِهَا صوته))، والمرجح هنا هُوَ رِوَايَة سفيان، وعند الاختلاف من غَيْر مرجحات فرواية سفيان أقوى من رِوَايَة شعبة؛ إِذْ قَالَ شعبة نفسه: ((سُفْيَان أحفظ مني))، وَقَالَ لَهُ رجل: وخالفك سُفْيَان قَالَ: ((دمغتني))، وَقَالَ يحيى بن سعيد القطان: ((ليس أحدٌ أحب إليّ من شعبة، ولا يعدله عندي، وإذا خالفه سفيان أخذت بقول سفيان)) (٧). وَقَالَ البيهقي: ((لا أعلم

стр. 442

اختلافاً بَيْنَ أهل العلم بالحديث أن سفيان وشعبة إذا اختلفا فالقول قَوْل سفيان)) (١). وَقَدْ احتج ابن قيم الجوزية (٢) بترجيح رِوَايَة سفيان بخمس حجج: الأولى: قَوْل العلماء السابق في ترجيح رِوَايَة سفيان. الثانية: متابعة العلاء بن صالح (٣)، ومحمد بن سلمة بن كهيل (٤) لسفيان في روايتيهما عن سلمة بن كهيل (٥). الثالث: هُوَ أن أبا الوليد الطيالسي رَوَى عن شعبة في الْمَتْن بنحو حَدِيْث الثوري، إذن فَقَد اختلف عَلَى شعبة في روايته فَقَالَ البيهقي: ((فيحتمل أن يَكُوْن تنبه لِذَلِكَ فعاد إلى الصواب في متنه، وترك ذكر ذَلِكَ عن علقمة في إسناده)). الرابع: هُوَ أن رِوَايَة الرفع متضمنة لزيادة، وكانت هَذِهِ الزيادة أولى بالقبول. الخامس: هِيَ أن هَذِهِ الرِّوَايَة موافقة ومفسرة لحديث أبي هُرَيْرَة: ((إذا أمن الإمام فأمنوا)) (٦). ثُمَّ إن الْحَدِيْث ورد من طريق علقمة بن وائل (٧)، وعبد الجبار بن وائل (٨)، وكليب بن شهاب (٩)؛ ثلاثتهم رووه عن وائل بن حجر بنحو رِوَايَة سُفْيَان، وهذا كله يدل عَلَى أن شعبة قَدْ أخطأ في هَذَا الْحَدِيْث.

стр. 443

أثر الْحَدِيْث في اختلاف الفقهاء قَوْل الإمام ((آمين)) بَعْدَ قِرَاءة الفاتحة: اختلف العلماء ﵏ في هَذِهِ المسألة عَلَى ثلاثة أقوال: القَوْل الأول: إن الإمام يقول ((آمين)) بَعْدَ قِرَاءة الفاتحة وكذلك المأموم: وهذا قَوْل جمهور الصَّحَابَة والتابعين (١). وإليه ذهب أبو حَنِيْفَة في رِوَايَة وَهِيَ الأشهر (٢)، ومالك في رِوَايَة المدنيين عَنْهُ (٣)، والشافعي (٤)، وأحمد (٥)، والظاهرية (٦). واستدلوا بحديث سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عَبْد الرحمان، عن أبي هُرَيْرَة ﵁ أن النَّبِيّ ﷺ قَالَ: ((إذا أمَّن الإمام، فأمنوا؛ فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة، غفر لَهُ ما تقدم من ذنبه)) وَهُوَ حَدِيْث صَحِيْح، سيأتي تفصيل تخريجه. القَوْل الثاني: إن الإمام لا يقول ((آمين)) بَلْ يقتصر قولها عَلَى المأموم فَقَطْ: وهذا قَوْل أبي حَنِيْفَة في رِوَايَة مُحَمَّد بن الحسن عَنْهُ (٧)، ومالك في رِوَايَة ابن القاسم والمصريين عَنْهُ (٨). واستدلوا بحديث سُمي مولى أبي بكر بن عَبْد الرحمان (٩)، عن أبي صالح، عن

стр. 444

أبي هُرَيْرَة، أن رَسُوْل الله ﷺ قَالَ: ((إذا قَالَ الإمام ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾، فقولوا: آمين، فإنه مَنْ وافق قوله قَوْل الملائكة غفر لَهُ ما تقدم من ذنبه)). قَالَ ابن عَبْد البر: ((في هَذَا الْحَدِيْث دليل عَلَى أن الإمام لا يقول: ((آمين)))) (١). القَوْل الثالث: إن الإمام والمأموم لا يقولان: ((آمين)): وهذا قَوْل الزيدية (٢)، والإمامية (٣). واستدلوا بقوله ﷺ لِمَنْ شمت العاطس في الصلاة: ((إن هَذِهِ الصلاة لا يصلح فِيْهَا شيءٌ من كلام الناس)) (٤). الجهر بـ ((آمين)) للإمام: اختلف العلماء ﵏ في هَذِهِ المسألة عَلَى قولين: القَوْل الأول: إن الإمام يجهر بـ ((آمين)): وهذا قَوْل غَيْر واحد من أهل العِلْم من أصحاب النَّبِيّ ﷺ والتابعين ومن بعدهم (٥). وإليه ذهب مالك في رِوَايَة المدنيين عَنْهُ (٦)، والشافعي (٧)، وأحمد (٨)، وابن

стр. 445

حزم (١). واستدلوا بحديث أبي هُرَيْرَة ﵁ أن رَسُوْل الله ﷺ قَالَ: ((إذا أمن الإمام فأمنوا، فإنه مَن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر الله لَهُ ما تقدم من ذنبه)) (٢).

стр. 446

وحديث بلال ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيّ ﷺ : ((لا تسبقني بآمين)) (١). وحديث وائل بن حجر: ((أن النَّبِيّ ﷺ كَانَ يجهر بـ: آمين)) (٢).

стр. 447

القَوْل الثاني: إن الإمام يُسر بِهَا: وهذا قَوْل عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود ﵃ (١). وبه قَالَ أبو حَنِيْفَة (٢)، ومالك في رِوَايَة بعض المدنيين عَنْهُ (٣). واستدلوا بحديث وائل بن حجر من طريق شعبة (٤). قَالَ الزيلعي: ((ولأنه دعاء فيكون مبناه عَلَى الإخفاء ولأنه لَوْ جهر به عقيب الجهر بالقرآن لأوهم أنها من القرآن فيمنع مِنْهُ دفعاً للإيهام ولهذا لَمْ تكتب في المصاحف)) (٥). وَقَالَ الشَّافِعِيّ في "الجديد": ((إن المأموم لا يجهر بـ: آمين)) (٦).

стр. 448

المبحث السابع: المقلوب، وأثره في اختلاف الفقهاء وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: تعريفه. المطلب الثاني: أنواعه. المطلب الثالث: أسباب القلب.

стр. 449

المطلب الأول: تعريفه المقلوب: اسم مفعول من (قَلَبَ)، ومعناه: تحويل الشيء عن وجهه، وقَلَبَه يَقلِبُه قَلْباً، وَقَدْ انقلب وقَلَب الشيء وقَلَّبه. تقول: قلبت الشيء فانقلب: إذا كببته، وقلّبه بيده تقليباً، وكلام مقلوب: ليس عَلَى وجهه، والقَلْبُ: صرفك إنساناً تَقْلِبُه عن وجهه الَّذِيْ يريد، وقلّب الأمور: بحثها ونظر في عواقبها، ومنه قوله تَعَالَى: ﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ﴾ (١)، وتَقلَّب في الأمور والبلاد: تصرف فِيْهَا كيفما شاء، وفي التنْزيل: ﴿فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ﴾ (٢). وَقَالَ ابن فارس: ((القاف واللام والباء أصلان صحيحان: أحدهما يدل عَلَى خالص الشيء وشريفه، والآخر عَلَى ردِّ شيء من جهة إلى جهة)). ومنه المثل العربي: ((((أَقْلِبْ قَلاّب)) يضرب لِمَنْ تفرط مِنْهُ سقطة، فيتلافاها بقلبها إلى غَيْر معناها)) (٣). أما في الاصطلاح: فهو الْحَدِيْث الَّذِيْ أبدل فِيْهِ راويه شَيْئاً بآخر في السند أو في الْمَتْن عمداً أو سهواً (٤). العلاقة بَيْنَ المعنى اللغوي والاصطلاحي: نلاحظ أن معنى القلب متوافر في المعنى الاصطلاحي، فهو في اللغة تغيير الشيء عن وجهه، فسميَ بِهِ هَذَا الفعل في الاصطلاح فكأن الرَّاوِي قلب الْحَدِيْث وأخرجه عن وجهه الصَّحِيْح، عمداً كَانَ فعله أم سهواً.

стр. 450

المطلب الثاني: أنواعه القلب يقع تارة في الْمَتْن وتارة في السند وتارة فيهما، وعليه فيمكننا جعله عَلَى ثلاثة أنواع (١): ١ - الأول: القلب في الْمَتْن. ٢ - الثاني: القلب في الإسناد. ٣ - الثالث: القلب في الْمَتْن والإسناد. النوع الأول: القلب في المتن وَهُوَ أن يقع الإبدال في متن الْحَدِيْث لا في سنده، وَهُوَ قسمان (٢): الأول: أن يبدل في متن الْحَدِيْث بالتقديم والتأخير: بحيث يَكُوْن التغيير إما بتقديم جملة عَلَى جملة، أو كلمة عَلَى جملة، فإما أن يزيد لفظاً من خارج الْحَدِيْث فهو مدرج لا مقلوب. مثاله: ما روي من طريق علي بن عثمان اللاحقي (٣)، عن حماد بن سلمة، عن مُحَمَّد بن زياد، عن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُوْل الله ﷺ : ((ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك من كَانَ قبلكم اختلافهم عَلَى أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوه، وإذا نهيتكم عن شيءٍ فاجتنبوه ما استطعتم)) (٤). فهذا الْحَدِيْث مقلوب في متنه. والذي تفرد بقلبه عن حماد بن سلمة هُوَ علي بن عثمان اللاحقي، إذ روي هَذَا الْحَدِيْث من طريق وكيع (٥)،وعبد الرحمان بن مهدي (٦) كلاهما عن حماد بن سلمة، عن مُحَمَّد بن زياد، عن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُوْل الله ﷺ : ((ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كَانَ قبلكم بسؤالهم، واختلافهم عَلَى أنبيائهم، فإذا أمرتكم بأمر فاتبعوه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه)) فالصواب الرِّوَايَة

стр. 451

الثانية، وتابع حماد بن سلمة عَلَى الرِّوَايَة الثانية عن مُحَمَّد بن زياد: شعبة (١)، والربيع بن مُسْلِم (٢) القرشي (٣) فرووه عن مُحَمَّد بن زياد، عن أبي هُرَيْرَة برواية الثانية. كَمَا أن علي بن عثمان اللاحقي قَدْ قلب الإسناد والمتن في موقع آخر فَقَدْ رَوَى الْحَدِيْث عن حماد بن سلمة، عن أيوب وهشام، عن مُحَمَّد بن سيرين، عن أبي هُرَيْرَة برواية الأولى المقلوبة الْمَتْن فَقَدْ خالف هنا وكيعاً، وعبد الرحمان بن مهدي الَّذِيْنَ روياه عن حماد بن سلمة، عن مُحَمَّد بن زياد، عن أبي هُرَيْرَة، برواية الثانية كما مَرَّ، فعلي بن عثمان خالف هنا من هم أحفظ مِنْهُ عدداً وحفظاً أَيْضاً وخالفهم هنا في السند والمتن، كَمَا أن هَذَا الْحَدِيْث لَمْ يروَ من طريق مُحَمَّد بن سيرين، عن أبي هُرَيْرَة، إلا من رواية علي بن عثمان، فَقَدْ روي من عدة تابعين عن أبي هُرَيْرَة وليس فِيْهِمْ مُحَمَّد بن سيرين (٤).

стр. 452

ومثاله: ما سبق في نوع المدرج (١) في حَدِيْث عَبْد الله بن مسعود، إِذْ روي مقلوباً من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن شقيق بن سلمة، عن عَبْد الله بن مسعود، قَالَ: قَالَ رَسُوْل الله ﷺ كلمة وقلت أخرى، قَالَ رَسُوْل الله ﷺ : ((من مات لا يشرك بالله شَيْئاً دخل الجنة)) قَالَ: وقلت أنا: من مات يشرك بالله شَيْئاً دخل النار (٢). فَقَدْ خالف أَبُو معاوية بقية الرُّوَاة عن الأعمش، إِذْ رَوَاهُ عَنْهُ: ١ - أبو حمزة السكري (٣): عِنْدَ البخاري (٤). ٢ - حفص بن غياث: عِنْدَ البخاري (٥)، وابن منده (٦). ٣ - شعبة: عِنْدَ الطيالسي (٧)، وأحمد (٨)، والنسائي (٩)، وابن خزيمة (١٠)، والشاشي (١١)، والخطيب (١٢).

стр. 453

٤ - عَبْد الله بن نمير (١): عِنْدَ أحمد (٢)، ومسلم (٣)، وابن خزيمة (٤)، والشاشي (٥)، وابن منده (٦). ٥ - عَبْد الواحد بن زياد: عِنْدَ البخاري (٧)، وابن منده (٨). ٦ - وكيع بن الجراح: عِنْدَ أحمد (٩)، ومسلم (١٠)، وابن منده (١١). جميعهم عن الأعمش، عن شقيق، عن عَبْد الله بن مسعود قَالَ: قَالَ رَسُوْل الله ﷺ : ((من مات يشرك بالله شَيْئاً دخل النار)) وقلت أنا: من مات لا يشرك بالله شَيْئاً دخل الجنة. أضف إلى ذَلِكَ أن عاصم بن أبي النجود (١٢)، وسيار (١٣)،

стр. 454

والمغيرة (١)، رووا هَذَا الْحَدِيْث عن شقيق، عن عَبْد الله بن مسعود باللفظ الصَّحِيْح. وبهذا يَكُوْن أبو معاوية قَدْ خالف الرُّوَاة الأكثر مِنْهُ عدداً في رِوَايَة هَذَا الْحَدِيْث مقلوباً، لذا قَالَ ابن خزيمة: ((وشعبة وابن نمير أولى بمتن الخبر من أبي معاوية وتابعهما أَيْضاً سيار أبو الحكم (٢)، عن أبي وائل، عن عَبْد الله)) (٣). وَقَالَ الحافظ ابن حجر نقلاً عن الإسماعيلي: ((إنما المحفوظ أن الَّذِيْ قلبه أبو معاوية وحده، وبذلك جزم ابن خزيمة في "صحيحه"، والصواب رِوَايَة الجماعة)) (٤). ثُمَّ قَالَ: ((وهذا هُوَ الَّذِيْ يقتضيه النظر؛ لأن جانب الوعيد ثابت بالقرآن وجاءت السنة عَلَى وفقه، فلا يحتاج إلى استنباط، بخلاف جانب الوعد فإنه في محل البحث إِذْ لا يصح حمله عَلَى ظاهره)) (٥). الثاني: أن يبدل الرَّاوِي عامداً سند متنٍ بأن يجعله لمتن آخر، ويجعل للمتن الأول سنداً آخر، ودافع هَذَا الفعل أحد أمرين (٦): ١ - إما بقصد الإغراب وفاعل ذَلِكَ داخل في صنف الوضاعين ملحقاً بالكذابين (٧). مثاله: ما رواه عمرو بن خالد الحراني (٨)، عن حماد بن عمرو النصيبي (٩)، عن

стр. 455

الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هُرَيْرَة مرفوعاً: ((إذا لقيتم المشركين في طريق فلا تبدؤوهم بالسلام ... الْحَدِيْث)) (١).فهذا حَدِيْث قلبه حماد بن عمرو فجعله عن الأعمش، عن أبي صالح، وإنما هُوَ مشهور بسهيل بن أبي صالح، عن أبيه أبي صالح (٢)، هكذا رَوَاهُ الناس، عن سهيل، مِنْهُمْ: ١ - أبو بكر بن عياش: عِنْدَ الطحاوي (٣). ٢ - جرير بن عَبْد الحميد: عِنْدَ مُسْلِم (٤)، والبيهقي (٥). ٣ - خالد بن عَبْد الله (٦): عِنْدَ ابن النجار (٧). ٤ - زهير بن معاوية: عِنْدَ أحمد (٨)، وابن الجعد (٩)، وأبي عوانة (١٠). ٥ - سفيان الثوري: عِنْدَ عَبْد الرزاق (١١)، وأحمد (١٢)، والبخاري في "الأدب" (١٣)، ومسلم (١٤)، وأبي عوانة (١٥)، وأبي نعيم (١٦)، والبيهقي (١٧). ٦ - سليمان بن بلال: عِنْدَ أبي عوانة (١٨). ٧ - شعبة بن الحجاج: عِنْدَ الطيالسي (١٩)، وأحمد (٢٠)، ومسلم (٢١)، وأبي داود (٢٢)، وأبي عوانة (٢٣)، والطحاوي (٢٤)، وابن حبان (٢٥).

стр. 456

٨ - عَبْد العزيز بن مُحَمَّد الدراوردي: عِنْدَ مُسْلِم (١)،والترمذي (٢)،وأبي عوانة (٣). ٩ - معمر بن راشد: عِنْدَ عَبْد الرزاق (٤)، وأحمد (٥)، وأبي عوانة (٦)، والبغوي (٧). ١٠ - الوضاح بن يزيد اليشكري أبو عوانة: عِنْدَ أبي عوانة (٨)، وابن حبان (٩). ١١ - وهيب بن خالد: عِنْدَ البخاري في "الأدب" (١٠)، وأبي عوانة (١١). ١٢ - يحيى بن أيوب: عِنْدَ الطحاوي (١٢). ١٣ - يحيى بن سعيد: عِنْدَ أبي عوانة (١٣). ٢ - أن يَكُوْن بقصد الامتحان لمعرفة حفظ الشيخ وضبطه. مثاله: ما وقع للإمام البخاري ﵀ لما قدم بغداد، فأراد أهل الْحَدِيْث اختبار حفظه، فعمدوا إلى مئة حَدِيْث فقلبوا أسانيدها، وجعلوا أسانيد هَذِهِ لمتون تِلْكَ، ثُمَّ دفعوها إلى عشرة رجال لكل رجل عشرة أحاديث، فلما جاء البخاري وجلس للإملاء، وَكَانَ المجلس غاصاً بأصحاب الْحَدِيْث والفقهاء، قام لَهُ رجل من العشرة فسأله عن حَدِيْث من تِلْكَ الأحاديث، فَقَالَ البخاري: لا أعرفه، فسأله عن الآخر فَقَالَ: لا أعرفه، إلى تمام العشرة، ثُمَّ قام الثاني فالثالث حَتَّى نهاية العشرة، والبخاري لا يزيد عَلَى قوله: لا أعرفه، فكان من حضر المجلس من الفهماء يلتفت بعضهم إلى بعض، ويقولون: الرجل فهم. ومن كَانَ مِنْهُمْ غَيْر ذَلِكَ يقضي عَلَى البخاري بالعجز والتقصير وقلة الفهم. فلما علم أنهم فرغوا التفت إلى الأول مِنْهُمْ فَقَالَ: أما حديثك الأول فهو كَذَا، وحديثك الثاني كَذَا حَتَّى أتم العشرة، ثُمَّ أقبل عَلَى الثاني فالثالث، ورد المتون كلها إلى أسانيدها، وأسانيدها إلى متونها، فأقرّ لَهُ الناس بالحفظ وأذعنوا لَهُ بالفضل (١٤).

стр. 457

وَكَانَ الحافظ العراقي لا يتعجب من رد البخاري الخطأ إلى الصواب لسعة معرفته واطلاعه، وإنما كَانَ يعجب من حفظ الأحاديث المقلوبة عَلَى الموالاة من مرة واحدة (١). وَقَدْ وقع نحو هَذَا الامتحان لعدد من الْمُحَدِّثِيْنَ مِنْهُمْ: أبان بن عياش اختبره شعبة (٢)، وأبو نعيم الفضل بن دكين امتحنه يحيى بن معين (٣)، وأبو جعفر العقيلي (٤)، ومحمد بن عجلان (٥)، وغيرهم. وفي جواز قلب الأحاديث لامتحان حفظ المشايخ خلاف، إِذْ لَمْ يرتضيه بعض الْمُحَدِّثِيْنَ مثل: حرمي بن عمارة (٦)، ويحيى بن سعيد القطان (٧)، قَالَ الحافظ العراقي: ((وهذا يفعله أهل الْحَدِيْث كثيراً، وفي جوازه نظر إلا أنه إذا فعله أهل الْحَدِيْث لا يستقر حديثاً)) (٨)، فجوازه إذن مشروط بالبيان (٩). وَقَدْ يَكُوْن بالتقديم والتأخير في اسم الرَّاوِي مثل: كعب بن مرة (١٠)، فيجعل: مرة ابن كعب (١١).

стр. 458

٣ - الثالث: أن يقع في الإسناد والمتن معاً مثاله: ما رواه الْحَاكِم في "مَعْرِفَة علوم الْحَدِيْث" (١) من طريق المنذر بن عَبْد الله الحزامي، عن عَبْد العزيز بن أبي سلمة الماجشون (٢)، عن عَبْد الله بن دينار، عن ابن عمر، أن رَسُوْل الله ﷺ كَانَ إذا افتتح الصلاة قَالَ: ((سبحانك اللهم تبارك اسمك وتعالى جدك ...)). فهذا الْحَدِيْث مقلوب سنداً ومتناً، أما سنداً فإن عَبْدالعزيز بن أبي سلمة يرويه عن عَبْد الله بن الفضل (٣)، عن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع (٤)، عن علي بن أبي طالب. وأما القلب في الْمَتْن فإن لفظ حَدِيْث عَبْد العزيز: أن النَّبِيّ ﷺ كَانَ إذا استفتح الصلاة يكبر ثُمَّ يقول: ((وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين ...)). هكذا رَوَاهُ حجين (٥)، وأبو غسان مالك (٦) بن إِسْمَاعِيْل (٧) عن عَبْد العزيز بن أَبِي سلمة. ورواه أَيْضاً:

стр. 459

١ - أحمد بن خالد (١): عِنْدَ ابن خزيمة (٢)، والطحاوي (٣). ٢ - أبو سعيد (٤): عِنْدَ أحمد (٥)، وابن حزم (٦). ٣ - عَبْد الله بن رجاء: عِنْدَ الطحاوي (٧). ٤ - عَبْد الله بن صالح: عِنْدَ الطحاوي (٨). أربعتهم، عن عَبْد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، عن عَبْد الله بن الفضل والماجشون كلاهما، عن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي، بِهِ عَلَى الصواب. ورواه أَيْضاً: ١ - أبو داود الطيالسي: في "مسنده" (٩)، ومن طريقه الترمذي (١٠). ٢ - أَبُو صالح عَبْد الله بن صالح (كاتب الليث (١١)): عِنْدَ ابن الجارود (١٢)، وابن خزيمة (١٣). ٣ - أبو النضر هاشم بن قاسم: عِنْدَ أحمد (١٤)، ومسلم (١٥)، وابن حبان (١٦).

стр. 460

٤ - أبو الوليد: عِنْدَ الترمذي (١). ٥ - حجاج بن منهال: عِنْدَ ابن الجارود (٢)، وابن خزيمة (٣). ٦ - حجين: عِنْدَ أحمد (٤)، وابن خزيمة (٥). ٧ - سويد بن عمرو الكلبي (٦): عِنْدَ ابن أبي شيبة (٧). ٨ - عَبْد الرحمان بن مهدي: عِنْدَ مُسْلِم (٨)،والنسائي (٩)،وأبي يعلى (١٠)،وابن حزم (١١). ٩ - معاذ بن معاذ بن نصر: عِنْدَ أبي داود (١٢). ١٠ - يحيى بن حسان: عِنْدَ الدارمي (١٣)، والطحاوي (١٤). ١١ - يزيد بن هارون: عِنْدَ الدارقطني (١٥). جميعهم، عن عَبْد العزيز بن أَبِي سلمة، عن يعقوب الماجشون منفرداً، عن الأعرج، عن عبيد الله، عن علي، بِهِ (١٦).
следующие страницы →