والجر: صفة لـ (لمؤمنين)، وإذا عطف اسم علَى مجرورِ (ربَّ) وَكَانَ مضافًا لضمير مجرورها .. فهو نكرة عند المصنف، كـ (رب رجل وأخيه)، فـ (أخيه) نكرة؛ لأنَّ العامل فِي المعطوف: هو العامل فِي المعطوف عليه علَى الصّحيح، و (رب): لا تجر معرفة؛ فالتّقدير: (رب رجل وأخ لهُ)؛ وكذا نحو: (كم ناقة وفصيلها)؛ لأنَّ (كم) الاستفهامية لا تعمل إِلَّا فِي النّكرة؛ والتّقدير: (كم ناقة وفصيلًا لها).
واختار بعضهم غير هذا محتجًا بأنه يغتفر فِي المعطوفات، وسيأتي فِي العطف.
وفي الضّمير العائد علّى النّكرة أقوال:
* نكرة مطلقًا.
* معرفة مطلقًا.
* نكرة إن كان ما يعود إِليه واجب التّنكير؛ كالحال والتّمييز.
* وإِن كَانَ جائز التّنكير؛ كـ (رجل) .. فمعرفة.
وأبو حيان: أنه معرفة علَى الصّحيح، قال: لسدِّ المعرفة مسدَّه؛ فِي نحو: (لقيت رجلًا فضربت الرّجل)؛ أَي: (فضربته).
والفارسي: إن من العرب من يجعل (واحدُ أمِّه) و (عبدُ بطنِه) نكرتين، فيدخل عليهما (رب).
قال الشّيخ: وكونهما معرفتين: أشهر، ويلزم عليه تعرف الشّيء بنفسه؛ لأن الهاء عائدة علَى (واحدُ)، و (عبدُ).
وأجيب: بأنها عائدة علَى موصوف محذوف.
وقيل: إن تعريف الضّمير، والضّمير متوقف علَى ما يعود إِليه، فيكونان نكرتين بهذا الاعتبار؛ للزوم الدّور.
وقيل: إن نحو هذا إِنما وضع من أول الأمر مضافًا .. فهو نكرة، والكلام فيها طويل.
واللَّه الموفق
стр. 1017
ص:
٣٨٨ - وَإِنْ يُشَابِهِ الْمُضَافُ يَفْعَلُ ... وَصْفًا فَعَنْ تَنْكِيْرِهِ لَا يُعْزَلُ (١)
٣٨٩ - كَرُبَّ رَاجِيْنَا عَظِيْمِ الأَمَلِ ... مُرَوَّعِ الْقَلْبِ قَلِيْلِ الْحِيَلِ (٢)
٣٩٠ - وَذِي الإِضَافَةُ اسْمُهَا لَفْظِيَّهْ ... وَتِلْكَ مَحْضَةٌ وَمَعْنَوِيَّهْ (٣)
ش:
سبق ذكر الإِضافة المحضة.
* وأشار إِلَى القسم الثّاني: وهي الإِضافة اللّفظية.
وضابطها: أَن يكونَ المضاف وصفًا يشبه المضارع.
والمراد بشبه المضارع: كون الوصف مرادًا به الحال أَو الاستقبال، وإِليه أشار بقوله: (وَإِنْ يُشَابِهِ الْمُضَافُ يَفْعَلُ).
والمراد بالوصف هنا: اسم الفاعل واسم المفعول والصّفة المشبهة، بشرط إرادة الحال أَو الاستقبال كما ذكر.
فالأول: (زيد ضاربُ عمرٍو الآن أَو غدًا) ومنه قوله: (رَاجِيْنَا).
стр. 1018
والثّاني: (زيد مضروبُ العبدِ) ومنه: (مُرَوَّعِ الْقَلْبِ).
والثّالث: (حسنُ الوجهِ)، و (قليلُ الحيلِ)، و (عظيمُ الأملِ).
ويشترط فِي اسم الفاعل واسم المفعول هنا: أَن يضافا للمفعول؛ كـ (ضارب زيد)، و (مروع القلب)؛ فخرج نحو: (مضروب زيد)؛ لأنَّ (زيدٍ) ليس مفعولًا قبل الإضافة؛ ونحو: (ضارب القاضي)؛ أَي: (الّذي يُضرب بأمر القاضي) لا أَن القاضي مضروبه؛ ونحو: (أنا ضارب زيد أمس)، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ لأنَّ اسم الفاعل لا ينصب المفعول به ماضيًا علَى الصّحيح.
فالإِضافة فِي هذه المواضع: محضة لا لفظية.
وكذا إضافة المصدر: كـ (ضرب زيد).
خلافًا لابن الطّراوة وابن برهان: والصّحيح: أنها محضة؛ لوصفه بالمعرفة، فِي قول الشّاعرِ:
إنَّ وَجْدي بِكِ الشَّديدَ أَرَانِي ... ................. (١)
стр. 1019
وكذا أفعل التّفضيل علَى الصّحيح.
خلافًا للفارسي.
وفصل الكوفيون وابن السّراج والجزولي والجرجاني فقالوا: إن لم يرد به معنَى (مِن) .. كانت محضة؛ لأنه حينئذ بمنزلة ما لا تفصيل فيه.
وإِن أريد به معنَى (مِن) .. فغير محضة؛ لأنه حينئذ متضمن معنى الفعل والمصدر؛ إِذ التقدير فِي (زيد أفضلكم): (زيد يزيد فضله عليكم)، فَلَا يتعرف، كما لا يتعرف الفعل.
والإِضافة اللّفظية لا يكتسب فيها الأول تخصيصًا ولَا تعريفًا, فهو ملازم التّنكير كما قال: (فعَنْ تَنكِيرِهِ، لَا يُعزَلُ).
بخلاف المحضة كما سبق.
وحكَى أبو حيان عن سيبويه: أنه يجوز فيما إضافته لفظية: أَن يتعرف إِذا أُضِيفَ لمعرفة, خلا الصّفة المشبهة, ويؤيده قولُ الشّاعرِ:
لَمُبْلِغُكَ الوَاشِي أَغَشُّ وأَكْذَبُ (١) ... أن يجمعَ العالم في واحد
قال أبو حيان: هو هنا معرفة؛ لأنه وصف بالواشي وهو معرفة. انتهَى.
وإطلاقه يحتاج إِلَى تقييد.
والوجه: ما ذكره السّيوطي، قال: قَدْ يقصد تعريف الوصف المضاف لمعموله بأن يقصد الوصف به من غير اختصاص بزمان دونَ زمان، ولهذا وصف به المعرفة فِي قوله تعالَى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾، ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾.
وقيل: بدل؛ لكن المبدل بالمشتق ضعيف.
وأما كون الصّفة لا تتعرف مطلقًا .. فلأن الإِضافة فيها نقل عن أصل وهو الرّفع.
стр. 1020
بخلاف غيرها؛ فإِنها نقل عن فرع وهو النّصب.
والحاصل: أَن الوصف ما دام مختصًا بالزّمان .. هو نكرة، ويدل علَى ذلك: دخول (رب) عليه، ووصف النّكرة به، ووقوعه حالًا:
فالأول؛ كَقَولِ الشَّاعرِ:
يَا رُبَّ غَابِطِنَا لَوْ كانَ يَطْلُبُكُمْ ... ................. (١)
وقول الشّيخ: (رُبَّ رَاجِينَا).
وبعضهم: منع دخول (رب) علَى المضاف المحلَّى بـ (أل)، فَلَا يقال: (رب الضّارب الرّجل).
стр. 1021
وسيأتي أَن (أل) تدخل هنا علَى المضاف.
والثّاني: كقولِهِ تعالَى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾، فـ (بالغ): صفة لـ (هديًا).
وقيل: بدل منه.
وأجيب: بأنه حيث كَانَ بدلًا من الحال .. فهو حال، والحال: واجبة التّنكير.
والثّالث: علَى وجهٍ من الإِعراب قوله تعالَى: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾، فِي قراءة عاصم، بنصب (حمالة).
وقيل: نصب علَى الذّم؛ أَي: أذم حمالة الحطب.
ونحو قول الشّاعرِ:
فَأتَتْ بِهِ حُوشَ الفُؤَادِ مُبَطَّنًا ... ................. (١)
أَي: (حديد الفؤاد ضامر البطن)، فنصب (حوش) علَى الحال من الهاء، وهو صفة مشبهة.
стр. 1022
وسميت هذه الإِضافة لفظية: لأنَّ فائدتها ترجع إِلَى اللّفظ فقط، فـ (زيد ضارب عمرو) علَى، تقدير: (ضاربٌ عمرًا) بالنّصب، فأضيف لمفعوله طلبًا للتخفيف.
فالإِضافة هنا: فِي تقدير الانفصال، بخلاف المحضة المعنوية؛ فإِنها خالصة من تقدير الانفصال، ووصفت بالمعنوية: لأَنَّها أفادت أمرًا معنويًا؛ لأنَّ المضاف يكون مبهمًا، كـ (دار)، و (غلام)؛ فإِذا أُضِيفَ لنكرة .. اكتسب تخصيصًا، كـ (دار رجل)، و (غلام امرأة).
وإِذا أُضِيفَ لمعرفة .. اكتسب تعريفًا؛ كـ (دار زيد).
بخلاف: (هذا ضاربُ زيدٍ) بالإِضافة، فَلَا تخصيص فيه؛ لأنَّ الأصل: (ضاربٌ زيدًا) بالنّصب كما سبق.
فالتّخصيص بالمعمول: موجود قبل الإِضافة.
وقيل: فيه تخصيص؛ بناء علَى أَن الأصل (ضاربٌ) فقط.
والإِضافة اللّفظية: ليست علَى معنَى حرف علَى الصّحيح.
وقيل: علَى معنَى (اللّام)؛ لظهورها فِي بعض المواضع؛ كقولِهِ تعالَى: ﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾، ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾. وقد علم: أَن الإِضافة:
إما للتعريف.
أَو للتخصيص.
أَو للتخفيف.
وزاد بعضهم: أَو للتوكيد؛ كقولِهِ تعالَى: ﴿وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾، فـ (اللّومة) لا تكون إلا من (اللّائم)، فلم يحصل من هذه الإِضافة فائدة سوى التّوكيد.
واللَّه الموفق
стр. 1023
ص:
٣٩١ - وَوَصْلُ أَلْ بِذَا الْمُضَافِ مُغْتَفَرْ ... إِنْ وُصِلَتْ بِالثَّانِ كَالْجَعْدِ الشَّعَرْ (١)
٣٩٢ - أَوْ بِالَّذِي لَهُ أُضِيْفَ الثَّانِي ... كَزَيْدٌ الضَّارِبُ رَأْسِ الْجَانِي (٢)
٣٩٣ - وَكَوْنُهَا فِي الْوَصْفِ كَافٍ إِنْ وَقَعْ ... مُثَنًّى أوْ جَمْعًا سَبِيْلَهُ اتَّبَعْ (٣)
ش:
الإِضافة المحضة لا تدخل (أل) فيها علَى المضاف, فَلَا يقال: (الغلام الّذي الرّجل)؛ لأنَّ هذه الإِضافة معاقبة لـ (الألف واللّام) فلا يجمع بينهما.
ونقل الكوفيون: (الثّلاثة الأبواب)، و (الخمسة الدّراهم) بإِضافة الأول للثاني، ولَا يقاس عليه.
وأما غير المحضة: فيجوز فيه ذلك؛ كما قال: (وَوَصْلُ أَلْ بِذا الْمُضَافِ مُغْتَفَرْ)؛ لأَنَّها علَى نية الانفصال.
стр. 1024
واسم الإِشارة فِي قوله: (بِذَا) يشير به إِلَى ما سبق من قوله: (رَاجِينَا عَظِيمِ الأملِ مُرَوَّعِ القَلبِ ... إِلَى آخره).
* فتدخل (أل) علَى المضاف بشرط أَن تدخل علَى المضاف إِليه؛ كما قال: (إِنْ وُصِلَتْ بِالثَّانِ كَالْجَعْدِ الشَّعَرْ)، و (القليل الحيل)، و (العظيم الأمل)، و (المروع القلب)، و (الضّارب الرّجل).
* أَو تدخل علَى ما أُضِيفَ لهُ الثّاني؛ كما قال: (أَوْ بِالَّذِي لَهُ أضِيْفَ الثَّانِي)؛ نحو: (الضّارب رأس الجاني)، و (الزّاهد عرض الفاني)، و (الحسن وجه الأب)، بجر (رأس)، و (عرض) و (وجه).
فإِن دخلت علَى الأول دونَ الثّاني .. فَلَا إِضافة.
وكذا إن لم تدخل علَى ما أُضِيفَ لهُ الثّاني، فَلَا يقال: (هذا الضّارب رجل) ونحو ذلك، خلافًا للفراء.
وحكم المفرد فِي هذا: حكم المجموع جمع تكسير لمذكر أَو مؤنث:
فالمذكر، نحو: (الصّوام الشّهر)، و (الضّراب رأس الجاني)؛ ونحو قول الشّاعرِ:
لَقَدْ ظَفِرَ الزُّوّاوُ أَقْفِيةِ العِدَى ... ................. (١)
بجر (عدن).
* وكذا إن كَانَ المضاف جمعًا تابعًا سبيل المثنى, والمراد به: جمع المذكر السّالم؛ فإِنه تبع سبيل المثنى فِي كونه سلم فيه مفرده، وأعرب بالحرفِ، وتحذف نونه للإِضافة، فتقول: (القائلوا بكر)، و (الضّاربوا عمرو)، ومنه قول الشّاعر:
ليسَ الأخِلَّاءُ بالمُصْغِي مَسَامِعِهم ... .................... (١)
стр. 1027
بجر (مسامعهم).
وهذا هو المشار إِليه بقوله: (وَكَوْنُهَا فِي الْوَصْفِ كَافٍ ... إِلَى آخره).
ورُبَّما نصب مثلُ هذا؛ كقراءة الحسن: (والمقيمي الصّلاةَ) بالنّصب.
وتساهل فيه بعضهم؛ لكون الوصف محلَّى بـ (أل).
وقيل: لغة.
ومنه قول الشّاعر:
الحَافِظُو عَوْرَةَ العشيرةِ لا ... يَأتِيهِمُ مِن وَرَائنا نَطَفُ (١)
стр. 1028
بنصب (عورة).
وقرأ أبو السّماك أيضًا: (واعلموا أنكم غير معجزي اللهَ) بالنّصب.
وفي "همع الهوامع": (أنكم لذائقوا العذابَ) بالنّصب أيضًا.
وقد وجهوا نحو هذا: علَى أَن نون الجمع، عوملت معاملة التّنوين فِي الحذف لا لالتقاء السّاكنين، فلما قدرت ساكنة .. حذفت لملاقاة السّاكن بعدها، وهو (اللّام).
وأما قراءة: (قال هل أنتم مُطْلِعونِ) بتخفيف الطّاء وكسر النّون.
فقال أبو البقاء ما معناه: إنها إن كانت نون وقاية .. فَلَا تلحق الأسماء، وإِن كانت للجمع .. فَلَا تثبت فِي الإِضافة، فاستبعدها.
وقال أبو الفتح: أجرى اسم الفاعل مجرى المضارع فِي إثبات النّون مع الياء؛ كما تثبت فِي قول الشّاعرِ:
................... ... أمُسْلمُنِي إِلى قَومِي شَرَاحِي (١)
جار ومجرور متعلقان بيأتي وهو مضاف، وهم: ضمير مبني في محل جر بالإضافة. وكف: فاعل مرفوع بالضمة.
الشاهد: قوله: (الحافظو عورة العشيرة) بنصب عورةَ على الرواية المشهورة على أنها مفعول به لـ (الحافظو)، وعلى هذه الرواية تكون النون محذوفة من جمع المذكر السالم (الحافظو) للتخفيف لا للإضافة، وهذا جائز.
(١) التخريج: ذكره الشاطبي في شرحه للألفية، وابن هشام في المغني ١/ ٢٥، والسيوطي في همع الهوامع ١/ ٦٥.
اللغة: شراحي أصله شراحيل، اسم لرجل لحقه الترخيم. وظني الواو تصلح أن تكون بمعنى مع والتقدير وما أدري مع ظني كل ظن، فكل ظن تأكيد للأول، وروي في الهمع، فما أدري وكل الظن مني.
الإعراب: وما أدري: ما: نافية أدري: فعل مضارع والفاعل ضمير، وظني: الواو تصلح أن تكون بمعنى مع والتقدير وما أدري مع ظني كل ظن فكل ظن تأكيد للأول ويقال: وظني كل ظن جملة معترضة، فيكون وظني مبتدأ وكل خبره وظن مضاف إليه, أمسلمني: الهمزة للاستفهام مسلمني: في محل النصب على المفعولية لقوله وما أدري، إلى قومي: جار ومجرور متعلق بشراحي شراحي: فاعل لقوله أمسلمني وأصله شراحيل اسم رجل لحقه الترخيم.
الشاهد: في (أمسلمني) فإن النون فيه نون الوقاية، فأجرى اسم الفاعل مجرى الفعل المضارع في إثبات النون.
стр. 1029
وكأنه قيل: (تطلعوني).
وقيل: إن هذه النّون اللّاحقة لنحو (مسلمين): نون وقاية.
وقيل: تنوين، والياء فِي محل نصب.
وقيل: الأصل (مُطلِعونَ إياي) فوضع المتصل موضع المنفصل.
تنبيه:
سبق ذكر دخول (أل) على المضاف بشرط دخولها علَى الثّاني، أَو علَى ما أضيف لهُ الثّاني.
وقد يخلو الثّاني من (أل)، بشرط: أَن يضاف لضمير راجع إِلَى ما فيه (أل)؛ نحو: (الرّجل أنا الضّارب غلامِه)، بجر (غلامه)؛ لأنه مضاف لضمير عائد علَى (الرّجل)، وهو مقرون بـ (أل)، ومنه قول الشّاعر:
الوُدُّ، أَنتِ المُسْتَحِقَّةُ صَفْوِهِ ... ................. (١)
بجر (صفوِه)؛ لأنَّ الضّمير فيه راجع لـ (الود) وهو مقرون بـ (أل).
стр. 1030
ومنع ذلك أبو العباس المبرد، والشّاهد حجة عليه، وسيأتي الكلام فِي إعمال اسم الفاعل علَى محل (الياء) و (الكاف) و (الهاء)؛ فِي نحو: (المكرمي)، و (الضّاربك)، و (الضّاربه).
وقول الشّيخ: (مثنَىً او جَمْعًا): حالان من الضّمير فِي (وقَعْ)، وهو عائد علَى الموصوف، و (سبيله): مفعول بـ (اتَّبَع)، وجملة (اتبع سبيله): صفة، لقوله: (جمعًا)؛ والتّقدير: أَو جمعًا اتبع سبيل المثنَّى، و (إِن) فِي قوله: (إن وقع): شرطية.
واللَّه الموفق
ص:
٣٩٤ - وَرُبَّمَا أَكْسَبَ ثَانٍ أَوَّلَا ... تَأْنِيثًا إِنْ كَانَ لِحَذْفٍ مُوهَلَا (١)
ش:
إن كَانَ المضاف مذكرًا أو المضاف مؤنثًا .. جاز أَن يكتسب الأول تأنيثًا من الثّاني, إن كَانَ المضاف صالحًا للحذف؛ كما قال: (إنْ كَانَ لحَذْفٍ مُوهَلا).
ومنه قراءة: (تلتقطه بعض السّيارة)، بالمثناة فوق، فاكتسب التّأنيث من (السّيارة).
وكَقَولِ الشَّاعرِ:
................... ... كَمَا شَرقَتْ صَدْرُ الْقَنَاةِ مِنَ الدَّمِ (٢)
وقول الآخر:
أَتْيُ الفَواحِشِ عِنْدَهُم مَعْرُوفَةٌ ... ................. (١)
فأخبر عن (أَتيُ) بـ (معروفة) [لاكتسابه التّأنيث من الفواحش، والمضاف فِي هذه الأمثلة صالح للحذف كما تقول: (شرقت القناة)، و (اللّيالي أسرعت)، و (الفواحش معروفة)] (٢).
ويجوز عكس ما تقدم: وهو أَن يكتسب المضاف المؤنث تذكيرًا من الثّاني المذكر؛ كقوله:
رُؤيَةُ الْفِكْرِ مَا يَؤُولُ لَهُ الأَمْرُ ... مُعينٌ عَلَى اجْتنابِ التّواني (٣)
стр. 1033
فأخبر عن (رؤية)، بـ (معين) لاكتسابه التّذكير من الفكر.
وقول الآخر:
إِنَارَةُ العَقْلِ مَكْسُوفٌ بَطَوْعِ هَوَى ... .......................... (١)
стр. 1034
فأخبر عن (إنارة)، بـ (مكسوف) لاكتسابه التّذكير من العقل.
قيل: ومنه: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
وقيل: أريد بـ (الرّحمة): (المطر).
وقيل: (فعيل) يخبر به عن المفرد وغيره مطلقًا.
وقوله تعالَى: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾، فاكتسبت (الأعناق) التّذكير من ضمير الذّكور.
وقيل: المراد بـ (الأعناق): (كبارُهم).
* فإِن لم يصلح المضاف للحذف .. لم يكتسب شيئًا من الثّانى، فَلَا يقال: (قام بنت زيد)، و (لَا قامت غلام هند)؛ إِذ لو قيل: (قام زيد)، و (قامت هند) .. لم يعلم: (قيام البنت، والغلام).
* وقد يكتسب الأول من الثّاني البناء؛ كقولِهِ تعالَى ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ بفتح لام (مثل): وهو صفة (لحق)، فبني لإِضافته للمبني وهو (أنكم)، و (ما): صلة، وهو حينئذ فِي محل رفع؛ لأنه صفة (لَحقٌّ) كما ذكر.
وقال الجرمي: حال من (لَحقٌّ).
وقال مكي: انتصب علَى حذف الكاف؛ أَي: كـ (مثل نطقكم)، و (ما): صلة.
والمازني: جعل (مثل) و (ما): اسمًا واحدًا، فبني علَى الفتح.
وقرأ نافع والكسائي: (مِن عذاب يومَئذ)، بفتح الميم علَى البناء لإِضافته للمبني.
ومنه قراءة: (أَن يصيبكم مثلَ ما أصاب) بفتح اللّام.
وقال المصنف: الفاعل: ضمير يرجع (لله)، و (مثل): نعت لمصدر محذوف؛ أَي: (إصابة مثل).
وكذا قراءة: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ بفتح النّون مع أنه فاعل.
وقيل: نصبه علَى الظّرف أولَى من دعوَى البناء.
стр. 1035
* وقد يكتسب الأول: الشّرط والاستفهام.
فالأول: نحو: (غلام مَن تضرب أضرِب).
والثّاني: (غلام مَن عندك)، ذكره القواس فِي "شرح ألفية ابن معطي".
وعلَى هذا فيكون: (غلام) اسم شرط فِي الأول، واسم استفهام فِي الثّاني، ويثبت لهُ حكم ما بعده.
تنبيه:
سُمع ما يثبت المذكر بدون إِضافة
قال الشّاعر:
أَتَهجُرُ بيتًا بِالحِجَازِ تَلَفَّعَتْ ... بِهِ الخَوفُ وَالأَعدَاءُ مِن كُلِّ جَانِبِ (١)
فلما ضمن (الخوف) معنَى المخافة .. قال: (تلفعت).
وقول الآخر:
................... ... سَائِل بَنِي أَسَدٍ مَا هَذِهِ الصَّوْتُ (٢)
стр. 1036
فضمن (الصّوت) معنَى الاستغاثة.
وفي "سرّ الصناعة": أنه من قبيح الضّرورات؛ لأنَّ تأنيث المذكر: خروج من أصل إِلَى فرع.
وسمع: فِي غير الضّرورة: (جاءته كتابي فاحتقرها) فضمنه معنَى الصّحيفة.
وقد يذكر المؤنث علَى إرادة الشّخص؛ كقوله:
قَامَتْ تُبَكِّيهِ عَلَى قَبرِهِ ... مَنْ لِيَ مِن بَعدِكَ يَا عَامِرُ
تَرَكتَنِي فِي الحَيِّ ذَا غُرْبَةٍ ... قَدْ ذَلَّ مَن لَيسَ لَهُ نَاصِرُ (١)
стр. 1037
والأصل: (ذات غربة).
واللَّه الموفق
ص:
٣٩٥ - وَلَا يُضَافُ اسْمٌ لِمَا بِهِ اتَّحَدْ ... مَعْنىً وَأَوِّلْ مُوْهِمًا إذَا وَرَدْ (١)
ش:
لا بد من المغايرة بَينَ المتضايفين، فَلَا يضاف اسم لما اتحد به فِي المعنَى؛ لأنَّ
стр. 1038
الثّاني يكسب الأول تعريفًا أَو تخصيصًا، والشّيء لا يتعرف بنفسه ولَا يتخصص؛ فَلَا تقول: (قمحُ برٍّ)، ولَا (ليثُ أسدٍ).
وابن الأنباري: يجوز إضافة الشّيء إِلَى نفسه عند الكوفيين إن اختلف اللّفظان، قال: ومنه: ﴿حَقُّ الْيَقِينِ﴾.
والمعتمد: تأويل ما يوهم ذلك كما قال: (وَأَوِّلْ مُوْهِمًا إذَا وَرَدْ)، فيحمل علَى أَن الأول مسمَّى، والثّاني اسمًا، فيراد بالأول: اللّفظ، وبالثاني: الذّات؛ كـ (سعيد كرزٍ)، بجر (كرز) وهو لقب (سعيد).
ويقاس عليه كلُّ ما أضيف من المرادفين: كـ (يوم الخميس)، و ﴿حَقُّ الْيَقِينِ﴾.
قيل: وفي نحو: (جاء زيد نفسه) إِضافة الشّيء إِلَى نفسه.
وأجيب: بأن النّفس والعين عامان؛ فإِضافتهما إِضافة العام إِلَى الخاص.
وأما توهم إِضافة الموصوف للصفة: كـ (صلاة الأُولَى)، و (مسجد الجامع)، و (دار الآخرة)، و (حب الحصيد)، و (جانب الغربي)، و (حبة الحمقاء) .. فالموصوف فيه محذوف، والتّقدير: (صلاة السّاعة الأولَى)، و (مسجد المكان الجامع)، و (دار السّاعة الآخرة)، و (حب النّبت الحصيد)، و (جانب المكان الغربي)، و (حبة البقلة الحمقاء). وقيل فيها (الحمقاء)؛ لأَنَّها تنبت فِي مجاري السّيل فيأخذها.
وأما ما يوهم عكس ذلك: كـ (جرد قطيفة)، و (سحق عمامة) .. فالموصوف محذوف أيضًا؛ أَي: (شيء سحق من جنس العمامة)، و (شيء جرد من جنس القطيفة)، فحذف الموصوف وأضيفت صفته لجنسها، فهو ملحق بـ (خاتم فضة).
وحكَى ابن عطية: أن بعض النّحويين يضيف الصّفة للموصوف؛ نحو: (كريمُ زيدٍ، وكرامُ النّاسِ).
والفارسي: علَى أَن الإِضافة لفظية فِي نحو: (سعيد كرز)، و (صلاة الأولَى).
وأبو حيان: محضة.
والمصنف: شبيهة بالمحضة.
فائدة:
ذكر جماعة منهم ابن عصفور: أَن لفظ (شهر) لا يضاف إِلَّا إِلَى (رمضان) و (ربيع
стр. 1039
الأول) أَو (الآخر).
وصحح ابن ناطر الجيش فِي "شرح التّسهيل": خلافه.
واللَّه الموفق
ص:
٣٩٦ - وَبَعْضُ الأَسْمَاءِ يُضَافُ أَبَدَا ... وَبَعْضُ ذَا قَدْ يَأَتِ لَفْظًا مُفْرَدَا (١)
ش:
من الأسماء ما لا يستعمل إِلَّا مضافًا لفظًا ومعنَى, فَلَا يفرد لفظه؛ نحو: (عند)، و (لدا)، و (سوى)، و (ذو) بمعنَى صاحب، وفروعها، و (الواو)، وفروعها، و (سبحان)، و (بين)، و (معاذ)، و (وسط)؛ كـ (عند زيد، ولدى عمرو) ... إِلَى آخره.
وسوَى بعضهم: بَينَ (لدى)، و (عند) مطلقًا.
وقيل: لا تساويها من كل وجه؛ لأنَّ لدى لا تكون ظرفًا للمعاني، فَلَا يقال: (لديّ علم به).
بخلاف: (عندي علم به) ذكر ذلك هبة اللَّه بن الشّجري.
ولَا يقال: (لديّ مال) إِذا كَانَ (المال) غائبًا، ويجوز ذلك فِي (عند) ذكره الحريري وغيره.
وكلاهما ظرف مكان.
وقد تأتي (عند) فِي الزّمان؛ نحو: (عند اللّيلة) كما سبق فِي المفعول فيه.
* ومن اللازم للإِضافة: (قصارى الشّيء)؛ أَي: غايته، و (حماداه) كذلك بالحاء المهملة.
стр. 1040
وفي "القاموس": (حماداك)، و (حماداي)؛ أَي: (غايتك) و (غايتي).
* وكذا (بَيدا) بفتح الباء الموحدة بعدها ياء آخر الحروف ودال مهملة، وسبق ذكرها مفصلًا فِي الاستثناء.
ولا يضاف (ذو) و (الواو) وفروعهما إلا لظاهر غير مشتق: كـ (ذو عِزَّةٍ)، و ﴿ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾، و ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾، ﴿أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ﴾.
وقرأ ابن مسعود: (وفوق كل ذي عالم عليم) فظاهره: الإِضافة لمشتق.
وأجيب: بأن (عالم) هنا مصدر؛ لأنَّ من المصادر ما هو علَى فاعل، كـ (الباطل).
وشذ: (ذووه)، و (ذووها)؛ كقوله:
إِنَّمَا يَصْطَنِعُ المَعْـ ... ـرُوفَ فِي النَّاسِ ذَوُوهُ (١)
وقولِهِ:
................... ... رَجَونَاهُ قِدْمًا مِن ذَوِيكَ الأَفَاضِلِ (٢)
стр. 1041
* ومن الأسماء اللّازمة للإِضافة معنَى: ما يستعمل مفردًا فِي اللّفظ, ولهذا قال: (وَبَعْضُ ذَا قَدْ يَأَتِ لَفْظًا مُفْرَدَا) فيكون مضافًا فِي المعنَى؛ نحو: (كل) و (بعض) و (أي)، ولا يضاف هذا النّوع والّذي قبله إِلَّا لمفرد.
- فمن إفراد اللّفظ: قوله تعالَى: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾، ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا﴾.
- ومن الإضافة لفظًا ومعنَى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾، ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ﴾، ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾.
وقيل: إن (بعض) فِي هذه الآية بمعنَى (كل)، واجتمعت الإِضافة بالوجهين فِي قوله تعالَى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾.
والقواس فِي "شرح ألفية ابن معطي": إن إِضافة (كل) و (بعض) علَى معنَى (اللّام).
* وإِن أُضِيفَت (كل) لنكرة .. فالمطابقة؛ نحو: (كل غلمان أتوك)، قال تعالَى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾.
* ويجوز الوجهان مع المعرفة؛ نحو: (كل القوم قائم) أَو (قائمون).
* وأما (سبحان): فاسم بمعنَى (التّسبيح)، مصدر مضاف لمفعوله، وقد أُميتَ فعله، كما فِي "الإتقان" (١).
وقيل: هو اسم مصدر، وهو (التّسبيح) .. فهو بدل منه.
ولهذا قال أبو البقاء (٢): منصوب انتصاب المصادر، والعامل فيه: فعل بمعناه محذوف وجوبًا؛ نحو: (سبحان الله).
وأبو علي والزّمخشري: لا ينصرف للعلمية، وزيادة الألف والنّون، واحتجا بهذا الشّاهد.
وأجاب المصنف: بأنه مضاف لمحذوف مقدر الثّبوت؛ أَي: (سبحان اللَّه)؛ كما فِي قولُ الشّاعرِ:
خالَطَ من سَلْمَى خَياشِيمَ وفَا (١)
أَي: (خياشيمها وفاها).
وشذ اقترانه بـ (أل) فِي قوله:
стр. 1044
سبحانك اللَّهم ذا السّبحان (١)
* وأما (بَينَ) .. فظرف لازم للإِضافة: كـ (جلست بَينَ زيد وعمرو).
وتنكف بـ (ما) الزّائدة فيرفع الاسم بعدها؛ نحو: (بينما زيدٌ عندنا).
وإِن زيدت الألف .. جاز الرّفع والجر فِي (زيد)؛ لكن الجر قليل فِي اسم العين.
وروي الوجهان فِي اسم المعنى؛ كقوله:
بَينا تَعنُّقِهِ الكُماةِ ورَوْغِهِ ... ................. (٢)
مصدر (تعنَّق).
وروي: (تعانُقِهِ) مصدر (تعانق)، و (الكماةَ): منصوب به.
وأنكر ابن السّيد: وواية الجر.
وقيل: (الألف) فِي (بينا)، و (الميم) فِي (بينما): عوض من الأوقات المحذوفة.
وقيل: الجملة بعدهما هي العوض.
стр. 1045
وقيل: الألف للإِطلاق.
وإذا وقع فِي جوابها (إِذ) و (إِذا) الفجائيتان، نحو: (بينما زيد قائمٍ إِذ جاء عمرو) .. فعلَى كون (إِذ) و (إِذا) ظرفي مكان عند المبرد، يكون ما بعدهما عاملًا فِي بَينَ إذ هما حينئذ غير مضافين؛ لأنَّ ظرف المكان سوَى (حيث) لا يضاف لجملة، فَلَا منع من أَن يعمل ما بعدهما فيما قبلهما، فالتّقدير: (جاء عمرو بَينَ أوقات قيام زيد فِي مكان قيامه).
- وأما علَى كونهما ظرفي زمان عند الزّجاج .. فكلاهما مبتدأ مضاف للجملة، وهو حينئذ مخرج من الظّرفية، و (بينما): خبر مقدم، والتّقدير: (وقت مجيء عمرو بَينَ أوقات قيام زيد)؛ أَي: كائن بَينَ أوقات قيام زيد. انتهَى، ملخصًا من "العباب" بمعناه.
* وأما (معاذ) .. فنصبه علَى المصدر بعامل محذوف من لفظه يقال: (أعوذ به عوذًا)، و (عياذا)، و (معاذًا)، وهو لازم الإِضافة كما سبق.
* وأما (وسْط) .. فظرف لازم الإِضافة كما سبق، وتسكن سينها إن صلح موضعها بَينَ: كـ (جلست وسط القوم)، وإِلا فتحت: كـ (جلست وسط الدّار).
ويجوز الفتح مع السّكون، وعكسه.
* وأما (الآل) بمعنَى الأهل .. فالكثير: أَن يضاف للعَلَم، ويقل للضمير؛ كقولِهِ ﵊: "آلي كلُّ تقي إِلَى يوم القيامة" أخرجه تمَّام فِي "فوائده" (١).
وكَقَولِ الشَّاعرِ:
стр. 1046
أنا الرَّجُلُ الحامِي حَقِيقةَ والِدِي ... وآلِي، كَما تَحمِي حَقِيقةَ آلِكا (١)
ونازع النّحاس وأبو علي الزّبيدي: فِي إِضافته للضمير.
ويَرِدُ عليهما ما سبق.
وشرط بعضهم: إِضافته إلى علَم من يعقل، وقد أُضِيفَ لعلَم فرس، فِي قوله:
................... ... سِوَى جَيّدِ التَّقرِيْبِ مِنْ آلِ أْعْوَجَا (٢)
وندر تجرده من الإِضافة، فِي قوله:
نَحن آلُ اللَّه فِي بَلْدَتنَا
стр. 1047
لم نَزْل آلًا على عَهْدِ إِرَمْ (١)
وقيل: أصله: (أهل)، بدليل تصغيره علَى (أُهَيل)، فأبدلت الهاء همزة ثم ألفًا تخفيفًا.
ومن هنا قال من منع إِضافته للضمير: إن الضّمير يرد الشّيء إِلَى أصله كالتصغير.
وأجيب: بأن هذا لم يسمع إِلَّا فِي نحو: (أعطيتكموه).
* ومن الأسماء مما لا يضاف؛ لأن إضافته لا تفيد شيئًا؛ كالمضمرات، وأسماء الإِشارة، والشّرط، والموصولات.
والله الموفق
ص:
٣٩٧ - وَبَعْضَ مَا يُضَافُ حَتْمًا امْتَنَعْ ... إِيَلاؤُهُ اسْمًا ظَاهِرًا حَيْثُ وَقَعْ (٢)
٣٩٨ - كَوَحْدَ لَبَّي وَدَوَالَىْ سَعْدَيْ ... وَشَذَّ إِيَلاءُ يَدَيْ لِلَبَّيْ (٣)
стр. 1048
ش:
الأسماء اللّازمة للإِضافة علَى ثلاثة أقسام:
* قسم يضاف للظاهر والمضمر؛ نحو: (كل)، و (بعض) كما سبق.
* وقسم يضاف للجملة: وسيأتي.
* وقسم، لا يضاف إِلَّا لمضمر: وهو المراد هنا، كـ (وَحْد)، و (لبَّي)، و (دوالي)، و (سعدي)، فيمتنع أَن يليها اسم ظاهر كما قال الشّيخ، فتقول: (لا إِله إِلَّا اللَّه وحده).
قال الشّاعر:
وَكُنتَ إِذْ كُنْتَ إِلَهِيْ وَحْدَكَا ... ................. (٤)
ونحو: (جئتك وحدي).
وهي بلفظ واحد مطلقًا، كـ (وحدهما)، و (وحدهم)، و (وحدهن).
стр. 1049
وشذ: (جلسا على وحديهما).
وحكَى أبو زيد: (اقبض كل درهم علَى وحده).
وقالوا فِي المدح: (زيد نسيجُ وحدِه)؛ أَي: (لم يماثَل فِي فضائله).
وفي الهجو: (جُحيشُ وحدِه)، و (عُيَيْرُ وحده).
فاستعمل مجرورًا بـ (علَى)، ومضافًا إِليه.
وهو مصدر محذوف الزّيادة.
ذكر العُكبري: (أَوحدتُه إيحادًا).
وقيل: لم يلفظ له بفعل: كـ (الأبوة)، و (الأخوة).
وحكَى الأصمعي: (وَحَدَ يَحِدُ).
وعن يونس: أنه منصوب علَى الظّرفية.
- وأما (لبَّي)، و (دوالَي)، و (سعدَي): فتضاف لضمير المخاطب، وكل منها مصدر مثنى فِي اللّفظ، ومعناه التّكرار، وليس المراد اثنين فقط.
* لكن قال بعضهم: إن قول الحاج: (لبَّيكَ)؛ أي: لبيك بالفعل؛ أَي: (بعد أَن لبيت إِبراهيم بالقول)، فتقول: لبيك؛ أَي: إِقامة علَى إجابتك بعد إِقامة.
وقيل: مأخوذ من: (ألبَّ) أَو (لَبَّ) بالمكان إِذا أقام به؛ أَي: (أنا مقيم علَى طاعتك). أَو: مأخوذ من (لباب الشّيء) وهو خالصه؛ أَي: (إخلاص لك).
* و (سعدَيك) بمعنَى: (مساعدة لطاعتك بعد مساعدة)، أَو (إسعاد بعد إسعاد).
* و (دواليك) بمعنَى: (تداولًا بعد تداول).
* وكذا: (حنانيك) بمعنَى (تحنُّنًا عليك بعد تحنن).
* وقال ثعلب: (دولة بعد دولة)، و (رحمة بعد رحمة).
* و (هذاذيك) بمعنى: (إسراع بعد إسراع).
* ونصب هذه المصادر بفعل محذوف من لفظ المصدر, إِلَّا: (لبيك) و (هذاذيك) فنصبهما بفعل من معناهما.
وعن سيبويه: أنه أَجازَ الحالية فِي نحو قول الشّاعرِ:
стр. 1050
ضَرْبًا هَذَاذيْك وطَعْنًا وَخْضَا ... ................. (١)
أَي: (مسرعين).
وفيه نظر؛ لكونه معرفة، ولكونه مثنى، وأنت لا تقول: (جاء زيد ركضَين)، بَلْ (ركضًا).
والأعلم: أَن الكاف فِي نحو: (لبيك): حرف لا محل له من الإعراب، كما في (ذينك)، ونقل أيضًا عن سيبويه.
والمعتمد: أنها اسم فِي محل جر؛ لورود نحو: (لبيه) كما سيأتي.
٢ - وقد أضيفت (لبي) للظاهر شذوذًا فِي قوله:
................... ... فَلَبَّى فَلَبَّيْ يَدَي مِسْوَرِ (٢)
стр. 1051
وإِليه أشار بقوله: (وَشَذَّ ... إلى آخره).
و (مِسور): بكسر الميم اسم رجل.
- وشذ إِضافته لضمير الغائب، فِي قول الآخر قوليه:
................... ... لَقُلْتُ لَبَّيهِ لِمَنْ يَدْعُونِي (١)
وظاهر كلام الشّيخ أمير الدّين أبي حيان فِي "الارتشاف": جواز (لي زيد وسعدي
стр. 1052
عمرو)، ونحو (لبيه) أيضًا.
ولَا يستعمل (سعديك) إِلَّا تابعًا لـ (لبيك)؛ نحو: (لبيك وسعديك).
تنبيه:
ذهب يونس بن حبيب: إِلَى أَن (لبيك) مفرد، وأصله: (لبَّى)، قلبت ألفه ياء لإِضافته للمضمر كما تقلب ألف (علَى) فِي نحو: (عليك وعليه).
ورده سيبويه: بقَولِ الشَّاعرِ:
................... ... فَلَبَّا فلَبَّيْ يَدَيْ مِسْوَرِ (١)
لثبوت الياء مع الظّاهر.
ولو صح قول يونس .. لقيل: (فلبَّى يدي) بإِثبات الألف، كما أَن ألف (على) لا تقلب ياء مع الظّاهر؛ إِذ لا يقال: (علي زيد) بالياء.
وقال الفارسي: لا حجة فيه لسيبويه؛ لأنه يجوز فِي هذه الألف المتطرفة أَن تقلب ياء فِي الوقف؛ كقولهم فِي (أفعى): (أفعيْ) بسكون الياء.
ومنهم: من يُجري الوصل مجرى الوقف، فيمكن أَن يكون (لبّى زيد) من ذلك.
و (لبَّا) الأولَى فِي البيت: فعل ماض من التّلبية، وكُتب بالألف مخافة أَن تُقرَأ (لبَّيْ) بسكون الياء.
واللَّه الموفق
ص:
٣٩٩ - وَأَلْزَمُوا إِضَافَةً إِلَى الْجُمَلْ ... حَيْثُ وَإِذْ وَإِنْ يُنَوَّنْ يُحْتَمَلْ (٢)
٤٠٠ - إِفْرَادُ إِذْ وَمَا كَإِذْ مَعْنًى كَإِذْ ... أَضِفْ جَوَازًا نَحْوُ حِيْنَ جَا نُبِذَ (٣)
стр. 1053
ش:
القسم الّذي يضاف للجمل: (إِذا) , و (حيث) , و (إِذ):
* فأما (إِذا) فسيأتي حكمها.
* وأما (حيث): فظرف مكان.
وأَجازَ الأخفش أن تكونَ ظرف زمان، وجعل منه قوله:
لِلفَتَى عَقْلٌ يَعِيشُ بهِ ... حَيْثُ تَهْدِي ساقَهُ قَدَمُهْ (١)
وسبق فِي الابتداء.
ولَا يضاف للجمل من الظّروف المكانية إِلَّا (حيث) علَى القول بأنها ظرف مكان؛ نحو: (اجلس حيث جلس زيد)، و (يجلس زيد).
وتقل الجملة الاسمية؛ نحو: (حيث زيد جالس).
وعدها الزّجاج: من الموصولات، كما سبق فِي المعرب والمبني.
وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره أنت. جوازًا: مفعول مطلق. نحو: خبر مبتدأ محذوف: أي وذلك نحو. وما بعده: جملة في محل جر بإضافة (نحو) إليها.
(١) التخريج: البيت لطرفة بن العبد في ديوانه ص ٨٦، وخزانة الأدب ٧/ ١٩، والدرر ٣/ ١٢٥، وسمط اللآلي ص ٣١٩، ولسان العرب ١٠/ ١٦٨ (سوق)، ١٥/ ٣٥٧ (هدى)، وبلا نسبة في مجالس ثعلب ص ٢٣٨، وهمع الهوامع ١/ ٢١٢.
اللغة: هَدَاه: تَقَدَّمه.
المعنى: إن للفتى عملا يهديهِ إلى الرشاد ما دام حيًّا، وأينما كان.
الإعراب: للفتى: جار ومجرور بفتحة مقدرة على الألف للتعذر، والجار والمجرور متعلقان بخبر مقدم. عقل: مبتدأ مرفوع مؤخر. يعيشُ: فعل مضارع مرفوع بالضمة، والفاعل مستتر تقديره: هو. به: جار ومجرور متعلقان بالفعل يعيشُ. حَيث: اسم مبني على الضم في محل نصب على الظرفية الزمانية متعلق بالفعل يعيش. تهدِي: فعل مضارع مرفوع بالضمة. ساقَه: مفعول به منصوب، والهاء: مضاف إليه محله الجر. قدَمُه: فاعل مرفوع بالضمة، والهاء: مضاف إليه محله الجر.
جملة (للفتى عقل): استئنافية لا محل لها من الإعراب. وجملة (يعيش به): صفة لعقل محلها الرفع. وجملة (تهدِي ساقه قدمه): مضاف إليها محلها الجر.
الشاهد فيه: قوله: (حيث تهدي)؛ إذ الأخفش قال: إِن (حيث) قد تأتي ظرف زمان بمعنى (الحين)؛ كما في هذا البيت.
стр. 1054
والصّحيح: خلافه.
* وأما (إِذ) .. فظرف للزمان الماضي، يضاف للجملة الاسمية والفعلية.
فالاسمية: يشترط أَن لا يكون خبر المبتدأ بعدها ماضيًا، فتقول: (صحبتك إِذ زيد أمير)، وفي القرآن: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ﴾.
والفعلية: لا يكون فعلها إلا ماضيًا لفظًا؛ كقولِهِ تعالَى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا﴾، أَو معنَي؛ كقولِهِ تعالَى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ﴾.
وقد اجتمعت الاسمية والفعلية بقسميها: فِي قوله تعالَى: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾.
- ويجوز فِي (إِذ): أن تنون ويحذف ما أضيفت لهُ، ويكون التّنوين عوضًا عن الجملة المحذوفة؛ كقولِهِ تعالَى: ﴿وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾؛ كما علم، وإِليه أشار بقوله: (وَإِنْ يُنَوَّنْ يُحْتَمَلْ إِفِرَادُ إِذْ)، فنائب الفاعل فِي (ينون): ضمير عائد علَى (إِذ).
والمعنَى: إن تنون (إِذ) .. يحتمل إفراد (إِذ)؛ أَي: إفراده، ووضع الظّاهر موضع المضمر؛ كقوله:
سُعَادُ الّذي أَضْنَاكَ حُبُّ سُعَادَ ... ................. (١)
أَي: (حبها)، وكقوله:
فَيَا رَبَّ لَيْلَى أنْتَ في كُلِّ موْطِنٍ ... وأنتَ الَّذي فِي رَحْمَةِ اللَّه أَطمَعُ (٢)
وسبق بسط الكلام عليه فِي آخر الموصول.