وإِليه أشار بقوله: (وَشَذَّ ... إلى آخره).
و (مِسور): بكسر الميم اسم رجل.
- وشذ إِضافته لضمير الغائب، فِي قول الآخر قوليه:
................... ... لَقُلْتُ لَبَّيهِ لِمَنْ يَدْعُونِي (١)
وظاهر كلام الشّيخ أمير الدّين أبي حيان فِي "الارتشاف": جواز (لي زيد وسعدي
стр. 1052
عمرو)، ونحو (لبيه) أيضًا.
ولَا يستعمل (سعديك) إِلَّا تابعًا لـ (لبيك)؛ نحو: (لبيك وسعديك).
تنبيه:
ذهب يونس بن حبيب: إِلَى أَن (لبيك) مفرد، وأصله: (لبَّى)، قلبت ألفه ياء لإِضافته للمضمر كما تقلب ألف (علَى) فِي نحو: (عليك وعليه).
ورده سيبويه: بقَولِ الشَّاعرِ:
................... ... فَلَبَّا فلَبَّيْ يَدَيْ مِسْوَرِ (١)
لثبوت الياء مع الظّاهر.
ولو صح قول يونس .. لقيل: (فلبَّى يدي) بإِثبات الألف، كما أَن ألف (على) لا تقلب ياء مع الظّاهر؛ إِذ لا يقال: (علي زيد) بالياء.
وقال الفارسي: لا حجة فيه لسيبويه؛ لأنه يجوز فِي هذه الألف المتطرفة أَن تقلب ياء فِي الوقف؛ كقولهم فِي (أفعى): (أفعيْ) بسكون الياء.
ومنهم: من يُجري الوصل مجرى الوقف، فيمكن أَن يكون (لبّى زيد) من ذلك.
و (لبَّا) الأولَى فِي البيت: فعل ماض من التّلبية، وكُتب بالألف مخافة أَن تُقرَأ (لبَّيْ) بسكون الياء.
واللَّه الموفق
ص:
٣٩٩ - وَأَلْزَمُوا إِضَافَةً إِلَى الْجُمَلْ ... حَيْثُ وَإِذْ وَإِنْ يُنَوَّنْ يُحْتَمَلْ (٢)
٤٠٠ - إِفْرَادُ إِذْ وَمَا كَإِذْ مَعْنًى كَإِذْ ... أَضِفْ جَوَازًا نَحْوُ حِيْنَ جَا نُبِذَ (٣)
стр. 1053
ش:
القسم الّذي يضاف للجمل: (إِذا) , و (حيث) , و (إِذ):
* فأما (إِذا) فسيأتي حكمها.
* وأما (حيث): فظرف مكان.
وأَجازَ الأخفش أن تكونَ ظرف زمان، وجعل منه قوله:
لِلفَتَى عَقْلٌ يَعِيشُ بهِ ... حَيْثُ تَهْدِي ساقَهُ قَدَمُهْ (١)
وسبق فِي الابتداء.
ولَا يضاف للجمل من الظّروف المكانية إِلَّا (حيث) علَى القول بأنها ظرف مكان؛ نحو: (اجلس حيث جلس زيد)، و (يجلس زيد).
وتقل الجملة الاسمية؛ نحو: (حيث زيد جالس).
وعدها الزّجاج: من الموصولات، كما سبق فِي المعرب والمبني.
وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره أنت. جوازًا: مفعول مطلق. نحو: خبر مبتدأ محذوف: أي وذلك نحو. وما بعده: جملة في محل جر بإضافة (نحو) إليها.
(١) التخريج: البيت لطرفة بن العبد في ديوانه ص ٨٦، وخزانة الأدب ٧/ ١٩، والدرر ٣/ ١٢٥، وسمط اللآلي ص ٣١٩، ولسان العرب ١٠/ ١٦٨ (سوق)، ١٥/ ٣٥٧ (هدى)، وبلا نسبة في مجالس ثعلب ص ٢٣٨، وهمع الهوامع ١/ ٢١٢.
اللغة: هَدَاه: تَقَدَّمه.
المعنى: إن للفتى عملا يهديهِ إلى الرشاد ما دام حيًّا، وأينما كان.
الإعراب: للفتى: جار ومجرور بفتحة مقدرة على الألف للتعذر، والجار والمجرور متعلقان بخبر مقدم. عقل: مبتدأ مرفوع مؤخر. يعيشُ: فعل مضارع مرفوع بالضمة، والفاعل مستتر تقديره: هو. به: جار ومجرور متعلقان بالفعل يعيشُ. حَيث: اسم مبني على الضم في محل نصب على الظرفية الزمانية متعلق بالفعل يعيش. تهدِي: فعل مضارع مرفوع بالضمة. ساقَه: مفعول به منصوب، والهاء: مضاف إليه محله الجر. قدَمُه: فاعل مرفوع بالضمة، والهاء: مضاف إليه محله الجر.
جملة (للفتى عقل): استئنافية لا محل لها من الإعراب. وجملة (يعيش به): صفة لعقل محلها الرفع. وجملة (تهدِي ساقه قدمه): مضاف إليها محلها الجر.
الشاهد فيه: قوله: (حيث تهدي)؛ إذ الأخفش قال: إِن (حيث) قد تأتي ظرف زمان بمعنى (الحين)؛ كما في هذا البيت.
стр. 1054
والصّحيح: خلافه.
* وأما (إِذ) .. فظرف للزمان الماضي، يضاف للجملة الاسمية والفعلية.
فالاسمية: يشترط أَن لا يكون خبر المبتدأ بعدها ماضيًا، فتقول: (صحبتك إِذ زيد أمير)، وفي القرآن: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ﴾.
والفعلية: لا يكون فعلها إلا ماضيًا لفظًا؛ كقولِهِ تعالَى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا﴾، أَو معنَي؛ كقولِهِ تعالَى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ﴾.
وقد اجتمعت الاسمية والفعلية بقسميها: فِي قوله تعالَى: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾.
- ويجوز فِي (إِذ): أن تنون ويحذف ما أضيفت لهُ، ويكون التّنوين عوضًا عن الجملة المحذوفة؛ كقولِهِ تعالَى: ﴿وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾؛ كما علم، وإِليه أشار بقوله: (وَإِنْ يُنَوَّنْ يُحْتَمَلْ إِفِرَادُ إِذْ)، فنائب الفاعل فِي (ينون): ضمير عائد علَى (إِذ).
والمعنَى: إن تنون (إِذ) .. يحتمل إفراد (إِذ)؛ أَي: إفراده، ووضع الظّاهر موضع المضمر؛ كقوله:
سُعَادُ الّذي أَضْنَاكَ حُبُّ سُعَادَ ... ................. (١)
أَي: (حبها)، وكقوله:
فَيَا رَبَّ لَيْلَى أنْتَ في كُلِّ موْطِنٍ ... وأنتَ الَّذي فِي رَحْمَةِ اللَّه أَطمَعُ (٢)
وسبق بسط الكلام عليه فِي آخر الموصول.
ولَا يقاس عليه خلافًا للكسائي.
- وليست (إِذ) مضافة لمفرد، فِي قولهم: (فعلته إِذ ذاك).
قال أبو الفتح بن جني ﵀: وإنما اسم الإشارة في هذا الموضع: مبتدأ، وخبره محذوف، والتقدير: (إذ ذاك كذلك)، فحذف خبر المبتدأ تخفيفًا.
وعُلَّ بأن (إِذ) لا تضاف لمفرد.
وحكَى الكسائي: أن فقعس تعرب (حيث) فيجرونها بالكسرة .. إِذا فى خل عليها حرف جر؛ نحو: (جاء من حيثِ جئت)، وسبق ذكره فِي أول الكتاب.
- وقد حذفت الجملة الفعلية بعد (حيث) فِي قولِ الشّاعر:
إِذَا رَيْدةٌ مِنْ حَيثُ مَا نَفحَتْ لَهُ ... أَتَاهُ بِرَيّاها خَلِيلٌ يُواصلُهْ (١)
التقدير: (من حيث هبت) و (ريدة): فاعل (نفحت) محذوفًا فسره المذكور.
ولَا يجوز: أَن يكونَ (ما نفحت) مدخول (حيث)، لأنه يصير مضافًا إِليه، والمضاف إِليه لا يعمل فيما قبله، فَلَا يكون مفسرًا.
و (ما) فِي قوله: (حينما): عوض عن التّنوين، كما جعل التّنوين فِي حينئذ عوضًا عن
стр. 1057
الجملة المحذوفة.
وتوقف أبو حيان فِي ذلك.
واعلم أَن ما كَانَ مثل (إِذ) فِي كونه ظرفًا ماضيًا غير محدود .. يجوز أَن يضاف لمثل ما أضيفت لهُ (إِذ)؛ يعني: للجملة الاسمية أَو الفعلية علَى ما سيأتي؛ كـ (حين)، و (وقت)، و (زمن)، و (ساعة)، فتقول: (جئتك زمن جاء زيد)، و (وقت قدم عمرو)، و (صحبتك حين زيد أمير)، فكل واحد منها بمنزلة (إِذ) فِي الإِضافة للجمل.
لكن علَى سبيل الجواز كما قال: (وَمَا كَإِذْ مَعْنًى كَإِذْ أَضِفْ جَوَازًا)، فَلَا يعطَى حكم (إِذ) من كل وجه.
كما إِذا أريد به الاستقبال .. فإِنه حينئذ مخالف (إِذ)؛ لأَنَّها لا تكون للاستقبال، ويجب إِضافته للجملة الفعلية المصدرة بمستقبل؛ نحو: (أتيك زمن يجلس زيد).
ولَا يجوز أَن يضاف لجملة معقودة من اسمين، فَلَا يقال: (أتيتك حين زيد جالس)، (ولَا وقت الحاج قادم).
وكذا: لا يجوز حينئذ أَن تضاف لجملة مصدرة بماض، فَلَا يقال: (آتيك حين جلس زيد)؛ لأنَّ عامله مستقبل، وهو أيضًا قصد به الاستقبال، والمستقبل لا يعمل إِلَّا فِي مثله، والظّرف المحدود يخالف (إِذ) فِي الإضافة أيضًا؛ لأنه لا يضاف إِلَّا لمفرد، نحو: (شهر رمضان)، و (عام الحديبية)، و (حول كذا).
- وتكون إِذ للمفاجأة، كَقَولِ الشَّاعرِ:
................... ... فبَيْنَما العُسْرُ إذْ دارَتْ مَياسِيرُ (١)
وهي حينئذ كـ (إذا) الفجائية، وسبق فِي الاشتغال.
стр. 1058
- وتكون حرفًا للتعليل، وجعل منه قوله تعالَى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾.
وقيل: ظرف زمان، وهي بدل من (اليوم).
واستشكل بكون الفعل الواحد يعمل فِي ظرفين مختلفين بدون عطف، إِذ لا يقال: (جلست أمامك خلفك).
قال أبو الفتح: راجعت فيها أبا علي الفارسي مرارًا فآخر مما كَانَ منه أَن قال: إن الدّنيا والآخرة متصلتان وهما سواء فِي حكم اللَّه تعالَى، فجاز أَن يكونَ (إذ) بدلًا من (اليوم) علَى تقدير: (إِذ) مستقبلية، أَو أَن (اليوم) ماض، فكأنَّ الزمن واحد بالنّسبة إِلَى ما ذكر.
وقيل: التّقدير: (بعد إِذ ظلمتم) فحذف المضاف.
وقيل غير ذلك.
فائدة:
الأخفش: إن كسرة الذّال فِي (حينئذٍ) كسرة إعراب؛ لأَنَّها إِنما بنيت لافتقارها إِلَى جملة، فحيث استغنت عن الجملة .. رجعت إِلَى أصلها من الإِعراب، فجرت بالمضاف.
والصّحيح: أَن الكسرة لالتقاء السّاكنين.
واللَّه الموفق
ص:
٤٠١ - وَابْنِ أَوِ اعْرِبْ مَا كَإِذْ قَدْ أُجْرِيَا ... وَاخْتَرْ بِنَا مَتْلُوِّ فِعْلٍ بُنِيَا (١)
٤٠٢ - وَقَبْلَ فِعْلٍ مُعْرَبٍ أَوْ مُبْتَدَا ... أَعْرِبْ وَمَنْ بَنَى فَلَنْ يُفَنَّدَا (٢)
стр. 1059
ش:
الجارى مُجرَى (إِذ) فِي كونه يضاف للجملة جوازًا نحو: (حين)، و (وقت)، و (يوم)، يجوز فيه الإعراب والبناء علَى الفتح .. إِذا أُضِيفَ بجملة صدرت بفعل مبني.
ولكن المختار: البناء، وإليه أشار بقوله: (وَاخْتَرْ بِنَا مَتْلُوِّ فِعْلٍ بُنِيَا) فشمل ما أُضِيفَ للجملة المُصدَّر بماض؛ كقوله:
عَلَى حِينَ عَاتبتُ المَثسيبَ علَى الصِّبَا ... ................. (١)
стр. 1060
أَو بمضارع اتصلت به نون النّسوة؛ فإِنه مبني أيضًا علَى الأصح، كقوله:
................... ... عَلَى حِينَ يَستَصبِينَ كُلَّ حَلِيمِ (١)
فبنيت (حين) فِي الموضعين، وهو المختار كما ذكر.
وعن أبي الفتح: أن الظّرف فِي نحو: (حين قام زيد) أو (يوم قام زيد): مضاف للفعل وحده، فبني لإِضافته لمبني، وليس مضافًا لجميع الجملة؛ لأنَّ الجمل لا توصف بإعراب ولَا بناء.
واستشكل: بكون الأفعال تضاف إِليها؛ إِذ الإِضافة تفيد التّعريف أَو التّخصيص، والأفعال لا يتأتَّى فيها ذلك.
وأجيب: بأن الفعل هنا منزل منزلة المصدر، كما فِي قوله تعالَى: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾؛ أَي: (سواء عليهم الإنذار وعدمه).
стр. 1061
ويجب الإِعراب عند البصريين إِذا أُضِيفَ الظّرف لجملة صدرت بفعل معرب أَو لمبتدأ، وإليه أشار بقوله: (وَقَبْلَ فِعْلٍ مُعْرَب أَوْ مُبْتَدَا أَعْرِبْ)
فمن الإعراب: قوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ برفع (يوم)؛ لأنه قبل فعل معرب.
ونحو قول الشّاعرِ:
أَلَمْ تَعْلَمِي يَا عَمْرَكِ اللَّه أَنَّنِي ... كَرِيمٌ عَلَى حِينِ الْكِرَامُ قَليْلُ (١)
بجر (حين)؛ لأَنَّها قبل مبتدأ.
وأَجازَ الكوفيون: البناء فِي الصُّورتين، وإِليه أشار بقوله: (وَمَنْ بَنَى فَلَنْ يُفَنَّدَا).
والتّنفيد: التّكذيب، ويعضدهم قراءة نافع: (هذا يومَ) بفتح الميم.
وروي: (علَى حينِ الكرامُ) بالفتح أيضًا.
وتأوله البصريون فقالوا: إن اسم الإِشارة فِي الآية: مشار به إِلَى (الوعد)، و (يوم):
стр. 1062
ظرف.
وكأنه قيل: (هذا الوعد يوم ينفع الصّادقين)، فهي حركة إعراب لا حركة بناء.
وقرأ الأعمش: (هذا يومٌ) بالتّنوين.
ولَا يكون الظّرف المضاف إِلَى الجملة مثنَّى؛ فَلَا يقال: (يومَي قام زيد)، وأجازه ابن كيسان.
والمعتمد: تخصيصه بأسماء الزّمان المبهمة كـ (يوم)، و (حين) غير المعدودة؛ فخرج نحو: (يومي قام زيد)، و (أسبوع قدم الحاج)، و (شهر قدم زيد) ونحو ذلك.
وتنازع (وَابْنِ أَوِ اعْرِبْ) فِي قوله: (ما كإذ)، وقوله: (بناء): مفعول بـ (اختر) وهو مضاف، و (متلو) مضاف إِليه، وهو مضاف أيضًا لقوله: (فعلٍ)، وقوله: (بُنِيَا): صفة لفعل، وألفه: للإطلاق.
واللَّه الموفق
ص:
٤٠٣ - وَأَلْزَمُوا إِذَا إِضَافَةً إِلَى ... جُمَلِ الأَفْعَالِ كَهِنْ إذَا اعْتَلَى (١)
ش:
* سبقت الإِشارة بأن (إِذا) تلزم الإضافة للجمل، وهي اسم زمان مستقبل.
وذكر الشّيخ هنا: أنها تضاف للجملة الفعلية، وهو مذهب سيبويه، قال تعالَى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾، وتقول: (آتيك إِذا قام زيد).
وجوز الأخفش والكوفيون: أَن تضاف للجملة الاسمية؛ نحو: (آتيك إِذا زيد قام)، فـ (زيد): مبتدأ، و (قام): خبره.
والمعتمد: أنها هنا داخلة علَى فعل محذوف، و (زيد): فاعل بذلك المحذوف.
стр. 1063
واحتج الأخفش والكوفيون بقول الشّاعر:
إِذَا بَاهِلِيٌّ تَحْتَهُ حَنْظَلِيَّةٌ ... ................. (١)
وأجيب: بأن التّقدير: (إِذا كَانَ باهلي).
وأَجازَ الأخفش: فِي قوله تعالَى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾: أَن يكونَ مبتدأ وخبرًا.
والمعتمد: أَن (الشّمسُ) فاعل لمحذوف يفسره المذكور كما سبق؛ لأنَّ (إِذا) شرط، والشّرط أولى بالفعل.
وهذا آخر ما يضاف للجمل.
وأما ما ظاهره الإِضافة للجملة الفعلية فِي قولهم: (اذهب بذي تسلم)، و (اذهبا بذي
стр. 1064
تسلمان) .. فمعناه: (اذهب بذي سلامتك)، و (اذهبا بذي سلامتكما).
وكأنه قيل: (اذهب بالأمر الّذي يسلمك)، ونحو ذلك.
وقوله: (إِذا): مفعول أول بـ (ألزموا)، و (إِضافةً): مفعول ثان.
وسيأتي الكلام علَى (لما) مفصلًا فِي باب (أما) و (لولا)، هل هي ظرف لازم للإِضافة، أَو غير ظرف؟
تنبيه:
اعلم أَن الجملة بعد (إِذا) فِي محل جر؛ لأنَّ (إِذا) مضافة، والجملة: مضاف إِليه؛ نحو: (إِذا جاء زيد أكرمته).
وأما جوابها .. فَلَا محل له؛ لأَنَّها شرط غير جازم.
واختلف فِي العامل فيها:
١ - فقيل: شرطها.
وُردَّ: بأن المضاف إِليه لا يعمل فِي المضاف.
وأجيب: بأنها حينئذ بمنزلة (متى)، فهي مرتبطة بما بعدها اوتباط أداة الشّرط بجملة الشّرط، لا ارتباط المضاف بالمضاف إِليه.
وفي "إعراب السّمين": أن (جاء) هو العامل فِي (إِذا) من قوله تعالَى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾، قال: وهو قول مكي، وإِليه نحا الشّيخ، يشير إِلَى أبي حيان.
٢ - وقيل: العامل فيها: ما فِي جوابها من فعل أَو شبهه، وهذا هو المشهور.
لكن رُدَّ أيضًا بأنه يقع فِي جوابها: (إِذا) الفجائية و (الفاء) و (إِنَّ) المؤكِّدة، وما بعد هذا لثلاثة: لا يعمل فيما قبلها؛ كما تقول: (إِذا جاء زيد فإِني أكرمه) ونحو ذلك.
وهذا الرّد ظاهر، إِلَّا أَن (إِذا): ظرف، والظّروف متوسع فيها.
ولهذا ارتضَى الزّمخشري والحوفي: أن جوابها المقرون بـ (الفاء): عامل فيها فِي ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾، وسبق الكلام علَى إعمال ما بعد (الفاء) فيما قبلها فِي الفاعل وفي الاشتغال.
ثم إن اضطر إِلَى الجزم بها فِي الشّعر .. كانت اسم شرط، ويجزم الفعل بعدها: لفظًا
стр. 1065
إن كَانَ مضارعًا، ومحلًا إن كَانَ ماضيًا كسائر أدوات الشّرط، وهي العاملة فيه الجزم كغيرها؛ وجوابها حينئذ كجواب غيرها من الأدوات.
ومن الجزم بها فِي الضّرورة قوله:
................... ... وَإِذا تُصِبْكَ خَصَاصَةٌ فَتَجَمَّلِ (١)
والخصاصة: ضد الغنا، وسيأتي ذكرها أيضًا فِي عوامل الجزم.
واللَّه الموفق
ص:
٤٠٤ - لِمُفْهِمِ اثْنَيْنِ مُعَرَّفٍ بِلَا ... تَفَرُّقٍ أُضِيْفَ كِلْتَا وَكِلَا (٢)
ش:
(كلا) , و (كلتا): من الأسماء اللّازمة للإِضافة فِي اللّفظ والمعنَى.
واختصا بأن يضافا:
* لمثنَّى فِي اللّفظ؛ نحو: (كلا الرّجلين)، و (كلتا المرأتين).
* أَو فِي المعنَى؛ نحو: (كلاهما) أو (كلتاهما).
ويشترط: أَن يكونَ المضاف إِليه معرفة كما ذكر.
خلافًا للكوفيين فِي إجازتهم: (جاءني كلا رجلين)، و (كلتا امرأتين).
стр. 1066
ومن المثنَّى فِي المعنَى أيضًا نحو: (كلا هذين)، و (كلتا هاتين).
* وما دل علَى اثنين باشتراك؛ كالضمير فِي قول الشّاعر:
كِلَانَا غَنِي عَنْ أَخِيهِ حَيَاتَهُ ... ................. (١)
وقول الآخر:
فَإِنَّ اللَّه يَعْلَمُنِي ووَهْبًا ... وَيعلَمُ أَنْ سَيَلْقاهُ كِلَانَا (٢)
стр. 1067
ومثل اسم الضّمير: اسم الإِشارة فِي قول الشّاعر:
إِنَّ لِلخَيرِ وَللشَّرِّ مَدًى ... وَكِلَا ذَلِكَ وَجهٌ وَقَبَل (١)
فهو وإِن كَانَ مفردًا فِي اللّفظ .. هو مثنى فِي المعنَى؛ لأنَّ الإِشارة به إِلَى (الخير) و (الشّر)، وكأنه قيل: (وكلا هذين وجه وقبل).
وقد أشير به أيضًا إِلَى اثنين فِي قوله تعالَى: ﴿لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾.
وذكر ابن الأنباري: إِضافة (كلا) إِلَى مفرد بشرط التّكرير؛ نحو: (كلاي وكلاك قائمان).
ولَا يجوز التّفريق مع (كلا) و (كلتا)، فَلَا يقال: (كلا زيد وعمرو)، ولهذا قال الشّيخ: (بِلَا تَفَرُّقٍ).
وفي "المفصّل": جواز التّفريق فِي الشّعر؛ كَقَولِ الشَّاعرِ:
ش:
اعلم أن أيًّا لا تضاف لمفرد معرفة, فَلَا يقال: (أَيُّ زيدٍ عندك).
ويجوز مع التكرار أَو قصد الأجزاء:
فالأول: (أَي زيد، وأي عمرو عندك)، ومنه قولُ الشّاعرِ:
................... ... أَيِّي وأَيُّكَ فارِسُ الأَحْزابِ (١)
والمعنَى: (أيُّنا فارس الأحزاب؟) ولا يعطف هنا بغير الواو.
والثاني: نحو: (أيُّ زيدٍ أحسن)، التقدير: (أي أجزاء زيد أحسن؟)، فهي في الحقيقة
стр. 1070
مضافة لجميع لا لمفرد.
وجواب هذا الاستفهام: أن يقال: (عينه، أو رأسه، أو يده) ونحو ذلك.
واعلم أن (أيًا) على أقسام:
* فأما الموصولة .. فلا تضاف إلا لمعرفة غير مفرد؛ نحو: (يعجبني أيُّ القوم هو كريم)، و (مررت بأيهم هو أكرم).
ولم يخصها ابن عصفور بالمعرفة.
والمعتمد: خلافه، وإليه أشار بقوله: (واخصصن بالمعرفة موصولة أيًا)، و (موصولة): حال من (أيًا)؛ أي: و (اخصص أيًا بالمعرفة حالة كونها موصولة).
* وأما الواقعة صفة .. فعكس الموصولة؛ كما قال: (وبالعكس الصفة)، فقوله: (صفة) تشمل:
الواقعة صفة لنكرة؛ نحو: (مررت برجل أيِّ رجل)، و (رجلين أيِّ رجلين)، و (برجال أيِّ رجال).
وتشمل الواقعة حالًا من معرفة؛ نحو: (مررت بزيد أيَّ فارس)، و (بالزيدين أيَّ فارسين)، و (بالقوم أيَّ كرام)، فلا تضاف إلا لنكرة كما ذكر.
* وأما الشرطية والاستفهامية .. فتضاف للنكرة والمعرفة، وإليه أشار بقوله: و (إن يكن شرطًا أو استفهامًا فمطلقًا ... إلى آخره) لكن بشرط أن لا تكون المعرفة مفردًا لما سبق من أنها لا تضاف لمفرد معرفة.
فالشرطية: نحو: (أيُّ رجل قام فاضربه)، و (أيَّ رجلين تضرب أضرب)، و (أيَّ رجال تضرب أضرب)، و (أيَّ الرجلين تضرب أضرب)، و (أيَّ الرجال تضرب أضرب).
وقد تُردَف بـ (ما)، كقوله تعالى: ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾.
ولا يقال: (أي الرجل تضرب أضرب)، ولا (أي زيد تضرب أضرب) من غير أن ينوى الأجزاء.
والاستفهامية: نحو: (أيُّ رجل عندك؟)، (أي الرجلين عندك؟)، (أي رجال عندك؟)، (أي الرجال عندك؟).
وفي القرآن: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾، ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾، ولا يقال: (أي
стр. 1071
الرجل عندك؟) كما سبق.
والحاصل: أن (أيا) بالنسبة للإضافة على ثلاثة أقسام:
* فالموصولة: مخصوصة بالمعرفة.
خلافًا لابن عصفور.
وهي في هذه الحالة ملازمة للإضافة معنى.
* والصفة: مخصوصة بالنكرة؛ سواء كانت صفة لنكرة، أو حالًا من معرفة، وهي في هذه الحالة ملازمة للإضافة لفظًا ومعنى.
وأما الشرطية والاستفهامية: فتضافان للنكرة والمعرفة على ما سبق ذكره مفصلًا، وهي في حالة الشرط والاستفهام لازمة للإضافة معنى.
[وقوله: (أو تنو) مؤخر من تقديم لضرووة النظم، والتقدير: وإن كررتها أو تنو الأجزاء فأضف] (١) , و (مطلقًا): حال من المصدر المفهوم من (تمِّمْ) أي التميم مطلقًا، أو حال من الضمير في (تمِّم) أي تمم بلا قيد.
واللَّه الموفق
ص:
٤٠٨ - وَأَلْزَمُوا إِضَافَةً لَدُنْ فَجَرّ ... وَنَصْبُ غُدْوَةٍ بِهَا عَنْهُمْ نَدَرْ (٢)
ش:
من الأسماء اللازمة للإضافة لفظًا ومعنى: (لدن) , ظرف مكان بمعنى (عند).
وقد تأتي: في الزمان؛ كقوله:
стр. 1072
.......... ... مِنْ لَدُنِ الظُّهْرِ إِلى العُصَيْرِ (١)
ولا تكون إلا لابتداء الغاية زمانًا أو مكانًا.
وغالب أحوالها: أن تجر بـ (مِن).
فتشترك مع (عند) في ابتداء الغاية؛ كقوله تعالئ: ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾.
وتفارقهما: في نحو: (جلست عندك)، و (زيد عندك)، فلا يقال: (جلست لدنك)، لانتفاء مبدأ الغاية، فتصلح (عند) مكان (لدن)، ولا عكس.
ولا يضافان إلا لمفرد؛ إذ لا يضاف للجمل من ظروف المكان إلا (حيث) كما سبق، نص عليه ابن برهان والقواس.
وأجاز بعضهم ذلك في (لدن)؛ مستدلًا بقوله:
................... ... لَدُنْ شَبَّ حتَّى شَابَ سُودُ الذَّوائبِ (٢)
فأضيفت للفعلية في الأول.
وللاسمية في الثاني.
وحكم المصنف في "الكافية": بتقدير: (أنْ) في الأول تبعًا لسيبويه؛ لئلا تخرج عن الإضافة إلى مفرد، فالتقدير: (لدن أن شب)، و (أن): مصدرية.
واعترض هذا بأن (أن) موصولة، والموصول الحرفي لا يحذف؛ لأنه يؤدي إلى حذف بعض الكلمة وإبقاء بعضها، نص عليه سيبويه في باب الاستثناء.
وعلى هذا: فالذي فر منه في الاستثناء وقع فيه هنا؛ ولكن حذف (أن) كثير في كلامهم؛ نحو: (تسمع بالمعيدي)، و (خذ اللص قبل يأخذك) كما سيأتي في إعراب الفعل.
و (ريثَ) بالمثلثة في الحكم: كـ (لدن)؛ فإن وقع بعدها فعل .. قدرت (أن) كما سبق. قال في "الكافية" (١):
وَإِثْرَ رَيْثَ وَلَدُنْ إِنْ قُدِّرَا ... مِنْ قَبْلِ فِعلٍ نَحْوُ مِنْ لَدُنْ سَرَى
وهي مصدر (راث) بمعنى (أبطأ)، وعومل معاملة الظروف.
قال الشاعر:
خَلِيلَيَّ رِفقًا رَيثَ أَقْضِي لُبَانَةً ... مِنَ العَرَصَاتِ المُذْكِرَاتِ عُهُوْدَا (٢)
وندر إفراد (لدن)، ونصب (غدوة) بعدها؛ في قوله:
................... ... لَدُنْ غدْوَةً حَتَّى دَنَتْ لِغُرُوبِ (٣)
стр. 1075
وإليه أشار بقوله: (وَنَصْبُ غُدْوَةٍ بِهَا عَنْهُمْ نَدَرْ)؛ فقطعت عن الإضافة لفظًا ومعنى.
والنصب: على التمييز، أو على التشبيه بالمفعول, أو إضمار كان واسمها؛ أي: (لدن كانت الساعة غدوة).
وقال البعلي: شبهت نونها بتنوين اسم الفاعل، فنصبت.
قال سيبويه: وهو شيء نادر غريب. انتهى.
ويجوز جر (غدوة) وهو القياس، وهي بمعنى (غداة)، إلا أن (غدوة) معرفة، و (غداة) نكرة، ذكره في "الأشباه والنظائر".
تنبيه:
(لدن): مبنية على السكون.
وأعربها قيسٌ، وبه قرأ أبو بكر عن عاصم: (لينذر بأسًا شديدًا من لدنه) بكسر النون.
وفيها لغات:
- (لَدَن) بفتح الأول والثاني.
- و (لَدْنِ) كـ (أمس).
- و ([(لُدْن)] بضم اللام كـ (قفل).
- و (لَدَ) بفتح اللام وضمها.
- (ولَدُ) بفتح الأول وضم الثاني.
- و (لدا) بفتح الأول.
وسبق الكلام على (لدا)، وبنيت (لدن)؛ لأن وضع (لد) وضع الحروف، فأجريت بقية اللغات مجراه.
وقيل: لأنهم لم يتجاوزوا بها حضرة الشيء والقرب منه، فجرت مجرى الحرف
وجميع النُّحاة استشهدوا به على نصب غدوة بعد (لدن) ولم تجرّ بالإضافة؛ وهذا نادر. يُنظر هذا البيتُ في: حُروف المعاني ٢٦، وشرح اللّمع لابن بَرْهان ٢/ ٤٢٩، واللّسان (لدن) ١٣/ ٣٨٤، وابن عقيل ٢/ ٦٥، والمقاصد النّحويّة ٣/ ٤٢٩، والتّصريح ٢/ ٤٦، والهمع ٣/ ٢١٨، والأشمونيّ ٢/ ٢٦٣، والدّرر ٣/ ١٣٨.
стр. 1076
الموضوع بإزاء معنى لا يتجاوزه، ولهذا: أعربت (عند)؛ لأنهم أوقعوها على ما بالحضرة وغيره؛ فيجوز: (عندي مال) وإن كان المال غائبًا في بلد آخر.
بخلاف: (لدن) .. فلا يكون إلا للحاضر كما سبق ذكره.
واللَّه الموفق
ص:
٤٠٩ - وَمَعَ مَعْ فِيْهَا قَلِيْلٌ وَنُقِلْ ... فَتْحٌ وَكَسْرٌ لِسُكُوْنٍ يَتَّصِلْ (١)
ش:
من الأسماء اللازمة للإضافة أيضًا (مع) , وهي: اسم معرب منصوب على الظرفية.
- فتكون اسمًا لمكان الاصطحاب؛ كـ (جلست مع زيد).
- ووقت الاصطحاب؛ كـ (جئت معَ زيد).
بفتح العين.
وغنم وربيعة: يبنونها على السكون، وإليه أشار بقوله: (وَمَعَ مَعْ فِيْهَا قَلِيْلٌ)، قال الشاعر:
فَرِيشِي مِنْكُمُ وهَوايَ مَعْكُمْ ... وإن كانت زِيارَتُكُمْ لِمَامَا (٢)
стр. 1077
و (الريش): المال والمعاش.
وإذا وقع بعدها ساكن على لغة تميم وربيعة .. كسرت العين فرارًا من التقاء الساكنين؛ نحو: (جئت معِ الأمير) بكسر العين أو فتحهما، وإليه الإشارة بقوله: (وَنُقِلْ فَتْحٌ وَكَسْرٌ لِسُكُوْنٍ يَتَّصِلْ).
والصحيح: أن الساكنة العين اسم.
خلافًا: لمن زعم أنها حرف؛ كالنحاس.
وليس لتسكين عينها ضرورة، بل هي لغة كما تقدم.
خلافًا لسيبويه في زعمه ذلك.
ويجوز في (مع) أن يفرد لفظها عن الإضافة فتخرج عن الظرفية وتنصب على الحال؛ كـ (جاء الزيدان معًا)، و (قاما معًا).
وقد تستعمل في الجمع؛ كقول الخنساء:
وأَفْنَى رِجَالِي فَبَادُوا مَعًا ... فأصْبَحَ قَلْبي بِهم مُسْتَفِزَّا (١)
стр. 1078
وقول الآخر:
................... ... إِذَا حَنَّتِ الأُولَى سَجَعنَ لَهَا مَعَا (١)
والخليل وسيبويه: على أنها ثنائية اللفظ مطلقًا، ولو نونت في نحو: (جاء الزيدان معًا) .. فهي بمنزلة قوله: (رأيت دمًا).
стр. 1079
ويونس والأخفش: على أنها ثلاثية الوضع، وأصلها: (معيٌ)، فحذفت لامها اعتباطًا، يعني: لا لعلة، وأنها لما أفردت في: (جاء الزيدان معًا) .. رد إليها المحذوف وهو لام الكلمة، فهي اسم مقصور: كـ (فتى)، و (عصى)، وتجري حينئذ في الوقف مجراهما؛ فإذا قلت: (جاء الزيدان معًا) .. كانت منصوبة على الحال، وفتحتها فتحة إعراب عند الخليل وسيبويه، وهذه الألف بدل من التنوين عندهم؛ كما تقول: (رأيت دمًا).
ويونس والأخفش: أن هذه الألف ألف الكلمة، وأن التنوين حذف من غير عوض كما سيأتي إن شاء اللَّه تعالى في الوقف.
وحكى سيبويه: جرها بـ (مِن)؛ كقولهم: (ذهبت من معه)، وهي هنا بمعنى (عند).
وبه قرأ يحيى بن يعمر: (هذا ذِكرٌ مِن معي وذِكرٌ من قبلي) بتنوين (ذِكر)، وأن (مِن): حرف جر.
وسأل ثعلب ﵀ أحمد بن قادم عن الفرق بين: (قام عبد اللَّه وزيد معًا)، و (قام عبد اللَّه وزيد جميعًا)، فسكت، فقال ثعلب: إن (جميعًا) للقيام في وقتين وفي وقت واحد، و (معًا) للقيام في وقت واحد. انتهى.
ويشكل عليه قولُ امرئ القيس:
مِكَرٍّ مِفَر مُقْبِل مُدْبِرٍ مَعًا ... ..................... (١)
стр. 1080
لأنه لا يُقبِل ويدبر في حالة واحدة.
وقيل: إنها بمعنى (بعد)، في قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، كما أن (بعد) بمعناها في: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾.
واللَّه الموفق
ص:
٤١٠ - وَاضْمُمْ بِنَاءً غَيْرًا إنْ عَدِمْتَ مَا ... لَهُ أُضِيْفَ نَاوِيًا مَا عُدِمَا (١)
٤١١ - قَبْلُ كَغَيْرُ بَعْدُ حَسْبُ أَوَّلُ ... وَدُوْنُ وَالْجِهَاتُ أَيْضًا وَعَلُ (٢)
٤١٢ - وَأَعْرَبُوا نَصْبًا إذَا مَا نُكِّرَا ... قَبْلًا وَمَا مِنْ بَعْدِه قَدْ ذُكِرَا (٣)
стр. 1081
ش:
اعلم: أن (غير) من الأسماء اللازمة للإضافة، وقد تخلو منها كما سيذكر.
ولها أربعة أحوال: فتعرب في ثلاثة، وتبنى في الحالة الرابعة، وقد أشار في البيت الأول: إلى الحالة الرابعة التي تبنى فيها.
- فتبنى على الضم إذا حذف المضاف إليه ونوي معناه؛ كقولك: (قبضت درهمًا ليس غيرُ) بالضم.
وقوله: (ناويًا ما عُدِمَا) أي: معنى ما عدم، ويفهم من قوله: (واضمُم بِناءً)، أن الضمة بناء؛ لأنها ظرف كـ (قبل)، و (بعد)، وهو للمبرد، فتقول في: (قبضت درهمًا ليس غير): إنها ظرف مبني على الضم في محل نصب، لكونها خبر (ليس)، واسمها مضمر؛ أي: (ليس المقبوض غير ذلك).
ويجوز العكس؛ أي: (ليس غير ذلك مقبوضًا).
والأخفش: أنها ضمة إعراب؛ لأنها اسم مثل (كل) و (بعض).
وأجاز ابن خروف: الوجهين.
وابن السراج والسيرافي وأبو حيان: أن (لا) مثل (ليس)؛ في نحو: (لا غير)، و (ليس غير).
قال الشاعر:
.................... ... لعَنْ عَمَلٍ أسلفتَ لَا غيرُ تُسألُ (١)
стр. 1082
وفي القاموس: أن (لا غير): لحن، وقصره على السماع.
وأما الثلاثة التي تعرب فيها:
* فالأول: أن يذكر المضاف إليه، كـ (قبضت درهمًا لا غيرَه) بالنصب.
* الثاني: أن يحذف المضاف إليه ولا ينوى لفظه ولا معناه؛ كـ (قبضت درهمًا لا غيرَ) بالنصب.
* الثالث: أن يحذف وينوى لفظه؛ كـ (قبضت درهمًا لا غيرَ) بالنصب أيضًا.
ومرجع هذا كله لنية المتكلم.
والحاصل: أنه إن ذكر المضاف إليه، أو لم يذكر ولم ينو شيء، أو نوي اللفظ ..
أُعرب.
أو لم يذكر ونوي المعنى .. بُني.
واعلم: أن (قبل)، و (بعد)، و (حسب)، و (أول)، و (دون)، و (عل)، والجهات نحو: (أمام)، و (خلف)، و (فوق)، و (تحت)، و (يمين)، (وشمال)، و (حذا)، و (تلقاء)، و (تجاه)، و (وراء): ظروف لازمة للإضافة أيضًا، وإضافتها معنوية، وهي كـ (غير) في الأوجه المذكورة.
стр. 1083
* وقد استعملت (وراء) بمعنى (أمام)، في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾.
وبنيت هذه الظروف في الحالة الرابعة؛ لافتقارها إلى ما تضاف إليه افتقار الحروف إلى غيرها.
والمصنف: أنها أشبهت أحرف الجواب كـ (نعم)، و (بلى) في الاستغناء بها عن لفظ ما بعدها.
* وقال بعضهم في (قبل) و (بعد): بُنِيا لأنهما تعرفا بحذف ما أضيفا إليه، وهو خلاف: ما تتعرف به الأسماء.
وقيل:
لما تضمنا المحذوف بعدهما .. صارا كبعض الاسم، وبعض الاسم: مبني.
وعلى حركة: لالتقاء الساكنين.
وكانت ضمة: لأنهما يصلحان للزمان والمكان بحسب ما يضافان إليه، فلما قوي معناهما .. حركا بأقوى الحركات؛ ليطابق اللفظ المعنى.
أو لأنها في حالة الإضافة تحرك بالفتح والكسر، فضمت ليكمل لها الحركات الثلاث.
والسيرافي: أنها أشبهت المنادى المفرد في كونها إذا نكرت أو أضيفت .. أعربت، وإلا .. بنيت على الضم؛ كـ (يا زيد).
وقال الحوفي: لا يبنيان .. إلا إذا كان المضاف إليه معرفة؛ فإن كان نكرة .. أعربا، سواء نوي معناه أم لا.
وفي حالة البناء على الضم .. تسمى هذه الظروف: (غايات)؛ إذ الأصل أن تكون مضافة لفظًا؛ كـ (جئتك قبل زيد)، ونهايتها حينئذ: آخر المضاف إليه؛ لأن المضاف إليه تتمة المضاف؛ لأن المتضايفين كالكلمة الواحدة؛ فإذا حذف المضاف إليه وتضمنه المضاف .. صارآخر المضاف غاية؛ لأنه ناب عن الغاية.
وقد أعربت حيث ذكر المضاف إليه في قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾، ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ﴾، ﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾، ﴿أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾، ﴿إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.
стр. 1084
* و (دون): ظرف مكان لا ينصرف.
والأخفش والكوفيون: ينصرف.
قال الأخفش: وهو مبتدأ في نحو: ﴿وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ الآية، وبنيت لإضافتها للمبني؛ أعني: اسم الإشارة، (ومنا): خبر مقدم.
ورُدَّ: بأن في الآية حذف؛ أي: (ومنا قوم دون ذلك)، أو (فريق) كما سيأتي في المفعول فيه.
وتأتي (دون) بمعنى: (فوق)، و (تحت)، و (أمام)، و (وراء)، و (شريف)، و (خسيس)، و (الأمر)، و (الوعيد)، وبمعنى (غير).
قيل: ومنه حديث: "ليس فيما دون خمس أواق صدقة".
وبمعنى: (قبل)؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾.
وتقول: (هذا دونه)؛ أي: (أقرب من).
* ويكثر جرها بـ (من).
* وقد تجر بـ (الباء).
وتقول: (أتيه من علِ الدار) بالجر؛ أي: (من فوق الدار)، و (جلست أمامَك، وخلفَك، وتحتَك، ويمينَك وشمالَك) بالنصب في الجميع.
وأما قولُ الشاعرِ:
فَغَدَتْ كِلا الفَرْجَيْن تَحْسَبُ أنّه ... مَوْلَى المَخافَةِ خَلْفُها وأمامُها (١)
стр. 1085
فقيل: بدلان من (كلا الفرجين)، أو خبران و (مولى): بدل من الهاء، أو أنهما خبر بعد خبر، أو خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: (هما خلفها وأمامها).
وعلى الأقوال: فقد تصرف أيضًا، وهو رأي صالح بن إسحاق الجرمي؛ لأنه يجيز ذلك في الشعر.
* قد أعربت أيضًا حيث لم ينو لفظ المضاف إليه ولا معناه، في قوله تعالى: (لله الأمر من قبلٍ ومن بعدٍ) فى قراءة الجر والتنوين، ونحو قول الشاعرِ:
فَسَاغَ لِيَ الشَّرابُ وَكُنتُ قَبلا ... أَكَادُ أَغَصُّ بِالمَاءِ الفُرَاتِ (١)
стр. 1086
بالنصب على الظرفية، كأنه قال: (وكنت قديمًا)، وإليه أشار بقوله: (وَأَعربوا نَصْبًا إِذَا مَا نُكِّرا قبلا).
- فتنصب. إذا نكرت.
- وتجر: إذا دخل حرف الجر.
وكذا قولُ الآخر:
................... ... فَمَا شَرِبُوا بَعدًا عَلَى لَذَّةٍ خَمْرَا (١)
стр. 1087
بنصبها على الظرفية.
وتقول: (جئت أولًا)، و (جلست دونًا)، و (سرت أمامًا، وخلفًا)، و (جلست فوقًا، وتحتًا، ويمينًا، وشمالًا) كما سبق ذكره.
وظاهر كلام الشيخ: أن ذلك يجوز، في نحو: (رأيت رجلًا حَسْبًا) أي: كافيًا، و (آتيك عَلًا) أي: (من فوق).
* وادعى ابن أبي الربيع تلميذ الشلوبين: أن (عل) لا تستعمل .. إلا مجرورة بـ (من)، وأنها لا تضاف.
وفي "الصحاح": تضاف؛ كـ (جئت من عل الدار)؛ أي: (من فوقها).
ومثال ما إذا حذف المضاف إليه ونوي لفظه: قوله تعالى: (لله الأمر من قبلِ ومن بعدِ) بالجر من غير تنوين، فأعربت أيضًا.
وكقولِ الشاعر:
وَمِنْ قَبْلِ نَادَى كُلُّ مَولَى قَرَابَةٍ ... فَمَا عَطَفَتْ مَولَىً عَلَيهِ العَوَاطِفُ (١)
стр. 1088
وقالوا: إن (مولى) في هذا الشاهد بدل من الهاء، في (عليه)، وقدم للضرووة.
وقول الآخر:
................... ... كَجُلْمُودِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيلُ مِنْ عَلِ (١)
بالجر كما ذكر.
ومثال حالة البناء: وهو ما إذا حذف المضاف إليه ونوي معناه: قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾، بالضم في قراءة الجماعة.
وقولُ الآخر:
لَعَنَ الإِلَهُ تَعِلَّةَ بْنَ مُسَافِرٍ ... لَعْنًا يُصَبُّ عَلَيْهِ مِنْ قُدَّامُ (٢)