ومن العرب من لا يقلب ألفها مع المضمر.
قال الشّاعر:
أَيَّ قَلوصٍ رَاكبًا تَرَاهَا ... طَارُوا عَلَاهُنَّ فَطِرْ عَلَاهَا (١)
أراد: فطر عليها.
وأما عن:
فللمجاوزة كثيرًا؛ كـ (رميت عن القوس) و (أعرض عن زيد).
وقيل: إنها في الأول بمعنَى (الباء)؛ أَي: (رميت بالقوس) فهي للاستعانة.
* وبمعنَى (بعد): كقولِهِ تعالَى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾، ﴿قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ﴾؛ أي:
стр. 982
(بعد قليل)، و (ما): صلة.
ومنه قول الشّاعر:
لئن مُنِيتَ بِنَا عَنْ غِبِّ مَعْرَكةٍ ............................... (١)
أَي: (بعد غب معركة).
و (منِيت): بكسر النّون ابتليت، وغبُّ الشّيء: عقبه.
وقول الآخر:
................................... ... وَمَنْهَلٍ وَرَدْتُهُ عن مَنْهَلٍ (٢)
أَي: (بعد منهل).
* وتأتي زائدة عن أخرى محذوفة كما سبق في (على)؛ كقولِ الشَّاعرِ:
стр. 983
........................... فَهَلا الَّتِي عَنْ بَينَ جَنبَيكَ تَدْفَعُ (١)
الأصل: (فهلا تدفع عن الّتي بَينَ جنبيك)، فحذفت (الَّتي) قبل الموصول، وزيدت أخرَى بعد الموصول عوضًا عن المحذوفة.
* وبمعنى (على)، كما استعملت على بمعناها، ولهذا قال: (كَمَا على مَوْضِعَ عَنْ قَدْ جُعِلَا)، ومنه في القرآن: ﴿فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾
وقول الشّاعر:
لاهِ ابنُ عمِّكَ لا أفضِلْتَ في حَسَبٍ
стр. 984
......................... ... عَنِّي وَلَا أنتَ ديَّانِي فَتَخْزُونِي (١)
* وبمعنَى (من)، و في (، و (أَن)، و (الباء).
فالأول، كقولِهِ تعالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾،، ﴿نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾.
أي: (كما حاد البعير بسبب الدحض): المكان الزّلق.
والله الموفق
ص
٣٧٧ - شَبِّه بِكافٍ وَبِها التَّعلِيلُ قَد ... يُعنَى وَزَائِدًا لِتَوكِيدٍ وَرَدْ (١)
٣٧٨ - وَاستُعمِل اسْمًا وَكَذَا عن وَعَلَى ... مِن أجلِ ذَا عَليْهِمَا مِن دَخَلَا (٢)
ش:
* تكثر الكاف في التّشبيه؛ نحو: (زيد كالأسد).
* وتكون للتعليل: وفي القرآن: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾؛ أي: (لهدايته).
* وزائدة للتوكيد: كَقَولِ الشَّاعرِ:
................... لَوَاحِقُ الأقْرَابِ فِيهَا كَالْمَقَقْ (٣)
رَدِيتُ ونَجَّى اليَشْكُرِيَّ حذارُه ... وحادَكَمَاحادَ البَعِيرُ عَنِ الدَّحْضِ
وهو في جمهرة اللغة ١/ ٥٠ والزاهر ١/ ٣٣ وأساس البلاغة ١/ ٢٨٠ بروايات مختلفة.
الشّاهد: قوله: (عن الدحض)، حيث جاءت (عن) للسببية.
الشّاهد: قوله: (عن الدحض)، حيث جاءت (عن) للسببية.
(١) شبَّه: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره أنت. بكاف: جار ومجرور متعلق بشبِّه. وبها: متعلق بقوله: يُعنى الآتي. التعليل: مبتدأ. قد: حرف تقليل. عن: فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره هو يعود على التعليل، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ. وزائ: حال من فاعل ورد الآتي. لتوكيد: جار ومجرور متعلق بزائد.
ورد: فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره هو يعود إلى الكاف.
(٢) واستُعمل: فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره هو يعود إلى الكاف في البيت السابق. اسمًا: حال من نائب الفاعل. وكذا: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم. عن: قصد لفظه: مبتدأ مؤخر. وعلى: معطوف على عن. من أجل: جار ومجرور متعلق بدخل أيضًا. ذا: اسم اشارة مضاف إليه. من: قصد لفظه: مبتدأ. دخلا: دخل: فعل ماض، والألف للإطلاق، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره هو يعود إلى من، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ.
(٣) التخريج: عجز بيت من الرجز، وصدره: قُبٌّ مِنَ التَّعْداءِ حُقْبٌ في سَوَقْ
وهو لرؤبة في ديوانه ص ١٠٦، وجواهر الأدب ص ١٢٩، وخزانة الأدب ١/ ٨٩، وسر صناعة الإعراب ص ٢٩٢، ٢٩٥، ٨١٥ وسمط اللآلي ص ٣٢٢ وشرح شواهد المغني ٢/ ٧٦٤، والمقاصد النحوية ٣/ ٢٩٠، وبلا نسبة في أسرار العربية ص ٢٦٤ والإنصاف ١/ ٢٩٩،
стр. 987
أَي: (فيها المقق).
وقيل لبعض العرب: كيف تصنعون الأقط؟ قالوا: كهيِّن؛ أَي: (هنيًا).
والزَّائدة حرف على الصّحيح.
* وجعلت صلة مؤكّدة: في قوله تعالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾
وقيل: الزّائد (مثل)، لتفصل الكاف من الضّمير، كما زيدت في: قوله تعالَى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾.
وقيل: الكاف اسم، وأكد بمثل، كما استعمل عكس ذلك في قول الشّاعرِ:
................... صُيِّرُوا مثلَ كَعَصْفٍ مَأْكُولْ (١)
وقيل: ليست (مثل) مؤكّدة، والكاف: اسم، أَي: (ليس مثل مثله شيء).
والعرب: يكنون عن نفي المثل بنفي مثل المثل.
وجمهرة اللغة ص ٨٢٤ واللمع في العربية ص ١٥٨، والمقتضب ٤/ ٤١٨.
اللغة: اللواحق: جمع لاحقة اسم فاعل من لحِقَ كسَمِع: ضُمرٌ وهُزلٌ. والأقراب: جمع قُرْب بضمه فسكون وبضمتين: الخاصرة. يريد أنها خماص البطون، وضمير فيها) للأقراب. المقق: الطول الفاحش.
الإعراب: لواحق: خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هي، وهو مضاف. الأقراب: مضاف إليه مجرور.
فيها: جار ومجرور متعلقان بخبر المبتدأ المحذوف تقديره: موجود. كالمقق: الكاف حرف زائد، المقق: مبتدأ مؤخر.
الشّاهد: قوله: (كالمقق) حيث وردت الكاف الزائدة، تقديره: (فيها المقق)؛ أي: فيها مقق، لأنه يصف الأضلاع بأن فيها طولًا، وليس يريد أن شيئًا مثل الطول نفسه.
(١) التخريج: هذا بيت من مشطور الرجز آخر أربعة أبيات موجودة في زيادات ديوان رؤبة ص ١٨١، وقد ينسب لحميد الأرقط. وانظره في الكتاب لسيبويه (١/ ٤٠٨)، والمقتضب (٤/ ١٤١، ٣٥٠)، وسر الصناعة (٢٩٦)، والمغني (١٨٠)، والخزانة (٤/ ٢٧٠)، والدرر (٢/ ٢٥٠)، وشرح شواهد المغني (٥٠٣)، والأبيات كما في ملحق الديوان:
وَمَسَّهُمْ ما مَسَّ أَصْحَابَ الفِيلْ ... تَرْمِيهِمُ حِجارَةٌ مِنْ سِجِّيلْ
وَلَعِبَتْ طَيْرٌ بهِم أَبابِيلْ ... فَصُيِّرُوا مِثْلَ كَعَصْفٍ مَأْكُولْ
اللغة: العصف: ورق الزرع الذَي يبقى في الأرض بعد الحصاد، فتعصفه الرياح وتأكله الماشية.
الشّاهد: قوله: (مثل كعصف)؛ حيث جاء الكاف اسمًا أُكِّد به (مثل).
стр. 988
قيل: وهذا هو الوجه.
* وتكون بمعنَى (على) , قيل لبعضهم: (كيف أصبحت؟) فقال: (كخير).
وأبو الفتح: بمعنَى الباء.
وقيل: للتشبيه على حذف مضاف؛ أَي: كـ (صاحب خير).
* والسّيرافي وابن الخباز: للمبادرة؛ في نحو: (صلِّ كمَا يدخلُ الوقت).
* وأبو عبيدة: بمعنَى واو القسم؛ في قوله تعالَى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾.
قيل: وهو بعيد جدًا.
ولهذا شنع ابن الشّجري على مكي حيث حكاه عن أبي عبيدة وسكت عليه.
والحق: أنها على بابها، وهي صفة لمصدر محذوف؛ والتّقدير: (الأنفال ثابتة لله ثبوتًا كما أخرجك).
وقيل: التّقدير: (يجادلونك جدالًا كما أخرجك).
* وتكون اسمًا إِذا دخل عليها الحرف؛ كقولِهِ:
................................. يَضحَكنَ عَن كالبَرَدِ المُنهمِّ (١)
стр. 989
أَي: (مثل البرد).
و (المنْهم) بسكون النّون: الذّائب.
وقول الآخر:
بِكا للَّقوَةِ الشَّغْواءِ جُلْتُ فَلَمْ أَكُنْ ................. (١)
أَي: (مثل اللّقوة)؛ وهي العقاب. والشّغواء: المعوجة المناقير.
стр. 990
وقول الآخر:
أبدًا كَالفِرَاء فَوقَ ذُرَاهَا ................................. (١)
وأكثر المحققين: لا تكون اسمًا إِلَّا في الشّعر.
وأَجازَ الأخفش والفارسي: كونها اسمًا مضافًا في: (زيد كالأسد)؛ أَي: (مثل الأسد).
* و (عن)، و (على): تستعملان اسمين أيضًا.
فتكون (على): بمعنى فوق، و (عن): بمعنَى جانب، ويُجرَّان بـ (من) فقط. قال الشّاعر:
.................................. مِنْ عَنْ يَمِينِ الحُبَيَّا نَظرَةٌ قَبَل (٢)
أَي: (صبرها).
وحكَى أبو حيان: إن (على) ضد الفراء حرف، وإِن جرت بـ (من).
وذكر أبو الحسن بن الطّراوة في كتاب "رد الشَّارد": والَّذي يفهم من كلام سيبويه: أنها لا تكون إِلَّا اسمًا ولَا تكون حرف ألبتة.
تنبيه:
الصَّحيح عن البصريين: أن حروف الجر لا ينوب بعضها عن بعض، وما أوهم ذلك .. فعلَى تأويل يقبله اللّفظ في أَو على تضمين الفعل معنَى فعلٍ يتعدَّى بذلك الحرف كما سبقت الإشارة به.
ولهذا قال الرّضي ما معناه: أنه إِذا تُوُهِّم خروج حرف الجر عن أصله وكونه بمعنَى حرف آخر، أَو أنه ؤائد ونحو ذلك .. فالأولَى في بَل الواجب بقاؤه على أصل معناه الموضوع لهُ، وتضمين الفعل المعدى به معنَى من المعاني يستقيم به الكلام؛ فنحو:
وهو من قصيدة وصف بها القطا، وهو من الطويل. وعجزه: تَصِلّ وعن قيض بزيزاء مجهل انظر شرح ابن الناظم ص ١٥٢، وابن عقيل ١/ ٢١، والأشموني ٢/ ٢٩٦، والسندوبي ٨٣، وداود، والأصطهناوي، والسيوطي ص ٧٢ وفي همعه ٢/ ٣٦، والشاهد وقم ٨٢٨ من خزانة الأدب، وابن يعيش ٧/ ٢٨، والكتاب ٢/ ٣١، والمقتضب للمبرد ٣/ ٥٣.
اللغة: غدت: صارت والضمير للقطاة، تم: كمل، ظِمؤها: -بكسر الظاء وسكون الميم بعدها همزة- مدةُ صبرها عن الماء ما بين الشرب والشرب، وفي الكتاب: خِمسُها بدل ظمؤها أي: ترد اليوم الخامس، تصلُّ: تصوت، قيض: - بفتح القاف وسكون الياء - القشر الأعلى للبيض، بزيزاء - بزايين بينهما ياء -: ما ارتفع من الأرض، ويروى مكانه ببيداء، مجهل: أي: قفر ليس فيها أعلام يهتدى بها.
المعنى: يذكر أن هذه القطاة ذهبت من فوق أفراخها بعد أن تم صبرها على الماء، وذهبت عن قشر بيضها الذي أفرخ، تاركة إياه ببيداء لا يهتدى فيها بعلم.
الإعراب: غدت: فعل ماض ناقص بمعن صار، والتاء للتأنيث واسمه ضمير مستتر، من: حرف جرّ، عليه: اسم بمعن فوق مجرور محلا بمن، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر غدت، بعد ظرف متعلق بغدت، ما: مصدرية، تم: فعل ماض، ظمؤها: فاعل والضمير مضاف إليه، تصل: فعل مضارع والفاعل ضمير مستتر والجملة في محل نصب حال، وعن قيض: جار ومجرور معطوف على قوله: من عليه، بزيزاء: متعلق بمحذوف صفة لقيض، مجهل: صفة لبزيزاء.
الشّاهد: (من عليه)، فإن (على) فيه اسم بمعنى فوق بدليل دخول حرف الجر عليه.
стр. 993
﴿إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ﴾ في معنى: (يحكموا على الناس)، وقس عليه.
وسبق أن (على) هنا بمعنَى (من).
والله الموفق
ص:
٣٧٩ - وَمُذ وَمُنْذُ اسْمَانِ حَيثُ رَفَعا ... أَوْ أُولِيَا الفِعلَ كجِئتُ مُذْ دَعَا (١)
٣٨٠ - وَإن يَجُرَّا في مُضِيٍّ فَكَمِنْ ... هُمَا وَفِي الحُضُورِ مَعْنىً في استَبِنْ (٢)
ش:
(منذ)، و (منذ) إن تلاهما:
* اسم مرفوع .. فكلاهما مبتدأ، والمرفوع: خبر؛ نحو: (ما رأيته مذ يومُ الجمعة)، أَو (منذ يومان).
وإِن كان الزَّمان ماضيا كما هنا .. فمعناهما: أول المدة؛ أي: (أمَدُ ذلك يومان).
وإِن كَانَ حاضرًا .. فمعناهما: جميع المدة؛ نحو: (ما رأيته مذ شهرُنا) بالرفع، وهو لأكثر البصريين.
وأجاز الأخفش والزّجاجي: كونهما خبرين فيما تقدم، وما بعدهما: مبتدأ، فـ (ما رأيته مذ يومان) معناه: (بيني وبين لقائه يومان).
стр. 994
وقيل: يجوز أَن يكونا ظرفين، وما بعدهما: فاعل بـ (كان) التّامة؛ والتّقدير: (ما رأيته مذ كَانَ يومان)، و (مذ كَانَ يومُ الجمعة).
وعزاه أبو حيان للكسائي والفراء.
* وإن تلاهما فعل: كـ (جئت مذ دعا)، و (ما رأيته مذ كان عندي) .. فكلاهما منصوب المحل بما قبله على الظرفية، مضاف للجملة الفعلية بعده.
* وقد تليهما الاسمية؛ كقولِه:
وَما زِلتُ أَبْغِي المَالَ مُذْ أَنَا يَافِعٌ .......................................... (١)
стр. 995
وأشار بقوله: (وَإِنْ يَجُرَّا ... إِلَى آخره) إِلَى أنهما إن جُرَّا في المضي .. فهما بمعنَى (من)؛ نحو: (ما رأيته مذ يوم الجمعة)؛ أَي: (من يوم الجمعة).
وإن جرا في الحضور فبمعنى في (: (ما رأيته مذ يومنا)؛ أي: (في يومنا) وسبق في أول الباب.
والحاصل: أنهما يكونان اسمين، ويكونان حرفين.
ومن علامة الأول: أن يقع بعدهما اسم مرفوع.
وعلامة الثاني: أن يكون اسم الزمان بعدهما مجرورًا.
وإذا تلتهما الجملة الفعلية .. كانا اسمين منصوبي المحل على الظّرفية، مضافين لهما كما سبق.
وظاهر كلام سيبويه، في قول الشّاعر:
وَما زِلتُ أَبْغِي المَالَ مُذْ أَنَا يَافِعٌ ..........................................
أنهما اسمان منتصبان على الظرفية، مضافان إلى الجملة كسائر أسماء الزّمان.
وقال الأخفش: مرفوعان على الابتداء، وهناك اسم زمان محذوف بين الجملة وبينهما، وهو خبر عنهما؛ أَي: (مذ زمن أنا يافع)؛ لأنهما لا يدخلان عنده إِلَّا على أسماء الزّمان ملفوظًا بها أَو مقدرًا.
ولهذا قال ابن بابشاذ: لا يقع بعدهما من الأسماء إِلَّا ما كان زمانا أو مقتضيًا لزمان؛ لأنهما لابتداء الغاية في الزمان، فلا يقع بعدهما المستقبل، فلا تقول: (أراك مذ غدا).
وبنو سليم يقولون: (مِنذ) و (مِذ) بكسر الميم.
و (منذ): مفرد عند البصريين.
وقال الفراء: أصله: (من) و (ذو) بمعنّى (الذي) على لغة: طيء.
وقوله: (حيثُ): ظرف مكان، والعامل فيها (اسْمانِ)، لأنه في تأويل الصّفة إذ التقدير: محكوم باسميتهما.
والجامد: إِذا أول بالصّفة .. يعمل كما سبق في المفعول فيه.
والله الموفق
стр. 996
ص:
٣٨١ - وَبَعدَ مِن وَعن وَباءٍ زِيدَ مَا ... فَلَم تَعُق عَن عَمَلٍ قَد عُلِمَا (١)
ش:
اعلم أن كلمة (ما) تزاد بعد (من)، و (عن)، و (الباء) .. فلا تَكُفُّ عن العمل، وفي القرآن: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾، ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾، ﴿قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ﴾، فزيدت بعد هذه الأحرف ولم تكفها عن العمل.
وابن كيسان: يجعل (ما) نكرة بمعنَى (شيء)، وما بعدها: بدلًا منه أَو صفة إن صلح، وكان ﵀ لا يجعل في القرآن شيئًا زائدًا.
وقول المصنف: (زِيدَ): ماضي مبني للمفعول، و (مَا): نائب الفاعل.
والله الموفق
ص:
٣٨٢ - وَزِيدَ بَعدَ رُبَّ وَالكَافِ فَكَفّ ... وَقَد تَلِيهِمَا وجَرٌّ لَم يُكَفّ (٢)
ش:
تزاد (ما) بعد (الكاف)، و (رب) فتكفهما عن العمل كثيرا، وقد لا تَكفُّ فيبقى
أَي: (فربَّ مثلِكِ).
وقوله:
فَحُورٍ قَدْ لَهَوتُ بِهِنَّ عِينٍ ... ................. (١)
أَي: (فرُبَّ حورٍ).
و (العين): جمع عَيناء, وهي الواسعة العين.
وأشار بقوله: (وَبَعْدَ الْوَاوِ شَاعَ ذَا الْعَمَلْ)، إِلَى أنه كثر الجر بـ (رُبَّ) محذوفة بعد (الواو)؛ كَقَولِ الشَّاعرِ:
وَلَيْلٍ كَمَوْجِ الْبَحْرِ، أَرْخَى سُدُولَهُ ... ................. (٢)
стр. 1003
وكقول الآخر:
وَقَاتِمِ الأَعْمَاقِ خَاوِي الْمُخْتَرَقْنْ ... ................. (١)
والمبرد والكوفيون: علَى أن الجر بنفس (الواو)؛ حملًا على واو القسم.
قيل: وكذا (الفاء) و (بل) في ما تقدم.
стр. 1004
والمعتمد: إن الجر بـ (رب) محذوفة.
وحذفت (رب) فجرت من غير أَن يسبقها شيء؛ كَقَولِ الشَّاعرِ:
أَي: (ربّ رسمِ دار) وهو شاذ.
واللَّه الموفق
ص:
٣٨٤ - وَقَدْ يُجَرُّ بِسِوَى رُبَّ لَدَى ... حَذْفٍ وَبَعْضُهُ يُرَى مُطَّرِدَا (١)
ش:
قَدْ يحذف من حرف الجر غير (رب)، ويبقى عمله, وهو ضربان: سماعي، وقياسي.
* فالأول؛ كقولِ بعضهم: (خيرٍ والحمد لله) , بعد أَن قيل: (كيف أصبحت؟)،
يريد: (أصبحت علَى خير والحمد لله).
وقول الشّاعر:
إِذَا قِيلَ أَيُّ النَّاسِ شَرُّ قَبِيلَةٍ ... أَشَارَتْ كُلَيبٍ بِالأَكُفِّ الأَصَابِعُ (٢)
стр. 1005
التّقدير: أشارت إِلَى كليب، كما سبق فِي تعدي الفعل ولزومه.
وروى ابن حبيب: (كليبٌ)؛ أَي: هذه كليب.
وكقولِ الآخر:
وَما زُرْتُ لَيْلى أَنْ تَكونَ حَبيبَةً ... إليَّ وَلا دَيْنٍ بِها أَنا طالِبُهْ (١)
المسؤول بأصابعه مع أكفه مشيرًا إليها، وتحاشى النطق بكلمة كليب لقبحها.
الإعراب: إذا: ظرف للمستقبل من الزمان تضمّن معنى الشرط، قيل: فعل ماضٍ مبني للمجهول، أي: اسم استفهام مبتدأ، الناس: مضاف إليه، شرُّ: أفعل تفضيل حذفت همزته تخفيفًا لكثرة الاستعمال، وهو خبر المبتدأ، قبيلة: مضاف إليه، والجملة من المبتدأ وخبره نائب فاعل قيل، أشارت: فعل ماضٍ والتاء للتأنيث، كليبٍ: مجرور بحرف جر محذوف، والتقدير: إلى كليب والجار والمجرور متعلق بأشارت، بالأكف: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من الأصابع تقدم عليه، الأصابع: فاعل أشارت مرفوع بالضمة الظاهرة.
الشاهد: (كليب) بالجر، حيث حذف حرف الجر وهو (إلى) المقدر وأبقي عمله.
وأصل الكلام: أشارت الأصابع مع الأكف إلى كليب، وهو شاذ.
ويروى: كليب بالرفع على أنه خبر لمحذوف، أي: هي كليب، فيكون قد جمع بين الإشارة والعبارة، ولا شاهد فيه.
(١) التخريج: البيت للفرزدق في ديوانه ١/ ٨٤، وتخليص الشواهد ص ٥١١، والدرر ٥/ ١٨٣، وسمط اللآلي ص ٥٧٢، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ١٠٣، وشرح شواهد المغني ص ٨٨٥، والكتاب ٣/ ٢٩، ولسان العرب ١/ ٣٣٦ حنطب، والمقاصد النحوية ٢/ ٥٥٦، وبلا نسبة في مغني اللبيب ص ٥٢٦، وهمع الهوامع ٢/ ٨١.
المعنى: أنا لم أزر ليلى لأنها حبيبتي، ولا لأن لي دينا عليها أطالبها به.
الإعراب: وما: الواو: بحسب ما قبلها، ما: حرف نفي. زرت: فعل ماض مبني على السكون، والتاء: ضمير متصل في محل رفع فاعل. ليلى: مفعول به منصوب بالفتحة المقدرة على الألف. أن: حرف مصدري ونصب. تكون: فعل مضارع منصوب بالفتحة، واسمها: ضمير مستتر تقديره هي. حبيبة: خبر تكون منصوب بالفتحة. والمصدر المؤول من أن وما بعدها: مجرور بحرف جر محذوف، والجار والمجرور متعلقان بالفعل زرت. إلي: جار ومجرور متعلقان بحبيبة. ولا: الواو: للعطف، لا: حرف نفي. دينٍ: اسم معطوف على توهم دخول اللام الجار على أن السابقة، أو هو اسم مجرور بحرف جر مضمر. بها: جار ومجرور متعلقان بصفة محذوفة لدين. أنا: ضمير منفصل في محل رفع مبتدأ. طالبه: خبر مرفوع بالضمة، والهاء: ضمير متصل في محل جر بالإضافة.
وجملة (ما زرت): بحسب ما قبلها. وجملة (تكون حبيبة): صلة الموصول الحرفي لا محل لها.
стр. 1006
بجر (دينٍ) بـ (لام) محذوفة؛ أَي: و (لَا لدين).
وقيل: معطوف علَى محل (أَن)، وسبق فِي تعدي الفعل ولزومه.
* والثّاني (١) فِي القسم: (باللَّه لأفعلن).
والكثير أَن يعوض عن المحذوف (ها) أو (أا).
فإِذا قلت: (ها اللَّه) أَو (أ ا اللَّه لا أفعلن) كَانَ الجر بالحرفِ المحذوف.
ومن النّحويين: من يجعل الجر بالحرفِ المجعول عوضًا.
والمشهور: خلافه.
ورُبَّما جاء الجر بالمحذوف من غير تعويض؛ كقولك: (اللَّهِ لأفعلن)، وهو جائز عند الكوفيين، ذكر ذلك ابن الأنباري.
ويعضدهم: أنه قُرِئ خارج السّبعة: (ولا نكتم شهادةً اللَّهِ إنا إذًا لمن الآثمين) بتنوين شهادة، وجر الاسم الكريم قسمًا.
وعن الكوفيين أيضًا: إجازة ذلك مع غيم اسم الله؛ نحو: (أبيك لأفعلن)، وهو ضعيف هنا، بخلافه مع اسم اللَّه؛ لكثرة استعماله.
ويجوز أَن ينصب الاسم الكريم إِذا حذف حرف الجر؛ كقولِ الشَّاعرِ:
إنَّ عَلَيَّ اللهَ أَنْ تُبَايِعَا ... ............... (٢)
стр. 1007
أَي: (إنَّ عليّ واللَّهِ مبايعتُك).
ويطَّرد أيضًا الجر بالمحذوف فِي نحو: (بكم درهمٍ اشتريت اللّحم؟)؛ أَي: (بكم من درهم اشتريت اللّحم)، فالجر بـ (مِن) مضمرة.
خلافًا للفراء فِي قوله: إن الجر بـ (كم) نفسها.
والزّجاج: بالإِضافة، وسيأتي إن شاء اللَّه تعالَى فِي موضعه.
ويجوز الجر بالمحذوف بعد الاستفهام أَو هلَّا عند سعيد الأخفش؛ كقولك لمن قال: (مررت بزيد): (أزيدٍ الكريم) بالجر؛ التّقدير: (أمررت بزيد الكريم)؛ وكقولك: (هلا دينارٍ)، لمن قال: (أتيتَ بدرهم)؛ التّقدير: (هلا أتيت بدينار؟).
وحكَى يونس: (مررت برجل صالحٍ إلَّا صالحٍ فطالحٍ)، فـ (صالحٍ) بالجر؛ والتّقدير: (مررت برجلٍ صالحٍ إن لا مروتَ بصالحٍ .. فقد مررت بطالح).
وقد فصل بَينَ حرف الجر والمجرور فِي القسم.
حكَى الكسائي: (اشتريت بواللَّه درهمٍ)؛ أَي: (بدرهم واللَّه).
وجاء الفصل فِي الضّرووة بالظّرف وغيره؛ كقولِ الشَّاعرِ:
إِنَّ عَمرًا لَا خَيرَ في اليَومِ عَمْرٍو ... .............. (١)
стр. 1008
ففصل بـ (اليوم) بَينَ (فِي) و (عمرو)؛ والأصل: (لا خير فِي عمرو اليوم).
وقول الفرزدق:
................... ... وَأَقطَعُ بِالخَرقِ الهَبُوعِ المَرَاجِمِ (١)
يريد (وأقطع الخرق بالهبوع): البعيرُ المادُّ عنقه فِي السّير، و (المراجم): يخبط الأرض بقوائمه.
وقول الآخر:
................... ... وَلَيسَ إِلَى مِنهَا النُّزُولِ سَبِيلُ (٢)
стр. 1009
الأصل: (وليس إِلَى النّزول منها سبيل).
تنبيه:
يتعلق حرف الجر بفعل أَو ما فِي معناه، إِلَّا الحرف الزّائد؛ كـ (حسبك درهم)، و (ما فيها من أحد)، و (كفى باللَّه شهيدًا) و (أحسن بزيد).
وكذا شبه الزّائد؛ كـ (لعلك) و (لولا).
وزاد الأخفش وابن عصفور: كاف التّشبيه؛ نحو: (زيد كالأسد).
وتوقف فيه أبو حيان.
وكذا: إن كَانَ الجار (خلا)، و (عدا)، و (حاشا)؛ كـ (قام القوم خلا زيد).
وقيل: متعلق بـ (قام).
وأما: (رب)؛ ففي نحو: (رب رجلٍ كريم قام)، أَو (قائم) .. لا يتعلق.
و (رجل) فِي موضع رفع بالابتداء، و (قام): خبر كما سبق فِي: لعل أبي المغوار (١).
واختلف: فيما إِذا كَانَ الفعل متعديًا، كـ (رب رجل كريم لقيت)، و (رب رجل كريم لقيته).
فقيل: متعلقة بالفعل المذكور فِي الأول، وبمحذوف فِي الثّاني، إن قلنا بالاشتغال، وإِلا .. فـ (رجل) فِي موضع رفع بالابتداء ولَا متعلق.
وقد رد هذا: بأن لقيت قَدْ تعدى بنفسه إِلَى (رجل)، فلم تكن (رب) حينئذ حرفًا مُعدِّيًا.
وأما (لقيته) .. فلأن الفعل قَدْ أخذ معموله.
وإِن قلنا بالاشتغال .. عادت مسألة (لقيت)، وهي لا تتعلق فيها كما ذكر.
وجملة (هي مخلفة): استئنافية لا محل لها من الإعراب. وجملة (لا يستطاع ارتقاؤها): في محل رفع خبر ثان للمبتدأ المحذوف. وجملة (ليس) ومعموليها استئنافية لا محل لها من الإعراب.
الشاهد: قوله: (إلى منها النزول)؛ حيث فصل بين حرف الجر (إلى) ومجروره (النزول) بجار ومجرور (منها) وأصله: (إلى النزول منها) وهذا لا يجوز إلا في الشعر.
(١) تقدم إعرابه وشرحه.
стр. 1010
وقيل: إنها تتعلق بفعل قاصر؛ فِي نحو: (رب رجل كريم لقيت)؛ تقديرُهُ: حصل، فقدر القاصر ليتوصل به إِلَى أنها تتعلق كما سبق فِي: (رب رجل كريم لقيت قام).
ورد: بأن معنَى الكلام مستغنى عنهُ .. فَلَا حاجة إِلَى تقديره.
وأبو بكر بن طاهر والرّماني: لا تتعلق مطلقًا، بَلْ جيء بها لمجرد التّقليل أَو الكثير علَى الخلاف السّابق.
وإِذا قلنا بالاشتغال فِي (رب رجل كريم لقيته) .. قدر الفعل بعدُ؛ أي: (رب رجل كريم لقيت لقيته)؛ لأَنَّها مستحقة التّصدير، فَلَا يسبقها الفعل.
بخلاف: (مررت بزيد)، أو: بـ (زيد مررت).
وليست لام الاستعانة فِي نحو: (يا لَزيد) زائدة.
فأبو الفتح: متعلقة بحرف النّداء؛ لأنه نائب عن الفعل.
وسيبويه وابن عصفور: بالفعل المحذوف؛ أَي: (أدعو لَزيد).
ولَا يشكل وجود اللّام مع تقدم الفعل؛ لأنه ملتزم الحذف، فذكرت اللّام تقوية.
وأبو الحسن علي بن خروف: أنها زائدة فَلَا تتعلق.
ولام المستغاث لهُ متعلقة بمحذوف آخر؛ والتّقدير: (يا لزيد أدعوك لعمرو) وهو لابن عصفور.
وقيل: بحال محذوفة؛ أَي: (مدعوا لعمرو)، وهو لابن البارش.
وقيل: كلا اللّامين متعلق بباء؛ أَي: (أدعو زيدًا لأجل عمرو).
فالأول: مفعول به، والثّاني: مفعول لهُ، ذكره ابن إياز.
واختلف فِي كَانَ النّاقصة:
فقيل: يتعلق بها الحرف؛ كقولِهِ تعالَى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا﴾، فـ (اللّام): متعلقة بـ (كان).
وقيل: صفة لـ (عجبًا) قدم عليه فهو حال؛ لأن وصف النّكرة إِذا تقدمها .. كَانَ حالًا.
وقيل: غير ذلك.
وأما كَانَ التّامة .. فيتعلق بها الجار، وتعمل فِي الحال ونحوه؛ لأنها فعل حقيقي يدل
стр. 1011
علَى الحدث والزّمان، وسبق ذكر حرف القسم فِي أول الباب.
وهل تتعلق اللّام فِي نحو: (سقيًا لك)، أو لَا؟ سبق فِي المفعول المطلق.
وإذأ أول الجامد بمشتق .. جاز أَن يتعلق به الحرف؛ نحو: (أنا زيد فِي الحرب) فالحرب: متعلق بـ (زيد)؛ لأنه فِي معنَى مشهور أو معروف كما سبق فِي المفعول فيه.
وأَجازَ بعضهم: أَن يتعلق الحرف بـ (ما)، أَو بِـ (لَا) إِذا ضمن معنَى الفعل.
وهل تتعلق (من) البيانية، أو لا؟
ابن هشام فِي بعض كتبه: أنها تتعلق بحال محذوفة. انتهَى.
ومحله إن كَانَ المبين صالحًا لمجيء الحال منه، ولَا يتعلق بعامل غير أفعل التّفضيل حرفان من جنس واحد بدون عطف.
فَلَا يجوز: (مررت بزيد بعمرو)، بخلاف: (وبعمرو).
والبدل: كالعطف.
وخص أفعل التّفصيل بذلك؛ لأنه يدل علَى معنيين: علَى أصل الفعل، وزيادته، ومنه قوله تعالَى: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾، فهو عامل فِي كل واحد من اللّامين بمعنَى غير الآخر؛ إِذ التقدير: (يزيد قربهم إلى الكفر علَى قربهم إِلَى الإِيمان).
واللَّه الموفق
* * *
تنوين.
فالأول: كنون المثنَّى, والمجموع على حده, وما ألحق بهما؛ نحو: (غلاما زيد)، و (ابنا عمرو)، و (بنو خالد)، و (ضاربو بكر)، و (هذه عشرون)، و (قبضت اثنيك وعشريك)؛ والأصل: (غلامان) و (اثنان) و (بنون) ... إِلَى آخره.
واحترز: من النّون الّتي يليها الإعراب؛ فَلَا تحذف؛ كـ (بساتينهم)، و (مساكينهم).
والثّاني: كـ (غلام زيد).
وكذا التّنوين المقدر؛ كما فِي الممنوع الصّرف؛ نحو: (دراهمك).
قال بعضهم: إِنما حذف التّنوين من المضاف؛ لأنَّ التّنوين دليل الانفصال، والإضافة دليل الاتصال، فلو ثبت .. لكان الشّيء متصلًا، منفصلًا.
ويجر المضاف إِليه وجوبًا؛ كما قال: (وَالثَّانِيَ اجْرُرْ).
والصّحيح: أَن الجر بالمضاف، وهو للخليل وسيبويه والمصنف.
وقيل: بحرف مقدر، وهو للزجاج وابن الحاجب.
وقيل: بالإِضافة، ونسب للأخفش والسّهيلي.
والجزء الأول: هو المضاف، والثّاني: هو المضاف إِليه علَى الصّحيح.
وقيل: عكس ذلك.
وبعضهم: خيَّر.
والكثيرون: أن الإضافة لا تخرج عن معنَى (اللّام)، و (مِن).
والأول: أكثر.
والجرجاني وابن الحاجب والمصنف: أنها تكون بمعنَى (فِي) أيضًا.
وليست الإضافة البيانية علَى معنَى حرف.
وضابطها: أَن يكونَ الأول هو الثّاني؛ كـ (سعيد كرز) و (شجر أراك)؛ أَي: (هو أراك) فتقدر الإِضافة بـ (من) البيانية أَو التّبعيضية إِذا كَانَ المضاف إِليه جنس المضاف؛ كـ (ثوب حرير)، و (خاتم فضة)، و (خمسة دنانير)؛ أَي: (ثوب من حرير) ونحو ذلك.
وعلامة هذا النّوع: أَن يخبر فيه عن الأول الثّاني؛ كقولك: (الثّوب حرير)، و (الخاتم فضة)، فخرج نحو: (يد زيد)؛ فالثّاني هنا من جنس الأول، ولَا تخبر عن الأول بالثّاني.
стр. 1014
إذ لا يقال: (اليد زيد) فهي علَى معنَى (اللّام).
وتكون علَى معنَى (فِي) إِذا كَانَ المضاف إِليه:
١ - ظرفًا للمضاف زمانيًا؛ كقولِهِ تعالَى: ﴿قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ﴾، ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ﴾، ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾؛ ونحو قول الشّاعر:
................... ... لَدَى الحَرْبِ مِغْوَارُ الصَّبَاحِ جَسُوْرُ (١)
أي: (مغوار فِي الصّباح) اسم فاعل للمبالغة.
٢. - أَو مكانيًا؛ منه فِي القرآن: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ﴾.
قال أبو حيان فِي "النّهر": هو من باب الإِضافة إِلَى الظّرف؛ أَي: (يا صاحبي فِي السّجن). انتهَى.
وقولهم: (شهيد الدّار)، و (قتيل كربلاء)؛ أَي: (قتيل فِي كربلاء)، وإِلَى ذلك أشار بقوله: (وَانْو مِنْ أَوْ فِي إِذَا لَمْ يَصْلُحِ إلَّا ذَاكَ).
وتقدر اللّام فِي سوَى هذين كما قال: (واللَّامَ خُذَا لِمَا سِوَى ذَيْنِكَ). فتقدر لام الملك؛ فِي نحو: (دار زيد).
ولام الاختصاص؛ فِي نحو: (باب الدّار).
وزاد الكوفيون: إِضافة علَى معنَى (عند)؛ كقولهم: (ناقة رقود الحلب)؛ أَي: (رقود عند الحلب).
والإِضافة علَى قسمين:
- محضة وهي الخالصة من تقدير الانفصال.
- وغير محضة، وسيأتي ذكرها.
стр. 1015
* فـ (المحضة): تفيد الأول.
تخصيصًا إن كَانَ الثّاني نكرة: كـ (غلام امرأة)، و (متاع رجل).
وتعريفًا .. إن كَانَ الثّاني معرفة: كـ (غلام هند) و (ثوب الرّجل).
تنبيه:
(غير) و (مثل): ملازمان للإبهام؛ فإِذا أضيفا لمعرفة وَلَم يرد بـ (غير) كمال المغايرة، ولَا بـ (مثل) كمال المماثلة .. أفادهما ذلك المعرف تخصيصًا لا تعريفًا، كـ (جاءني رجل غيرك)، و (عند رجل مثلك)، فلم يتعرفا؛ لأنه أريد بـ (غير): مطلق المغايرة، وبـ (مثل): مطلق المماثلة.
ولو اكتسبا تعريفًا .. لم يوصف بهما النّكرة.
فإِذا أريد كمال المغايرة والمماثلة: اكتسبا التّعريف؛ كما فِي: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ فـ (غير) هنا: معرفة علَى أحد الأوجه.
قال الشّيخ: لأَنَّها إِذا وقعت بَينَ ضدين .. تعرفت بالإِضافة، وهو المشهور عن ابن السّراج وتلميذه السّيرافي.
ورده ابن هشام تبعًا لابن يزيد المبرد.
وفي "شرح المفصل" للشيخ جمال الدّين بن عمرون تلميذ ابن يعيش: هل يتعرف (غير) بالإِضافة؟
ثلاثة أقوال:
فقيل: تتعرف؛ لوجود الإِضافة، وهي من أسباب التّعريف.
وقيل: لا تتعرف؛ لإِفراط الشّياع وبقائه مع الإِضافة.
وقيل: تتعرف إِذا وقعت بَينَ ضدين كما سبق؛ لأنَّ المنعم عليه غير المغضوب عليه.
قال الشّيخ: فوقوعها بَينَ ضدين .. أزال معنَى الإبهام، وإِذا زال .. تعرفت؛ لأنَّ المانع من التّعريف إِنما هو شدة الإبهام.
وفي "الإتقان": قُرِئ بالأوجه الثّلاثة قوله تعالَى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾.
فالرفع: صفة لـ (لقاعدون).
стр. 1016
والجر: صفة لـ (لمؤمنين)، وإذا عطف اسم علَى مجرورِ (ربَّ) وَكَانَ مضافًا لضمير مجرورها .. فهو نكرة عند المصنف، كـ (رب رجل وأخيه)، فـ (أخيه) نكرة؛ لأنَّ العامل فِي المعطوف: هو العامل فِي المعطوف عليه علَى الصّحيح، و (رب): لا تجر معرفة؛ فالتّقدير: (رب رجل وأخ لهُ)؛ وكذا نحو: (كم ناقة وفصيلها)؛ لأنَّ (كم) الاستفهامية لا تعمل إِلَّا فِي النّكرة؛ والتّقدير: (كم ناقة وفصيلًا لها).
واختار بعضهم غير هذا محتجًا بأنه يغتفر فِي المعطوفات، وسيأتي فِي العطف.
وفي الضّمير العائد علّى النّكرة أقوال:
* نكرة مطلقًا.
* معرفة مطلقًا.
* نكرة إن كان ما يعود إِليه واجب التّنكير؛ كالحال والتّمييز.
* وإِن كَانَ جائز التّنكير؛ كـ (رجل) .. فمعرفة.
وأبو حيان: أنه معرفة علَى الصّحيح، قال: لسدِّ المعرفة مسدَّه؛ فِي نحو: (لقيت رجلًا فضربت الرّجل)؛ أَي: (فضربته).
والفارسي: إن من العرب من يجعل (واحدُ أمِّه) و (عبدُ بطنِه) نكرتين، فيدخل عليهما (رب).
قال الشّيخ: وكونهما معرفتين: أشهر، ويلزم عليه تعرف الشّيء بنفسه؛ لأن الهاء عائدة علَى (واحدُ)، و (عبدُ).
وأجيب: بأنها عائدة علَى موصوف محذوف.
وقيل: إن تعريف الضّمير، والضّمير متوقف علَى ما يعود إِليه، فيكونان نكرتين بهذا الاعتبار؛ للزوم الدّور.
وقيل: إن نحو هذا إِنما وضع من أول الأمر مضافًا .. فهو نكرة، والكلام فيها طويل.
واللَّه الموفق
стр. 1017
ص:
٣٨٨ - وَإِنْ يُشَابِهِ الْمُضَافُ يَفْعَلُ ... وَصْفًا فَعَنْ تَنْكِيْرِهِ لَا يُعْزَلُ (١)
٣٨٩ - كَرُبَّ رَاجِيْنَا عَظِيْمِ الأَمَلِ ... مُرَوَّعِ الْقَلْبِ قَلِيْلِ الْحِيَلِ (٢)
٣٩٠ - وَذِي الإِضَافَةُ اسْمُهَا لَفْظِيَّهْ ... وَتِلْكَ مَحْضَةٌ وَمَعْنَوِيَّهْ (٣)
ش:
سبق ذكر الإِضافة المحضة.
* وأشار إِلَى القسم الثّاني: وهي الإِضافة اللّفظية.
وضابطها: أَن يكونَ المضاف وصفًا يشبه المضارع.
والمراد بشبه المضارع: كون الوصف مرادًا به الحال أَو الاستقبال، وإِليه أشار بقوله: (وَإِنْ يُشَابِهِ الْمُضَافُ يَفْعَلُ).
والمراد بالوصف هنا: اسم الفاعل واسم المفعول والصّفة المشبهة، بشرط إرادة الحال أَو الاستقبال كما ذكر.
فالأول: (زيد ضاربُ عمرٍو الآن أَو غدًا) ومنه قوله: (رَاجِيْنَا).
стр. 1018
والثّاني: (زيد مضروبُ العبدِ) ومنه: (مُرَوَّعِ الْقَلْبِ).
والثّالث: (حسنُ الوجهِ)، و (قليلُ الحيلِ)، و (عظيمُ الأملِ).
ويشترط فِي اسم الفاعل واسم المفعول هنا: أَن يضافا للمفعول؛ كـ (ضارب زيد)، و (مروع القلب)؛ فخرج نحو: (مضروب زيد)؛ لأنَّ (زيدٍ) ليس مفعولًا قبل الإضافة؛ ونحو: (ضارب القاضي)؛ أَي: (الّذي يُضرب بأمر القاضي) لا أَن القاضي مضروبه؛ ونحو: (أنا ضارب زيد أمس)، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ لأنَّ اسم الفاعل لا ينصب المفعول به ماضيًا علَى الصّحيح.
فالإِضافة فِي هذه المواضع: محضة لا لفظية.
وكذا إضافة المصدر: كـ (ضرب زيد).
خلافًا لابن الطّراوة وابن برهان: والصّحيح: أنها محضة؛ لوصفه بالمعرفة، فِي قول الشّاعرِ:
إنَّ وَجْدي بِكِ الشَّديدَ أَرَانِي ... ................. (١)
стр. 1019
وكذا أفعل التّفضيل علَى الصّحيح.
خلافًا للفارسي.
وفصل الكوفيون وابن السّراج والجزولي والجرجاني فقالوا: إن لم يرد به معنَى (مِن) .. كانت محضة؛ لأنه حينئذ بمنزلة ما لا تفصيل فيه.
وإِن أريد به معنَى (مِن) .. فغير محضة؛ لأنه حينئذ متضمن معنى الفعل والمصدر؛ إِذ التقدير فِي (زيد أفضلكم): (زيد يزيد فضله عليكم)، فَلَا يتعرف، كما لا يتعرف الفعل.
والإِضافة اللّفظية لا يكتسب فيها الأول تخصيصًا ولَا تعريفًا, فهو ملازم التّنكير كما قال: (فعَنْ تَنكِيرِهِ، لَا يُعزَلُ).
بخلاف المحضة كما سبق.
وحكَى أبو حيان عن سيبويه: أنه يجوز فيما إضافته لفظية: أَن يتعرف إِذا أُضِيفَ لمعرفة, خلا الصّفة المشبهة, ويؤيده قولُ الشّاعرِ:
لَمُبْلِغُكَ الوَاشِي أَغَشُّ وأَكْذَبُ (١) ... أن يجمعَ العالم في واحد
قال أبو حيان: هو هنا معرفة؛ لأنه وصف بالواشي وهو معرفة. انتهَى.
وإطلاقه يحتاج إِلَى تقييد.
والوجه: ما ذكره السّيوطي، قال: قَدْ يقصد تعريف الوصف المضاف لمعموله بأن يقصد الوصف به من غير اختصاص بزمان دونَ زمان، ولهذا وصف به المعرفة فِي قوله تعالَى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾، ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾.
وقيل: بدل؛ لكن المبدل بالمشتق ضعيف.
وأما كون الصّفة لا تتعرف مطلقًا .. فلأن الإِضافة فيها نقل عن أصل وهو الرّفع.
стр. 1020
بخلاف غيرها؛ فإِنها نقل عن فرع وهو النّصب.
والحاصل: أَن الوصف ما دام مختصًا بالزّمان .. هو نكرة، ويدل علَى ذلك: دخول (رب) عليه، ووصف النّكرة به، ووقوعه حالًا:
فالأول؛ كَقَولِ الشَّاعرِ:
يَا رُبَّ غَابِطِنَا لَوْ كانَ يَطْلُبُكُمْ ... ................. (١)
وقول الشّيخ: (رُبَّ رَاجِينَا).
وبعضهم: منع دخول (رب) علَى المضاف المحلَّى بـ (أل)، فَلَا يقال: (رب الضّارب الرّجل).